إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأحد، 29 يوليو، 2012

"صَلَاةُ المُقَرَّبِين"


"صَلَاةُ المُقَرَّبِين"

      أحمدُ الله الذي لا إله إلا هو, وأشكرُه, وأثني عليه, وأستغفره, اللهم لا أحصي ثناء عليك, أنت كما أثنيت على نفسك.

إليك! وإلّا لا تُشـدُّ الركائبُ  **   ومنك! وإلّا فالمؤمِّلُ خائبٌ

وفيك! وإلّا فالزَّمانُ مُضيَّعٌ   **   وعنك! وإلّا فالمُحَدِّثُ كاذبٌ

لديك! وإلّا لا قرارَ يطيبُ لي   **   إليك! وإلّا لا تسيلُ السواكبُ

     وأشهد أن لا إله إلا الله, وحده لا شريك له, له الملك, وله الحمد, وهو على كلّ شيء قدير, جَعَلَ الصلاة حبلاً واصلاً لمن وفّقهم بلُطف التّقدير. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, الشّاهدُ المُبَشِّرُ النَّذيرُ, والداعي إلى الله بإذنه, والسراجُ المنيرُ, صلوات ربّي وسلامه عليه عدد مخلوقات العليّ القدير, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بحسن تدبير. أما بعد:

تَبرّأتُ من حولي وطَوْلِي وقوّتي   **   وإني إلى مولاي في غاية الفقرِ

له الفضلُ كلُّ الفضلِ أسلمت مُهجتي   **   إليه فما لي حين أنساه من عذرِ

    قال شيخ الإسلام رحمه الله: "ما يجتمع للعبد في الصلاة, لا يجتمع في غيرها من العبادات, كما عرفه أهل القلوب الحيّة, والهمم العالية" (الفتاوى: 16/512) وحيث أن الصلاة من الإسلام بالمحلّ الأرفع, والمقام الأجمع؛ فقد أحببتُ أن أُقرَّب لإخواني في الله وأبسط لهم رسالة شريفة سنيّة, خطّها يراعُ  بحرٍ علّامة, وحبرٍ فهاّمة, إنه الحافظ شمس الدين محمد بن قيّمِ الجوزيّة, مَنْ سارت بركةُ علمه في الأمّةِ مسير الشمس, صبّ الله شآبيب الرحمات على ذيّاك الرّمس. قد لخّصتُها من أحد ذخائره, وهو كتاب: (الصلاة وحكم تاركها: 146_159) ولا أطيل في التقديم, فالموضوع من العَظَمَةِ غايةٌ, والكاتب من العلماء آيةٌ. قال رحمه الله تعالى:

    "قال تعالى: "وأقيموا الصلاة" (البقرة: 43) فأمرنا بإقامتها, وهو الإتيان بها قائمة, تامّة القيام والركوع والسجود والأذكار. وقد علّق الله سبحانه الفلاح بخشوع المصلي في صلاته, فمن فاته خشوع الصلاة لم يكن من أهل الفلاح, ويستحيل حصول الخشوع مع العجلة والنقر قطعاً, بل لا يحصل الخشوع قط إلا مع الطمأنينة, وكلما زاد طمأنينة ازداد خشوعاً, وكلما قل خشوعه اشتدت عجلته, حتى تصير حركة يديه بمنزلة العبث الذي لا يصحبه خشوع, ولا إقبال على العبودية, ولا معرفة حقيقة العبودية, والله سبحانه قد قال: "وأقيموا الصلاة" (البقرة: 43) وقال: "الذين يقيمون الصلاة" (المائدة: 55) وقال: "وأقم الصلاة" (سورة هود: 114) وقال: "فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة" (النساء: 103) وقال: "والمقيمين الصلاة" (النساء: 162) وقال إبراهيم عليه السلام: "رب اجعلني مقيم الصلاة" (إبراهيم: 40) وقال سبحانه لموسى عليه السلام: "فاعبدني وأقم الصلاة لذكري" (طه: 14) فلن تكاد تجد ذكر الصلاة في موضع من التنزيل؛ إلا مقروناً بإقامتها, فالمصلون في الناس قليل, ومقيم الصلاة منهم أقلّ القليل, كما قال عمر رضي الله عنه: الحاج قليل والركب كثير.

     فالعاملون يعملون الأعمال المأمور بها على الترويج تحلّة القسم, ولو علموا أن الملائكة تصعد بصلاتهم, فتعرضها على الله جلّ جلاله, بمنزلة الهدايا التي يَتقربُ بها الناس إلى ملوكهم وكبرائهم, فليس من عَمِدَ إلى أفضل ما يقدر عليه, فيزيّنُهُ ويحسّنه ما استطاع, ثمّ يتقرب به إلى من يرجوه ويخافه, كمن يعمد إلى اسقط ما عنده, وأهونه عليه؛ فيستريح منه, ويبعثه إلى من لا يقع عنده بموقع!

     وليس من كانت الصلاة ربيعاً لقلبه, وحياة له, وراحة لروحه, وقرّة لعينه, وجلاء لحزنه, وذهاباً لهمّه وغمّه, ومفزعاً له إليه في نوائبه ونوازله, كمن هي سحت لقلبه, وقيد لجوارحه, وتكليف له, وثقل عليه! فهي كبيرة على هذا, وقرّة عينٍ وراحة لذاك.

     وقال تعالى: "واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين . الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون" (البقرة: 45 _ 46) فإنما كبرت على غير هؤلاء؛ لخلوّ قلوبهم من محبة الله تعالى, وتكبيره, وتعظيمه, والخشوع له, وقلّةِ رغبتهم فيه, فإن حضور العبد في الصلاة, وخشوعه فيها, وتكميله لها, واستفراغه وسعه في إقامتها وإتمامها؛ على قدر رغبته في الله. قال الإمام أحمد رحمه الله: "إنما حظّهم من الإسلام على قدر حظّهم من الصلاة, ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة, فاعرف نفسك يا عبد الله, واحذر أن تلقى الله عزّ وجل ولا قدر للإسلام عندك, فإن قدر الإسلام في قلبك؛ كقدر الصلاة في قلبك". (طبقات الحنابلة: 1/ 354).

     وليس حظّ القلب العامر بمحبة الله, وخشيته, والرغبة فيه, وإجلاله, وتعظيمه من الصلاة, كحظّ القلب الخالي الخراب من ذلك, فإذا وقف الاثنان بين يدي الله في الصلاة؛ وقف هذا بقلبٍ مخبت, خاشع له, قريب منه, سليم من معارضات السوء, قد امتلأت أرجاؤه بالهيبة, وسطع فيه نور الإيمان, وكشف عنه حجاب النفس ودخان الشهوات, فيرتع في رياض معاني القرآن, وخالط قلبه بشاشة الإيمان بحقائق الأسماء والصفات, وعلوّها, وجمالها, وكمالها الأعظم, وتَفَرُّدِ الرب سبحانه بنعوت جلاله, وصفات كماله, فاجتمع همّهُ على الله, وقرّت عينه به, وأحسّ بقربه من الله قرباً لا نظير له, ففرّغ قلبه له, وأقبل عليه بكليّته. وهذا الإقبال منه بين إقبالين من ربه, فإنه سبحانه أقبل عليه أولاً؛ فانجذب قلبه إليه بإقباله, فلما أقبل على ربّه؛ حظي منه بإقبال آخر أتمّ من الأول.

   وها هنا عجيبة من عجائب الأسماء والصفات, تحصل لمن تفقّه قلبُهُ في معاني القرآن, وخالطت بشاشة الإيمان بها قلبه, بحيث يرى لكل اسم وصفة موضعاً من صلاته, ومحلّاً منها:

    فإنه إذا انتصب قائماً بين يدي الربّ تبارك وتعالى؛ شاهد بقلبه قيوميّته. وإذا قال: "الله أكبر" شاهد كبرياءه. وإذا قال: "سبحانك اللهم وبحمدك, وتبارك اسمك وتعالى جدّك, ولا إله غيرك"(الترمذي:1/77 بسند صحيح) شاهد بقلبه ربّاً منزّهاً عن كل عيب, سالماً من كل نقص, محموداً بكلّ حمد, فَحَمْدُهُ يتضمّنُ وصفه بكل كمال, وذلك يستلزم براءته من كلّ نقص, تبارك اسمه, فلا يُذكر على قليل إلا كثّره, وعلى خير إلا أنماه وبارك فيه, ولا على آفةٍ إلا أذهبها, ولا على شيطان إلا ردّه خاسئاً مدحوراً. وكمالُ الاسم من كمال مسمّاه, فإذا كان شأن اسمه الذي لا يضرّ معه شيء في الأرض ولا في السماء؛ فشأن المُسمّى أعلى وأجلّ. "وتعالى جدّك" أي: ارتفعت عَظَمَة ربنا سبحانه, وجلّت فوق كل عَظَمَة, وعلا شأنه على كل شأن, وقهر سلطانه كلّ سلطان. فتعالى جَدُّهُ أن يكون معه شريك في ملكه وربوبيته, أو في إلهيته أو في أفعاله أو في صفاته, كما قال مؤمن الجن: "وأنه تعالى جدّ ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولداً" (سورة الجن: 3) فكم في هذه الكلمات من تجلٍّ لحقائق الأسماء والصفات على قلب العارف بها, غير المعطّل لحقائقها!

    وإذا قال: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" فقد آوى إلى ركنه الشديد, واعتصم بحوله وقوته من عدوه الذي يريد أن يقطعه عن ربّه, ويبعده عن قربه, ليكون أسوأ حالاً. فإذا قال: "الحمد لله رب العالمين" (الفاتحة: 2) وقف هُنَيْهَةً يسيرةً ينتظر جواب ربّه له بقوله: "حمدني عبدي" فإذا قال: "الرحمن الرحيم" انتظر الجواب بقوله: "أثنى عليّ عبدي" فإذا قال: "مالك يوم الدين" انتظر جوابه: "مجدّني عبدي" (مسلم:1/38) فيا لذّة قلبه, وقرّة عينه, وسرور نفسه, بقول ربه: "عبدي" ثلاث مرّات! فو الله لولا ما على القلوب من دخان الشهوات, وغيم النفوس؛ لاستطيرت فرحاً وسروراً بقول ربّها وفاطرها ومعبودها: "حمدني عبدني" و"أثنى عليّ عبدي" و"مجدّني عبدي".

     ثمّ يكون لقلبه مجالٌ من شهود هذه الأسماء الثلاثة التي هي أصول الأسماء الحسنى, وهي: الله, والرّب, والرحمن. فشاهدَ قلبُه من ذكر اسم الله تبارك وتعالى؛ إلهاً معبوداً موجوداً مَخُوفَاً, لا يستحق العبادةَ غيره, ولا تنبغي إلا له, قد عنت له الوجوه, وخضعت له الموجودات, وخشعت له الأصوات "تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده" ( الإسراء: 44) "وله من في السموات والأرض كلّ له قانتون" ( الروم: 26).

    وشاهد من ذكر اسمه "رب العالمين" قيّوماً قام بنفسه, وقام به كل شيء, فهو قائمٌ على كلّ نفس بخيرها وشرها, قد استوى على عرشه, وتفرّد بتدبير ملكه, فالتدبير كله بيديه, ومصير الأمور كلها إليه, فمراسيم التدبيرات نازلة من عنده على أيدي ملائكته؛ بالعطاء والمنع, والخفض والرفع, والإحياء والإماتة, والقبض والبسط, وكشف الكروب, وإغاثة الملهوفين, وإجابة المضطرين "يسأله من في السموات والأرض كلّ يوم هو في شأن" (الرحمن: 29) لا مانع لما أعطى, ولا معطي لما منع, ولا معقّب لحكمه, ولا رادّ لأمره, ولا مبدّل لكلماته, تعرج الملائكة والروح إليه, وتعرض الأعمال أول النهار وآخره عليه؛ فيقدّر المقادير, ويوقّت المواقيت, ثم يسوق المقادير إلى مواقيتها, قائماً بتدبير ذلك كله, وحفظه ومصالحه.

    ثمّ يشهد عند ذكر اسم "الرحمن" جلّ جلاله؛ ربّاً محسناً إلى خلقه بأنواع الإحسان, متحبّباً إليهم بصنوف النعم, وسع كل شيء رحمة وعلماً, وأوسع كل مخلوق نعمة وفضلاً, فوسعت رحمته كل شيء, ووسعت نعمته كل حي, فبلغت رحمته حيث بلغ علمه, فاستوى على عرشه برحمته, وخلق خلقه برحمته, وأنزل كتبه برحمته, وأرسل رسله برحمته, وشرع شرائعه برحمته, وخلق الجنة برحمته, والنار أيضاً برحمته؛ فإنها سوطه الذي يسوق به عباده المؤمنين إلى جنته, ويُطَهّرُ بها أدران الموحدين من أهل معصيته, وسجنه الذي يسجن فيه أعداءه من خليقته. فتأمّل ما في أمره ونهيه ووصاياه ومواعظه من الرحمة البالغة, والنعمة السابغة, وما في حشوها من الرحمة والنعمة, فالرحمة هي السبب المتصل منه بعبادة, كما أن العبودية هي السبب المتصل منهم به, فمنهم إليه العبودية, ومنه إليهم الرحمة, ومن أخصّ مشاهد هذا الاسم؛ شهود المصلّي نصيبه من الرحمة الذي أقامه بها بين يدي ربه, وأهّله لعبوديته ومناجاته, وأعطاه ومنع غيره, وأقبل بقلبه وأعرض بقلب غيره, وذلك من رحمته به.

    فإذا قال: "مالك يوم الدين" فهنا شهد المجد الذي لا يليق بسوى الملك الحق المبين, فيشهد ملكاً قاهراً, قد دانت له الخليقة, وعَنَتَ له الوجوه, وذلّت لعظمته الجبابرة, وخضع لعزته كل عزيز. فيشهد بقلبه ملكاً على عرش السماء مهيمناً, لعزّته تعنو الوجوه وتسجدُ, يرسل إلى أقاصي مملكته بأوامره؛ فيرضى على من يستحق الرّضا, ويثيبه ويكرمه ويدنيه, ويغضب على من يستحق الغضب, ويعاقبه ويهينه ويقصيه, فيعذب من يشاء, ويرحم من يشاء, ويعطى من يشاء, ويقرّب من يشاء, ويقصى من يشاء. له دار عذاب وهي النار, وله دار سعادة عظيمة وهي الجنة.

