إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأربعاء، 21 ديسمبر 2011

صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية. ج(9)"وللإخوان حُسَّادٌ وَأَعْدَاءُ,...وَمُنْصِفُونَ, وَمُحِبُّونَ"

صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية
(الجزء التاسع وهو الأخير)
"وللإخوان حُسَّادٌ وَأَعْدَاءُ,...وَمُنْصِفُونَ, وَمُحِبُّونَ"

     الحمد لله الملِك المجيد, المبدئ المعيد, الفعّال لما يريد, لا إله إلا هو الولي الحميد, وأشهد أن نبينا محمد عبدالله ورسوله وخليله وكليمه وكريمه, خير المرسلين, وقائد الغر المحجلين, وإمام أولياء الله الأولين والآخرين, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وبعد:
     لا شكّ أنّ حركة بهذا الحجم والزَّخَمِ, والقَدْرِ من الأعداء, والقدرةِ بإذن الله على تغيير دَفَّةِ سفينة الأحداث, وتعديل بوصلتها للجهة الحقّ الّتي ألحد عنها أهل الباطل بعد أن ضجّت الأرض من بغيهم وتبرّمت السماء من عصيانهم . لذا فلا غرو ولا عجب من التفات كثير من النّاس إليها متعجِّبِين مُعْجَبِين مذهولين, بين مُحِبٍّ راضٍ شاكرٍ, وآخرَ مكلومٍ حاقدٍ سافرٍ, وكلٌّ ينهل من نهجه ويكرع في خبيئته, ويسطّر شهادته للزّمان, فهذا يُدَوِّنُ في أضابير التّاريخ ما يراه الحقّ والوفاء, قُرباناً لربّه, وذاك يكتبه قرباناً لغيظه, علّه يشفى وأنّى له, لَاهُمَّ إلّا من بعض من صَفَتْ نيّاتُهُم, وطلبوا الحق فتاهوا عن إدراكه, إذ أُخِذُوا بزلّات من سبقهم . وكم من مريد للخير لم يبلغه, عفا الله عنا وعنهم, فلقد بذلوا بعض جهدهم, وليتهم أتمّوا ذلك بحسن الظنّ وبذل المزيد من البحث, ومراعاة المحاسن وصفّها إلى جنب المثالب, ولأن تخطئ في العفو خير من أن تخطئ في العقوبة .
     ولمّا كانت الآلة الإعلاميّة في ذلك الوقت ليست لعبد العزيز وإخوانه, بل لمخالفيهم من أهل البدعة والخرافة أو الصّليب, فلا غرو أن يُمسخ تاريخهم الحافل بالكرامة الربانيّة إلى مسخ مشوّهٍ من الجريمة, والقتل للقتل, والتعصّب والجهل! حتّى صيّروا خلفيّات سامعي صدى الماضي صورة نمطيةً بشعة! وما ذنبهم إلّا أنّهم أزاحوا الضَّلال وأزالوه من عرشه! وهتكوا ستر الباطل وأحرقوه وعجّلوا رمسه! .
     وحروفنا هذه ليست لأجل الدفاع عنهم, فهم قد نزلوا الدّار الآخرة عند مليك برٍّ رحيمٍ, فهم في غنىً عن تسويد الصّفحات ونثر المداد لهم, لكن يعزّ علينا تشويه التّاريخ, وظلم الأجيال بدسائس الزّور والبهتان, بتعميم أخطاء أفرادهم على مجموعهم. وربنا جلّ وعزّ فطرنا وأمرنا بالقسط: "وإذا قلتم فاعدلوا" (الأنعام: 152 )  "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" (النحل: 90) .
     فالمقصد هو ذِكر التّاريخ كما هو, غضّاً ليّناً طرياً, من أفواه من عاشه ورآه وسمعه من الإخوان أنفسهم(1) أو من أبنائهم الّذين أدركوا بعضه وسمعوا الآخر من آبائهم, أو ممن كتب عنهم(2) وكذلك ردّ الشّبهات الّتي علّقت بهم, أو الأكاذيب الّتي لُطخ بها ناصع مجدهم, وَوُصم بها عظيم حقّهم وفضلهم, حتّى صار الحقّ باطلاً, والمعروف منكراً, والصّالح مجرماً, والفاسق وليّاً, وعُيّرَ الطّائيُّ بالبخل, وقسٌّ بالفهاهة, والشمس بالكسوف, والبدر بالحؤول!.
     ومقصود الإخوان وغرضهم قد أدركوه, ولا نزكيهم على الله, فهم في ظاهر الحال شُرَاةٌ لمرضاةِ ربّهم تعالى وتقدّس, قد قدّموا أرواحهم على أيديهم النحيلة المتوضّئة, بنفوس تقيّة, وقلوب بيضاء رضيّة, وهمم باذخة عليّة, وعزمات سابقة باهرة, يسوقها عظيم الرجاء بالخلود الأبديّ في جوار البرّ الرّحيم . فهم لم ينتظروا منّا جزاءً ولا شكوراً, بل ولا تأريخاً ولا مدحاً, إنمّا سلّمُونا الأمانة العظمى وهي هذه الرّسالة المُعَنْوَنَةُ بـ" الدّعوة السّلفيّة " الّتي هي مَحْضُ توحيدِ المرسلين, ولُبابُ القرآنِ المجيدِ الكريمِ, وبرهان محبة خاتم الأنبياء والمرسلين؛ بتقديم سنته وأمره ونهيه وفعله وقوله وإقراره وسلمه وحربه وجميع شأنه على كل من سواه من العالمين. نسأل الله تعالى أن يُحْيِيَنَا وأن يُمِيْتَنا على تحقيقه, إنّه سميع قريب مجيب .
    وليس من نافلة الحديث أن نَرُدَّ عَبَثَ من زعم أن حركة الإخوان المسلمين في مصر تعد امتداداً لهؤلاء, فهذا الزعم لا يعضده برهان, ولا تسنده حجة, ولا تسعده الوثائق والأحداث, فهؤلاء الإخوان الذين ذكرناهم ليس لهم ارتباط مكاني ولا زماني ولا منهجي بتلك الحركة, بل ليس لهم تنظيم ولا تحزّب ولا ترتيب ولا عضويات ونحو ذلك من أساسات جماعة إخوان حسن البنا _رحمه الله تعالى_ والأمر الأوضح من ذلك؛ أن أعظم مظهر لهؤلاء الإخوان هو أصل الولاء والبراء, فكانوا لا يزايدون عليه بالدنيا وما عليها, بل ربما زاد بعضهم من هذا الأصل فوقع في بعض التصرفات الموصوفة بالغلوّ والانفعالية وتحجير الواسع, بينما نرى عند جماعة الإخوان بمصر أنّ هذا الأصل _ بكل أسف _ قد صُيِّرَ هشّاً رخواً, وجداراً قصيراً, يجتازه من أراد القفز أو الالتفاف أو المراوغة, ولا يجد أمامه من يرده عن ذاك الحمى, ولا من يمنعه من تلك الجريمة, إلى غير تلك الدلائل الواضحة على بطلان ذلك الزعم .
    لذلك نقول: إن أعظم هدف عند الإخوان السعوديين هو إقامة التوحيد الخالص في نفوس الناس, برفع عَلَمِ الجهاد في سبيل الله باللسان والسنان, أمّا جماعة الإخوان في مصر وغيرها فنرى الهدف المعلن هو إقامة الحاكمية لله تعالى على رأس هرم الدولة(3) ولو كان ثمن ذلك هو تقديم قرابين من تمييع الدين, وطعن الولاء والبراء في الخاصرة, وتغبيش صفاء راية التوحيد! لذا فقد انضم لجماعتهم الخرافي الصوفي القبوري, والرافضي الوثني, اللذان لو رآهما إخوان من أطاع الله لطهّراهما سبعاً والثامنة بالتراب, فان تاب ووحّد وأناب, وإلا أطاروا رأسه ووسدوه التراب .
   ولا إخالنا بعد تلك المقارنة إلا أن نتمثل بقول القائل:
أيا منكحاً سهيل الثـريا       هداك الله كيف يجتمعان
هي شاميّة إذا ما استقلت      وسهيل إذا ما استقل يمان
    ولا يعني هذا أن جماعة إخوان مصر وما تفرع منها ليس فيهم خير!_ معاذ الله_ بل نقول بثقة: إن فيهم خيراً وفضلاً ودعوةً وجهاداً, ولكن ليتهم يبطلون بالقول والفعل شعارهم المنكر: (نجتمع فيما اتفقنا عليه, ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا عليه!) بـ ( نجتمع على التوحيد والعقيدة المرضيّة, والسنة النبوية, ويعذر بعضنا بعضا في المسائل الاجتهادية, التي ساغ الخلاف فيها في الشريعة المحمديّة ) ويبدأون بإصلاح القاعدة والأساس وهم عامة الناس, حتى تصلح الأمة, فيولّي الله عليها خيارَها, وتقوم الحاكمية لله تعالى: "وكذلك نولّي بعض الظالمين بعضاً" (الأنعام: 129) وكل من لم يجعل طريقة المرسلين في البدء بالتوحيد أساساً لطريقته؛ فقد غشّ نفسه وأتباعه, وإنك لا تجني من الشوك العنب . "وأتوا البيوت من أبوابها" (البقرة: 139) فكل الأنبياء والمرسلين بدأوا دعوتهم بالتوحيد والنهي عن الشرك "يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" (الأعراف: 59 , 65 , 73 , 85 ) (هود: 50 , 61 , 84 ) (المؤمنون: 23).
    شاهد المقال: أَنْ ليس هناك وجه وعلاقة بين الحركتين سِوَى الاسم والجهاد وسبب هذا _ والله أعلم _ هو الصّيت والزّخم بطرفيه الذام والمادح الذي عمّ أقطار المسلمين, ولعلّه ما حدا بالشيخ حسن البنا رحمه الله تعالى, وهو تلميذ الشيخين؛ محمد رشيد رضا (4) ومحب الدين الخطيب (5) رحمهما الله تعالى الذين كانا معجبين بتلك الحركة ونقائها وصفائها وجهادها, فأخذ الشيخ حسن ذلك المسمّى فقط وإيقاعه الجهادي, أمّا أن يقال بأنها امتداد وتنظيم أو اتفاق فكلّا .
    أمّا من جعلهم امتداداً لجماعة التبليغ والدعوة, فيكفي أن نرد باطله بقولنا: إنّ هذه الجماعة _للأسف_ ليس من أصول دعوتهم إنكار المنكر باللسان أصلاً! دعك من جهاد المنكر بالسيف والسنان, والأدهى من ذلك أنّ التوحيد الذي قامت عليه الملّة, وهو لباب دعوة المرسلين؛ لم يجعلوه من أولوياتهم, ولم يشفوا لَبَانَةَ تابعيهم بتأصيله, بل قد جعلوه خلف الدعوة لحسن الأخلاق ورقائق القلوب! على أهمية ذلك, لكن الأسوة الحسنة صلوات الله وسلامه عليه, قد حسم الأمر بأن قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: ( فليكن أَوّل ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى)(6) فكلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة, وإن اجتمعا للأمة فواها! نعم فيهم تألُّهٌ وتضحيةٌ وحسنُ خلق, ولكن شوهت دعوتهم البدع! هدانا الله وإياهم والمسلمين الصراط المستقيم.
    إذن فلا مقارنة بين أولويات دعوة المرسلين وأَتْبَاعِهم بإحسان, وبين من تنكب نهجهم, واستبدل سننهم. فمن يساوي الدر بالحصى! والسيف بالعصا!: "وما يستوي الأعمى والبصير . ولا الظلمات ولا النور . ولا الظل ولا الحرور . وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور" (فاطر: 19_22) .
    وكما قيل: في زمن الغربة ووقت الشدائد يختار القلّة سلامة المنهج, ويختار الأكثر منهج السلامة! وعند الصباح يحمد القوم السُّرى .
    وقد نُقِل عن محدث العصر الإمام الألباني رحمه الله مبيناً حال الكثير من الدعاة وناصحاً لهم: لو اجتمع للدعاة حسن خلق جماعة التبليغ ورفقهم, مع حسن تنظيم جماعة الإخوان واهتمامهم بخدمة الناس, مع منهج من ينتسب لطريقة السلف وسلامتهم من البدع لصلح الناس. وعلى كلٍّ فالأولويات لابد من مراعاتها؛ فلا بد من البدء بدعوة التوحيد وتعظيم السنن ومحاربة البدع, مع حسن الخلق والرفق بالناس, وإحسان العبادة, وجودة العمل وتنظيمه, وابتغاء وجه ربنا الأعلى بالدعوة إليه, وكلّ شيء لغير الله يضمحل.
    وبالجملة؛ فعلى الناصح لنفسه وأمته أن يُعنى بفقه الأولويات, وبماذا يبدأ؟ وماذا يقدم؟ وماذا يؤخر؟ وأن يتّبع ولا يبتدع فقد كُفِي, فدين الله سام شامل, وباسق كامل "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً" (المائدة: 3) ويعرفُ قدر هذه الآية من قرأها وفي ذهنه من حُرموا ثمرتها من أهل الملل والنحل, حتى يرى عظيم نعمة الله تعالى عليه بخلقه أولاً, ثم بتخصيصيه بالإنسانية من سائر المخلوقات, ثم بتخصيصه بأن يكون من خير أمة أخرجت للناس, وبأن يُخاطَبَ بأعظم كتاب نزل, وبأن يوفق لاتّباع أعظم نبي بعث.....فما أعظم نعم الله علينا, وأقل شكرنا له!.