   فإذا قال: "إياك نعبد وإياك نستعين"  ففيها سرّ الخلق والأمر, والدنيا والآخرة. وهي متضمنة لأجلّ الغايات, وأفضل الوسائل, فأجلّ الغايات؛ عبوديته, وأفضل الوسائل؛ إعانته, فلا معبود يستحق العبادة إلا هو, ولا معين على عبادته غيره, فعبادته أعلى الغايات, وإعانته أجلّ الوسائل. وقد انزل الله سبحانه وتعالى مئة كتاب وأربعة كتب, جمع معانيها في أربعة؛ وهي التوراة والإنجيل والقرآن والزبور, وجمع معانيها في القرآن, وجمع معانيه في المفصّل, وجمع معانيه في الفاتحة, وجمع معانيها في "إياك نعبد وإياك نستعين" وقد اشتملت هذه الكلمة على نوعي التوحيد وهما: توحيد الربوبية, وتوحيد الإلهية. وتضمّنت التعبد باسم الرب واسم الله, فهو يُعْبَدُ بألوهيته, ويُستعانُ بربوبيته, ويهدي إلى الصراط المستقيم برحمته. فكان أول السورة ذكر اسمه الله والرب والرحمن تطابقاً لأجَلِّ المطالب من عبادته وإعانته وهدايته, وهو المنفرد بإعطاء ذلك كله, لا يعين على عبادته سواه, ولا يهدي سواه.

    ثم يشهد الداعي بقوله: "اهدنا الصراط المستقيم" شدّة فاقته وضرورته إلى هذه المسألة, التي ليس هو إلى شيء أشدّ فاقةً وحاجة منه إليها البتة, فإنه محتاج إليها في كل نَفَسٍ وطرفة عين, وهذا المطلوب من هذا الدعاء لا يتم إلا بالهدية إلى الطريق الموصل إليه سبحانه, والهداية فيه, وهي هداية التفصيل, وخلق القدرة على الفعل, وإرادته, وتكوينه, وتوفيقه لإيقاعه له على الوجه المرضي المحبوب للرب سبحانه وتعالى, وحفظه عليه من مفسداته حال فعله وبعد فعله.

   ولمّا كان العبد مفتقراً في كل حال إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ويذره من أمور قد أتاها على غير الهداية, فهو يحتاج إلى التوبة منها, وأمور هُدي إلى أصلها دون تفصيلها, أوهُدي إليها من وجه دون وجه, فهو يحتاج إلى إتمام الهداية فيها ليزداد هدى, وأمور هو يحتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها بالمستقبل مثل ما حصل له في الماضي, وأمور هو خال عن اعتقاد فيها, فهو يحتاج إلى الهداية فيها, وأمور لم يفعلها فهو يحتاج إلى فعلها على وجه الهداية, وأمور قد هُدي إلى الاعتقاد الحق والعمل الصواب فيها فهو محتاج إلى الثبات عليها, إلى غير ذلك من انواع الهدايات, فرض الله سبحانه عليه أن يسأله هذه الهداية, في أفضل أحواله, مرّات متعددة, في اليوم والليلة.

    ثم بيّن أن أهل هذه الهداية هم المختصون بنعمتة, دون المغضوب عليهم _وهم الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه_ ودون الضالين _وهم الذين عبدوا الله بغير علم_ فالطائفتان اشتركتا في القول في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته بغير علم, فسبيل المنعَمِ عليه مغايرة لسبيل أهل الباطل كلّها علماً وعملاً.

   فلمّا فرغ من هذا الثناء والدعاء والتوحيد؛ شرع له أن يطبع على ذلك بطابع من "التأمين" يكون كالخاتم له, وافق فيه ملائكة السماء, وهذا التأمين من زينة الصلاة, كرفع اليدين الذي هو زينة الصلاة, واتباع للسنة, وتعظيم أمر الله, وعبودية اليدين, وشعار الانتقال من ركن إلى ركن.

    ثم يأخذ في مناجاة ربه بكلامه, واستماعه من الإمام بالإنصات, وحضور القلب وشهوده. وأفضل أذكار الصلاة؛ ذكر القيام, وأحسن هيئة المصلي؛ هيئة القيام, فخصّت بالحمد, والثناء, والتمجيد, وتلاوة كلام الرب جل جلاله. ولهذا نهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (مسلم: 1/348) لأنهما حالتا ذل وخضوع وتطامن وانخفاض, ولهذا شرع فيهما من الذكر ما يناسب هيئتهما, فشرع للراكع أن يذكر عَظَمَةَ ربّه في حال انخفاضه هو, وتطامنه وخضوعه, وأنه سبحانه يوصف بوصف عظمته عما يضادّ كبرياءه وجلاله وعظمته. فأفضل ما يقول الراكع على الإطلاق: "سبحان ربي العظيم" فإن الله سبحانه أمر العباد بذلك, وعيّن المبلّغ عنه, السفير بينه وبين عباده, هذا المحلّ لهذا الذكر, لمّا نزلت: "فسبح باسم ربك العظيم" (الواقعة: 96) قال: "اجعلوها في ركوعكم" (أبو داود: 869 وضعفه الألباني) وأبطل كثير من أهل العلم صلاة من تركها عمداً, وأوجب سجود السهو على من سها عنها, وهذا مذهب الإمام أحمد ومن وافقه من أئمة الحديث والسنة. وبالجملة؛ فسرّ الركوع؛ تعظيم الرب جلّ جلاله بالقلب والقالب والقول. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما الركوع فعظموا فيه الرب" (مسلم: 479)

     ثم يرفع رأسه عائداً إلى أكمل هيئاته, وجُعِلَ شعارُ هذا الركن؛ حمدُ الله والثناء عليه, فافتتح هذا الشعار بقول المصلّي: "سمع الله لمن حمده" أي: سَمِعَ سَمْعَ قبولٍ وإجابة. ثمّ شفع بقوله: "ربنا ولك الحمد, ملء السموات, وملء الأرض, وملء ما بينهما, وملء ما شئت من شيء بعد" ولا يهمل أمر هذه الواو في قوله: "ربنا ولك الحمد" فإنه قد نُدب الأمر بها في الصحيحين (البخاري: 734 , مسلم: 392) وهي تجعل الكلام في تقدير جملتين قائمتين بأنفسهما, فإن قوله "ربّنا" متضمنٌ في المعنى: أنت الربُّ, والملكُ القيومُ  الذي بيديه أزمّة الأمور, وإليه مرجعها. ثم أخبر عن شأن هذا الحمد وعظمته قدراً وصفة, فقال: "ملء السموات, وملء الأرض, وملء ما بينهما, وملء ما شئت من شيء بعد"  أي: قدر ملء العالم العلوي والسفلي والفضاء الذي بينهما, فهذا الحمد قد ملأ الخلق الموجود, وهو يملأ ما يخلقه الرب تبارك وتعالى بعد ذلك مما يشاؤه, فحَمْدُهُ قد ملأ كلَّ موجود, وملأ ما سيوجد, فهذا أحسن التقديرين. ثم أتبع ذلك بقوله: "أهل الثناء والمجد" فعاد  الأمر بعد الركعة إلى ما افتتح به الصلاة قبل الركعة؛ من الحمد والثناء والمجد, ثمّ أتبع ذلك بقوله: "أحقّ ما قال العبد" تقريراً لحمده وتمجيده والثناء عليه, وأن ذلك أحقّ ما نطق به العبد, ثم أتبع ذلك بالاعتراف بالعبودية, وأن ذلك حكم عام لجميع العبيد, ثم عقّب ذلك بقوله: "لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت, ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدّ" وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك بعد انقضاء الصلاة أيضاً, فيقوله في هذين الموضعين؛ اعترافاً بتوحيده, وأن النعم كلها منه, وهذا يتضمن أموراً:

 أحدها: أنه المنفرد بالعطاء والمنع.

 الثاني: أنه إذا أعطى؛ لم يُطق أحد منع من أعطاه, وإذا منع؛ لم يُطق أحد إعطاء من منعه.

 الثالث: أنه لا ينفع عنده, ولا يخلص من عذابه, ولا يدني من كرامته, جدود بني آدم وحظوظهم, من الملك والرئاسة والغنى وطيب العيش وغير ذلك, إنما ينفعهم عنده؛ التقرّبُ إليه بطاعته, وإيثار مرضاته.

    ثم ختم ذلك بقوله: "اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد" (متفق عليه) كما افتتح به الركعة في أول الاستفتاح, كما كان يختم الصلاة بالاستغفار(النسائي: 1336 بسند صحيح) وكان الاستغفار في أول الصلاة ووسطها وآخرها, فاشتمل هذا الركن على أفضل الأذكار, وأنفع الدعاء؛ من حمده وتمجيده والثناء عليه, والاعتراف له بالعبودية والتوحيد, والتنصّل إليه من الذنوب والخطايا. فهو ذكر مقصود, في ركن مقصود, ليس بدون الركوع والسجود.

      ثم يكبّرُ, ويخرُّ لله ساجداً, غير رافع يديه؛ لأن اليدين تنحطان للسجود كما ينحط الوجه, فهما ينحطان لعبوديتهما, فأغنى ذلك عن رفعهما, ولذلك لم يشرع رفعهما عند رفع الرأس من السجود؛ لأنهما يُرفعان معه, كما يوضعان معه. وشُرع السجودُ على أكمل الهيئة وأبلغها في العبودية, وأعمّها لسائر الأعضاء, بحيث يأخذ كل جزء من البدن بحظه من العبودية.

     والسجود سرُّ الصلاة, وركنها الأعظم, وخاتمة الركعة, وما قبله من الأركان كالمقدمات له,  ولهذا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. (مسلم: 482).  وأفضل الأحوال له؛ حال يكون فيها أقرب إلى الله, ولهذا كان الدعاء في هذا المحلّ أقرب إلى الإجابة.

    ولمّا خلق الله سبحانه العبد من الأرض؛ كان جديراً بأن لا يخرج عن أصله, بل يرجع إليه إذا تقاضاه الطبع والنفس بالخروج عنه, فإن العبد لو تُرِكَ لطبعه ودواعي نفسه؛ لتكبر وأشِرَ, وخرج عن أصله الذي خُلق منه, ولوثب على حقّ ربّه من الكبرياء والعظمة, فنازعه إياهما! وأُمر بالسجود؛ خضوعاً لعظمة ربه وفاطره, وخشوعاً له وتذللاً بين يديه, وانكساراً له. فيكون هذا الخشوع والخضوع والتذلّل ردّاً له إلى حُكْمِ العبوديةِ, ويتدارك ما حصل له من الهفوة والغفلة والإعراض, الذي خرج به عن أصله, فتمثّل له حقيقة التراب الذي خلق منه, وهو يضع أشرف شيء منه وأعلاه _وهو الوجه_ وقد صار أعلاه أسفله؛ خضوعاً بين يدي ربه الأعلى, وخشوعاً له, وتذللا لعظمته, واستكانة لعزته. وهذا غاية خشوع الظاهر, فإن الله سبحانه خلقه من الأرض, التي هي مذللة للوطء بالأقدام, واستعمله فيها, وردّه إليها, ووعده بالإخراج منها, فهي أمه وأبوه, وأصله وفصله, فضمَّتْهُ حيّاً على ظهرها, وميتاً في بطنها, وجُعلت له طهوراً ومسجداً. فأُمر بالسجود, إذ هو غاية خشوع الظاهر, وأجمعُ العبوديةِ لسائر الأعضاء, فيعفّر وجهه في التراب؛ استكانةً وتواضعاً وخضوعاً وإلقاء باليدين.

     وقال مسروق لسعيد بن جبير: ما بقي شيء يُرغب فيه؛ إلا أن نُعفّر وجوهنا في التراب له. وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتّقِي الأرض بوجهه قصداً, بل إذا اتفق له ذلك فعله. ولذلك سجد في الماء والطين (البخاري: 813, مسلم: 1167)  ولهذا كان من كمال السجود الواجب؛ أن يسجد على الأعضاء السبعة؛ الوجه واليدين والركبتين وأطراف القدمين, فهذا فرض أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم, وبلّغه الرسولُ لأمته. ومن كماله الواجب أو المستحب؛ مباشرةُ مُصَلّاهُ بِأَدِيمِ وجهه, واعتماده على الأرض, بحيث ينالها ثقل رأسه, وارتفاع أسافله على أعاليه, فهذا من تمام السجود. ومن كماله؛ أن يكون على هيئةٍ يأخذُ فيها كلُّ عضوٍ من البدن بحظه من الخضوع, فيقلّ بطنه عن فخذيه, وفخذيه عن ساقيه, ويجافي عضديه عن جنبيه, ولا يفرشهما على الأرض؛ ليستقل كل عضو منه بالعبودية.

      ولذلك إذا رأى الشيطان ابن آدم ساجداً لله؛ اعتزل ناحية يبكي, ويقول: "يا ويله! أُمِرَ ابن آدم بالسجود؛ فسجد, فله الجنة. وأمرتُ بالسجود؛ فعصيتُ, فلي النار". (مسلم: 81) ولذلك أثنى الله سبحانه على الذين يخرون  سُجَّداً عند سماع كلامه, وذمّ من لا يقع ساجداً عنده, ولذلك كان قول من أوجبه قوياً في الدليل. ولما علمت السحرةُ صدق موسى وكذب فرعون؛ خرّوا سجداً لربهم, فكانت تلك السجدة أول سعادتهم وغفران ما افنوا فيه أعمارهم من السحر. ولذلك أخبر سبحانه عن سجود جميع المخلوقات له, فقال تعالى: "ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون . يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون" (النحل: 49 _ 50) فأخبر عن إيمانهم بعلوّه وفوقيته, وخضوعهم له بالسجود تعظيماً وإجلالاً. وقال تعالى: " ألم تر أن الله يسجد له من السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء" ( الحج: 18) فالذي حقّ عليه العذاب هو الذي لا يسجد له سبحانه, وهو الذي أهانه بترك السجود له.

     ولما كانت العبودية غاية كمال الإنسان, وقُربهُ من الله بحسب نصيبه من عبوديته, وكانت الصلاة جامعة لمتفرّق العبودية, متضمنة لأقسامها؛ كانت أفضل أعمال العبد, ومنزلتها من الإسلام بمنزلة عمود الفسطاط منه, وكان السجود أفضل أركانها الفعليّة, وسرُّها الذي شُرعت لأجله؛ كان تكرّره في الصلاة أكثر من تكرّر سائر الأركان, وجُعل خاتمة الركعة وغايتها, وشُرع فعله بعد الركوع, فإن الركوع توطئة له ومُقدِّمةٌ بين يديه, وشُرع فيه من الثناء على الله ما يناسبه, وهو قول العبد: "سبحان ربي الأعلى" فهذا أفضل ما يُقال فيه, ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أمرٌ في السجود بغيره, حيث قال: "اجعلوها في سجودكم"(أبو داود: 869 وضعفه الألباني) ومن تركه عمداً؛ فصلاته باطلة عند كثير من العلماء, منهم الإمام احمد وغيره؛ لأنه لم يفعل ما أُمِرَ به. وكان وصفُ الرب بالعلو في هذه الحال في غاية المناسبة لحال الساجد, الذي قد انحط إلى السُّفْلِ على وجهه, فذكر علوَّ ربِّهِ في حال سقوطه, كما ذكر عظمته في حال خضوعه في ركوعه, ونزّه ربَّهُ عما لا يليق به, مما يضاد عظمته وعلوّه.