    وعلى الداعي إلى الله تعالى, أن يقدم مراضي الله على ما سواه, كالسلطان ومن تحسّى مرقة السلطان أحرقت شفتاه ولو بعد حين! وكالعامة والجمهور وصولتهم ورهبتهم ورغبتهم أحياناً أشد من السلطان, وما أخفى ضحاياهم في عباءات الاحتساب! فيرائي العامة بذم السلطان, وكلا طرفي قصد الأمور ذميم, وكحظوظ النفس الأمارة الجلية التي تُودي به حتى ببيع رسالته جهاراً, والخفية الأخفى من دبيب النمل, والنفسُ تملي وتتمنى, وتزيّن وتسوّل, وتبدل وتتأول...والعقل واعظ ناصح, والقلب بينهما حرون متقلب, حتى يطمئن في فردوس الإيمان, والمعافى من عافاه الله, والسعيد من وفقه الله.
     ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الدعوة السلفية, وإن زاد بعضهم عبارة النجدية؛ فمرادهم التنويه بدور الإمام وتلاميذه وأمرائهم في نشر الدعوة المحمدية النبوية وتجديدها ليس إلّا.
     لذلك فالسلفية ليست خاصة بقطر دون آخر, ولا بإقليم دون غيره, فلا نجْد ولا غيرها لها اختصاص بذلك, وليس هناك بقعة أفضل من الحرمين, اللذين شعّ منهما نور الهدى وضياء الإسلام, وحقائق القرآن والإيمان, والأرض لا تقدّس أحداً, ولكن يقدس الرجلَ عملُه, كما قاله سلمان لأبي الدرداء رضي الله عنهما. ومن كان مخلصاً الدين للرحمن, متبعاً في شأنه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, سالماً من شوائب البدع, وأخلاط الخرافات, فهو سلفي صميم, وسنّي مستقيم, حتى وإن انتسب جهلاً لطائفة بدعة, أو شيخ ضلالة, فالعبرة بالحقائق والمعاني, لا الصور والمباني, مع تحريم الانتساب لبدعة أو مبتدع إطلاقاً . كما أن مجرد الانتساب لها لا يعني صدق الاتباع مالم يحقق ذلك بقلبه وقوله وفعله.
    لذا فمن طعن في أهل نجد لأجل دنياهم ودنياه, فأمره مختلف تماماً عمن طعن فيهم بقصد التوصل إلى طعن رسالتهم الإصلاحية السلفية, كما كان السلف يطعنون في من ذم بعض الأئمة الذين علت قاماتهم في الدين والعلم, لأن التوصل لطعنهم وهتك حرمتهم عند العامة يفضي إلى الطعن في علمهم وديانتهم  وحرمان الأمة من الانتفاع بهم, كما كان يحيى بن معين يقول _فيما يرويه عنه الذهبي في السير_:" إذا رأيت إنساناً يقع في عكرمة وحماد بن سلمة فاتهمه على الإسلام". رحمهم الله (7).
    وبحمد الله فهذه الدعوة الإصلاحية السلفية قد عمّ نفعها أركان العالم الإسلامي بجهاته الأربع, ومن غاص في تتبع أحوال العامة أو الحركات الإصلاحية والجهادية في القرون المتأخرة وجد أن للدعوة الإصلاحية حضور ورواج واضح فيها, باستلهام نهجها أو بعضه علمياً أو عملياً, وبعضها أقرب إليها من بعض, وقد تفطنت لذلك دوائر الرصد الصليبية والصهيونية, فرمت هذه الدعوة عن قوس واحدة, وطعنتها برمح واحد, وسلّطت عليها المسلمين قبل الكفّار, بشبهة علم أو شهوة طمع, فتكسرت على صدرها النصال فوق النصال, ولولا أنها حقّ ومحفوظة من الله ما بقيت لها بقية منذ قرون, والله غالب على أمره.
     هذا وقد كتب الشيخ المؤرّخ محمد جلال كشك في كتابه: "السعوديون والحلّ الإسلامي" فصولاً نفيسة عن الإخوان, بيّنت مدى عِزّةِ المسلم الرّفيع على الكافر الوضيع, واستعلاء المؤمن بدينه على الأرجاس الأنجاس من معتنقي ملل الكفر, ونحل الوثنية, وَضَرَبَ لذلك أمثلةً أسوق بعضها مكتفياً بذكر معاملة الإخوان مع أحد أولائك وهو "فلبي" الّذي زعم أنه قد أسلم وتسمّى بعبد الله, لكنّه فضح كذبه لمّا عاد لموطنه, مع أنّ فلبي هذا كان هو ممثّل الإمبراطوريّة العظمى للتّاج البريطاني على بلاط الإمام عبد العزيز, وهو الّذي كان يُسلّم الإعانة الشهرية من حكومته. مع ذلك فقد أذاقه الإخوان ذلّ الكافرين على أيدي المؤمنين, فتارة يتناقشون في مجلسه عن حكم السّلام على من يتعاون معه من موظّفي الحكومة, أمّا حكم السّلام على الكافر فقد فرغوا منه .
     وذات مرّة لمّا مرض, وكان برفقته أحد الإخوان في سَفَرِهِ بتكليف من قبل الإمام, قال فلبي: فما سلّم علي, ولا ردّ السّلام, ولا بشّ في وجهي, ولمّا مرضت قلت له: إنّي مريض يا نوار . فالتفت عنّي وقال: والحمد لله .  
    وقد كان ذلك في الوقت الذي يفتخر فيه أحد الحكّام العرب, أنّ المعتمد البريطاني _وهو قرين فلبي_ قد أصلح له عباءته ذات مرّة! ولو فعلها فلبي لنوار لغسل نوار عباءته سبع مرات, والمرء حيث يضع نفسه .
    لقد كان الإخوان يعاملونه كمجذوم بني إسرائيل: لا مساس, بل ربّما دخلوا عليه خيمته ونهروا مرافقه وقالوا: لماذا تأتي بالكافر عندنا؟ فيجيبهم صاحبهم: اذكروا الله, فيخرجون غضاباً قائلين: لا إله إلّا الله .
   وقال له أحدهم: أُشْهِدُ الله على بغضك .
   والآخر كان يغطّي عينيه حتّى لا يرى ذلك الكافر(8).
   ولمّا دخل أحدهم خيمة فلبي, وتحدّث مع مرافقه وخرج, عنّفَهُ الإخوان, وقالوا: كيف تدخل خيمة الكافر؟ فلم يجد كفّارة يكفّر بها خطيئته إلّا أن استدار وبصق في اتّجاه فلبي .
   وليس هذا من عامّتِهم فقط, بل هذا سلوك عقديّ قد ارتضعوه من  علمائهم, ولمّا سلّم حافظ وهبة على فلبي, ودعاه لمائدته, وكان عنده الشّيخ العلاّمة عبد الله بن حسن, فنهره الشّيخ وقال: أعوذ بالله, أتقوم للنّصراني وتصافحه وتهشّ في وجهه وتدعوه للأكل معنا! وكلُّ هذا وفلبي يسمع, ثمّ لم يملك إلّا أن خرج ذليلاً صاغراً . "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين" (المنافقون: 8) .

"منهج الإخوان"
     كانوا يحاولون انتهاج نهج الصّحابة في أمورهم قدر طاقتهم, ولا نزكيهم على الله, ونبرأ إليه مما فعله بعض أفرادهم من أمور, فهم يحبّون أن يتشبّهوا بالصّحابة في كلّ شي, حتّى أنّهم لبِسوا المعمّ وهو عمامة العرب الأولى تشبّهاً بالصّحابة, لدرجة أن تشدَّدُوا فيها حتّى صار عند بعضهم ولاءٌ وبراءٌ عليها, حتّى نهاهم العلماء عن ذلك, وأخبروهم أنّها ليست بسنّةٍ أصلاً, إنما هي من العادات لا العبادات, وبعض رسائل العلماء في نهيهم لهم مذكورة في الدّرر السّنيّة, والشّاهد من ذلك بيان حرصهم على التأسّي بالصحابة في سمتهم وهيئتهم وعبادتهم وأعمالهم, رضي الله عن الصّحابة, ورحم الله الإخوان .
     من منهجهم؛ أنّهم كانوا لا يقتلون الأطفال والنّساء والهرم, وعلماؤهم يشددون عليهم في ذلك, وترقُلُ على ميمنتهم وميسرتهم ناقتان عليهما من يذكرهم بآداب الجهاد في الإسلام أثناء سيرهم, وكلّ ما قيل بخلاف ذلك فهو زور وبهتان, خلا بعض الحوادث الفردية المردودة على فاعلها ومرتكبها, فقد كان الإخوان يتحرّزون من قتل أولئك ويشدّدون النّكير على فاعله .
هموا معشر الإخوان دام سرورهم       ولا ســرّ من يرميهمُ بالمعائب
لهم أسوة في فعل صحب نبيهـم        وهمـتهم مصـروفة في العواقب

"عِلْمُ الإخوان"
    كانوا حريصين على تعلّم العلم وحفظ القرآن, ومن الأمور المعتادة في زمنهم أن ترى أحدهم بين الأذان والإقامة, أو بعد أذكار الصلاة, أو في نخله, أو عند ماشيته, وهو يصدح ويرفع صوته مراجعاً حفظه لقصار السور, أو الأصول الثّلاثة للإمام المجدّد .
   وكانوا في جملتهم وقّافين عند فتاوى العلماء إلّا ما شذ منهم خاصة بعد فتنة الانشقاق, فارّين من الجهل بكلّ ما أوتوا من طاقة, قصدوا العلم وطلبوا مظانّه .
   وكان العلماء والدعاة والوعاظ "المطاوعة" يحرصون على تعليمهم وتحفيظهم الأصول الثّلاثة, فيحفّظون أهل الهجر والبادية الأصول, ويدقّقون في حفظهم لها, ويسألونهم: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيّك؟ حتّى أنّ بعض البادية ربّما هرب من تشديد الدّعاة في الحفظ والتّسميع والتربية .
    وكانوا سبّاقين للخيرات, مُتنافسين على الطّاعات, مُسارعين للقُرُبَات, ومن أقوالهم في ذلك والحثّ عليه:
أحد قدّم في الخير واحد توخر         وأحد يقيّس مرقده في الظلالي

"عبادة الإخوان"
قوم لقد آمنوا بالله خالقـــهم     وهـــاجروا ووقوا إثماً وعدوانا
وجاهدوا في سبيل الله بل صبـروا     وصــابروا لذوي الإشراك أزمانا
تعلم العـلم في الإصباح همـهم       وينقـضــي ليلهم ذكراً وقرآنا
وجامع الأمرين تطلب لوصفـهم       نهارهم أُسُــد وفي الليل رهبانا
      كثيروا التلاوة للقرآن ولو من ما حفظوه من قصار السور, وغزيروا التسبيح والاستغفار والذّكر, إذا أقبل الليل وجاء وقت الأصيل لزموا المساجد للذّكر والتسبيح والتهليل, وإذا أقبل السّحر لبّوا نداء القيام والوتر والدّعاء والضّراعة, وصفّوا أقدامهم للقيام وراوحوا بينها وبين الجِباه, لصدورهم أنين, ولعيونهم دموع, ولبيوتهم دويّ كدويّ النحل من القرآن والبكاء والدّعاء, كسرت الدعوة وحرارة الإيمان جفاء باديتهم وشدة طبعهم, فنصعت معادن العرب الأول, وانقادوا للقرآن فتضوع المسك الأذفر, وخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا, كانوا يشبِّهون سَفِر بن محسّن بالوتد لطول صلاته بالليل, كذلك ناصر الحارث, وبجاد بن ثامر, وسلطان بن بجاد (9) في آخرين كُثُر من الإخوان, رحمهم الرحيم الرّحمن .
      يتحلقون حول من يقرأ عليهم مجموعة التوحيد أو مجموعة الحديث ولهم نشيج ونهيج .
     قال أحدهم: دخلت المسجد قبل غيبوبة الشمس فعددت فيه اثني عشر صفاً قد سبقوني, ولهم همهمة بالتسبيح والابتهال والذكر .
    قد هَدَمَ التديّن إِحَنَ الجاهليّة بينهم, فيرى الرجلُ قاتلَ والدِهِ في الجاهليّة فيسلّم عليه, ولا يذكره بشرّ لا بلسانه ولا يده .
     كانوا ينهرون من اعتزى بعزاء الجاهليّة, أو من انتخى بغير الدين, فأبدلوا ( أخو فلانة, وخيال فلانة, ويا آل فلان....) بصبي التوحيد, وخيّال التوحيد, وأهل التوحيد, وأنا أخو من أطاع الله, وكبر وهلّل, فإن استحرّ القتال وحمي وطيسه؛ قالوا: إياك نعبد وإياك نستعين .
   شعار حالهم مع مولاهم كما قال أبو فراس:
فليتك تحلوا والحـياة مريرة       وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر     وبيني وبين العـالمين خـراب
إذا صح منك الود فالكلّ هيّن      وكل الذي فوق التراب تراب
  زَهِدُوا في حطام الدّنيا فأعطوها حقّها من الصّغار والزّهد, وَرَعُهُم عميقٌ  دقيقٌ, آمرون بالمعروف قدر الطّاقة, ناهون عن المنكر بجلاد الكفّار بالسّيف, وبجلد العصاة بالعصيّ أطْراً, إن لم ينتهوا عن منكرهم, معظّمون لشعيرة صلاة الجماعة, ويتفقّدون النّاس بأسمائهم بعد الفجر متأوّلين حديث: ( أَشَهِدَ فلان؟ أشهد فلان؟ ) (10) ومن تخلّف عن صلاة الجماعة؛ أحرقوا عمامته أو جلدوه, حتّى ولو كان أميرهم .
     خرج سيف بن فرجان من الهجرة, هجرة خالد, مع مغيب الشمس ذاهباً إلى حوقان فمرّ على طريقه بناحية تسمى "الرّقبة" ومؤذنهم يؤذن, فنادوه وقالوا: لن تدرك المغرب في حوقان فصلّ معنا . لكنّه تركهم وقال: سأدركهم إن شاء الله, وذهب لحوقان مُجِدّاً سيره, ولمّا وصل لحوقان (11) إذ الشّيخ عبد الرحمن الرشيد خارجٌ من بيته ليصلّي بالنّاس, فتعمّد المرورَ بجانبه والسّلامَ عليه, وتمسيتِهِ بالخير ليثبِّت نفسَهُ بشهادة شيخه . ثمّ صلّى معهم, ولمّا أصبح الصّبح دعاه داعي الإخوان . فقال له الشّيخ: مررت بأهل الرّقبة وقت الأذان ولم تصل؟ فقال: الحمد لله لحقت الصّلاة مع أهل حوقان, واسألوا مطوَّعَنَا ابن رشيد, فسألوا الشّيخ فصدّقه فنجا ظهره من العصا . 
    وعبد الله بن حامد كان يقول وهو في طريقه لمعركة تربة: الّلهم اجعل قتلنا مقبلين غير مدبرين, فأصابته الرّصاصة مع نحره رحمه الله .
    وانظر إلى صفاء فطرتهم, ونقاء ديانتهم, وصدق توكّلهم, وهم ينظرون للطّائرة الّتي تلقي القنابل, فيقول أحدهم لإخوانه: يا إخوان هذه الطّائرة التي أخافتكم هل هي فَوْقَ اللهِ؟ أمِ اللهُ فَوْقَهَا؟ قالوا: بل اللهُ فوقَها . قال: فتوكّلوا على الله وارموها, فرموها فزلزلوها وأنزلوها كالطّير الكسير, وما يدٌ إلّا يَدُ اللهِ فَوقَهَا.
وما الخوفُ إلا ما تخوّفه الفتى     وما الأمنُ إلا ما عدّه الفتى أمناً
    وفي معركة حائل, وأثناء الحصار؛ كانت مجموعة قليلة من الإخوان تحاصر قلعة حصينة, وزاد من حصانتها أنها كانت في أعلى جبل, فصلى الإخوان صلاة العشاء تحت ذلك الجبل فلما قرأ الإمام:  (ولا الضالين ) جهر المأمومين بالتأمين, فردد الجبل صدى صوتهم, فألقى الله الفزع في قلوب أهل القلعة, فلم يلبثوا أن أدلوا حبلاً لهم ونزلوا منه واحداً بعد واحد, حتى نزلوا جميعاً وأخلوا القلعة, وهربوا لأميرهم محمد الطلال الرشيد, الذي غضب وهم بقتلهم بسبب تسليمهم القلعة بلا سبب, وليس لهم عذر سوى أنهم خافوا لمّا سمعوا التأمين . وكان في المجلس محمد العوني؛ وهو من مستشاري الأمير ومن خاصته, فقال محاولاً إطفاء غضب الأمير وكشف كربة المآمير: يا طويل العمر قد كنت أسمع عن قصة تروى ولم أصدقها حتى هذا اليوم, فإنهم يقولون: إن الفأرة إذا كانت في سقف المنزل, وزمجر تحتها القط في الأرض؛ فإنّها تسقط عليه من السقف! فاليوم رأيت مصداق هذه القصة_ أي مثالها مع الفارق_ فضحك الأمير ثم عفا عنهم (12). 
    قال هذّال الغزيلي: والله لقد رأيت رجلاً من الإخوان أسود الّلون متقلّداً مصحفه, ويركض أمام المكائن والرشّاشات, ويرمي العدوّ, فإن رأى فسحة من الوقت وهدأ الرمي جلس ونشر مصحفه وقرأ . وكان ابن باز رحمه الله يحبّ الإخوان وسيرتهم, ويفرح بقدوم من يخبره بأخبارهم, خاصّة إن كان هذّال الغزيلي, فإذا دخل عليه هذّال أدناه وحنا رأسه ولهج بدعوات مقرونة بدمعات, وهو يسمع ما يُثلج صدره, ويُظهر بِشْرَه, من أخبار تلك الكوكبة النّفيسة, من العبّاد الفرسان, من الّذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه, نحسبهم والله حسيبنا وحسيبهم, ولا نزكّي على الله أحداً .
    وتأمّل حسن ظنهم بالله, حيث كانوا يقولون: والله ليبعثنّ الله جراداً الصّميلي على حصانه . لمّا استشهد وهو مقبل على العدوّ .
 والآخر كان يَعْرِضُ في حوقان قبل المعركة, أي يرقص رقصة الحرب بالأصول الثلاثة, فلله درهم .
    وانظر إلى أشعارهم الحماسيّة التي مضت(13) وكقولهم:
ماذكر في الكتاب والســنّة       كــــود تسبيلة قدام
وينك ياللي تريد الجـــنة      التزم ذروة الســــنام
أو أبياتهم الأخرى:
يالنشـاما مـابه الا الله       ودعوا ذا النفـس واليها
ربع سـاعة في سبيل الله      تازن الدنـــيا ومافيها
وقول الآخر:
لبسوا معم جديد هبل الأكفان      تبايحوا والكل منهم كاتب دينه
كذلك:
تنادبوا هل التوحــيد وسبلوا      تســـالموا وكل قال مباح
كل كتب دينه ولبس احـرامه     وقال امشوا هذي حجة الأرواح
كذلك:
بانت البينة والديـن دين الله      ما نطاوع هل الردات والجافي
كذلك:
ذا يوم الحجـة      ذا يوم العـيد
فتح باب الجـنة    يا هل التوحـيد
كذلك:
يوم المكـاين دندنت ما جنبوا      نادى المنادي يا هل التوحيد
كذلك:
عقـب اللي يوم يجرون المدافع       ما حمى في دين رب العالمين
كذلك:
مانبي منــك ياعباد الاصنام      كود تقرا الكتاب وتتبع السنة
كذلك:
هـبت هبوب الجـــنة        ويـن أنت يا باغـــيها
كذلك:
من تدبر تالي الأنفــــال       جـــانا قدام يجيه داعينا
كذلك:
نحمـد اللي جمع كل الشفوف      نصرة الدين طار بها الخبر
كذلك:
بانت البينة والــدين دين الله      ما مشينا في دين الرب كذابة
ياسلامي على كل من طاع الله      واتـبع ملة إبراهيم واصحابه
كذلك:
استعنا بالإله المعـــــتلي      يوم النصارى تعتزي بجنودها
كذلك:
من بغى الناموس لا يطري المنية      من وفى أجله مات لو كان متعافي
    ويروى عن أحد الإخوان, أنّه وقف على رجل آخر من الإخوان والبندقية في يده, وكان الأخير قد قتل والد الأول في جاهليتهم, فنظر إليه ثم قال: والله لولا الإسلام لكان لي ولك شأن! .
وإذا كانت النفـوس كباراً    تعبت في مرادها الأجسام
   وهذا سعد آل مفرج كان صائماً نهار إحدى المعارك فقال له أخوه سليم: يا سعد أفطر أنت تخدم أصحابك والفطر أقوى لك . فقال: اسكت عني يا سليم إنّي أرجو أن أفطر مع الحور العين, واستشهد قبل مغيب الشمس . رحمه الله(14).
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد    لنفســي حياة مثل أن أتقدّما
أمّا محسن بن خالد بن لؤي فاستشهد في نفس اليوم وهو على حصانه "كحيلان"  وهو ينشد أبيات ابن رواحة رضي الله عنه:
يا نفس مالك تكرهين الجنّة       هل أنت إلاّ نطفة في شنّة
وذاك هزاع بن محمد الحارث يقول يوم الحنو: الّلهم إن كانت المنيّة قريبة فاجعلها اليوم فاستُشهد في تلك المعركة رحمه الله .
نُهِيْنُ النّفُوسَ وَهَونُ النُّفُوسِ     يَومَ الكَـــرَيْهَةِ أَوْقَى لَهَا
     يروى عن علي الناقول رحمه الله تعالى وكان من كبار الإخوان, قال: قتل واحد من الإخوان, وكان بيني وبينه صلة ومحبة خاصة, فلمّا دفنّاه في قبره, ونمت تلك الليلة وأنا محزون عليه, فرأيته في المنام فقلت: ما حالك؟ فقال: والله إن أتلى علمي بالشر (15) منذ أن دفنتموني! وهذا يصدقه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "مستريح ومستراح منه" (16) فالمؤمن يستريح من نصب الدنيا وعنائها, والفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب . وهذا عبد الهادي المقاطي من الغطغط في يوم جبّار, يرفع صوته بالتّكبير في بداية المعركة ويقول: لا إله إلّا الله, بيعة يا إخوان بيعة, فتقدّم الصّفوف, وباع نفسه لربّه, حتّى ألهبه الرّصاص وزفّه للشهادة ولا نزكيه على الله (17).
على مثل ليلى يقتـل المرء نفـسه     وإن كان من ليلى على الهجر طاويا
  أمّا إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان فإنّ جامع هجرة خالد, كان يمتلئُ من الإخوان المعتكفين, قال من رآهم: كانت خيامهم من ركن المسجد إلى ركنه الآخر, مليئةٌ بالعبّاد الصائمين المصلّين الذّاكرين . لقد كان الإخوان رحمهم الله تعالى, على اختلاف ألوانهم وقبائلهم وأوطانهم, يحنّون إلى الجنة حنين الأمهات إلى أولادها, والإبل إلى أعطانها, بل أعظم, فما كانوا يسمعون بغزوة إلا تسارعوا للخروج فيها "يرجون تجارة لن تبور" (فاطر: 29).

وما كنتُ ممن يدخل العشق قلبه     ولكنّ مَن يُبصرْ لِحَاظكِ يعشق

     فيُروى أنّ أحدهم كان له عامل فأخذ يوصيه بأمور تخص النخل ورعايته, فقال العامل: وأنت إلى أين تذهب؟ فقال: أريد الذهاب مع الإخوان أرغب فيما عند الله . فقال: وأنا كذلك أريد ما عند الله, فخرج الإثنان إلى معركة "الحنو" ولم يعودا إلى نخلهم . ونرجو إن شاء الله تعالى؛ أنّهما من الحنو إلى الجنّة مباشرة . ولا نزكي على الله أحداً . أََلا رَحَمَ اللهُ تلك العظام, التي حملت تلك النفوس العظام,وغفر لتلك الأقدام ذات المعالي والإقدام, وأعلى نزلهم في عليّين, يا حيّ يا قيّوم, يا ذا الجلال والإكرام, يا رحمن يا رحيم, يا ربّ العالمين .
 إله الحق آمين  .
   وَأسْـأَلُ ربي أن تكــون منيتي       بعيداً عن الأوطان للشرك غازيا
ويا كامل الأوصاف هب لي شهادة      وخـتم حياتي بالسرور المواتيا
لئن عز ديني واستبيحت جوارحي       فأين مقــام العز إلا مقاميا؟
فخـذ من دمائي يا سميعاً لدعوتي      فما أطيب الآلام إن كنت راضيا
ويارب قطّـعني وفرق مفاصـلي      بجوف طـيور أو بطون العوافيا
ويارب عامـلني بما أنت أهلـه      فـذنبي عظـيم والرحيل دنا ليا
أعـزّ إله الحـقّ أمـة أحـمد       فقـد سامها الكفار ذلاً مصاليا
    وبعد: فآمل من الأخ القارئ الكريم, أن يأخذ من هذه الصفحات ما صَفَى, وأن يَذَرَ ما كَدَرَ , وأستميحُهُ فيما قد يجد في ثناياها من خطأٍ في اسم شخص, أو مكان, أو بيت شعر, أو معلومة, أو حتى فكرة, ونحو ذلك, وأن يحملها على أحسن المحامل, عامله الله بالعفو والرحمة والغفران! وما هذا القصور مني إلا لعجزي وضعفي, والعهدةُ على من أملوها, وهم قد شارفوا التّسعين, بل بعضهم قد جاوز المئة ببضع سنين, وقد مات جُلُّهم, فلا غرو أن يحدث بعض الخلل, والمنصف النصوح من وهب خلل المقال ونقصه لمحاسنه وحقائقه, أبى الله إلاّ أن يكتب النّقص على كلّ حيّ, واستغفر ربّي من الزّلل, وأعتذر للقارئ عن الخَطَلِ, والعُذْرُ عِنْدَ كرامِ النّاسِ مقبولُ .
    وأشكر من قرأه, فصوّب ونبّه ونقّح, وزاد وعدّل ووضّح, جزاهم الله الحسنى وزيادة .
عَلَى المَرْءِ أَنْ يَسْعَى إلَى الخَيْرِ جهْدَهُ      وَلَيْسَ عَلَـْيهِ أَنْ تَتِمَّ المَقَـاصِدُ
   واللهَ أسألُ, أن يجعل هذه الكلمات خالصة لوجهه الكريم, وأن ينفع بها, وأن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين, ويُذلَّ الشرك والمشركين, وأن يُبرم لهذه الأمّة أمراً رشداً, يُعَزُّ فيه أهل الطّاعة, ويُذلّ فيه أهل المعصية, ويؤمر فيه بالمعروف, وينهى فيه عن المنكر, وأن يستعملنا في طاعته, وأن يتوفانا وهو راض عنا, وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلّا الله.
   وَخِتَاماً:
وَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى      كَمَا قَرَّ عَـيْنَاً بِالإيَابِ المُسَافِرُ
     فها قد ألقينا عصا التّسيار, وانتهى بنا جميل المشوار, ووقفت أقدام الأقلام, على عتبة النّهاية, وقد رأينا لُمَعَاً, وقرأنا طَرَفَاً من سيرة الإخوان العطرة, وأخبارهم الجميلة, التي هي أعذب من فرات المطر, وأعبق من فتات المسك والعنبر, سائلاً ربي الكريم الوهاب, بأسمائه الحسنى, وصفاته العلى, واسمه الأعظم, ووجهه الأكرم؛ الرّحمة والغفران, وأن ينزلنا جميعاً ووالدينا وذرارينا والإخوان منازل الصديقين والشهداء في الفردوس الأعلى بلا حساب ولا عذاب, فرحمته أرجى من أعمالنا, ومغفرته أوسع من ذنوبنا .