     ثم لما شُرع السجود بوصف التكرار, لم يكن بدٌّ من الفصل بين السجدتين, ففصل بينهما بركن مقصود, شُرع فيه من الدعاء ما يليق به ويناسبه, وهو سؤال العبد المغفرة والرحمة والهداية والعافية والرزق (الحاكم, ووافقه الذهبي: 1/262) فإن هذه تتضمن جلب خير الدنيا والآخرة, ودفع شر الدنيا والآخرة, فالرحمة تُحَصِّلُ الخير, والمغفرة تقي الشر, والهداية توصل إلى هذا وهذا, والرزق إعطاء ما به قوام البدن من الطعام والشراب, وما به قوام الروح والقلب من العلم والإيمان. وجُعِلَ جلوسُ الفصلِ محلًّا لهذا الدعاء؛ لما تقدّمه من رحمة الله والثناء عليه والخضوع له, فكان هذا وسيلة للداعي, ومقدّمة بين يدي حاجته. فهذا الركن مقصود, والدعاء فيه مقصود, فهو ركن وضع للرغبة وطلب العفو والمغفرة والرحمة, فإن العبد لما أتى بالقيام والحمد والثناء والمجد, ثم أتى بالخضوع وتنزيه الرب وتعظيمه, ثم عاد إلى الحمد والثناء, ثم كمّل ذلك بغاية التذلل والخضوع والاستكانة, بقي سؤالُ حاجتِهِ واعتذاره وتنصّله؛ فشُرع له أن يتمثّل في العبادة, فيقعد قعود العبد الذليل, جاثياً على ركبتيه كهيئة الملقي نفسه بين يدي سيده, راغباً راهباً, معتذراً إليه, مستعدياً إليه على نفسه الأمارة بالسوء. ثمّ شرع له تكرير هذه العبودية مرّة بعد مرّة, إلى إتمام الأربع, كما شرع له تكرير الذّكر مرّة بعد مرّة؛ لأنه أبلغُ في حصول المقصود, وأدعى إلى الاستكانة والخضوع, فلما أكمل ركوع الصلاة وسجودها وقراءتها وتسبيحها وتكبيرها؛ شُرع له أن يجلس في آخر صلاته جلسة المتخشّعِ المتذلّل المستكين, جاثياً على ركبتيه, ويأتي في هذه الجلسة بأكمل "التَّحِيَّاتِ" وأفضلها, عوضاً عن تحيّة المخلوق للمخلوق إذا واجهه أو دخل عليه, فإن الناس يحيّون ملوكهم وأكابرهم بأنواع التحيات التي يتحببون بها إليهم, فتحيّاتهم بينهم تتضمّنُ ما يحبُّهُ المُحَيَّى من الأقوال والأفعال. والمشركون يحيّون أصنامهم, قال الحسن: كان أهل الجاهلية يتمسّحون بأصنامهم, ويقولون: لك الحياة الدائمة. فلما جاء الإسلام أُمروا أن يجعلوا أطيب تلك التحيات وأزكاها وأفضلها لله. فالتحيّة: هي تحيّةُ من العبد للحيّ الذي لا يموت, وهو سبحانه  أولى بتلك التحيّات من كل ما سواه, فإنها تتضمنُ الحياةَ والبقاء والدوام, ولا يستحقّ أحدٌ هذه التّحيّات إلا الحيّ الباقي, الذي لا يموت, ولا يزول ملكه.

     وكذلك قوله: "والصّلوات" فإنه لا يستحق أحدٌ الصلاة إلا الله عز و جل, والصلاة لغيره من أعظم الكفر والشرك به.

    وكذلك قوله: "والطّيّبات" وهي: صفة الموصوف المحذوف, أي: الطيبات من الكلمات والأفعال والصفات والأسماء لله وحده, فهو طيَّبٌ, وأفعاله طيّبة, وصفاته أطيب شيء, وأسماؤه أطيب الأسماء, واسمه الطَّيِّب, ولا يصدر عنه إلا طيّب, ولا يصعد إليه إلا طيّب, ولا يقرب منه إلا طيّب, وإليه يصعد الكلم الطيّب, وفعله طيّب, والعمل الطيّب يعرج إليه, فالطيّبات كلّها له, ومضافةٌ إليه, وصادرةُ عنه, ومنتهية إليه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله طيّب لا يقبل إلا طيّباً" (مسلم: 1015)  ولا يجاوره من عبادة إلا الطيّبون, كما يُقال لأهل الجنة: "سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين" (الزمر: 73) وقد أحكم سبحانه شرعه وقدره؛ أن الطيّبات للطيبين, فإذا كان هو سبحانه الطيّب على الإطلاق؛ فالكلماتُ الطيّباتُ, والأفعال الطيبات, والصفات الطيبات, والأسماء الطيبات؛ كلُّها له سبحانه, لا يستحقّها أحدٌ سواه. بل ما طاب شيء قط إلا بطيبته سبحانه, فطيب كل ما سواه من آثار طيبته, ولا تصلح هذه التحية الطيّبة إلا له.

     ولما كان "السّلام" من أنواع التحية, وكان المسلِّم داعياً لمن يحييه, وكان الله سبحانه هو الذي يُطلبُ منه السلام لعباده الذين اختصهم بعبوديته, وارتضاهم لنفسه؛ شُرع أن يبدأ بأكرمهم عليه وأحبّهم إليه, وأقربهم منه منزلة في هذه التحيّة, صلوات الله وسلامه عليه.

    ثم خُتمت هذه التحيّة بـ"الشهادتين" اللتين هما مفتاح الإسلام, فشُرع أن يكون خاتمة الصلاة, فَدَخَلَ فيها بالتكبير والحمد والثناء والتمجيد وتوحيد الربوبية والإلهية, وَخَتَمَهَا بشهادة أن لا إله إلا الله, وأن محمداً عبده ورسوله. وشُرعت هذه التحية في وسط الصلاة إذا زادت على ركعتين, تشبيهاً لها بجلسة الفصل بين السجدتين, وفيها مع الفصل راحة للمصلي؛ لاستقباله الركعتين الآخرتين بنشاط وقوّة, بخلاف ما إذا والى بين الركعات.

      وجُعِلَتْ كلمات التّحيات في آخر الصلاة, بمنزلة خُطبةِ الحاجة أمامها, فإن المصلي إذا فرغ من صلاته؛ جلس جلسة الرّاغب الراهب, يستعطي من ربه ما لا غنى به عنه, فشُرع له أمام استعطائه كلمات التحيات, مقدمة بين يدي سؤاله, ثم يتبعها بالصلاة على من نالت أمته هذه النعمة على يده. فكأنّ المصلّي توسّل إلى الله سبحانه بعبودتيه, ثم بالثناء عليه والشهادة له بالوحدانية, ولرسوله بالرسالة, ثم الصلاة على رسوله, ثم قيل له: تخيّر من الدعاء أحبه إليك, فذاك الحقّ الذي عليك, وهذا الحق الذي لك.

     وشُرعت الصلاة على آله مع الصلاة عليه؛ تكميلاً لقرّةِ عينه, بإكرام آله والصلاة عليهم, وأن يصلي عليه وعلى آله, كما صلي على أبيه إبراهيم وآله. والأنبياء كلُّهم بعد إبراهيم من آله, ولذلك كان المطلوب لرسول الله صلاةً مثل الصلاة على إبراهيم وعلى جميع الأنبياء بعده وآله المؤمنين. فلهذا كانت هذه الصلاة أكمل ما يصلي على رسول الله بها وأفضل.

     فإذا أتى بها المصلي أُمر أن يستعيذ بالله من مجامع الشرّ كلّه, فإن الشر؛ إما عذاب الآخرة, وإما سببه, فليس الشر إلا العذاب وأسبابه. والعذاب نوعان: عذاب في البرزخ, وعذاب في الآخرة, وأسبابه الفتنة, وهي نوعان؛ كبرى وصغرى, فالكبرى: فتنة الدجال وفتنة الممات, والصغرى: فتنة الحياة التي يمكن تداركها بالتوبة, بخلاف فتنة الممات وفتنة الدجال, فإن المفتون فيهما لا يتداركهما.

     ثم شُرع له من الدعاء ما يختاره من مصالح دنياه وآخرته, والدعاء في هذا المحلّ قبل السلام أفضل من الدعاء بعد السلام, وأنفع للداعي. وهكذا كانت عامّة أدعية النبي صلى الله عليه وسلم كلّها كانت في الصلاة من أولها إلى آخرها, فكان يدعو في الاستفتاح أنواعاً من الدعاء, وفي الركوع, وبعد رفع رأسه منه, وفي السجود, وبين السجدتين, وفي التشهد قبل التسليم, وعلّم  الصديق دعاءً يدعوا به في صلاته, وعلّم الحسن بن علي دعاء يدعو به في قنوت الوتر, وكان إذا دعا لقوم أو على قوم جعله في الصلاة بعد الركوع. ومن ذلك أن المصلي قبل سلامه في محلّ المناجاة والقربة بين يدي ربه, فسؤاله في هذا الحال أقرب إلى الإجابة من سؤاله بعد انصرافه من بين يديه. وقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الدعاء أسمع؟ فقال: "جوف الليل, وأدبار الصلوات المكتوبة" (الترمذي: 3494 بسند صحيح) وَدُبُرَ الصلاةِ جزؤها الأخير.

      ثمّ خُتمت بـ"التّسليم" وجُعل تحليلاً لها, يَخرجُ به المصلي منها. وجُعل هذا التحليل دعاء الأمام لمن وراءه بالسلامة, التي هي أصل الخير وأساسه, فشُرع لمن وراءه أن يتحلّل بمثل ما تحلّل به الإمام, وفي ذلك دعاء له وللمصلين معه بالسلام, ثم شُرع ذلك لكلّ مصلٍّ وإن كان منفرداً, فلا أحسن من هذا التحليل للصلاة, وكما أنه لا أحسن من كون التكبير تحريماً لها, فتحريمها تكبير الرّبِّ تعالى, والجامع لإثبات كلّ كمال له, وتنزيهه عن كلّ نقص وعيب, وإفراده وتخصيصه بذلك, وتعظيمه وإجلاله. فالتكبير يتضمّن تفاصيل أفعال الصلاة وأقوالها وهيئاتها, فالصلاة من أولها إلى آخرها تفصيلٌ لمضمون "الله أكبر" وأي تحريمٍ أحسنَ من هذا التحريم المتضمن للإخلاص والتوحيد, وهذا التحليل المتضمّن الإحسان إلى إخوانه المؤمنين؟ فافتُتِحَتْ بالإخلاص, وخُتِمَتْ بالإحسان".

    وصلى الله وسلّم وبارك وأنعم على البشير النذير, والسراج المنير, ما تعاقبت الأزمان والدهور, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.

إبراهيم الدميجي

11/رمضان/1433
http://aldumaiji.blogspot.com/

الأربعاء، 25 يوليو، 2012

"إِذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ فَحَيَّهَلاً بِعُمَر"


"إِذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ فَحَيَّهَلاً بِعُمَر"



    الحمد لله الولي الحميد, جعلنا من خير أمة أخرجت للناس, خير الخلق نبيها, وخير الأصحاب أصحابه, لا كان ولا يكون مثلهم, صفوة الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي أفضل الأمم وأكرمها على الله عز وجل, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبدالله ورسوله, صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. أما بعد:

     فلا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل، ومن أفضل خلق الله بعد الأنبياء والمرسلين أبو حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد فعل.

فمن يجاري أبا حفص وسيرته  **  أو من يحاول للفاروق تشبيهاً

   وإذا جرد ابن تيمية قلمه للكتابة عن عمر؛ علمنا أن نوعاً راقياً من الكتابة يُشيّد. ونظماً بديعاً من المعاني ينثر, فإذا انضم لذلك غضبة سُنّيّة حنيفية دفاعاً عن أمير المؤمنين, الذي فرق الله به بين الحق والباطل؛ أيقنّا بجزالة الكلم، وفخامة المعاني، ونصاعة البراهين، وقوّة الأسلوب, فلله أبوه! ورحم الله امرأة درّت عليه وحَنَت!

حي المنازل إذ لا تبتغي بدلاً  **  بالدار داراً ولا الجيران جيراناً

يا أيها الراكب المُزجي مطيّته **    بلّـغ تحــيتنا لُقّـــيت حملانا

بلغ رسائل عنا خفّ محملها  **  على قلائص لم يحـملن حيرانا

أحبب إلي بذاك الجزع منزلة  **  بالطلح طلحاً وبالأعطان أعطانا

أبُدّلَ الليل لا تسري كواكـبه  **  أم طال حتى حسبت النجم حيرانا

لمّا تبيّنتُ أن قد حيل دونهمُ  **  ظلّت عساكرُ مثل الموت تغشانا

أتبعتهم مقلةً إنسانها غرق  **  هل ما ترى تارك للعين إنسانا

يا حبّذا جبل الريّان من جبل  **  وحبّذا ســاكن الريّان من كانا

وحبّذا نفحــــات من يمانيةٍ  **  تأتيك من قِبَلِ الرّيـان أحــيانا

    فرضي الله عن الفاروق, ورحم ابن تيمية. وجزاهما عن الإسلام خير ما جزى المصلحين والمجاهدين. ومن ذلك أن أحد رؤوس الرافضة، ويقال له ابن المطهّر الحلّي, ألّف كتاباً في ذم السنة وأهلها، وملأه بالدجل الفاحش، والكذب الممجوج, وسوء الأدب مع أفضل قرون الأمة، وموّه ببعض الأغاليط، حتى راج على أشباه الأنعام، من الرافضة الذين دندنوا ببعض قرمطته وسفسطته عند أهل الحق, فرغبوا للجبل الأشم، والبحر الخضم؛ شيخ الإسلام ابن تيمية؛ أن يهتك شبه الدجال الرافضي، فانبرى رحمه الله وأعلى نزله وجمعنا به ووالدينا ووالديه في عليين، فسطّر كتابه الباهر (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية) فنقض شبه الرافضي شرعاً وعقلاً، فأعلى الله به السنة، وقمع به البدعة، وأطار به وساوس الرافضة، كما اطار عمر وساوس المفتونين إبّان حياته. بالعلم والحجة والبرهان, وبالسيف والدِّرَّةِ والسنان, تلك المكارم لا قعبان من لبن..كأنما عناهما أبو تمام إذ قال:

فما هو إلا الوحي أو حد مرهف  **    تميــل ظباه أخدعي كل ماثل

فهذا دواء الداء من كل عــالم    **  وهذا دواء الداء من كل جاهل

   وقد حققه الدكتور محمد رشاد سالم في تسعة مجلدات, وقد لخص مهماته الحافظ الذهبي رحمه الله في كتابه المنتقى.