وَإِنّي لَأَدْعُـو الله حَتّى كَأنَّمَا       أَرَى بٍجَمِيلِ الظَّنِّ مَا اللهُ صَانِعُ
    سبحانك الّلهم وبحمدك, أشهد أن لّا إله إلّا أنت, أستغفرك وأتوب إليك, سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون, وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين, وصلّى الله وسلّم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين, والتّابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين .

إبراهيم الدميجي
25 / 1 /1433
aldumaiji@
 ....................................................
(1) بوّب الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه من كتاب الجهاد: ( باب: مَنْ حدّثَ بِمَشَاهِدِهِ في الحرب ) وساق حديث السائب بن يزيد, وفيه: إلاّ أنّي سمعت طلحة يُحدِّثُ عن يوم أُحُد .
(2) وأُشيد هنا بأحسن كتابين أحسبهما من أفضل ما قرأت في موضوع الإخوان, هما: "تاريخ نجد الحديث" لأمين الريحاني, على ما فيه من هنّات, وكتاب: "السعوديّون والحلّ الإسلامي" لمحمد جلال كشك, وهو الأفضل, على أنّهُ لم يستوعب الحركة ككلّ, بل أغفل جانباً مهمّا من أركانها,  ألا وهو الحديث عن تفاصيل مغازيهم في الحجاز والخرمة, مع شيء من تحليل شخصيّة القائد المظفّر خالد بن لؤي, الّذي أظنّ أنّهُ لم يأت في قوّاد الملك عبد العزيز من هو في شاكلته, إذ قد اجتمع فيه ما تفرّق في غيره, من الدّين, ولزوم غَرْزِ العلماءِ, والحكمة, والشّجاعة, والصّبر, والكرم, والحلم, والمعرفة بتركيبتي نجد والحجاز الاجتماعية والثّقافيّة والدّينيّة, والدّخول والخروج بينهما بسلام وحنكة .
كما أنّ كتابي الدّكتور العثيمين: "تاريخ المملكة العربيّة السعودية", و"تاريخ معارك الملك عبد العزيز" جيّدةٌ جدّاً في هذا الموضوع, كذلك كتاب:"لسراة الليل هتف الصباح" لعبد العزيز بن عبد المحسن التويجري, وتبرز قيمته التاريخية في أنه قد حوى وثائق ومراسلات هامة في تلك المرحلة, وليته أخرج جميع تلك الرسائل حتى وإن اختلف مع بعضها, فالوثائق معدودة من أهم لبنات النسيج التاريخي, وأوثق مصادره وأصدقها .
(3) وقد استلموا عنان الملك والرئاسة, فهل يوفون فيُشكرون من الخالق والمخلوق, أم الأخرى أجارهم الله تعالى منها, ووفقهم وسددهم وأعانهم على مرضاته.
(4) صاحب مجلّة المنار .    
(5) مؤلف كتاب: "الخطوط العريضة لدعوة الاثني عشرية" .
(6) رواه البخاري عن ابن عباس, رضي الله عنهما, وفي رواية: "إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" وهما بمعنى, فالأولوية لدعوة التوحيد قبل أي دعوة, مهما ألحّ الناس .
(7) ثَمَّ مطلبان في ذكر الشركيات التي كانت في الحجاز:
الأول: لا يوجد مؤمن بالله واليوم الآخر يفرح بوقوع أدنى معصية لله تعالى, فكيف يفرح بمحاربته بأعظم ذنب "إن الشرك لظلم عظيم" (لقمان: 13) "إن الله لا يغفر أن يشرك به" (النساء: 48 , 116) "إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار" (المائدة: 72) فليس في ذكر وقوعه في بلد أو بقعة شماتة أو إزراء بأحد, بل هو محض النصح وصدق المحبة إذا كان القصد سليماً "كل نفس بما كسبت رهينة"(المدثر: 38) "يوم لا ينفع مال ولا بنون . إلا من أتى الله بقلب سليم"(الشعراء: 89) كذلك في ذكر البدع التي هي عين المشاقّة والمحادة والاتهام والتنقص لمقام النبوة والرسالة! وذكر ذلك إنما هو حفظ للتاريخ, وتحذير للأجيال الحاضرة واللاحقة أن لا يركنوا إلى الأمن من الشرك مهما دق في عين من لم يقدر الله قدره, وأن لا يتساهلوا في ذرائعه, وأن لا يتراخوا في حربه في نفوسهم ومجتمعهم, فالناصح حقاً من دعا إلى التوحيد والسنة, مهما ناله في طريقه من ابتلاءات وعقبات:
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه     ونكّب عن ذكر العواقب جانبا
فلا أمان للمؤمن من تقلب القلب والحال إلا بخروج روحه وربه عنه راض.
الثاني: أن العصر المذكور هو العصر الذي عاشه الإخوان, وليس ما قبله, كي لا يُشغب علينا بلازم ذكر نجد! فشركيات نجد المشهورة وأوثانها وأشجارها وأحجارها المعبودة, كانت قبل عهد الإخوان بمئة وخمسين سنة! وويل للشجيّ من الخليّ!.
(8) كان الإمام أحمد رحمه الله يغطي وجهه إذا مر به نصراني من شدة إعظامة لشناعة قول النصارى في الله تعالى, وأورد شيخ الإسلام في الجواب الصحيح عن عمر وحذيفة رضي الله عنهما أنهما كانا يقولان:" أهينوا النصارى ولا تظلموهم, فقد سبّوا الله مسبّة ما سبّه بها أحد" وهل بعد وصمه بالصاحبة والولد والأقانيم والشركاء والتجسد مسبّة؟!. تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
(9) سلطان بن بجاد بن حميد الكريزي البرقاوي, الملقب " سلطان الدين" الذي تولّى مشيخة برقا عام: (1333) بعد وفاة الفارس الشهير محمد بن هندي, وتوفي عام: (1353) رحمه الله تعالى.
(10) رواه النسائي .
(11)  حي في الخرمة واقع جنوب غرب السوق بنحو ثلاثة أكيال, وقعت فيه أولى المعارك مع الشريف عام: (1336)وسميت بمعركة حوقان .
(12) مخطوطة النجم اللامع, العبيد.
(13) سلاح الشعر كان ولا يزال سلاح رئيس في الحروب ورسول الله صلى الله عليه وسلم وصف شعر حسان أنه أشد على المشركين من وقع النبل , وأمره أن يهجوهم ودعا الله أن يؤيده بالروح القدس.
وقد كان لهذا السلاح حضور دائم مع الإخوان ومخالفيهم ومن ذلك قول أحد مناوئيهم محرشاً عليهم لمّا كانوا أقلية في الخرمة_ التي اندلعت منها شرارات المعارك الكبار التي أزال الله بها دولاً وممالك بعدما نصرهم الله بإخوتهم من أقطار الجزيرة وبخاصة أهل الغطغط أعلى الله نزلهم في عليين وأبرد قبورهم ونورها من الجنة _ قال ذلك الرجل:
خمسة رياجيل كلّ واحد من دِحِل      وحنّا عيال العـود من فصايله
تكفون يا لجذعان شحّـموا الفحل     حتّى الدّقل يصبح كثير عايله
وقصدهم بالفحل خالد بن لؤي أي أنّهم عزموا على قتله . والرجال المقصودون هم: مفرح بن شارع, ومنير الحضبي, وعبد الله بن فيصل, وأبوه, وخامسهم خالد .
وهذان البيتان لهما معنى عميق وخطر كبير؛ فهو يعني بالفحل خالد, وصدق في قوله؛ فالأمير خالد رحمه الله فحل من فحول الرجال العظام, شهد بذلك القاصي والداني, وقد عنى الشاعر أن لو قُتل خالد سيتفرق عنه الغرباء عنه, النزاع من القبائل المختلفة, ويعودون لقبائلهم, وستخلو الخرمة من أتباعهم وأنصارهم لقلتهم فيها في بداية التدين وقبل "الفرق" أي: إظهار البراءة بين المعسكرين والافتراق والاحتراب. وهذا يشبه ما ذكره الله تعالى عن المنافقين: "وقالوا لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا" (المنافقون: 7)  فهو في الحقيقة شاعر يجيد صيد المعاني الدقيقة حينما شبه الأمير خالد بالفحل, وشبه المناصرين والوافدين بالدقل _ نوع من التمر _ ومعلوم أن الغالب في نخيل الخرمة هو تمر الصفري, أما الدقل فهو قليل إذ لا يمثل إلا ما نسبته: 1% تقريباً .
هذا ولمّا دخل الناس في التدين أفواجاً, ومنهم هذا الشاعر وقام الأمير ببناء الهجرة(*) مسجدها وقصرها, فبينما كان الأمير جالساً في الظل يراقب العمل في البناء, ومعه الشيخ _ ولعله عبد الرحمن بن داود _ فمر بهما هذا الشاعر ولحيته تقطر من الطين الذي فوق رأسه, فقال له الأمير ممازحاً: إيه يافلان انقض ما قلت . فقال في الحال:
ما ذكر في الكتاب والسنة         كود تسبــيلة قدام
وينك ياللي تريد الجـنة         التزم ذروة الســنام
وهذا من ذكائه وسرعة بديهته, ويشبه هذه القصة أن ابن مونس كان يبني جداراً على الشارع للشيخ القاضي إبراهيم بن حسين _من الرعيل الأول لقضاة الإخوان وقد جمع الله له العلم والفروسية_ فمرت به بنات فقال:
أنا ليا شفــت البني المـزايين         قلت ياليتني مع جملة الصيد روّحت
فلمّا التفت إذ الشيخ إبراهيم ينظر إليه! فقال على البديهة:
وأنا ليا شفت الشيخ إبراهيم      تركت جميع المعاني وسبّحـت
ومن باب الشيء بالشيء يُذكر؛ فيقال: إن شاعراً من السلمات, وهو أبو زايد وفد على عبد الله "البيه" في إحدى القرى قبل معركة تربة بأيام فقال:
سلام يا صــقر على قِلَّة         خجّ الطيور بضرب مخلابه
جوك ..... ابّوشـهم كله        لو النخل يمشي مشيـنا به
ولم يقلها حتى تأكد من غياب شاعر تلك القبيلة المعنية, فطرب لها الشريف, وربما كافأه عليها, ثم ذهب هذا الشاعر السلمي من فوره للخرمة, ولما جاء شاعر القبيلة وأخبره الشريف بالأبيات وذكر إعجابه بها. فطن للمغزى على البديهة_ وكذا الشعراء لهم فنون عجيبة في فهم رموز بعضهم _ قال: يا سيدي الرجل لا يعنيك وإنما عنى خالداً! فطلب الشريف السلمي فإذ هو قد ذهب للخرمة .
فهذه الأبيات تحتمل معنيين:
الأول: (صقر على قِلّة) أي على شيء مرتفع, و(جوك .... ابّوشهم كلّه) يعني أنهم جاءُوك فرحين بمجيئك والسلام عليك والانضمام لخدمتك .
المعنى الثاني: إذا كان يريد خالداً؛ فـ(صقر على قلّه) أي على قلّة من الناس, فخالد لا يساوي "البيه" في العدد والعتاد, و(جوك .... ابّوشهم كلّه) أي أنهم سيغزونك مع الشريف حتى أنهم لو استطاعوا الغزو بالنخل لغزوا به! . وهذا الأسلوب في المبالغة معروف في اللغة, ومثله قول أبي تمّام للمتوكل لمّا خرج ليصلي بالناس عيد الفطر:
ولو أن مشتاقاً تكلّف فوق ما         في وسعه لسعى إليك المنبر
(*) وسميت هجرة خالد, وبنى فيها الإخوان مسجداً جامعاً, عرف بمسجد خالد, بنوه بالطين عام: (1336) ثم جدّد في عهد ابنه الأمير سعد رحمه الله وبني بالحجر, ثم جدّد في عهد الملك فيصل رحمه الله عام: (1392) وبني بالأسمنت المسلح, ثم سُمّي باسم جامع الملك عبد العزيز ثم جدّد ( وهذه هي البناية الرابعة) في عهد الملك فهد رحمه الله عام: (1420) تحت إشراف الأمير سلمان حفظه الله بتكلفة قاربت سبعة ملايين ريالاً .
(14) بوّب البخاري رحمه في كتاب الجهاد من صحيحه: ( باب: عملٌ صالح قبل القتال ) وفيه: وقال أبو الدرداء: إنّما تقاتلون بأعمالكم . وساق حديث البراء في الرجل المقنع بالحديد الذي قال: يارسول الله, أُقاتل وأُسلم؟ قال: ( أًسلم ثم قاتل ) فأسلم ثم قاتل فقتل, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عمل قليلاً وأُجر كثيراً ) .
(15) أي آخر المشاق التي جرت علي انتهيت منها حين دفنتموني .
(16) متفق عليه .
(17) إنها أمنية النبي صلى الله عليه وسلم, فقد قال عليه الصلاة والسلام: والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين, ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدًا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل . رواه البخاري ومسلم .
      ولما قُتِل من قُتِل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحد ولقوا ربهم تبارك وتعالى، فسألهم: ماذا يُريدون ؟ ما اختاروا غير العودة للدنيا من أجل أن يُقتلوا في سبيل الله مرة ثانية .
      ولما قتل عبد الله بن عمرو بن حرام يوم أحد, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جابر ألا أخبرك ما قال الله عز وجل لأبيك؟ قال: بلى . قال: ما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب، وكلّم أباك كفاحاً، فقال: يا عبدي تمنّ عليّ أعطك . قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية! قال: إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون . قال: يا رب فأبلغ من ورائي، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه.
     وقال عليه الصلاة والسلام: لمّا أصيب إخوانكم بأُحد جعل الله عز وجل أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة, تأكل من ثمارها, وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلمّا وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن منقلبهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون بما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب . فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات على رسوله: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون . فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين . الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم )رواه الإمام أحمد وأبو داود.
     وقال عليه الصلاة والسلام: ( للشهيد عند الله عز وجل سبع خصال:
    يُغفر له في أول دفعة من دمه .
    ويرى مقعده من الجنة .
    ويُحلّى حلّة الإيمان .
    ويزوّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين .
   ويُجارُ من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر .
   ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها .
   ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه ) . رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه ، ولما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال : (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) . رواه النسائي .
    وقال صلى الله عليه وسلم: من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق ) . رواه مسلم .
    وقال عليه الصلاة والسلام: ( من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه ) . رواه مسلم.
    ولو لم يرد في فضل الجهاد والشهادة إلا هذه الآية لكفت الناس: ( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) .








الاثنين، 19 ديسمبر 2011

صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية. ج(8)."."لفتة ونظرة في حال الشريف حسين والعثمانيين"

صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية.
(الجزء الثامن)
"."لفتة ونظرة في حال الشريف حسين والعثمانيين"
   الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, وبعد:
    امتدت حقبة الإخوان قرابة عشرين سنة (1330_1350)الموافق(1912م_1931م) وعلى قصر عمر هذه الحركة إلا أنها أنجزت إنجازات هائلة, وآتت أُكُلاً مباركاً, لا زلنا ننعم بعيشه, ونستظل بفيئه, فلله الحمد أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.
   ولعل من المستحسن الحديث عن بعض أحوال وأخبار وعِبَر مناكفيهم أو من احتكوا بهم سلماً أو حرباً في ذلك الزمان ولو بشيء من الاختصار, وسنتكلم عن الأشراف والأتراك, بحكم ثقلهم السياسي والعسكري والاستراتيجي "الارتيادي" .
   وممّا يُشكر لشريف مكة حسين بن علي بن محمد بن عبدالمعين بن عون, رفضه إنشاء وطنٍ قوميّ لليهود في فلسطين, لمّا عرضت ذلك عليه لندن, لكن ابنيه عبد الله وفيصل هما من دبّر ذلك مع البريطانيين كما ثبت ذلك في مكاتباتهما للإنجليز .(1)
   وأُسْرَةُ آل عون الهاشميّة, هي الّتي خَلَفَت أسرة آل زيد _ ذوي زيد _ على شرافة مكة وكلّهم بنو عمومة . وحسين ( ت: 1350 ) كان قد تولّى مكّة عام (1326) ثم نصّب نفسه ملكاً على الحجاز, بل على العرب كافّة, عام: (1334) حتى عام: ( 1343) حين زال ملكه (2).
   وكان له أربعة من الأبناء أكبرهم عليّ, وبه يُكنى:( ت:1354) وهو رئيس الوزراء في دولة والده, وقد خلفه في حكم الحجاز بضعة أشهر حتّى لحقه في العقبة لمّا طرده السعوديّون. ثمّ يلي عليّاً عبدُ الله: ( ت: 1370) الملقّب بـ"البيه" النّجل الثّاني لحسين, وكان وزير الخارجيّة في دولة والده, وهو ملك الأردن فيما بعد, وقد قُتِلَ في القدس برصاص شابّ فلسطيني, وهو جدّ ملوك الأردن حاليّاً, وكان ذا حظوة وتدبير واسع عند والده, وهو الذي كسره الإخوان في تربة, إبّان قيادته الجيوش الشرقيّة لأبيه. أمّا ثالث الأنجال فهو فيصل: ( ت: 1352) ولعلّه كان أجودهم في حسن السّياسة وَجَلَد الحرب, وكان أبوه يتمثل ببيت:
يا ليت فيصل ينقسم لي فيصلين        فيصل بالشّام وفيصل باليمن
   وهو وزير الداخليّة في دولة والده, وقائد الجيوش الشّماليّة لأبيه وهي الجيوش الّتي دخلت العقبة وفلسطين ثمّ دمشق, بمؤازرة الجنرال "آللنبي" البريطاني, ثمّ أخرجه الفرنسيون بقيادة الجنرال "غورو" منها, ثمّ صار ملك العراق بعد ذلك .
   وهؤلاء الثّلاثة عليّ وعبد الله وفيصل أمّهم هاشمية, أمّا الرّابع فهو زيد وأمّه عادلة الترّكيّة, وكان زيد مساعداً لأخيه فيصل لمّا ولي العراق .
   فيُشكر لحسين رفضه الموافقة على منح فلسطين لليهود وإنشاء وطن قوميّ لهم فيها, ورفض كذلك معاهدة "فرساي" وهي ما تُسمى بمؤتمر الصّلح بعد نهاية الحرب العالميّة الأولى(3) الّتي كانت قد بدأت صيف: (1332) الموافق: (28_يوليو_1914م) وانتهت في شتاء: (1337) (11_نوفمبر_1918م) . وانتهت بذلك أعظم وأشرس حرب شهدتها البشريّة حتّى ذلك التّاريخ, وهي عين السّنة الّتي وقعت فيها معركة تربة, ثمّ بدأ الحلفاء في رسم خارطة العالم الجديد حسب مصالحهم, والّتي على إثرها نفذّت اتّفاقيّة "سايكس بيكو" الّتي قسمت تركة الخلافة الإسلامية العثمانيّة بين بريطانيا وفرنسا وروسيا عام: (1916م) والّتي نبذتها حكومة البلاشفة الجديدة فخرجت روسيا من الاتفاقيّة, وبعدها بسنة في: ( 1917م) صدر وعد "بلفور" المشؤوم, والّذي نص على أنّ بريطانيا تتعهّد بمنح وطن قوميّ لليهود في فلسطين, والّذي دفعه لذلك هو استمالتهم لليهود الّذين في النّمسا وألمانيا إبّان الحرب, كذلك لحفز يهود أمريكا للضّغط عليها بدخول الحرب, وكذلك تنفيذاً سياسة "بالمرستون" رئيس الوزراء الأسبق الذي دعا عام: (1849م) إلى زرع كيان استيطانيّ يحول بين مصر والمشرق العربي .
أيُرجَى بالجـرادِ صلاحُ أمرٍ      وَقَد جُبِلَ الجرادُ على الفسادِ
   وهذا الوعد الّلئيم قد صفع به حليفه المخلص حسين, لكنّ الغرور والثّقة المطلقة بالبريطانيين, لم تجعله يدرك عمق الموقف وخطره وشؤمه إلاّ بعد فوات الفوت وذهاب الصّوت, فبعد فرساي رفض الحسين الذي كان طامعاً في حليفته بريطانيا أن توفي بوعودها وأيمانها وتتوِّجَهُ ملكاً للعرب, ولكن "لندن" ليست بالكريم الذي وعده كدين الغريم! بل هي اللؤم والخُلْفُ والكذب, لكن غَيَايَةَ الطمع أعمت عينيه, وغلّفت قلبه, فبنى قصره في الهواء, برأس ماله من كيس الأماني! والأماني رأس مال المفاليس, فعمل لهم ما طلبوه وزيادة, وأراد مُلْكاً ولكن الصّيف ضيّعت الّلبن! فلمّا احترقت ورقته, وأدّى دوره المشبوه كما يريدون قلبوا له ظهر المِجَنّ, وركنوه ونسوه . وظن أنّه سيمكر بهم أن لم يوفوه الوعود, ولكن كما قيل: صانع الأصنام لا يعبدها . وكانت نهايتهم معه أن نفوه في آخر عمره لقبرص وجزوه جزاء سنمار, ومجير أم عامر التي قالت لمجيرها: اختر إحدى الخصلتين؛ إمّا أن آكلك أو أقتلك! وتناسوه, وتركوه, وأهملوه, حتىّ توفي بها حسيراً, رحمه الله وعفا عنه .
أتبكي على ليلى وأنت قتــلتها        فقد ذهبت ليلى فما أنت صانع؟!
   لقد واتت الانجليز الفرصة لاقتسام بلاد المسلمين من تركة العثمانيين مع الفرنسيين والرّوس, وقد نشر الروس عام: ( 1917م) إتّفاقيّة "سايكس بيكو" الّتي أحرجت بريطانيا كثيراً, وعرَّتْهَا وكشفت حقيقتها أمام من تزعم أنّها حامية حقوقهم, ولكن إحسان ظن الحسين وأبنائه ببريطانيا وتصديقهم لوعودها؛ سهّلا لها مهمّة الخروج والتنصّل من تلك الأزمة الأدبيّة حينئذ .
   عِلماً بأنّ الثّورة العربيّة - والعلم عند الله تعالى - لم تكن أصلاً لولا دخول تركيا الّتي كان يقودها يهود الدّونمة أصحاب حزب الاتّحاد والترقي من كمال أتاتورك وأشباهه في الحرب العالميّة الأولى بجانب ألمانيا, فقد كانت تركيا قد عقدت اتّفاقيّة صداقة قبل الحرب بسنة مع بريطانيا تضمن الأخيرة عدم التدخل في شؤون العثمانيّين, ومشت الأمور على ما يرام, ثمّ خرجت تركيا مندحرة من حروب البلقان وطرابلس, فانكفأت على نفسها بترميم حالها ورأب صدوعها وإعادة تأهيل جيوشها, حتّى قامت الحرب العامّة في أغسطس عام: ( 1914 م) . فأعلنت تركيا الحياد أوّلاً, وكانت سياستها متذبذبة لأنّها كانت تريد أخذ مكافأتها من الحلفاء نظير حيادها, وللصراع المحتدم بين أجنحتها القيادية, فاشترطت عليهم إلغاء الامتيازات الأجنبيّة, ومنحها مساعدات ماليّة على شكل قروض, لكن الحلفاء ماطلوا . وهذا ما ساعد المعارضين لسياسة الحياد على التّغلب على الفئة المنادية به, ثمّ تغلّبوا أخيراً بقيادة أنور باشا فدخلت تركيا الحرب مع ألمانيا, حتّى كانت النهاية المعلومة بتقسيمها بعد الحرب .
    وقد كان فيصل بن الحسين قد بايعه المؤتمر السوري ملكاً لسوريا إبّان الثورة العربيّة (4) الّتي قمعتها الدولة العثمانيّة, ونكّلت بأعضائها, وقتلت منهم الكثير, وأمّا المؤتمر العراقيّ فقد بايع عبد الله "البيه" ملكاً للعراق. ثمّ إن فرنسا غزت سوريا بزعامة الجنرال كريه الصيت "غورو" بتواطئٍ مع الانجليز تنفيذاً لاتفاقيّة "سايكس بيكو" وقد قام السوريّون بمقاومته ببسالة في معركة "ميسلون" الشّهيرة, فهُزِمَ السوريون ولفظ قائد حرب الجيش السوري يوسف العظمة أنفاسه تحت وابل نيران عَبَدَةِ الصليب, ولما سأله الملك فيصل بن الحسين _وهو ذاهب لحربهم_: لماذا تذهب وليس معك إلا شبه عُزّل؟! فرد يوسف رحمه الله عليه ببيت أبي الطيب:
لا يسلم الشّرف الرّفيع من الأذى      حتّى يُراقَ على جـوانبه الدم
    ثم أوصى الملك بابنته الوحيدة, ثم حارب الفرنسيين حتى استشهد مقبلاً غير مدبر ومعه رفاقه رحمهم الله تعالى.
   ولا ننس أن من أسباب هزيمتهم هو خيانة بعض أفراد المقاتلة _ وغير بعيد أن يكون للنصيرية يدٌ _ وذلك بأن أخبر الفرنسيين بمكان الألغام في الوادي الضيق, الذي ليس لهم بدّ من مروره في طريقهم لدمشق! بل والأدهى من ذلك أن قام بفصل أسلاك الديناميت التي وضعها المجاهدون السوريون كالألغام في طريق الفرنسيين, حتى إذا حانت ساعة الصفر والحسم, وأمر يوسف بضغط زر التفجير فإذا الأسلاك مقطّعة! فأسقط في يده, وفي يد المخلصين من جنده, لكنهم ثبتوا وجاهدوا وقاتلوا قتال الأبطال, واستبسلوا استبسال الأحرار, حتى استحر القتل فيهم, وجُنْدلوا بنيران الصليبيين, فسقطوا نحسبهم والله حسيبهم شهداء, قد دافَعوا وجاهدوا الكفرة عن أرض الأنبياء ومهاجر إبراهيم عليهم السلام أرض الشام.
والحق منصور وممتحن فلا      تجزع فهذي سنة الرحمن
   وطُرِدَ الملك فيصل بن الحسين, ثمّ إنّ أخاه عبد الله "البيه" هدّد بدخول سوريا بجيوشه - وليته فعل - فهذا سيقلب الطّاولة على مقامري الّلعبة الدّوليّة وهم فرنسا وبريطانيا والسّوفييت, إذ أنّ معاهدتهم الغاشمة تُعطي سوريا للفرنسيين, وعبد الله كان معدوداً من رعايا الإنجليز, وهنا تدخّلت العجوز الماكرة "انجلترا" فاقترحت على عبد الله أن يكون فيصل ملكاً للعراق تحت حماية الإنجليز, وأن تُنشئ دولة شرق الأردن وهي "الأردن" الآن بعد نزع فلسطين منها! وأن يكون عبدالله ملكاً اسمياً متوَّجاً على دولة شرق الأردن, فوافق المسكين على هذه القسمة الضيزى ولكن:
ومن يكن الغراب له دليلاً     يمر به على جيف الكلاب
   ومن كان هذا حاله فالحياة له موت والموت له راحة, فكيف يوافق على إعطاء أرضه ليهود؟! حتّى وإن كان كلامهم له ليس صريحاً, فكيف تمّ مرادهم على حساب أمانته؟
أطعت مطامعي فاستعبدتني      ولو أني قنعت لكنت حراً
   كيف يقتطع أرضاً من المسلمين - على هنّاتهم - وهم الأتراك, ويعطيها عبدة الصليب وعزير؟! ومن ثمّ أراد الالتفاف على حلفائه لكن على استحياء, لمّا رأى رفض المسلمين لهذه الخيانة, فتولى الحروب العربيّة الهزيلة المعروفة ضد اليهود, وكان القائد لجيوش بني يعرب هو صاحبنا هذا عبد الله!! وهل يا ترى كانت الرّاية كلمة التوحيد؟ والجواب بكلّ مرارة: "لا" .