   وفي هذا المقام سأورد بعض ما سطّره الإمام عن أمير المؤمنين عمر في ذلك السفر النفيس, على سبيل الاختصار والاقتصار عليه دون غيره, فكل الصيد في جوف الفَرَا, وإن كان لم ينو الاستيعاب, وعلى بعضه لا كله فلم أقصد كذلك الاستيعاب, مع شيء من التصرف. قال رحمه الله تعالى:

1- ومناقب عمر باب طويل, قد صنف الناس فيه مجلدات مثل كتاب أبي الفرج بن الجوزي, وعمر بن شبه، وغيرهما, غير ما ذكره الإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة العلم, مثل ما صنفه خيثمة بن سليمان في فضائل الصحابة, والدارقطني والبيهقي, وغيرهم.

2- ومن إجابة الله لدعوته؛ أنه دعا على أناس لما عارضوه في قسمة الأرض, فقال: اللهم اكفني فلاناً وذويه، فما حال الحول وفيهم عين تطرف.

3- وأما خوف عمر من الله تعالى, ففي صحيح البخاري, عن المسور بن مخرمة قال: لما طعن عمر, جعل يألم, فقال ابن عباس وكأنه يجزعه _أي يزيل جزعه_: يا أمير المؤمنين! ولئن كان ذلك, لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته, ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته, ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت المسلمين فأحسنت صحبتهم, ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون. فقال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه و سلم ورضاه؛ فإنما ذاك من الله منّ به عليّ. وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه؛ فإنما ذاك من الله منّ به عليّ. وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهباً؛ لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه.

     وفي صحيح البخاري عن عمرو بن ميمون في حديث قتل عمر، قال: يا ابن عباس: انظر من قتلني. فجال ساعة ثم جاء، فقال: غلام المغيرة. قال: الصنع؟ قال: نعم. قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفاً، الحمد لله الذي لم يجعل قتلي بيد رجل يدعي الإسلام_فقتيل الكافر أعظم درجة من قتيل المسلمين_ قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقاً، فقال: إن شئت فعلت _أي: إن شئت قتلنا_ قال: كذبت_أي: أخطأت_ بعد ما تعلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حجكم. فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ, فقائل يقول: لا بأس, وقائل يقول: أخاف عليه, فأُتى بنبيذ فشربه, فخرج من جوفه, ثم أتى بلبن فشربه فخرج من جرحه, فعلموا أنه ميت, فدخلنا عليه, وجاء الناس يثنون عليه, وجاء رجل شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك, من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقدم في الإسلام ما قد علمت, ووليت فعدلت, ثم شهادة. قال: وددت أن ذلك كفافاً لا علي ولا لي. فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض. فقال: ردوا على الغلام. قال: يا ابن أخي! ارفع إزارك, فإنه أنقى لثوبك, وأتقى لربك. يا عبد الله بن عمر! انظر ما علي من الدين؟ فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفاً أو نحوه, قال: إن وفى له مال آل عمر فأدّ من أموالهم, وإلا فسل في بني عدي بن كعب, فإن لم تف أموالهم وإلا فسل في قريش, ولا تعدهم إلى غيرهم, فاد عني هذا المال, انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام, ولا تقل: أمير المؤمنين, فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً, وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه.

    فسلّمَ واستأذن, ثم دخل عليها, فوجدها قاعدة تبكي, فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام, ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه. فقالت: كنت أريده لنفسي ولأوثرنه اليوم على نفسي. فلما أقبل, قيل: هذا عبد الله ابن عمر وقد جاء, فقال: ارفعوني, فأسنده رجل إليه, فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين, أذنت. قال الحمد لله, ما كان شيء أهم من ذلك, فإذا أنا قضيت؛ فاحملوني, ثم سلّم, وقل: يستأذن عمر بن الخطاب, فإن أذنت لي؛ فأدخلوني, وإن ردتني؛ ردوني إلى مقابر المسلمين... وذكر تمام الحديث.

     ففي نفس الحديث؛ أنه يعلّم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم مات وهو عنه راض, ورعيته عنه راضون, مقرون بعدله فيهم. ولما مات كأنهم لم يصابوا بمصيبة قبل مصيبته لعظمها عندهم. وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم, وتصلون عليهم ويصلون عليكم, وشرار أئمتكم الذي تبغضونهم ويبغضونكم, وتلعنونهم ويلعنونكم" ومعلوم أن شهادة الرعية لراعيها أعظم من شهادته هو لنفسه, وقد قال تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً" (البقرة: 143) وفي المسند عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: "يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار" قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن وبالثناء السيء" ومعلوم أن رعية عمر انتشرت شرقاً وغرباً, وكانت رعية عمر خيراً من رعية علي, وكانت رعية علي جزءاً من رعية عمر, ومع هذا فكلّهم يصفون عدله وزهده وسياسته, ويعظمونه, والأمة قرناً بعد قرن تصف عدله وزهده وسياسته, ولا يُعرف أن أحداً طعن في ذلك. والرافضة لم تطعن في ذلك, بل لما غلت في علي؛ جعلت ذنب عمر كونه تولى! وجعلوا يطلبون له ما يتبين به ظلمه, فلم يمكنهم ذلك. ولم يقتل عمر رضي الله عنه رجل من المسلمين, لرضا المسلمين عنه, وإنما قتله كافر فارسي مجوسى.

     وخشيته من الله لكمال علمه, فإن الله تعالى يقول: "إنما يخشى الله من عباده العلماء" ( فاطر: 28)

    وأما علي رضي الله عنه, فإن أهل السنة يحبونه ويتولونه ويشهدون بأنه من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين. ويقولون: لم يظهر لعلي من العدل مع كثرة الرعية وانتشارها ما ظهر لعمر ولا قريب منه. وعمر لم يول أحداً من أقاربه, ومع هذا يخاف أن يكون ظلمهم.

4- وقد ثبت من علم عمر وفضله ما لم يثبت لأحد غير أبي بكر, ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه و سلم, أنه كان يقول: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون, فإن يكن في أمتي أحد فعمر" قال ابن وهب: تفسير محدثون: ملهمون.

    وفي الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "بينا أنا نائم, إذ رأيت قدحاً أُتيتُ به, فيه لبن, فشربت منه حتى أني لأرى الرّي يخرج من أظفاري, ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب" قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: "العلم".

   وفي الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "بينا أنا نائم, رأيت الناس يُعرضون عليّ, وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك, ومرّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه" قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: "الدين".

  وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث؛ في مقام إبراهيم, وفي الحجاب, وفي أسارى بدر.

    وفي الصحيحين أنه لمّا مات عبد الله بن أبي بن سلول, دُعي له رسول الله صلى الله عليه و سلم ليصلي عليه, قال عمر: فلما قام, دنوت إليه, فقلت: يا رسول الله! أتصلي عليه وهو منافق؟ فأنزل الله: "ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره" (التوبة: 84) وأنزل الله: "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم" ( التوبة: 80).

    وقد روى من وجوه ثابتة عن مكحول عن غضيف عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: "إن الله جعل الحق على لسان عمر, يقول به" وفي لفظ: "جعل الحق على لسان عمر وقلبه" أو "قلبه ولسانه" وهذا مروى من حديث ابن عمر وأبي هريرة.

   وقد روى أحمد والترمذي وغيرهما قال أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن المقري حدثنا حيوة بن شريح حدثنا بكر بن عمرو المعافري عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر الجهني قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: "لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب" ورواه ابن وهب وغيره عن ابن لهيعة عن مشرح فهو ثابت عنه. وروى ابن بطة من حديث عقبة بن مالك الخطمى قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "لو كان غيري نبي لكان عمر بن الخطاب" وفي لفظ: "لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر" وهذا اللفظ في الترمذي.

   والعلماء يعرفون قدر علمه وفقهه. وهؤلاء أهل العلم الذين يبحثون الليل والنهار عن العلم, وليس لهم غرض مع أحد, بل يرجحون قول هذا الصاحب تارة وقول هذا الصاحب تارة بحسب ما يرونه من أدلة الشرع, كسعيد بن المسيب, وفقهاء المدينة, مثل عروة بن الزبير, والقاسم بن محمد, وعلي بن الحسين, وأبي بكر بن عبد الرحمن, وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة, وسليمان بن يسار, وخارجة بن زيد, وسالم بن عبد الله بن عمر, وغير هؤلاء لا يحصي عددهم إلا الله من أصناف علماء المسلمين, كلهم خاضعون لعدل عمر وعلمه.

    وأما التفاوت بين سيرة عمر وسيرة من ولي بعده, فأمر قد عرفته العامة والخاصة, فإنها أعمال ظاهرة, وسيرة بينة, يظهر لعمر فيها من حسن النية وقصد العدل وعدم الغرض وقمع الهوى, مالا يظهر من غيره, ولهذا قال له النبي صلى الله عليه و سلم: "ما رآك الشيطان سالكاً فجا؛ إلا سلك فجاً غير فجك" لأن الشيطان إنما يستطيل على الإنسان بهواه وعمر قمع هواه. وقال: "إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه" ووافق ربه في غير واحدة نزل فيها القرآن بمثل ما قال. وقال ابن عمر: كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر. وهذا لكمال نفسه بالعلم والعدل, قال الله تعالى: "وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً" (الأنعام: 115) فالله تعالى بعث الرسل بالعلم والعدل, فكل من كان أتمّ علماً وعدلاً؛ كان أقرب إلى ما جاءت به الرسل, وهذا كان في عمر أظهر منه في غيره, وهذا في العمل والعدل ظاهر لكل أحد, وأما العلم فيعرف برأيه وخبرته بمصالح المسلمين وما ينفعهم وما يضرهم في دينهم ودنياهم, ويعرف بمسائل النزاع التي له فيها قول ولغيره فيها قول, فإن صواب عمر في مسائل النزاع وموافقته للنصوص أكثر من صواب عثمان وعلي, ولهذا كان أهل المدينة إلى قوله أميل ومذهبهم أرجح مذاهب أهل الأمصار, فإنه لم يكن في مدائن الإسلام في القرون الثلاثة أهل مدينة أعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم, وهم متفقون على تقديم قول عمر على علي, وأما الكوفيون؛ فالطبقة الأولى منهم أصحاب ابن مسعود يقدمون قول عمر على قول علي, وأولئك أفضل الكوفيين, حتى قضاته شريح وعَبِيدة السلماني وأمثالهما, كانوا يرجحون قول عمر وعلي على قوله وحده. ورسالة عمر المشهورة في القضاء إلى أبى موسى الأشعري تداولها الفقهاء, وبنوا عليها واعتمدوا على ما فيها من الفقه وأصول الفقه.

5- وكان زاهداً ورعاً في كل شأنه, ولم يكن له غرض في فَدَك ولا غيرها, فلم يأخذها لنفسه, ولا لأحد من أقاربه وأصدقائه, ولا كان له غرض في حرمان أهل بيت النبي صلى الله عليه و سلم, بل كان يقدّمهم في العطاء على جميع الناس, ويفضلهم في العطاء على جميع الناس, حتى إنه لما وضع الديوان للعطاء وكتب أسماء الناس, قالوا: نبدأ بك؟ قال: لا, ابدأوا بأقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وضعوا عمر حيث وضعه الله. فبدأ ببني هاشم, وضمّ إليهم بني المطلب, لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد, إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام" فقدّم العباس وعلياً والحسن والحسين, وفرض لهم أكثر مما فرض لنظرائهم من سائر القبائل, وفضّل أسامة بن زيد على ابنه عبد الله في العطاء, فغضب ابنه وقال: تفضل علي أسامة؟! قال: فإنه كان أحب إلى رسول الله منك, وكان أبوه أحب إلى رسول الله من أبيك. وهذا الذي ذكرناه من تقديمه بني هاشم وتفضيله لهم, أمر مشهور عند جميع العلماء بالسير, لم يختلف فيه اثنان.

6- وكان عمر عادلاً وقّّّافاً عند كتاب الله تعالى. روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: قدم عيينة بن حصن على ابن أخيه الحر بن قيس, وكان من النفر الذين يدنيهم عمر, وكان القرّاء أصحاب مجالس عمر كهولاً كانوا أو شباناً, فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي! لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه, فقال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس: فاستأذن الحرّ لعيينة, فأذن  له عمر, فلما دخل عليه قال: هيه يا ابن الخطاب! فوالله ما تعطينا الجزل, ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى همّ أن يوقع به, فقال له الحرّ: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه و سلم: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" (الأعراف: 199) وإن هذا من الجاهلين, فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه. وكان عمر وقافاً عند كتاب الله.

    وعمر رضي الله عنه من المتواتر عنه أنه كان لا تأخذه في الله لومة لائم, حتى أنه أقام على ابنه الحدّ لما شرب بمصر, بعد أن كان عمرو ابن العاص ضربه الحدّ, لكن كان ضربه سراً في البيت, وكان الناس يُضربون علانية, فبعث عمر إلى عمرو يزجره, ويتهدده, لكونه حابي ابنه, ثم طلبه, فضربه مرة ثانية, فقال له عبد الرحمن: ما لك هذا! فزجر عبد الرحمن. وأخبار عمر المتواترة في إقامة الحدود وأنه كان لا تأخذه في الله لومة لائم أكثر من أن تذكر.

    وقد بلغ من علمه وعدله ورحمته بالذرية؛ أنه كان لا يفرض للصغير حتى يفطم, ويقول: يكفيه اللبن. فسمع امرأة تُكرهُ ابنها على الفطام؛ ليُفرض له. فأصبح فنادى في الناس: إن أمير المؤمنين يفرض للفطيم والرضيع. وتضرُّرَ الرضيع كان بإكراه أمه لا بفعله هو, لكن رأى أن يفرض للرضعاء ليمتنع الناس عن إيذائهم, فهذا من إحسانه إلى ذرية المسلمين.

 وفي صحيح مسلم عن ابن أبي مليكة قال: سمعت عائشة وسُئلت: من كان رسول الله صلى الله عليه و سلم مستخلفاً لو استخلف؟ قالت: أبو بكر, فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر, قيل لها: ثم من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة عامر بن الجراح, ثم انتهت إلى هذا.