   لذا فقد كان بعضهم يصف النّهضة العربيّة بـ"النهقة العربية"! وحُقَّ له ذلك فقد كان الملك "جورج الخامس" يصف انتزاع فلسطين من العثمانيين بأنه: الحملة الصليبيّة الأخيرة! .
   والجنرال الانجليزي "آللنبي" يصف دخولهم القدس بأنّه: هديّة الكريسماس للعالم المسيحي! .
   والجنرال الفرنسي "غورو" وقف على قبر صلاح الدين, وقال بكلّ نذالة وجبن ووقاحة: ها نحن عدنا يا صلاح الدّين! .
  فَوَا أَسَفَاهُ!! .
  ويا لله! كم في ذا الزمان من باقعة! فلا نامت أعين الجبناء! وتبّاً للأدعياء! .
لَعَلَّ انْحِدَارَ الدّمعِ يَعْقُبُ رَاحَةً      مِنَ الغَمّ أَوْ يَشْفِي نَجِيَّ البَلَابِلِ
   علماً بأنّ عبد الله كان مُلْكُهُ اسميّاً فقط, فقد جاء في البرقيّة من المكتب العربي في القاهرة إلى المعتمد البريطاني في جدّة: ( لمعلومات وزير الخارجية, أرجو أن تبرقوا تقييمكم الشخصي لصفات الأمير عبد الله الخلقية, وكفاءته وصلاحيّته لأن يكون أميراً اسميّاً لدولة عربيّة أميرها لا يحكم )! .
   وجاءه الجواب بعد يومين: ( ... وهو مؤهّلٌ لأن يكون أميراً اسميّاً لدولة أميرها لا يحكم ...الخ ) (5)
ومن يهن يسهل الهوان عليه     ما لجــــرح بميت إيلام
   أمّا أفعال والده حسين بالأتراك الّذين كانوا بمكة بعد استسلامهم لثورته فحدِّث ولا حرج عن همجيّةٍ بغيضة, ووحشيّة غريبة, فقد سلم أُساراهم للإنجليز أُسارى! مع أن الإنجليز لم يطلبوا منه, ذلك بل كان يكفيهم ويرضيهم منه مادونه (6) لكن أبت أخلاقه إلّا ذلك الغدر, فإن قارنّاهُ بالإمام عبد العزيز نجده بعد أن طردهم من المنطقة الشرقيّة سلّمهم سلاحهم, وأرسل معهم من يحرسهم قائلاً: لن ننزع من رجل الدولة العثماني سلاحه .
   أمّا المدنيين من التّرك الّذين كانوا من سكّان مكة منذ أكثر من مئتي سنة, فقد كان حسين يفرّق بين الرجل وزوجته وأطفاله, كلّ منهم في طريق من القوافل الخارجة عن مكة, ولا يعرف الرجل أين زوجته, ولا الطّفل أين أمه وهم بين صراخ وعويل(7) وقد أباحهم وبيوتهم للأعراب والسرّاق والنُّهاب الّذين معه فصارت كارثة إنسانية في البلد الحرام! وكان من بقي منهم بعد نهب ممتلكاتهم وإجلاء الكثير من أقاربهم يتسوّلون في الأسواق , ويقولون: ارحمونا فنحن مسلمون ولا ذنب لنا . فكلّ من رآهم دمعت عينه, وانفطر فؤاده, وانصدعت كبده, ولمّا جاءته امرأة تسأله عن زوجها وكان جالساً في قصره مع رجاله, فقالت: يا سيّد البلد أين سيّدي؟ _أي زوجي_ قال: ادفعوها. فدفعوها مع الدّرج حتّى خضبت دماؤها عموم الدرج! قال محمد العلي العُبَيّد(8) بعد ذكره ما سبق من جرائم حسين مع بقايا التّرك: ( وإنّي لأظن أنّ أسبانيا حين تولّت على المسلمين في الأندلس في القرن الثامن الهجري, لم تفعل ما فعله الحسين بن علي مع من عنده من الأتراك! ولكن (إنّ ربك لبا لمرصاد ) (الفجر:14) فقد كالَ له رَبُّهُ بصاعه الأوفى, وفتح عليه أبواب الفتن والشرور, وابتلاه بخالد بن لؤي, الذي كان يكرهه الحسين ويحذره كحذر فرعون من موسى عليه السلام ) .
   وبما أنّا نكأنا جرح المسلمين في هدم الخلافة (9) الّتي كانت قد هُدِمَتْ من اسطمبول أوّلاً, ثمّ بَيْعِ فلسطين, وَهِبَةِ من لا يملك لمن لا يستحقّ من شُذَّاذِ الآفاق ثانياً, وحرب الإخوة ثالثاً, فنسأل: هل حقّاً كانت الدّولة العثمانيّة تُمَثِّلُ خلافة إسلاميّة؟ والجواب بكل أسى: " لا " لأن حزب "الاتحاد والترقي" والّذي أسّسَهُ يهود الدّونمة, كان هو الحاكم في تركيا عشرات السنين, وغيّبَ الشّريعة عن سياسة الدولة, بل في شؤون الدّين والدنيا, فأعلن عن "علمنة الدولة" وهذه ردّة صريحة, وكفر بواح, وغيّر لغة المسلمين الأتراك في كتابة حروفهم, فأحالها من العربيّة إلى الّلاتينية! فقطع الأجيال عن لغة القرآن العظيم, وجنى على أجيال الأمّة التركيّة, فلم يسطِعِ الواحدُ منهم أن يتلو آيات ربّه كحال الباكستان والأفغان والإيران, الذين يتلون القرآن بحروفه العربيّة, حتّى وإن لم يعرفوا معناه إلّا بترجمة, لكنّ هذا الأتاتورك الطّاغوت وحزبه, قد قطع أجيال التّرك عن لغة دينهم, يريد التشبه بأسياده, يظن أنهم أعلى من المسلمين مبادئً وقيماً, وأوفى وأرقى! وتلك عقدة المغلوب, وقد علمت أمة الترك خيانته وبيعه لدينه ووطنه .
ولو لبس الحمار ثياب خزّ     لقال الناس: يا لك من حمار!
   بل وصل به الصّلف ومحادّة الله تعالى أن منع الأذان بالعربية, لكنّه لم يستطع تطبيق هذه الباقعة, وَمَنَعَ محاكم الشّريعة في الجنايات ونحوها .
قبحت مناظرهم فحين بلوتهم     حسنت مناظرهم لخبث المخبر
    أمّا إن رجعنا للوراء ونظرنا لتاريخ تلك الدولة؛ فسوف نشاهد البدع والمحدثات, وحرب التّوحيد وأهله, خاصّة في عصورها المتأخّرة, وهذه الشّناعة فيها من قديم, ولم يقرّ قرارهم حتّى فعلوا الجريمة النّكراء جريمة إزالة الدّولة الحنيفيّة السعودية الأولى, وكسر ظهرها بهدم الدرعية, وقتل الموحدين فيها, وسفك دم علمائها السّلفيين, على يد الطّاغية الهالك - عليه من الله ما يستحقّ - إبراهيم باشا, فذاك الإمام المحدّث الفقيه, تاج عصره, وجمال زمانه, وواسطة عقد علمائه؛ سليمان بن الإمام عبد الله بن المجدد محمد بن عبد الوهاب, صاحب "تيسير العزيز الحميد" قد قُتِلَ بعدما صخبوا عنده بالمعازف والملاهي, وهو مقيّد, ثمّ رموه بالرصاص فمزّقوا جسماً قد ملأه العلم والبرّ والخير, وكان عمره ثلاثة وثلاثين عاماً, في تلك السنة ( 1233) وقد أكرموه بالشّهادة من حيث لا يعلمون, نحسبه والله حسيبنا وحسيبه, ولا نزكّي على الله أحداً, ثم شمت بوالده العلامة الشيخ عبدالله وهو يقول له: يا عجوز قتلنا ابنك! .كذلك إمامُه عبد الله بن الإمام المجاهد سعود بن الإمام المجاهد الشهيد عبد العزيز بن الإمام الناصر للدّعوة محمد بن سعود, فقد طِيف به في "استامبول" ثمّ قُتِلَ وصُلِبَ شهيداً, ومن ثمّ وجّهت الدّولة العثمانيّة حربها الظّالمة على كلّ ما هو سلفيّ, وأدارت آلتُها الإعلاميّة الظّالمة, وشيوخُ السوء, وعلماءُ الضلال, حَمَلَةَ بهتان على دعوة التّوحيد, وعمّموا هذه الدّعاية الظّالمة على ما استطاعوا من ولاياتهم من الهند إلى المغرب, وكان من آثارها أن نَفَرَ العامّةُ من الدّين الخالص للمرسلين, الذي جَدّدَتْ ما اندرس من معالمه هذه الدّعوة الإصلاحيّة المباركة, فظنّها الرّعاع ديناً محدثاً أو مذهباً خامساً! ووصموه بالوهّابية, وببغض الرسول صلى الله عليه وسلم . ولكن ( ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره ) (التوبة:32) .
    لقد انتشرت الدعوة المضادة للدعوة السلفية في مشارق دول الإسلام ومغاربها, وقد أثمرت تلك الجهود التشويهية, وآتت أكلها المرّ المسموم, ونوجز بيان ذلك بمثالين أحدهما من المغرب والآخر من المشرق:
    فمن المغرب؛ قال أحد الشناقطة: وصلت إلى مكة المكرمة من بلاد شنقيط, ولما دخلت المسجد الحرام أذن المؤذن فتابعته, فلما شهد المؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة تعجبت! وقلت: الحمد لله أن الوهابية يشهدون له بالرسالة! لكن يا ترى هل يحبونه؟.
   ثم جلست إلى حلقة درس لشيخ كفيف فسمعت منه ما أبهرني من تفجر ينابيع العلم من صدره ولسانه, وإشعاع المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وإجلاله من كلامه وعاطفته, فلما انقضى ذلك المجلس رأيت أحد الشناقطة فجلست إليه وتجاذبت الحديث معه, وأخبرته بتوجسي من الوهابية مبغضي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم! فتبسم وقال: أما جلست إلى الشيخ الكفيف قبل قليل؟ قلت: نعم, وأثنيت عليه خيراً كثيراً, فقال: هذا هو شيخ الوهابية, وهو الشيخ العلامة عبدالله بن حميد رحمه الله تعالى.
    أما من المشرق؛ فقد كان في الهند أحد علماء الحديث, وكان يُنهي درسه بالدعاء على الوهابية الخارجية ومذهبهم الضال...ويخصص إمامهم بزيادة تشنيع, وذلك بسبب الدعاية السيئة التي تلقفته كغيره, وفي أحد الأيام حضر درسه أحد طلبة العلم من نجد ليطلب الحديث على يديه ويتحمله منه بسنده العالي, وكان ألمعياً أحوذياً, ذا دعوة بالحكمة والحسنى, ملتمساً لشيخه العذر لجهله بحال الإمام المجدد رحمه الله تعالى. فأخذ كتاب التوحيد للإمام, ونزع مجلدته, ثم ناوله شيخه واستشاره في صلاحية هذا الكتاب للتعلم والتعليم, فأخذ شيخه الكتاب وقرأه بعناية وتجرد, فانبهر بما فيه من تحقيق واستدلال, وبما حواه من علاج ناجع لأمراض الأمة العقدية. فأعاد الكتاب مثنياً عليه وداعياً لمؤلفه المجهول, وكم كانت المفاجأة الصاعقة حينما أعطاه تلميذه المجلدة المنزوعة, وعلى طُرَّتِهَا اسم الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى, فتأثر بشدة من تلك المفاجأة وتحسبل على من شوهوا تلك الدعوة الصافية الطاهرة الماجدة النقية, وندم على ما سبق من عدائه لها ولمجددها, فآلى على نفسه أن يجلو حقيقتها للناس, وأن يدعو لمجددها في ختام دروسه, كفارة لما كان من التحذير منها في سالف زمانه, والله المستعان.
   قال الشيخ صالح آل الشيخ: إنّ مّما وجده الموحّدون في الحجرة النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام, خرقةً من أحد سلاطينهم وهو السلطان "سليم" وفيها: يا رسول الله: أنصر عبادك! . والله تعالى يقول: ( وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ) (الجن: 18) ( إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ) (المائدة: 72) ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ) (النساء:48 , 116) وانظر ما كتبه الشيخ حمود التويجري رحمه الله في حالهم.
    أماّ إحياء البدع, ونصر الطرق الصّوفيّة المحدثة, وإعلاء شأن الخرافيّين والقبوريّين, فهذا ديدن تلك الدّولة, وانظر إلى الحجاز قبل وبعد فتح الموحّدين له, واسأل نفسك أيُّهما أشبه بخلافة النبوة؟! هذا إن كان هناك مجال للمقارنة:
ألم تر أن السّيف ينقص قــدره     إذا قيل إنّ السّيف أمضى من العصا؟
    فقد كانت مكة المكرمة, ببقاعها المشرّفة, وبنيّتها المعظّمة, تشتكي إلى الله تعالى من الأوثان الّتي بها, كقبر خديجة رضي الله عنها, وغيرها كثير, وجِدّةُ ليست بمعزل,كالقبر المزعوم لأمّنا حواء رضي الله عنها, أمّا مدينة التّوحيد والنبوّة؛ فلا إله إلا الله, ما أحلم المولى سبحانه عن ما أحدثه المشركون في مدينة نبيه ومهاجره من وثنيّة! ولمّا سأل الإمام المجدد شيخه محمد حياة السندي رحمهما الله عن حال المستغيثين بغير الله عند الحجرة النبوية, أجابه شيخه بالقرآن العظيم: "إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون" (الأعراف: 139) أما سائر الولايات التابعة للعثمانيين فحدث ولا حرج عن غربة السنة, وظهور البدعة والخرافة!.