    ومن المعلوم للخاص والعام؛ أن عدل عمر رضي الله عنه ملأ الأفاق, وصار يضرب به المثل, كما قيل: سيرة العمرين, وأحدهما عمر بن الخطاب, والآخر قيل: إنه عمر بن عبد العزيز, وهو قول أحمد بن حنبل وغيره من أهل العلم والحديث, وقيل: هو أبو بكر, وهو قول أبي عبيدة وطائفة من أهل اللغة والنحو.  ويكفي الإنسان؛ أن الخوارج _الذين هم أشد الناس تعنتاً_ راضون عن أبي بكر وعمر في سيرتهما, وكذلك الشيعة الأولى أصحاب علي رضي الله عنه كانوا يقدمون عليه أبا بكر وعمر, وروى ابن بطة ما ذكره الحسن بن عرفة: حدثني كثير بن مروان الفلسطيني عن أنس بن سفيان عن غالب بن عبد الله العقيلي قال: لما طعن عمر دخل عليه رجال منهم ابن عباس, وعمر يجود بنفسه, وهو يبكي, فقال له ابن عباس: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فقال له عمر: أما والله ما أبكي جزعاً على الدنيا, ولا شوقاً إليها, ولكن أخاف هول المطلع! قال: فقال له ابن عباس: فلا تبك يا أمير المؤمنين, فوالله لقد أسلمت؛ فكان إسلامك فتحاً, ولقد أُمّرت؛ فكانت إمارتك فتحاً, ولقد ملأت الأرض عدلاً, وما من رجلين من المسلمين يكون بينهما ما يكون بين المسلمين فتُذكر عندهما إلا رضيا بقولك, وقنعا به. قال: فقال عمر: أجلسوني. فلما جلس قال: أعد على كلامك يا ابن عباس. قال: نعم, فأعاده. فقال عمر: أتشهد لي بهذا عند الله يوم القيامة يا ابن عباس؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين, أنا أشهد لك بهذا عند الله, وهذا علي يشهد لك, وعلي بن أبي طالب جالس, فقال علي بن أبي طالب: نعم يا أمير المؤمنين.

    وعن عبد خير قال: رأيت علياً صلى العصر, فصف له أهل نجران صفين, فلما صلى أومأ رجل منهم إلى رجل فأخرج كتاباً فناوله إياه, فلما قرأه دمعت عيناه, ثم رفع رأسه إليهم فقال: يا أهل نجران, أو يا أصحابي, هذا والله خطّى بيدي, وإملاء عمر علي, فقالوا يا أمير المؤمنين: أعطنا ما فيه. فدنوت منه فقلت: إن كان راداً على عمر يوماً فاليوم يرد عليه, فقال: لست راداً على عمر شيئا صنعه, إن عمر كان رشيد الأمر, وإن عمر أعطاكم خيراً مما أخذ منكم, وأخذ منكم خيراً مما أعطى. ولم يجر لعمر نفع مع أخذ لنفسه إنما أخذه لجماعة المسلمين.

7- وقد أعزّ الله به الإسلام, وبسط له الثناء على ألسن المؤمنين, وقد أفرد العلماء مناقب عمر, فإنه لا يُعرف في سير الناس كسيرته.

  وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت كأني أنزع على قليب بدلو, فأخذها ابن أبي قحافة فنزع ذنوباً أو ذنوبين, وفي نزعة ضعف, والله يغفر له, ثم أخذها عمر بن الخطاب؛ فاستحالت في يده غرباً, فلم أر عبقرياً من الناس يفرى فريه, حتى ضرب الناس بعطن".

   وقالت عائشة رضي الله عنها: كان عمر أحوذياً, نسيج وحده, قد أعدّ للأمور أقرانها. وكانت تقول: زينوا مجالسكم بذكر عمر.

    وروى الشعبي عن علي رضي الله عنه قال: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر.

    وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما رأيت عمر قط, إلا وأنا يُخيَّلُ لي أن بين عينيه ملكاً يسدّده. وقال أيضاً: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر.

   وقال أيضاً: إذا ذُكر الصالحون فحيهلاً بعمر, كان إسلامه نصراً, وإمارته فتحاً. وقال أيضاً: كان عمر أعلمنا بكتاب الله, وأفقهنا في دين الله, وأعرفنا بالله, والله لهو أبين من طريق الساعين. يعنى أن هذا أمر بيّن يعرفه الناس.

   وقال أيضاً: لو أن علم عمر وُضع في كفّة ميزان, ووضع علم أهل الأرض في كفة, لرجح عليهم.

   وقال أيضاً لما مات عمر: إني لأحسب هذا قد ذهب بتسعة أعشار العلم, وإني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهب مع عمر يوم أصيب.

    وعن زيد بن وهب: أن رجلاً أقرأه معقل بن مقرن آية, وأقرأها عمر بن الخطاب آخر, فسألا ابن مسعود عنها, فقال: لأحدهما: من أقرأكها؟ قال: معقل بن مقرن. وقال للآخر: من أقرأكها؟ قال: عمر بن الخطاب. فبكى ابن مسعود حتى كثرت دموعه, ثم قال: اقرأها كما أقرأكها عمر, فإنه كان أقرأنا لكتاب الله, وأعلمنا بدين الله. ثم قال: كان عمر حصناً حصيناً على الإسلام, يدخل في الإسلام, ولا يخرج منه, فلما ذهب عمر انثلم الحصن ثلمة لا يسدها أحد بعده, وكان إذا سلك طريقا اتبعناه ووجدناه سهلاً, فإذا ذكر الصالحون فحيهلاً بعمر, فحيهلاً بعمر, فحيهلاً بعمر.

   وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: كان الإسلام في زمن عمر كالرجل المقبل, لا يزداد إلا قرباً, فلما قُتل؛ كان كالرجل المدبر, لا يزداد إلا بعداً.

  وقال مجاهد: إذا اختلف الناس في شيء؛ فانظروا ما صنع عمر فخذوا برأيه.

  وقال أبو عثمان النهدي: إنما كان عمر ميزاناً, لا يقول كذا ولا يقول كذا.

  وهذه الآثار وأضعافها مذكورة بالأسانيد الثابتة في الكتب المصنفة في هذا الباب, ليس من أحاديث الكذابين, والكتب الموجودة فيها هذه الآثار المذكورة بالأسانيد الثابتة كثيرة جداً, روى عن النبي صلى الله عليه و سلم من حديث ابن عمر وابن عباس وغيرهما أنه قال: "اللهم أعز الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب" قال فغدا عمر على رسول الله صلى الله عليه و سلم, فأسلم يومئذ. وفي لفظ: "أعزّ الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك" وروى النضر عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما أسلم عمر قال المشركون: قد انتصف القوم منا. وروى أحمد بن منيع: حدثنا ابن عليه حدثنا أيوب عن أبي معشر عن إبراهيم قال: قال ابن مسعود: كان عمر حائطاً حصيناً على الإسلام, يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه, فلما قُتل عمر انثلم الحائط, فالناس اليوم يخرجون منه.

    وعن أم أيمن رضي الله عنها, قالت: وَهَى الإسلام يوم مات عمر.

  وعن القاسم بن محمد: كانت عائشة رضي الله عنها تقول: من رأى عمر بن الخطاب؛ علم أنه خلق غناء للإسلام, كان والله أحوذياً نسيج وحده, قد أعد للأمور أقرانها.

    وقال محمد بن إسحاق في السيرة: أسلم عمر بن الخطاب, وكان رجلا ذا شكيمة, لا يرام ما وراء ظهره, فامتنع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عزّوا. وكان عبد الله بن مسعود يقول: ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر بن الخطاب, فلما أسلم؛ قاتل قريشاً حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه.

   وقال أبو المعالي الجويني: ما دار الفلك على شكله.

   وثبت عن طارق بن شهاب قال: إن كان الرجل ليحدّث عمر بالحديث, فيكذب الكذبة, فيقول: احبس هذه! ثم يحدّثه الحديث فيقول: احبس هذه! فيقول: كل ما حدثتك به حق إلا ما أمرتني أن أحبسه.

    وعن ابن عمر أن عمر بن الخطاب بعث جيشاً, وأمّر عليهم رجلاً يُدعى سارية, قال: فبينا عمر يخطب في الناس, فجعل يصيح على المنبر: يا سارية! الجبل. يا سارية! الجبل. قال: فقدم رسول الجيش, فسأله, فقال: يا أمير المؤمنين! لقينا عدونا فهزمونا, فإذا بصائح: يا سارية! الجبل. يا سارية! الجبل. فأسندنا ظهورنا إلى الجبل؛ فهزمهم الله. فقيل لعمر بن الخطاب: إنك كنت تصيح بذلك على المنبر.

    وثبت عن قيس عن طارق بن شهاب, قال: كنا نتحدث أن عمر يتحدث على لسانه ملك. وعن مجاهد قال: كان عمر إذا رأى الرأي نزل به القرآن.

   وعن حماد بن زيد قال: سمعت خالداً الحذاء يقول: نرى أن الناسخ من قول رسول الله صلى الله عليه و سلم؛ ما كان عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

8- وكان الشيطان يفرق منه, وعن مجاهد قال: كنا نتحدث أن الشياطين كانت مصفدة في إمارة عمر, فلما قتل عمر وثبت.

   واستأذن عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم, وعنده نساء من قريش يكلمنه, ويستكثرنه, عالية أصواتهن, فلما استأذن عمر؛ قمن فابتدرن الحجاب, فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم, ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك, فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجبت من هؤلاء اللاتي كُنَّ عندي, فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب" فقال عمر: قلت: يا رسول الله! أنت أحق أن يهبن. ثم قال عمر: أي عدوات أنفسهن تهبنني, ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه و سلم! قلن: نعم, أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه و سلم. قال رسول الله: "والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجاً؛ إلا سلك فجاً غير فجك" متفق عليه, وفي حديث آخر: "إن الشيطان يفر من حسّ عمر"(الطبراني 8/80 والديلمي عن أنس).

9_ وله وصايا حسنة نافعة, عن يحيى بن جعدة قال: قال عمر رضي الله عنه: لولا ثلاث لأحببت أن أكون قد لحقت بالله؛ لولا أن أسير في سبيلي الله, أو أضع جبهتي في التراب ساجداً, أو أجالس قوماً يلتقطون طيب الكلام كما يلتقط طيب الثمر.

    وكلام عمر رضي الله عنه من أجمع الكلام وأكمله, فإنه ملهم مُحَدَّث, كل كلمة من كلامه تجمع علماً كثيراً, مثل هؤلاء الثلاث التي ذكرهن, فإنه ذكر الصلاة والجهاد والعلم, وهذه الثلاث هي أفضل الأعمال بإجماع الأمة.

    وقال عباس: قال لي عمر: إنه والله يا ابن عباس ما يصلح لهذا الأمر إلا القوي في غير عنف, اللين في غير ضعف, الجواد في غير سرف, الممسك في غير بخل. قال يقول ابن عباس: فوالله ما أعرفه غير عمر.

    وعن سالم عن أبيه: أنه كان إذا ذكر عمر قال: لله در عمر, لقل ما سمعته يقول يحرك شفتيه بشيء قط يتخوفه؛ إلا كان حقاً.

10- وكان يرجع إلى الحق متى علمه, وقصة رد المرأة عليه, دليل على كمال فضله ودينه وتقواه, ورجوعه إلى الحق إذا تبين له, وأنه يقبل الحق حتى من امرأة, ويتواضع له, وأنه معترف بفضل الواحد عليه, ولو في أدنى مسألة, وليس من شرط الأفضل أن لا ينبهه المفضول لأمر من الأمور, فقد قال الهدهد لسليمان: "أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين" (النمل: 22) وقد قال موسى للخضر: "هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً" (الكهف: 66) والفرق بين موسى والخضر أعظم من الفرق بين عمر وبين أشباهه من الصحابة, ولم يكن هذا بالذي أوجب أن يكون الخضر قريباً من موسى, فضلاً عن أن يكون مثله, بل الأنبياء المتبعون لموسى كهارون ويوشع وداود وسليمان وغيرهم, أفضل من الخضر.

   وفي الجملة؛ عمر لو نفذ اجتهاده لم يكن أضعف من كثير من اجتهاد غيره الذي أنفذه وكيف لم ينفذه, وقوله تعالى: "وآتيتم إحداهن قنطاراً" (النساء 20) يتأول كثير من الناس ما هو أصرح منها, بأن يقولوا: هذا قيل: للمبالغة, كما قالوا: في قول رسول الله صلى الله عليه و سلم المخرج في الصحيحين: "التمس ولو خاتماً من حديد": أنه قاله على سبيل المبالغة, فإذا كان المقدرون لأدناه يتأولون مثل هذا؛ جاز أن يكون المقدر لأعلاه يتأول مثل هذا, إلى غير ذلك, وعمر مع هذا لم يصر على ذلك, بل رجع إلى الحق. فعُلم أن تأييد الله له وهدايته إياه أعظم من تأييده لغيره وهدايته إياه. وأن أقواله الضعيفة التي رجع عنها ولم يصر عليها خير من أقوال غيره الضعيفة التي لم يرجع عنها.

   وبالجملة؛ فهذا باب يطول وصفه, وعمر أكمل الصحابة بعد أبي بكر, والصحابة أعلم الأمة وأفقهها وأدينها, ولهذا أحسن الشافعي رحمه الله في قوله: هم فوقنا في كل علم وفقه ودين وهدى, وفي كل سبب ينال به علم وهدى, ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا, أو كلاما هذا معناه.

   وقال أحمد بن حنبل: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم.

    وما أحسن قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال: أيها الناس من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات, فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة, أولئك أصحاب محمد, كانوا أفضل هذه الأمة, أبرّها قلوباً, وأعمقها علماً, وأقلّها تكلفاً, قوم اختارهم الله لصحبة نبيه, وإقامة دينه, فاعرفوا لهم فضلهم, واتبعوهم في آثارهم, وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم, فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.

    وقال حذيفة رضي الله عنه: يا معشر القراء! استقيموا, وخذوا طريق من كان قبلكم, فوالله لئن استقمتم؛ لقد سبقتم سبقا بعيداً, وإن أخذتم يمينا وشمالاً؛ لقد ضللتم ضلالاً بعيداً.

   ومعلوم أن رأي المحدَّث الملهم, أفضل من رأي من ليس كذلك, وليس فوقه إلا النص, الذي هو حال الصديق المتلقى من الرسول, ونحن نسلم أن الصديق أفضل من عمر, لكن عمر أفضل من سائرهم. وقال عبد الله بن عمر: ما سمعت عمر يقول لشيء: إني لأراه كذا وكذا؛ إلا كان كما يقول.

    فالنصوص والإجماع والاعتبار؛ يدل على أن رأي عمر أولى بالصواب من رأي عثمان وعلي وطلحة والزبير وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم. ولهذا كانت آثار رأيه محمودة, فيها صلاح الدين والدنيا, فهو الذي فتح بلاد فارس والروم, وأعزّ الله به الإسلام, وأذل به الكفر والنفاق, وهو الذي وضع الديوان, وفرض العطاء, وألزم أهل الذمة بالصغار والغيار, وقمع الفجار, وقوم العمال, وكان الإسلام في زمنه أعزّ ما كان.

11- وكان عمر وأبو بكر أكمل الأمة بعد نبيها صلوات الله وسلامه عليه, وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اقتدوا باللَّذَيْنِ من بعدي؛ أبي بكر وعمر" ولهذا كان أحد قولي العلماء _وهو إحدى الروايتين عن أحمد_: أن قولهما إذا اتفقا حجة لا يجوز العدول عنها, وهذا أظهر القولين, كما أن الأظهر أن اتفاق الخلفاء الأربعة أيضاً حجة, لا يجوز خلافها لأمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع سنتهم.