   قال الشّيخ العلّامة حمد بن عتيق: لا يحبّ هؤلاء أحد يؤمن بالله واليوم الآخر _ويعني بهم الأتراك في زمنه_ .
   ولا نريد أن نسترسل في إرهاق قلبك بالأسى على حال أمّة الإسلام في ذلك الزمان, ولكن اعلم أنّه كلّما كان التوحيد في قلبك أعظم, عرفت غلظ وخطر الشّرك والبدع . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى, في مجموع فتاويه: ( من عرف الباطل والشرك, كان أكثر تعظيماً ومحبة للحقّ والتّوحيد ) .
   أَمَّا تَعَصُّبُ هذه الدّولة للمذهب الحنفي فيكفيك مثالاً أنّ مذاهب الأثر الثلاثة (10) قد اندثرت في الشّام أو كادت, حيث مُنع المالكية والشافعية والحنابلة من القضاء, وكاد مذهب أحمد أن يندثر لولا لطف الله بتحمل النجديين له ومدارسته وتدريسه والتأليف فيه, وحمل لوائه الثالث بعد العراقيين ثم الشوام, رحمة الله على الجميع.
    ومع عدم حطِّنا من مذهب الإمام أبي حنيفة النّعمان, إلّا أنه ليس حقّ كلّه, لا هو ولا غيره من المذاهب المتبوعة الأخرى, والعبرة بمن وزن مذهبه بالكتاب والسّنّة .
    أما عن التنمية الاجتماعية والعمرانية والزراعية ونحوها في الولايات التابعة لها فلم تكن في المستوى المؤمل مع غناها وقدرتها, ويشكرون على القطار الذي ربط الآستانة بالشام والحرم النبوي, والذي كانت نهايته التفجير والتدمير من الأعراب بتوصية من الشريف والإنجليز, من أجل قطع الإمدادات عن الكتائب العثمانية في الشام والحجاز, وطبعاً فالمستفيد الوحيد لندن, وبأيدي من؟!.
   بَيْدَ أن الدّولة العثمانيّة ليست شرّاً محضاً, بل نرجو أن خيرها وفضلها أكثر, فللإنصاف نقول: إنّها قد مرّت بمراحل عديدة, فقد عُمِّرَت ستة قرون ونصف (698_1341) الموافق (1299م_1923م) عاشت (643) عاماً هجرياً أي: (625) عاماً ميلادياً.
   وحكمت مساحات وأقاليم شاسعة من آسيا الصغرى والحجاز والعراق والشام ومصر والسودان ومعظم المغرب العربي والصومال والبلقان والنمسا وإيطاليا ورومانيا وبلغاريا وأرمينيا وجورجيا واليونان.
وقد حكمها أربعون سلطاناً, أولهم عثمان الأول, وآخرهم عبدالمجيد الثاني. وبلغت مساحتها عام (1680م) 5,500,000 كلم مربع.
   وحكمت الحجاز أربعة قرون, من سنة: (1517م_إلى_1918م) وأكثرُ ما نابها من أمراض حضاريّة إنّما كان في عصورها المتوسّطة والأخيرة, ولا ينكر عاقل فضلها في دكِّ معاقل الصليبيّين, وإذلالِ عبدة الصّليب (11) ونشرِ الإسلام في أوروبا بل إدخال جملة شعوب في حياضِ الملّة, كالشّعب الألباني وكثير من المقدونيين واليوغسلاف ونحوهم, وكالحدِّ من تمدّد المارد الرافضيّ المجوسيّ الخبيث من الشّرق, وكسرِ شوكتهم الصّفويّة البغيضة, الّتي هي أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى, حيث سحقوهم في معركة جالديران الشهيرة التي قلمت أضافرهم قرناً كاملاً من الزمان, وكسرت ظهور حلفائهم النصيرية- المتسمية زورا بالعلوية بفعل الفرنسيين- . وكانت هذه المعركة التاريخية عام (920)الموافق(1514م) في عهد السلطان العثماني سليم الأول.
    ومن محاسن تلك الدّولة كذلك؛ نشرُ العلوم الشرعية, والمعارف التجريبيّة, والّلغة العربية بين رعاياها, وإقامةُ محاكم الشريعة والقضاء بحكم القرآن الكريم, إلى غير ذلك من المحاسن والآثار, التي تذكر وتشكر وتنشر.
   والذي جرّنا لهذا الحديث الطويل, هو ما كان يُسمى بالثّورة العربية الكبرى والّتي قد قادها الحسين شريف مكة وأبناؤه, ولم تُحسِن السّلطنة العثمانيّة التّعامل معها, فبدلاً من إعطاء العرب حقوقهم, وردّ اعتبارهم, نكّلَت بهم, وقتلت العديد منهم, ونصبت لهم المشانق, حتّى ازداد الكُرْهُ المتأصّل في نفوس العرب عليها, وصار للثورة مبرر في نفوس الكثيرين ضد طغيان الترك وتسلطهم .
    وقد كانت شرارة الحرب قد بدأها حسين, ونفخت كيرها لندن, وغَنَّت لها طويلاً, وأكلت بها ما أتخمها من الغنائم والأسلاب . وخرج العرب من الحفلة بلا حُمُّص - كما يقال - إلّا على دويلات وكانتونات هُلَاميّةٍ, تُدِيْرُهَا رُؤوس الخبث الإنجليزي العريق في المكر والدّهاء والتلوّن والميكافيليّة, هذه التّراجيديا الّتي خرج منها عبد العزيز آل سعود بكلّ مهارة وبراعة, كما أقر بذلك حلفاؤه وخصومه الإنجليز أنفسهم, فخرج بعزّة إسلاميّة عربيّة شمّاء . ففي الوقت الذي كان يَمُدُّ الضّابطُ الإنجليزيّ قدميه ويُدخِّن في وجه فيصل ملك العراق, كان ضبّاط الإنجليز الّذين يُرسلون لمفاوضة عبد العزيز يُسرعون بتهويةِ المكان بعد تدخينهم التبغ, خوفاً وفَرَقاً من دخول عبدالعزيز عليهم,كأنهم تلاميذ سيئين عند أستاذ عاتٍ جبّار! وحتى اتفاقيات الإنجليز السابقة معه فقد ضمن بها كامل حقوقه وحقوق شعبه, وقد أحسن التعامل معها, وأجاد استخدام أوراقها حتى النهاية, حتى إذا صعد حظ الأمريكان ربط مصالحه الدولية بهم تاركاً خلفه مصالح حليفه القديم الذي بدأ حظ إمبراطوريته بالأفول(12) فلم يكن يزايد على مصالح شعبه _ رحمه الله تعالى _ (13).
    والشّاهد من هذا كلّه هو طرح السؤال المُحرِج لذلك الجيل الماضي: هل حقّقت الثورة العربية أهدافها المعلنة؟ (14).
    والجواب معروف لدى الجميع, فقضيّةٌ تطبخ في دهاليز لندن, ويديرها أعداء الأمّة, بواسطة حسين وولده, حتّى وإن كانوا لا يُدركون مقصودَ أعداء الأمّة, فمعلوم أنّ مصير هذا المشروع هو الفشل الذريع والسقوط المريع, الّذي ترتّبت عليه وعلى غيره من الأحداث بعد الحرب العالميّة آثار مدمّرة, ونتائج كارثيّة مروّعة, منها ما نراه من تقطيع أواصر المسلمين, فصاروا شيعاَ وأحزاباً, ولكلّ حزب قِبْلَةً, ولكلّ شيعةٍ وِجهةً, والله المسؤول أن يُهيئ للأمّة باعثاً لمجدها, ورافعاً لعمودها, وناشراً لفسطاطها, ومُعيداً لسؤددها, ومُناكفاً محارباً مدافعاً بل غازياً فاتحاً لأعدائها . إنّه ولي ذلك والقادر عليه, وإليه المشتكى, وهو المستعان, وعليه التكلان, وهو مولانا فنعم المولى ونعم النصير .
                                                                          .........يتبع

إبراهيم الدميجي
24 / 1 /1433
aldumaiji@
.................................................
(1) "الوثائق البريطانيّة" المنشورة بتحقيق نجدة فتحي صفوة من عام: (1914م) إلى عام: (1920م) والمطبوعة في خمس مجلدات كبار .
(2) اشتركت ثلاث أسر رئيسية في التنافس على شرافة مكة وهي أسرة ذوي زيد _ وهم أطول الأسر زمناً في الإمارة_وأسرة آل بركات وأسرة العبادلة المعروفين بذوي عون_ والذي انتهت الشرافة في وقتهم _ والعبادلة نسبة إلى جدهم عبدالله بن حسن الذي تولى شرافة مكة عام: (1041).
    أما أول من تأمر على مكة من الأشراف فهو إسماعيل سفاك بن أخيضر عام: (251) .
( أشراف مكة وأمراؤها في العهد العثماني ) لإسماعيل حقي جارشلي بترجمة خليل علي مراد: وانظر: ص(209,129,23,10,6).
(3) عدد قتلاها نحو ثمانية ملايين ونصف! وضعفهم من الجرحى والمشردين واستمرّت زهاء أربع سنوات ونصف, وكانت بين أربعة عشر دولة . أمّا الدمار الحقيقي والكارثة الكبرى فكان للحرب العالمية الثانية, بين ثلاث وعشرين دولة! فقد كان قتلاها نحو: ثلاثة وسبعين مليوناً من البشر!! وهذا غير الجرحى والمشردين, وتدمير البنى التحتية لكثير من المدن, بل تدمير العديد من المدن بكل مافيها من مظاهر حياة! وقد امتدت رحاها ست سنوات كاملة من الحرب والقتل والدمار على أطماع ومظالم عانت البشرية منها الويلات , وكانت من: ( 1 سبتمبر1939_إلى_2سبتمبر1945 ) .
(4) كانت الثورة في عهد السلطان العثماني محمد رشاد الخامس .
(5) الوثائق البريطانية: (4|147) .
(6) أين التذمم والشيم؟!.
إذا كنت أكّالاً للحم بني أبي     فلست بمهديه على كلّ آكلِ
(7) عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله عليه وسلم قال: "من فرّق بين والدة وولدها فرّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامه" رواه أحمد وصححه والترمذي والحاكم, وفي سنده مقال, وله شاهد.
    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لاتنزع الرحمة إلا من قلب شقي" رواه أبو داود والترمذي, وروى الشيخان في حديث تقبيله الحسن والحسين رضي الله عنهما:"من لا يرحم لا يرحم" ورواه أحمد وزاد: "من لا يغفر لا يُغفر له" ولأبي داود والترمذي وقال حسن صحيح:"الراحمون يرحمهم الرحمن, ارحموا من في الأرض يرحمْكم من في السماء" ولأحمد مرفوعاً:"ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم".
    قال المستشرق الأسباني جان ليك في كتابه (العرب) :"لا يمكن أن توصف حياة محمد بأحسن مما وصفها الله بقوله:" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الأنبياء: 107) كان محمد رحمة حقيقية, وإني أصلي عليه بلهفة وشوق". "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" (الأحزاب: 21).
(8) مخطوطة النجم الّلامع: ( 187) بتصرف .
    ومخطوطته الموسومة بـ"النجم اللامع للنوادر جامع" هي أخبار وأشعار من القرنين الثالث عشر والرابع عشر, وهو كتاب حافل جيّد, بل ونادر المثال عزيز المرحلة, لأن ذينك القرنين لا تكاد تجد من توسع في ذكر أخبارهما وأحداثهما من المؤرخين, أسوة بحقب خلت في الجزيرة, على عكس الحواضر الإسلامية الأخرى كالشام ومصر والآستانة ونحوهن . فالكتاب كما ذكرت جيّد لولا حَيْفُهُ على الإخوان واتّهامهم بما لا يليق من مثله لهم, وإن كانت هذه صادرة عن بعض المشاهدات والوقائع التي لا تُنكر, ولكن ينبغي أن لا تعمّم عليهم, وإن كان قد يُعذر في بعضها فقد كادت تودي بحياته! كذلك بعض الأخطاء التاريخية, وإن كان لا يكاد يخلوا منها كتاب, وعهدة المؤرخين في الغالب على الرواة, فكما أنّهم العمدة في جذع كتاب التاريخ (ويأتيك بالأخبار من لم تزود) فكذلك هم المطعن فيه غالباً (وما آفة الأخبار إلا رواتها) .
(9) قال العبيّد: وقد أدركت أُناساً منهم_ويعني المسؤول التركي بمكة_ في آخر ملكهم وهم في الحجاز في زمن السلطان عبد الحميد فكانوا يحافظون على صلواتهم, وكان رؤساؤهم وضباطهم يصلّون ويأمرونهم بالصلاة, حتى في صلاة التراويح في رمضان غير الفريضة, وكان قضاتهم يحكمون بالشريعة المحمدية على مذهب الإمام أبي حنيفة.....ويحرصون على مراقبة دخول أوقات العبادات كالصوم والحج...) ( النجم اللامع: 195) .
(10) مذاهب الأثر_ أي تقديم النص على القياس_ هي المالكية والشافعية والحنبلية, وهي المدرسة الحجازية أو المدينية . أما المدرسة الثانية فهي مدرسة العراق وبالأخص الكوفة, ويقال لهم أهل الرأي, وأهل القياس, وأشهر من يمثّلهم الأحناف؛ لتقديمهم القياس على ظاهر الأدلة عند التعارض, وهم قد يُعذرون في أول شأنهم وذلك لكثرة الكذب والوضع في الأحاديث في العراق في ذلك الوقت, ولكن مع ظهور الصحاح وقيام علم الجرح والتعديل؛ سقط ذلك العذر, فوجب الرجوع للحديث والأثر, علماً بأنّه لا يوجد تعارض حقيقي البتّة بين نص صحيح صريح, وعقل سليم صحيح, وانظر (درء التعارض لشيخ الإسلام) .
(11)  وكان لهم شرف الدفاع عن الحرمين ضد النصارى الغزاة لمّا دخل البرتغاليون ميناء جدة عام: (948) وقصفوا المدينة بالمدافع ثم انسحبوا وانقلبوا خائبين, ولم يحققوا مأربهم, ثم عادوا في نفس السنة بثمانين سفينة, ونزلوا البر في مرفأ "أبو الدواير" وبدؤا هجومهم, إلا أن وصول شريف مكة أبو نمي محمد بقواته, كذلك مع الصمود العظيم لأهالي جدة البواسل وواليهم العثماني قد أجبر الصليبيين على الانسحاب . (أشراف مكة: 136) .
(12) (السعوديون والحل الإسلامي) محمد جلال كشك.
(13) ويظهر فارق شخصية الملك عبدالعزيز عند مقارنته بأقرانه كآل الصباح وآل الرشيد والأشراف ونحوهم .
    ولنعقد بعض المقارنات بينه وبين عبدالله البيه وعبدالعزيز الرشيد ونزنهم بالمَثَل العربي: "الفرار في وقته ظفر" لأن أكثر الملوك والقواد يرون أن ذلك الفعل إنما هو من باب الهزيمة والفشل مطلقاً, لكن عبدالعزيز المحنك يرى غير ذلك.
    والحازم المحنّك هو من يقيس الأمور بأشباهها ويزنها بأضدادها, ويختار أنسب الحلول لنازلته, حتى وإن كان ظاهرها الفرار, فلم يُعب موسى عليه السلام حينما خرج من مصر خائفاً يترقب, حتى عاد بعد عشر سنين بعز الدنيا والآخرة, عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام .
    ونبيّنا صلى الله عليه وسلّم خرج من مكة مستخفياً, حتى عاد بعد بضع سنين فاتحاً مظفّراً, قد أذل الله له نواصي عتاة قريش.
    وعبدالرحمن الداخل (صقر قريش) خرج خائفاً تطارده عساكر بني العباس؛ حتى هيأ الله له ملك الأندلس.
    المقارنة:
    في ليلة تربة حينما حُذّر عبدالله البيه من الإخوان, وأشار عليه كبار قوّاده ومنهم ابن عمّه شاكر بن زيد بالتحصن بالسّوق عن العراء, أخذته العزة قائلاً: أنهزم أنفسنا قبل هزيمة عدونا لنا؟ وكانت النتيجة سحق غالب جيشة وهلاك معظم جنده .
    وقبل ذلك بثلاثة عشر عاماً تقريباً أثناء المطاردات بين الزعيمين المتنافسين عاليي الهمة عبدالعزيز أل سعود وعبدالعزيز الرشيد, وفي إحدى الليالي بينما الملك عبدالعزيز قد بنى بأهله متزوجاً بنت أحد شيوخ الروقة العتبان وهو الضيط, فأناخت ذلوله "مصيحة" عنده قد أرسلها أخوه محمد من بريدة, ينذره بتقدّم جيش عبدالعزيز بن رشيد إليه وعزمُ تبييته, فجمع قوّاده, وكان غالب جيشه في تلك الليلة من البادية, وليس له من جند العارض إلا قليل_ وهم من كان يركن إليهم عند المعترك في ذاك الزمان قبل هبوب عواصف الإخوان_ فجمع قوّاده وطرح القضية للمداولة, فأشار عليه أحدهم بأن يسري من ليله ومعه الإبل تسوقها الخيل, والبقية يلحقونه بالبيوت (المظاهير) والغنم, وموعدهم "النير" فاستحسن عبدالعزيز هذا الرأي وعمل به وكتب الله لهم السلامة, ولمّا جاء عدوّه لم يجد إلا آثارهم .
    وعلى العكس كان خصمه عبدالعزيز الرشيد, فإنّه لمّا أتاه النذير يخبره بأن جيش ابن سعود قد وصله, وكان مخيّماً في روضة مهنّا (*) فقال له النذير وهو من الهوامل من مطير: وصلك عبدالعزيز بن سعود! وغرض المسكين الجائزة والعطيّة, فما كان من عبدالعزيز بن رشيد إلا أن أخرج المسدّس وأطلق منه ثلاث رصاصات على رأس الرجل! ثم كان ماذا؟ عاد لنومه فلم يوقظه إلا صهيل خيل ابن سعود, فانتبه دهشاً مرعوباً, فركب فرسه ليدبر جنده الذين أشعلوا النيران فانكشفوا لنيران بنادق جند ابن سعود, فدفع بن رشيد فرسه تجاه راية ابن سعود يظنهم قومه وهو يصيح غاضباً: يا الفريخ! والفريخ هو حامل رايته, فما راعه إلا وفارس من المقرن واسمه هذلول فضربه ابن رشيد بسيفه فقطعه جزلتين لشدة بأسه وغضبه, ثم لوى عنق فرسه ليعود لجنده, فرآه حامل راية ابن سعود واسمه عبدالرحمن بن مطرف, فصاح في الجيش: عبدالعزيز بن متعب ياطلّابته! فتناوشوه بالرصاص فأصابته رصاصة بين عينيه فخر صريعاً رحمه الله, وأدبرت فرسه فلمّا عرفها أصحابه علموا أن فارسها قتل, فانهزموا, وتخلص ابن سعود من أشرش وأشجع أعدائه على الإطلاق.
تذكرت من يبكي علي فلم أجد    سوى السيف والرمح الرديني باكيا
وأشقر محبوك يجر لجامه       إلى الماء لم يترك له الدهر ساقيا
صريع على أيدي الرجال بقفرة      يسوون لحدي حيث حمّ قضائيا
وخطّا بأطراف الأسنة مضجعي      وردا على عيني فضل ردائيا
خذاني فجراني ببردي إليكما      فقد كنت قبل اليوم صعباً قياديا
يقولون لا تبعد وهم يدفنونني      وأين مكان البعد إلا مكانيا
غداة غدٍ يالهف نفسي على غدٍ    إذا أدلجوا عني وأصبحت ثاويا
    وكان بين هروب ابن سعود لمّا طلبه ابن رشيد وهذه المعركة قرابة أربعة أشهر فقط .
    وكانت ليلة: ( 17/2/1324 ) حيث كان ابن رشيد قبلها قد أرسل لابن سعود وقال: أنا وأنت ظلمنا المسلمين بحملهم على القتال من أجلنا, ولكن ابرز لي على فرسك المعضادية, وأنا على حصاني الشهيب, ومن قتل صاحبه فله الملك. فقال ابن سعود راداً عليه: أنت ميّت وأنا حي . أي: أنت قد مللت الحياة بهذا الحال, لكنّي لست كذلك. وفي ذلك قال محمد العوني شاعر بريدة:
يا نهار جا على روضـة مهنّا      والفشق فيها كما ضيق المخايل
ترك اللي يوم سرنا غاب عنّا     ما حضر كون ذبحة شيخ حايل
(*) لكلّ باغ مصرع, فقبل معركة روضة مهنّا بشهرين وفي نفس المكان, كان ابن رشيد مارّاً فصادف حواشيش لأهل بريدة وعدتهم (25) فقرنهم بالحبال كي يقتلهم, فتقدم له رجل مسنّ وبين يديه ولده فقال: هذا الولد ولدي, وله ثمان أخوات لا عائل لهن بعد الله سوانا, فتفضّل عليّ بإبقائه حيّاً, واقتلني مكانه . فرد عليه بأن قال: بل أقتله وأنت تشاهده ثم أقتلك . ثم قتلهما وألحق بهما جميع الحواشيش! نعوذ بالله من قلب لا يرحم, وفي الحديث الصحيح: ( لا تنزع الرحمة إلا من قلب شقي ) عياذاً بالله تعالى . ويقال: إنه بعد تلك القتلة لهم كان يرى في منامه ذلك الشيخ متعلق به ويقول يا عبدالعزيز قتلتني وظلمتني وقتلت ولدي, والله لا أطلقك حتى نقف بين يدي الله . فكان يقوم من منامه فزعاً, ويقصّها على جلسائه, عفا الله عنه .
    لقد كان عبدالعزيز الرشيد مفرط الشجاعة عظيم الجسارة, ولكنه كان جبّاراً عسوفاً, ويرى أن التملّك بالقوة خير من التملك بالسياسة, وكان إلى العقوبه أسرع منه إلى العفو, وكان كثيراً ما يتمثّل ببيتين لعمّه عبيد العلي الرشيد وكان جباراً مثله:
محدٍ مصافيني له السير ممروع      الّا بضـرب مصقّلات الهنادي
    والآخر المشهور:
اضرب على الكايد ولو كنت بلشان      وعنـد الولي وصل الحبل وانقطاعه
    وكان ذا بأس شديد, فلا يهاب أحداً, ويغزو وإن كان قليلاً, قال ناهس بن فاجر الذويبي: غزوت مع عبدالعزيز الرشيد على إحدى القبائل فانتذروا بنا, ونوّخوا وعقّلوا, وكانوا في جبال وعرة المسالك, لا تغير فيها الخيل ولا الجيش من وعورتها, فأرخى رماتهم الرصاص علينا من الجبال مدة ساعتين, ولمّا نظرنا إذ القتلى:(140) من الجند والخيل والجيش, حتى أوقفوا غارتنا عليهم . ثم إن عبدالعزيز المتعب الرشيد حمل الراية بنفسه وهزّها وصاح: يا عَبِيْد يا سودان اعزلوا كلكم ولا يخرج واحد أبيض, فعزلوا فإذا هم:(640) مقاتلاً, فحمل الراية بنفسه وهزّها, ثم حثّهم وهم يطلبون حملها بدلاً عنه فلم يدفعها لأحد منهم, بل حمل البندقية على متنه معلقة بعلاقتها, وتجنّد الفرد, وأخذ الراية بشماله, وامتشق سيفه بيمينه! ثم قال: يا عيالي السودان اليوم يومكم, حتى فاح فائحهم, ثم أعطاهم التعليمات وقال: "تراه مركاض واحد لين نذبح البواردية وهم في الجبال" _كما قيل: إنما النصر صبر ساعة_ ثم ركض أمامهم وهو يقول:
يا بو خديد فيه رقوش      إلى ذلينا من يهوش؟
    فكرّوا معه, وانتشروا عن يمينه وشماله, فلم يقم عدوهم أمامهم سوى نصف ساعة, فما منه إلا مقتول أو هارب. إذن فنحن أمام شجاعة تاريخية ( على أن هذا كلّه إنما هو من السلب والنهب والظلم والقتل الذي وضعه الإسلام, فالحمد لله على نعمة الأمن والإيمان).
    والشاهد أن حملاته لا تطاق, غير أنه قليل السياسة, ولا خير في عزم بلا حزم, ولا في شجاعة بدون رأي وسياسة .
بتصرف واختصار وزيادة من: ( النجم اللامع: 139, 214) .
   وبالمناسبة فقد كانت دولة الرشيد قوية مهابة حازمة, كأنما ضغط التاريخ فيها لكثرة أحداثها وتنوعها, كأنما ضغط فيها التاريخ, جديرة بأن يطول أمدها لولا دبيب داء الأمم إليها في زهرة شبابها, فكان عمرها قرابة التسعين عاماً, ألا وهو الحسد والبغضاء بين آل الرشيد أنفسهم, وهو ما عصف بعرش دولتهم وأزهقها سريعاً, فكان الاغتيال بينهم قد صار سمة وظاهرة بين الخط الثاني والأول من الحكومة, وقد يكون القتلى ثلاثة دفعة واحدة, بل حتى الأطفال لم يسلموا! ويكفينا ذلك الطفل المسكين الذي قتله خاله وهو يلوذ عنه في الزوايا ويصيح بين يديه ويتوسل: "يا خالي, وش سويت أنا؟!" فضربه برصاصة المسدس, فأرداه قتيلاً . وكان قاتله, قد أقسم على المصحف لمّا أرسل أمّه للحج أن لا يؤذيه ولا يغدر به ولا بإخوته, وما أشنع الغدر! وما أقبح القسوة! . والأدهى من ذلك _إن صحّ_ قتل أربعة عشر طفلاً بعد سجنهم, وهم من جملة ثلاثين شخصاً قُتِلُوا في ظرف شهرين من أسرة واحدة! ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطّعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمّهم وأعمى أبصارهم ) (محمد: 22) وكان فيصل الحمود الرشيد فيما بعد حينما كان في الرياض في ضيافة الملك عبد العزيز يقول: إنّي لأنتظر غبّ ما صنعنا ما بقي منّا أحد.
    هذا وإن مما يحمد لآل الرشيد وقوفهم مع الدولة العثمانيّة حتى آخر رمق.
    وليُعلم أن سنن الله لا تحابي أحداً, فمادام آل سعود على شريعة الله فلهم الرفعة والسناء, والعز والتمكين, وإن حادوا _أعاذهم الله من ذلك, وثبّت دينهم وملكهم_ فالله تعالى يقول: "فلن تجد لسنت الله تبديلاً ولن تجد لسنت الله تحويلاً" (فاطر: 43). فآل بيت نبيه صلوات الله وسلامه عليه أزال ولايتهم لما بدّلوا, كبني العباس أو الأشراف, وما سواهم من باب أولى!." وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فؤلئك هم الفاسقون" (النور: 55) .
(14) كما سيسألنا أجيالنا عن هذه الثورات الحالية وهل حققت أهدافها النبيلة؟ وحاضر اليوم, تاريخ الغد!.