   وكان نبينا صلى الله عليه وسلم مبعوثا بأعدل الأمور وأكملها, فهو الضحوك القتال, وهو نبي الرحمة ونبي الملحمة, بل أمته موصوفون بذلك في مثل قوله تعالى: "أشداء على الكفار رحماء بينهم" (الفتح: 29) وقوله تعالى: "أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين" (المائدة: 54) فكان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين شدة هذا ولين هذا, فيأمر بما هو العدل, وهما يطيعانه, فتكون أفعالهما على كمال الاستقامة, فلما قبض الله نبيه وصار كل منهما خليفة على المسلمين خلافة نبوة؛ كان من كمال أبي بكر رضي الله عنه أن يولّي الشديد, ويستعين به, ليعتدل أمره, ويخلط الشدة باللين, فإن مجرد اللين يفسد, ومجرد الشدة تفسد, ويكون قد قام مقام النبي صلى الله عليه وسلم, فكان يستعين باستشارة عمر, وباستنابة خالد ونحو ذلك. وهذا من كماله الذي صار به خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولهذا اشتد في قتال أهل الردة شدة برز بها على عمر وغيره, حتى روى أن عمر قال له: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم! تألّف الناس. فقال: علام أتألفهم؟ أعلى حديث مفترى؟ أم على شعر مفتعل؟. وقال أنس: خطبنا أبو بكر عقيب وفاة النبي صلى الله عليه و سلم وإنا لكالثعالب, فما زال يشجعنا حتى صرنا كالأسود.

   وأما عمر رضي الله عنه فكان شديداً في نفسه, فكان من كماله استعانته باللين ليعتدل أمره, فكان يستعين بأبي عبيدة بن الجراح, وسعد ابن أبي وقاص, وأبي عبيد الثقفي, والنعمان بن مقرن, وسعيد بن عامر, وأمثال هؤلاء من أهل الصلاح والزهد.

    ومن هذا الباب أمر الشورى, فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان كثير المشاورة للصحابة فيما لم يتبين فيه أمر الله ورسوله, فإن الشارع نصوصه كلمات جوامع, وقضايا كلية, وقواعد عامة يمتنع أن يعين واحداً منهم, ويكون غيره أصلح لهم, فإنه ظهر له رجحان الستة دون رجحان التعيين, وقال الأمر في التعيين إلى الستة يعينون واحداً منهم. وهذا أحسن اجتهاد إمام عالم عادل ناصح, لا هوى له رضي الله عنه. وأيضا فقد قال تعالى: "وأمرهم شورى بينهم" (الشورى: 38) وقال: "وشاورهم في الأمر" (آل عمران: 159) فكان ما فعله من الشورى مصلحة, وكان ما فعله أبو بكر رضي الله عنه من تعيين عمر هو المصلحة أيضاً, فإن أبا بكر تبيّن له من كمال عمر وفضله واستحقاقه للأمر ما لم يحتج معه إلى الشورى, وظهر أثر هذا الرأي المبارك الميمون على المسلمين, فإن كل عاقل منصف يعلم أن عثمان أو علياً أو طلحة أو الزبير أو سعداً أو عبد الرحمن بن عوف؛ لا يقوم مقام عمر, فكان تعيين عمر في الاستحقاق كتعيين أبي بكر في مبايعتهم له, ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أفرس الناس ثلاثة؛ بنت صاحب مدين حيث قالت: "يا أبت أستأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين" (القصص: 26) وأمرأة العزيز حيث قالت: "عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً" (القصص: 9) وأبو بكر حيث استخلف عمر.

    وعن أبي معاوية قال: لما كان يوم بدر, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله! قومك وأهلك, استبقهم واستأن بهم, لعل الله يتوب عليهم. وقال عمر: يا رسول الله! كذبوك وأخرجوك, قربهم واضرب أعناقهم,.. فذكر الحديث قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئاً, قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم, قال: "فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم" (إبراهيم: 36) وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى, قال: "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم" (المائدة: 118) وإن مثلك يا عمر كمثل نوح, قال: "رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً" (نوح: 26) وإن مثلك يا عمر كمثل موسى, قال: "وأشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم" (يونس: 88) (الترمذي: 7/31, الحاكم: 10/87, وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي ص: 196).

     وعن إسماعيل بن أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي بكر وعمر: "لولا أنكما تختلفان على ما خالفتكما". وكان السلف متفقين على تقديمهما حتى شيعة علي رضي الله عنه.

    وعن حدير قال قدم أبو إسحاق السبيعي الكوفة, قال لنا شمر بن عطية: قوموا إليه, فجلسنا إليه, فتحدثوا, فقال أبو إسحاق: خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما, وقدمت الآن وهم يقولون ويقولون! ولا والله ما أدرى ما يقولون!.

    وعن سعيد بن حسن قال: سمعت ليث بن أبي سليم يقول: أدركت الشيعة الأولى, وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحداً.

   وعن مسروق قال: حُبُّ أبي بكر وعمر, ومعرفة فضلهما من السنة. ومسروق من أجلّ تابعي الكوفة. وكذلك قال طاووس: حبّ أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة, وقد روي ذلك عن ابن مسعود.

    وكيف لا تقدم الشيعة الأولى أبا بكر وعمر, وقد تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى الله عنه أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر, ثم عمر؟ وقد روي هذا عنه من طرق كثيرة, قيل إنها تبلغ ثمانين طريقاً.

    وقد رواه البخاري عنه في صحيحه, من حديث الهمدانيين الذين هم أخص الناس بعلي حتى كان يقول:

ولو كنت بوابا على باب جنة   **   لقلت لهمدان أدخلي بسلام

   وقد رواه البخاري من حديث سفيان الثوري _وهو همداني_ عن منذر _وهو همداني_ عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: يا أبت! من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ فقال: يا بني أو ما تعرف؟ فقلت: لا, قال: أبو بكر. فقلت: ثم من؟ قال: عمر. وهذا يقوله لابنه, بينه وبينه, ليس هو مما يجوز أن يقوله تقية, ويرويه عن أبيه خاصة.

   وقال على المنبر رضي الله عنه: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر؛ إلا جلدته جلد المفتري.

   وقال الشافعي: لم يختلف الصحابة والتابعون في تقديم أبي بكر وعمر.

   وقال شريك بن عبدالله بن أبي نمر, وقال له قائل: أيما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر. فقال له السائل: أتقول هذا وأنت من الشيعة؟ فقال: نعم, إنما الشيعي من يقول هذا, والله لقد رقى عليّ هذه الأعواد فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر. أفَكُنّا نردّ قوله؟ أفكنّا نكذبه؟ والله ما كان كذاباً.

    وكان أبو بكر وعمر أفضل سيرة وأشرف سريرة من عثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين, فلهذا كانا أبعد عن الملام, وأولى بالثناء العام, حتى لم يقع في زمنهما شيء من الفتن, فلم يكن للخوارج في زمنهما لا قول مأثور, ولا سيف مشهور, بل كانت كل سيوف المسلمين مسلولة على الكفار, وأهل الإيمان في إقبال, وأهل الكفر في إدبار. وأيضاً فأبو بكر وعمر لم ينهزما قط, وما ينقله بعض الكذابين من انهزامهما يوم حنين, فهو من الكذب المفترى.

   وظهور فضائل شيخي الإسلام أبي بكر وعمر أظهر بكثير عند كلّ عاقل من فضل غيرهما, فيريد هؤلاء الرافضة قلب الحقائق, ولهم نصيب من قوله تعالى: "فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه" (الزمر: 32) وقوله تعالى: "فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون" (يونس: 17) فإن القوم من أعظم الفرق تكذيباً بالحق, وتصديقاً بالكذب, وليس في الأمة من يماثلهم في ذلك.

    وقال معاوية لابن عباس: أنت على ملة علي؟ فقال: لا على ملة علي, ولا على ملة عثمان, أنا على ملة رسول الله صلى الله عليه و سلم.

  وكانت الشيعة أصحاب علي يقدمون عليه أبا بكر وعمر, وإنما كان النزاع في تقدمه على عثمان, ولم يكن حينئذ ُيسمى أحد لا إمامياً ولا رافضياً, وإنما سموا رافضة, وصاروا رافضة؛ لما خرج زيد بن علي بن الحسين بالكوفة, في خلافة هشام, فسألته الشيعة عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما, فرفضه قوم, فقال: رفضتموني, رفضتموني, فسموا رافضة, وتولاه قوم زيدية, لانتسابهم إليه, ومن حينئذ انقسمت الشيعة إلى رافضة إمامية وزيدية, وكلما زادوا في البدعة زادوا في الشر, فالزيدية خير من الرافضة أعلم وأصدق وأزهد وأشجع.

12- وما يتمارى في كمال سيرة عمر وعلمه وعدله وفضله من له أدنى مسكة من عقل وإنصاف, ولا يطعن على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إلا أحد رجلين: إما رجل منافق زنديق ملحد عدو للإسلام يتوصل بالطعن فيهما إلى الطعن في الرسول ودين الإسلام, وهذا حال المعلم الأول للرافضة أول من ابتدع الرفض, وحال أئمة الباطنية. وإما جاهل مفرط في الجهل والهوى, وهو الغالب على عامة الشيعة إذا كانوا مسلمين في الباطن, ولكن هؤلاء القوم لفرط جهلهم وهواهم يقلبون الحقائق في المنقول والمعقول, فيأتون إلى الأمور التي وقعت, وعُلم أنها وقعت فيقولون: ما وقعت! وإلى أمور ما كانت, ويُعلم أنها ما كانت, فيقولون: كانت! ويأتون إلى الأمور التي هي خير وصلاح, فيقولون: هي فساد! وإلى الأمور التي هي فساد, فيقولون: هي خير وصلاح! فليس لهم لا عقل ولا نقل, بل لهم نصيب من قوله تعالى: "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير" (الملك: 10).

وإلى شيء من أمور الرافضة:

ودع عنك دين الرفض والبدع التي    **   يقودك داعيها إلى النار والعار

  وسر خلف أصحاب الرسول فإنهم   **   نجوم هدى في ضوئها يهتدي الساري

 وعج عن طريق الرفض فهو مؤسس   ** على الكفر تأسيسا على جرف منهار

1- أصل دينهم:

   أصل مذهبهم من إحداث الزنادقة المنافقين, الذين عاقبهم في حياته علي أمير المؤمنين رضي الله عنه, فحرق منهم طائفة بالنار, وطلب قتل بعضهم ففروا من سيفه البتار, وتوعد بالجلد طائفة مفترية فيما عرف عنه من الأخبار. وأصل الرفض إنما أحدثه زنديق, غرضه إبطال دين الإسلام.

    وقال الشعبي: أحذركم هذه الأهواء المضلة, وشرها الرافضة, لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة, ولكن مقتاً لأهل الإسلام, وبغياً عليهم, قد حرقهم علي رضي الله عنه بالنار, ونفاهم إلى البلدان, منهم عبد الله ابن سبأ يهودي من يهود صنعاء, نفاه إلى ساباط.

 إن الملاحدة من الباطنية الإسماعيلية وغيرهم, والغلاة النصيرية وغير النصيرية, إنما يظهرون التشيع, وهم في الباطن أكفر من اليهود والنصارى, فدل ذلك على أن التشيع دهليز الكفر والنفاق.

2- خبث معتقدهم:

  وأما الرافضة كهذا المصنف وأمثاله _أي ابن المطهر الحلّي_ من متأخري الإمامية, قد جمعوا أخسّ المذاهب؛ مذهب الجهمية في الصفات, ومذهب القدرية في أفعال العباد, ومذهب الرافضة في الإمامة والتفضيل.

   ومن أعظم خبث القلوب؛ أن يكون في قلب العبد غلّ لخيار المؤمنين وسادات أولياء الله بعد النبيين. ولهذا لم يجعل الله تعالى في الفيء نصيباً لمن بعدهم إلا الذين يقولون: "ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم" (الحشر:10)

   ولا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة, فإنهم لم يستغفروا للسابقين الأولين, وفي قلوبهم غلّ عليهم, ففي الآيات الثناء على الصحابة وعلى أهل السنة الذين يتولونهم, وإخراج الرافضة من ذلك.

   وهؤلاء الرافضة يرمون أزواج الأنبياء عائشة وامرأة نوح بالفاحشة, فيؤذون نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء من الأذى بما هو من جنس أذى المنافقين المكذبين للرسل.

    لو كان الحق كما تقوله الرافضة؛ لكان أبو بكر وعمر والسابقون الأولون من شرار أهل الأرض وأعظمهم جهلاً وظلماً, حيث عمدوا عقب موت نبيهم صلى الله عليه وسلم, فبدلوا وغيروا وظلموا الوصي, وفعلوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ما لم تفعله اليهود والنصارى عقب موت موسى والمسيح عليهما الصلاة والسلام, فإن اليهود والنصارى لم يفعلوا عقب موت أنبيائهم ما تقوله الرافضة: إن هؤلاء فعلوه عقب موت النبي صلى الله عليه و سلم. وعلى قولهم تكون هذه الأمة شر أمة أخرجت للناس, ويكون سابقوها شرارها. وكلّ هذا مما يعلم بالاضطرار فساده من دين الإسلام, وهو مما يبين أن الذي ابتدع مذهب الرافضة كان زنديقاً ملحداً عدواً لدين الإسلام وأهله, ولم يكن من أهل البدع المتأولين كالخوارج والقدرية, وإن كان قول الرافضة راج بعد ذلك على قوم فيهم إيمان لفرط جهلهم.

3- نفاقهم:

    ليس المنافقون في طائفة أكثر منهم في الرافضة, حتى أنه ليس في الروافض إلا من فيه شعبة من شعب النفاق.

4- كذبهم:

   والقوم من أكذب الناس في النقليات, ومن أجهل الناس في العقليات, يصدقون من المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل, ويكذبون بالمعلوم من الاضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة جيلاً بعد جيل, ولا يميزون في نقلة العلم ورواة الأحاديث والأخبار بين المعروف بالكذب أو الغلط أو الجهل بما ينقل, وبين العدل الحافظ الضابط المعروف بالعلم بالآثار.

   قال الشافعي: لم أر أحداً أشهد بالزور من الرافضة.

   وقال يزيد بن هارون: يكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إلا الرافضة فإنهم يكذبون. وقال شريك: أحمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة, فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه ديناً, وشريك هذا هو شريك بن عبد الله القاضي, قاضى الكوفة من أقران الثوري وأبي حنيفة, وهو من الشيعة الذي يقول بلسانه: أنا من الشيعة. وهذه شهادته فيهم.

    وقال الأعمش: أدركت الناس وما يسمونهم إلا الكذابين. يعني الرافضة.

   ومن الرافضة من ينكر كون أبي بكر وعمر مدفونين في الحجرة النبوية, وبعض غلاتهم ينكر أن يكون هو صاحبه الذي كان معه في الغار, وليس هذا من بهتانهم ببعيد, فإن القوم قوم بهت, يجحدون المعلوم ثبوته بالاضطرار, ويدعون ثبوت ما يعلم انتفاؤه بالاضطرار في العقليات والنقليات.

    والرافضة إن شهدوا شهدوا بما لا يعلمون, أو شهدوا بالزور الذي يعلمون أنه كذب, فهم كما قال الشافعي رحمه الله, وقد كذبوا على جعفر الصادق أكثر مما كذب على من قبله, فالآفة وقعت من الكذابين عليه لا منه. ولهذا نُسب إليه أنواع من الأكاذيب؛ مثل كتاب البطاقة, والجفر, والهفت, والكلام في النجوم, وفي تقدمة المعرفة من جهة الرعود والبروق, واختلاج الأعضاء, وغير ذلك حتى نقل عنه أبو عبد الرحمن في حقائق التفسير من الأكاذيب ما نزه الله جعفراً عنه, وحتى أن كل من أراد أن ينفق أكاذيبه؛ نسبها إلى جعفر, حتى أن طائفة من الناس يظنون أن رسائل إخوان الصفا مأخوذه عنه, وهذا من الكذب المعلوم, فإن جعفراً توفي سنة ثمان وأربعين ومائة, وهذه الرسائل وضعت بعد ذلك بنحو مائتي سنة, وضعت لما ظهرت دولة الإسماعيلية الباطنية, الذين بنوا القاهرة المعزية سنة بضع وخمسين وثلاثمائة, وفي تلك الأوقات صنفت هذه الرسائل بسبب ظهور هذا المذهب الذي ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض, فأظهروا اتباع الشريعة, وأن لها باطناً مخالفاً لظاهرها, وباطن أمرهم مذهب الفلاسفة. وعلى هذا الأمر وضعت هذه الرسائل, وضعها طائفة من المتفلسفة معروفون, وقد ذكروا في أثنائها ما استولى عليه النصارى من أرض الشام, وكان أول ذلك بعد ثلاثمئة سنة من الهجرة النبوية, في أوائل المائة الرابعة.

5- خيانتهم:

   المنافقون من بابهم دخلوا, وأعداء المسلمين من المشركين وأهل الكتاب بطريقهم وصلوا, واستولوا بهم على بلاد الإسلام, وسبوا الحريم, وأخذوا الأموال, وسفكوا الدم الحرام, وجرى على الأمة بمعاونتهم من فساد الدين والدنيا ما لا يعلمه إلا رب العالمين. كما قد جربه الناس منهم غير مرة, في مثل إعانتهم للمشركين من الترك وغيرهم على أهل الإسلام بخراسان والعراق والجزيرة والشام وغيرها, فقد عرف من موالاتهم لليهود والنصارى والمشركين ومعاونتهم على قتال المسلمين ما يعرفه الخاص والعام, حتى قيل: إنه ما اقتتل يهودي ومسلم, ولا نصراني ومسلم, ولا مشرك ومسلم؛ إلا كان الرافضي مع اليهودي والنصراني والمشرك. وهم يستعينون بالكفار على المسلمين, فقد رأينا ورأى المسلمون أنه إذا ابتلي المسلمون بعدو كافر كانوا معه على المسلمين, كما جرى لجنكزخان ملك التتر الكفار, فإن الرافضة أعانته على المسلمين. وأما إعانتهم لهولاكو ابن ابنه لما جاء إلى خراسان والعراق والشام؛ فهذا أظهر وأشهر من أن يخفى على أحد, فكانوا بالعراق وخراسان من أعظم أنصاره ظاهراً وباطناً, وكان وزير الخليفة ببغداد الذي يقال له: ابن العلقمي منهم, فلم يزل يمكر بالخليفة والمسلمين, ويسعى في قطع أرزاق عسكر المسلمين لإضعافهم, وينهى العامة عن قتالهم, ويكيد أنواعاً من الكيد, حتى دخلوا فقتلوا من المسلمين ما يقال: إنه بضعة عشر ألف ألف إنسان أوأكثر أو أقل, ولم يُر في الإسلام ملحمة مثل ملحمة الترك الكفار المسمَّين بالتتر, وقتلوا الهاشميين, وسبوا نساءهم من العباسيين وغير العباسيين. فهل يكون مواليا لآل رسول الله صلى الله عليه و سلم من يسلط الكفار على قتلهم وسبيهم وعلى سائر المسلمين؟!.

6- حماقتهم:

  من حماقتهم؛ أنهم يأتون من أماكن بعيدة عن المشهد الذي بنوه لمنتظرهم, إما في العشر الأواخر من شهر رمضان, وإما في غير ذلك, ويتوجهون إلى المشرق, وينادونه بأصوات عالية يطلبون خروجه. ومن المعلوم أنه لو كان موجوداً وقد أمره الله بالخروج فإنه يخرج, سواءً نادوه أو لم ينادوه, وإن لم يؤذن له فهو لا يقبل منهم, وأنه إذا خرج, فإن الله يؤيده ويأتيه بما يركبه وبمن يعينه وينصره, ولا يحتاج إلى أن يوقف له دائماً من الأدميين ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. والله سبحانه قد عاب في كتابه من يدعو من لا يستجيب له دعاءه, فقال تعالى: "ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير . إن دعوتهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير"  (فاطر: 13 14) هذا مع أن الأصنام موجودة, وكان يكون فيها أحياناً شياطين تتراءى لهم وتخاطبهم, ومن خاطب معدوماً لم يُخلق كانت حالته أسوأ من حال من خاطب موجوداً وإن كان جماداً.

    وأما سائر حماقاتهم فكثيرة جداً؛ مثل كون بعضهم لا يشرب من نهر حفره يزيد, مع أن النبي صلى الله عليه و سلم والذين معه كانوا يشربون من آبار وأنهار حفرها الكفار. وبعضهم لا يأكل من التوت الشامي, ومعلوم أن النبي صلى الله عليه و سلم ومن معه كانوا يأكلون مما يجلب من بلاد الكفار من الجبن, ويلبسون ما تنسجه الكفار, بل غالب ثيابهم كانت من نسج الكفار. ومثل كونهم يكرهون التكلم بلفظ العشرة, أو فعل شيء يكون عشرة, حتى في البناء لا يبنون على عشرة أعمدة, ولا بعشرة جذوع ونحو ذلك. ومن تعصبهم أنهم لا يذكرون اسم العشرة بل يقولون: تسعة وواحد.

   وفيهم من حرم لحم الجمل, لأن عائشة ركبته يوم الجمل. ومن تعصبهم؛ أنهم إذا وجدوا مسمى بعلي أو جعفر أو الحسن أو الحسين؛ بادروا إلى إكرامه, مع أنه قد يكون فاسقاً, وقد يكون في الباطن سنياً, فإن أهل السنة يسمّون بهذه الأسماء, كل هذا من التعصب والجهل.

   وقد حدثني الثقة؛ أنه كان لرجل منهم كلب, فدعاه آخر منهم بكير, فقال صاحب الكلب: أتسمي كلبي بأسماء أصحاب النار؟! فاقتتلا على ذلك, حتى جرى بينهما دم, فهل يكون أجهل من هؤلاء؟!

    ومن فرط جهلهم وتعصبهم؛ أنهم يعمدون إلى يوم أحب الله صيامه, فيرون فطره, كيوم عاشوراء. وقد ثبت في الصحيح عن أبي موسى قال: دخل النبي صلى الله عليه و سلم المدينة, وإذا ناس من اليهود يعظمون عاشوراء ويصومونه, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نحن أحق بصومه" وأمر بصومه. أخرجه البخاري.

    ومن أخبَرِ الناس بهم الشعبي وأمثاله من علماء الكوفة, وعن عبدالرحمن بن مالك بن مغول عن أبيه قال: قلت لعامر الشعبي: ما ردك عن هؤلاء القوم, وقد كنت فيهم رأساً؟ قال: رأيتهم يأخذون بأعجاز لا صدور لها. ثم قال لي: يا مالك! لو أردتُ أن يعطوني رقابهم عبيداً, أو يملئوا لي بيتي ذهباً, أو يحجوا إلى بيتي هذا؛ على أن أكذب على علي رضي الله عنه؛ لفعلوا. ولا والله لا أكذب عليه أبداً, يا مالك! إني قد درست الأهواء, فلم أر فيها أحمق من الخشبية, فلو كانوا من الطير لكانوا رخماً, ولو كانوا من الدواب لكانوا حمراً, يا مالك! لم يدخلوا في الإسلام رغبة فيه لله, ولا رهبة من الله, ولكن مقتاً من الله عليهم, وبغياً منهم على أهل الإسلام.

    والرافضة من المطففين, يرى أحدهم القذاة في عيون أهل السنة, ولا يرى الجذع المعترض في عينه. 

  أهل السنة اتبعوا علياً وغيره من الخلفاء الراشدين فيما رووه عن النبي صلى الله عليه و سلم في تحريم المتعة, والرافضه خالفوه.

   ومن الطرق الحسنة في مناظرتهم؛ أن يورد عليهم من جنس ما يوردونه على أهل الحق, وما هو أغلظ منه, فإن المعارضة نافعة. وحينئذ؛ فإن فَهِمَوا الجواب الصحيح؛ عَلِمَوا الجواب عما يوردونه على الحق, وإن وقعوا في الحيرة, والعجز عن الجواب؛ اندفع شرهم بذلك, وقيل لهم: جوابكم عن هذا, هو جوابنا عن هذا.

7- جبنهم وهزيمتهم:

   السيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة, ودعوتهم مدحوضة, ورايتهم مهزومة, وأمرهم متشتت, كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله, ويسعون في الأرض فساداً, والله لا يحب المفسدين.

   والشيعة دائما مغلوبون مقهورون منهزمون, وحبهم للدنيا وحرصهم عليها ظاهر, ولهذا كاتبوا الحسين رضي الله عنه, فلما أرسل إليهم ابن عمه, ثم قدم بنفسه غدروا به, وباعوا الآخرة بالدنيا, وأسلموه إلى عدوه, وقاتلوه مع عدوه, فأي زهد عند هؤلاء؟! وأي جهاد عندهم؟!.

8- جهلهم:

   والله يعلم أني مع كثرة بحثي وتطلعي إلى معرفة أقوال الناس ومذاهبهم؛ ما علمت رجلاً له في الأمة لسان صدق, يُتهم بمذهب الإمامية, فضلا عن أن يقال: إنه يعتقده في الباطن.

    لو قيل: من أجهل الناس؟ لقيل: الرافضة. حتى فرضها بعض الفقهاء مسألة فقهية فيما إذا أوصى لأجهل الناس, قال: هم الرافضة, لكن هذه الوصية باطلة, لأن الوصية والوقف لا يكونان على جهة معصية, بل على جهة لا تكون مذمومة في الشرع. والوقف والوصية لأجهل الناس؛ فيه جعل الأجهلية والبدعية موجبة للاستحقاق, فهو كما لو أوصى لأكفر الناس, أو للكفار دون المسلمين, بحيث يجعل الكفر شرطاً في الاستحقاق, فإن هذا لا يصح.

   وهؤلاء الرافضة من أجهل الناس, يذكرون فيمن يوالونه من أخبار المدح, وفيمن يعادونه من أخبار الذم, ما هو بالعكس أولى, فلا تجدهم يذمون أبا بكر وأمثاله بأمر؛ إلا ولو كان ذلك الأمر ذماً لكان علي أولى بذلك, ولا يمدحون علياً بمدح يستحق أن يكون مدحاً؛ إلا وأبو بكر أولى بذلك, فإنه أكمل في الممادح كلّها, وأبرأ من المذام كلّها, حقيقيها وخياليها.

    وهؤلاء القوم في الاستلال؛ من أضل الناس عن سواء السبيل, فإن الأدلة إما نقلية وإما عقلية. والقوم من أضل الناس في المنقول والمعقول في المذاهب والتقرير, وهم من أشبه الناس بمن قال الله فيهم: "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير" (الملك: 10).

   والعلماء دائماً يذكرون من جهل الرافضة وضلالهم, ما يعلم معه بالاضطرار؛ أنهم يعتقدون أن الرافضة من أجهل الناس وأضلهم, وأبعد طوائف الأمة عن الهدى, كيف ومذهب هؤلاء الإمامية قد جمع عظائم البدع المنكرة؟ فإنهم جهمية قدرية رافضة. وكلام السلف والعلماء في ذم كل صنف من هذه الأصناف لا يحصيه إلا الله, والكتب مشحونة بذلك, ككتب الحديث والآثار والفقه والتفسير والأصول والفروع وغير ذلك, وهؤلاء الثلاثة شر من غيرهم من أهل البدع كالمرجئة والحرورية.

   وهذا حال أهل البدع المخالفة للكتاب والسنة, فإنهم؛ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس, ففيهم جهل وظلم, لا سيما الرافضة, فإنهم أعظم ذوي الأهواء جهلاً وظلماً, يعادون خيار أولياء الله تعالى من بعد النبيين, من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه, ويوالون الكفار والمنافقين من اليهود والنصارى والمشركين وأصناف الملحدين, كالنصيرية والإسماعيلية وغيرهم من الضالين, فتجدهم أو كثيرا منهم إذا اختصم خصمان في ربهم من المؤمنين والكفار, واختلف الناس فيما جاءت به الأنبياء؛ فمنهم من آمن, ومنهم من كفر, سواء كان الاختلاف بقول أو عمل, كالحروب التي بين المسلمين وأهل الكتاب والمشركين؛ تجدهم يعاونون المشركين وأهل الكتاب على المسلمين أهل القرآن.

9- من موارد التشيع:

أ- الإمامية والزيدية:

   لفظ الرافضة إنما ظهر لما رفضوا زيد بن علي بن الحسين في أوخر خلافة هشام, وقصة زيد بن علي بن الحسين كانت بعد العشرين ومئة. وبهذا وغيره يعرف كذب لفظ الأحاديث المرفوعة التي فيها لفظ الرافضة. ولكن كانوا يسمون بغير ذلك الاسم, كما كانوا يسمون الخشبية, لقولهم: إنا لا نقاتل بالسيف إلا مع إمام معصوم, فقاتلوا بالخشب. ولهذا جاء في بعض الروايات عن الشعبي, قال: ما رأيت أحمق من الخشبية!

   وقال الأشعري: وطائفة سمّوا رافضة؛ لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر.  قلت: الصحيح أنهم سموا رافضة لمّا رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب, لمّا خرج بالكوفة أيام هشام بن عبد الملك, وقد ذكر هذا أيضا الاشعري وغيره. قالوا: وإنما سمّوا الزيدية لتمسكهم بقول زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب, وكان زيد بويع له بالكوفة في أيام هشام بن عبدالملك, وكان زيد يفضل علي بن أبي طالب على سائر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, ويتولى أبا بكر وعمر, ويرى الخروج على أئمة الجور, فلما ظهر بالكوفة في أصحابه الذين بايعوه, وسمع من بعضهم الطعن على أبي بكر وعمر, فأنكر ذلك على من سمعه منه, فتفرق عنه الذين بايعوه, فقال لهم: رفضمتوني؟ قالوا: نعم, فيقال إنهم سمّوا رافضة لقول زيد بن علي لهم رفضتموني.

   وقال أبو حاتم البستي: قتل زيد بن علي بن الحسين بالكوفة, سنة اثنتين وعشرين ومئة, وصلب على خشبة, وكان من أفاضل أهل البيت وعلمائهم, وكانت الشيعة تنتحله. قلت: ومن زمن خروج زيد افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية, فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما؛ رفضه قوم, فقال لهم: رفضتموني. فسُمُّوا رافضة لرفضهم إياه, وسُمّي من لم يرفضه من الشيعة زيدياً لانتسابهم إليه.

   والزيدية والإسماعيلية وغيرهم متفقون على إنكار إمامة الاثني عشر.

  وقول القائل: إن الرافضة تفعل كذا وكذا, المراد به بعض الرافضة.

    كان الفساد الذي حصل في الأمة بقتل عثمان أعظم من الفساد الذي حصل في الأمة بقتل الحسين, وعثمان من السابقين الأولين, وهو خليفة مظلوم, طُلب منه أن ينعزل بغير حق, فلم ينعزل, ولم يدفع عن نفسه حتى قتل, والحسين رضي الله عنه لم يكن متولياً, وإنما كان طالباً للولاية حتى رأى أنها متعذرة, وطُلب منه أن يستأسر نفسه ليحمل إلى يزيد مأسوراً, فلم يجب إلى ذلك, وقاتل حتى قتل شهيداً مظلوماً, فظلم عثمان كان أعظم, وصبره وحلمه كان أكمل, وكلاهما مظلوم شهيد.

ب- الباطنية, ومنهم: القرامطة والعبيدية والإسماعيلية والنصيرية والدروز:

  القرامطة الباطنية ينسبون قولهم إلي علي رضي الله عنه, وأنه أُعطي علماً باطناً, مخالفاً للظاهر. وقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: والذي فلق الحبة, وبرأ النسمة, ما عهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً لم يعهده إلى الناس, إلا ما في هذه الصحيفة, _وكان فيها العقل, وفكاك الأسرى, وأن لا يقتل مسلم بكافر_ إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في الكتاب.

    ومن الناس من ينسب إليه الكلام في الحوادث؛ كالجفر وغيره, وآخرون ينسبون إليه البطاقة وأموراً أخرى يُعلم أن علياً بريء منها. 

    وأهل العلم بالنسب يعلمون أن نسب العبيدية الباطنية الإسماعيلية إلى عليّ باطل, وأن جدّهم يهودي في الباطن وفي الظاهر, وجدهم ديصاني من المجوس, تزوج أمرأة هذا اليهودي, وكان ابنه ربيباً لمجوسي, فانتسب إلى زوج أمه المجوسي, وكانوا ينتسبون إلى باهلة على أنهم من مواليهم, وادّعى هو أنه من ذرية محمد بن إسماعيل بن جعفر, وإليه انتسب الإسماعيلية, وادعوا أن الحق معهم دون الاثني عشرية. فإن الاثني عشرية يدعون إمامه موسى ابن جعفر, وهؤلاء يدعون إمامه إسماعيل بن جعفر.

   وأئمة هؤلاء في الباطن ملاحدة زنادقة, شر من الغالية, ليسوا من جنس الاثنى عشرية, لكن إنما طرقهم على هذا المذاهب الفاسدة ونسبتها إلى عليّ ما فعلته الاثنا عشرية وأمثالهم, كذب أولئك عليه نوعاً من الكذب, ففرّعه هؤلاء وزادوا عليه, حتى نسبوا الإلحاد إليه, كما نسب هؤلاء إليه مذهب الجهمية والقدرية وغير ذلك.

    ولما كان هؤلاء الملاحدة من الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم ينتسبون إلى علي, وهم طرقية وعشرية وغرباء وأمثال هؤلاء, صاروا يضيفون إلى عليّ ما برأه الله منه, حتى صار اللصوص من العشرية يزعمون أن معهم كتاباً من علي بالإذن لهم في سرقة أموال الناس, كما ادعت اليهود الخيابرة أن معهم كتاباً من على بإسقاط الجزية عنهم.

    وقد عرف كل أحد أن الإسماعيلية والنصيرية هم من الطوائف الذين يظهرون التشيع وهم في الباطن كفار منسلخون من كل ملة, والنصيرية هم من غلاة الرافضة الذين يدّعون إلهية عليّ, وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى باتفاق المسلمين. والإسماعيلية الباطنية أكفر منهم, فإن حقيقة قولهم التعطيل. أما أصحاب الناموس الأكبر والبلاغ الأعظم الذي هو آخر المراتب عندهم, فهم من الدهرية القائلين: بأن العالم لا فاعل له لا علة ولا خالق, ويقولون: ليس بيننا وبين الفلاسفة خلاف إلا في واجب الوجود, فإنهم يثبتونه وهو شيء لا حقيقة له, ويستهزئون بأسماء الله عز و جل, ولا سيّما هذا الاسم الذي هو الله, فإن منهم من يكتبه على أسفل قدميه ويطؤه. وأما من هو دون هؤلاء فيقولون بالسابق والتالي, الذين عبّروا بهما عن العقل والنفس عند الفلاسفة, وعن النور والظلمة عند المجوس, وركّبوا لهم مذهباً من مذاهب الصابئة والمجوس ظاهرهُ التشيّع.

  ولا ريب أن المجوس والصابئة شر من اليهود والنصارى, ولكن تظاهروا بالتشيع, قالوا: لأن الشيعة أسرع الطوائف استجابة لنا, لما فيهم من الخروج عن الشريعة, ولما فيهم من الجهل وتصديق المجهولات.

    وقال الناقلون لمقالات الناس: الشيعة ثلاثة أصناف. وإنما قيل لهم: الشيعة؛ لأنهم شايعوا عليّاً وقدّموه على سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فمنهم الغالية, سموا بذاك؛ لأنهم غلوا في عليّ, وقالوا فيه قولاً عظيماً, مثل اعتقادهم إلاهيته أو نبوته, وهؤلاء أصناف متعددة, والنصيرية منهم, والصنف الثاني من الشيعة؛ الرافضة.

   وصنّف المسلمون في كشف أسرارهم, وهتك أستارهم, كتباً معروفة, لما علموه من إفسادهم الدين والدنيا, وصنف فيهم القاضي عبد الجبار, والقاضي أبو بكر بن الطيب, وأبو يعلى, والغزالي, وابن عقيل, وأبو عبد الله الشهرستاني, وطوائف غير هؤلاء.

    وهم الملاحدة الذين ظهروا بالمشرق والمغرب واليمن والشام ومواضع متعددة كأصحاب الألموت وأمثالهم. وكان من أعظم ما به دخل هؤلاء على المسلمين, وأفسدوا الدين؛ هو طريق الشيعة, لفرط جهلهم وأهوائهم, وبعدهم من دين الإسلام. وبهذا أوصوا دعاتهم أن يدخلوا على المسلمين من باب التشيع, وصاروا يستعينون بما عند الشيعة من الأكاذيب والأهواء, ويزيدون هم على ذلك ما ناسبهم من الافتراء, حتى فعلوا في أهل الإيمان ما لم يفعله عبدة الأوثان والصلبان, وكان حقيقة أمرهم دين فرعون الذي هو شر من دين اليهود والنصارى وعباد الأصنام, وأول دعوتهم التشيع, وآخرها الانسلاخ من الإسلام, بل من الملل كلها.

10- مقارنتهم بالخوارج:

    الرافضة أشد بدعة من الخوارج, وهم يكفّرون من لم تكن الخوارج تكفره كأبي بكر وعمر, ويكذبون على النبي صلى الله عليه و سلم والصحابة كذباً ما كذب أحد مثله, والخوارج لا يكذبون, والخوارج كانوا أصدق وأشجع منهم, وأوفى بالعهد منهم, فكانوا أكثر قتالاً منهم, وهؤلاء أكذب وأجبن وأغدر وأذل.

   والرافضة تعجز عن إثبات إيمان علي وعدالته, مع كونهم على مذهب الرافضة, ولا يمكنهم ذلك إلا إذا صاروا من أهل السنة, فإذا قالت لهم الخوارج وغيرهم ممن تكفره أو تفسقه: لا نسلّم أنه كان مؤمناً بل كان كافراً أو ظالماً _كما يقولون هم في أبي بكر وعمر_ لم يكن لهم دليل على إيمانه وعدله إلا وذلك الدليل على إيمان أبي بكر وعمر وعثمان أدلّ. فإن احتجوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده؛ فقد تواتر ذلك عن هؤلاء, بل تواتر إسلام معاوية ويزيد وخلفاء بني أمية وبني العباس, وصلاتهم وصيامهم وجهادهم للكفار, فإن ادعوا في واحد من هؤلاء النفاق, أمكن الخارجي أن يدعى النفاق, وإذا ذكروا شبهة ذكر ما هو أعظم منها, وإذا قالوا ما تقوله أهل الفرية: من أن أبا بكر وعمر كانا منافقين في الباطن, عدوين للنبي صلى الله عليه وسلم, أفسدا دينه بحسب الإمكان, أمكن الخارجي أن يقول ذلك في علي, ويوجه ذلك بأن يقول: كان يحسد ابن عمه, وأنه كان يريد فساد دينه.

11- شبههم باليهود والنصارى:

     بين الرافضة وبين اليهود من المشابهة في الخبث واتباع الهوى وغير ذلك من أخلاق اليهود, وبينهم وبين النصارى من المشابهة في الغلو والجهل وغير ذلك من أخلاق النصارى, ما أشبهوا به هؤلاء من وجه وهؤلاء من وجه, وما زال الناس يصفونهم بذلك.

 يحرّم بعض الرافضة لحم الأوز والجمل مشابهة لليهود, والرافضة يجمعون بين الصلاتين دائماً, فلا يصلّون إلا في ثلاثة أوقات, مشابهة لليهود, ومثل قولهم: إنه لا يقع الطلاق إلا بإشهاد علي الزوج, مشابهة لليهود, ومثل تنجيسهم لأبدان غيرهم من المسلمين وأهل الكتاب, وتحريمهم لذبائحهم, وتنجيس ما يصيب ذلك من المياه والمائعات, وغسل الآنية التي يأكل منها غيرهم, مشابهة للسامرة الذين هم شر اليهود.

   وقالت اليهود: لا يصلح الملك إلا في آل داود, وقالت الرافضة: لا تصلح الإمامة إلا في ولد علي, وقالت اليهود: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال, وينزل سيف من السماء, وقالت الرافضة: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي, وينادي مناد من السماء, واليهود يؤخرون الصلاة إلى اشتباك النجوم, وكذلك الرافضة يؤخرون المغرب إلى اشتباك النجوم, والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم". واليهود تزول عن القبلة شيئاً, وكذلك الرافضة, واليهود تنود في الصلاة, وكذلك الرافضة, واليهود تسدل أثوابها في الصلاة, وكذلك الرافضة, واليهود لا يرون على النساء عدة, وكذلك الرافضة, واليهود حرفوا التوراة, وكذلك الرافضة حرفوا القرآن, واليهود قالوا: افترض الله علينا خمسين صلاة, وكذلك الرافضة, واليهود لا يخلصون السلام على المؤمنين, إنما يقولون: السامُّ عليكم, والسامّ: الموت, وكذلك الرافضة, واليهود لا يأكلون الجري والمرماهى _من أنواع السمك_, وكذلك الرافضة, واليهود لا يرون المسح على الخفين, وكذلك الرافضة, واليهود يستحلون أموال الناس كلهم, وكذلك الرافضة, وقد أخبرنا الله عنهم بذلك في القرآن أنهم قالوا: "ليس علينا في الأميين سبيل" (آل عمران: 75) وكذلك الرافضة, واليهود تسجد على قرونها في الصلاة, وكذلك الرافضة, واليهود لا تسجد حتى تخفق برؤوسها مراراً شبه الركوع, وكذلك الرافضة, واليهود تبغض جبريل, ويقولون هو عدونا من الملائكة, وكذلك الرافضة, يقولون: غلط جبريل بالوحي على محمد صلى الله عليه وسلم, ومثل استعمالهم التقية وإظهار خلاف ما يبطنون من العداوة مشابهة لليهود ونظائر ذلك كثير.

   والرافضة وافقوا النصارى, فليس لنسائهم صداق, إنما يتمتعون بهن تمتعاً, وكذلك الرافضة, يتزوجون بالمتعة, ويستحلون المتعة.  

    والرافضة فيهم من لعنة الله وعقوبته بالشرك ما يشبهون به أهل الكتاب من بعض الوجوه, فإنه قد ثبت بالنقول المتواترة أن فيهم من يمسخ كما مسخ أولئك.

    وفضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين؛ سُئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى, وسُئلت النصاري: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواريوا عيسى, وسُئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. أُمروا بالاستغفار لهم, فسبّوهم. فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة, لا تقوم لهم راية, ولا يثبت لهم قدم, ولا تجتمع لهم كلمة, ولا تجاب لهم دعوة.

    وأهل السنة مع الرافضة؛ كالمسلمين مع النصارى, فإن المسلمين يؤمنون بأن المسيح عبد الله ورسوله, ولا يغلون فيه غلو النصارى, ولا يجفون جفاء اليهود, والنصارى تدعي فيه الإلهية, وتريد أن تفضله على محمد وإبراهيم وموسى, بل تفضل الحواريين على هؤلاء الرسل, كما تريد الروافض أن تفضل من قاتل مع علي كمحمد ابن أبي بكر والأشتر النخعي على أبي بكر وعمر وعثمان وجمهور الصحابة من المهاجرين والأنصار, فالمسلم إذا ناظر النصراني لا يمكنه أن يقول في عيسى إلا الحق, لكن إذا أردت أن تعرف جهل النصراني وأنه لا حجة له, فقدر المناظرة بينه وبين اليهودي, فإن النصراني لا يمكنه أن يجيب عن شبهة اليهودي إلا بما يجيب به المسلم, فإن لم يدخل في دين الإسلام وإلا كان منقطعاً مع اليهودي, فإنه إذا أمر بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم, فإن قدح في نبوته بشيء من الأشياء لم يمكنه أن يقول شيئاً؛ إلا قال له اليهودي في المسيح ما هو أعظم من ذلك. ولهذا كانت الرافضة من أجهل الناس وأضلهم, كما أن النصارى من أجهل الناس, والرافضة من أخبث الناس, كما أن اليهود من أخبث الناس, ففيهم نوع من ضلال النصارى, ونوع من خبث اليهود.

    فقول الرافضة لن يدخل الجنة إلا من كان إمامياً, كقول اليهود والنصارى: "لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين . بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " (البقرة: 111_112)

   والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً على نعمة الإيمان والتوحيد والسنة, ورضي الله عن عمر, وعن آل وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

إبراهيم الدميجي

5/ رمضان/ 1433

@aldumaiji

http://aldumaiji.blogspot.com/