إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأربعاء، 31 أكتوبر، 2012

...قَبْلَ ضُحَى الغَدِ!


...قَبْلَ ضُحَى الغَدِ!

    الحمد لله مدبّرُ الكونِ بطوله والعرضِ, ومصرّفُ الدهرِ ومُبتَلِي أهلَ الأرضِ, تفرّد دون غيره بإبرامِ الأمورِ والنقضِ, أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله خاتم الأنبياء وصفوة المرسلين, صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

أنا الفقير إلى رب البريات   ...   أنا المُسيكين في مجموع حالاتي

أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي   ...   والخيرُ إن يأتنا من عنده ياتي

لا أستطيع لنفسي جلب منفعةٍ   ...   ولا عن النفس دفع المضراتِ

وليس لي دونه مولى يدبّرني   ...   ولا شفيعٌ إذا حاطت خطيئاتي

والفقر لي وصفُ ذاتٍ لازمٌ أبداً   ...   كما الغنى أبداً وصفٌ له ذاتي

وهذه الحالُ حالُ الخلق أجمعهم   ...   وكلّهم عنده عبدٌ له آتي

فمن بغى مطلباً من غير خالقه   ...   فهو الظلومُ الجهول المشرك العاتي

والحمد لله ملء الكون أجْمَعِهِ   ...   ما كان منه وما مِن بعدُ قد ياتي

تأمل _عزيزي_ هذا المشهد:


هل فهمت المغزى؟!

   أما بعد: فهذه كليمات تابعة لمقال سابق متعلق بموضوع خطير بعنوان: (خطة إسقاط آل سعود..من المستفيد؟) على هذا الرابط:  http://aldumaiji.blogspot.com/2012_05_01_archive.html

    والقصد من المقالين؛ تنبيه كل غيور في البلاد, وتحذير كل عاقل في الدولة _وبخاصة من بُسطت أيديهم أو أقلامهم أو ألسنتهم_ من ثالوثٍ هائلٍ بمكرٍ كُبّارٍ أضحى كموجاتٍ ثلاث هائلة تتقاذف قارباً صغيراً في لجة بحر خضم! "أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذّكّرون" (التوبة: 126)

    وهي ثلاث قضايا مدمِّرة إن لم يُتعامَل معها بتوفيق! أسردها مرتباً إيّاها حسب الخطر ووجوب المسارعة لدفعة والمبادرة لرفع ما علق منه, مذكّراً نفسي وإخوتي بوصية محمد بن بشر:

إنّ الأمور إذا انسدّت مسالكُها   ...   فالصبر يفتح منها كلّ ما رُتِجَا

أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته   ...   ومدمن القرعِ للأبواب أن يلجا

     وقبلها وصية ابن مسعود رضي الله عنه: إنها ستكون أمورٌ مشتبهات فعليكم بالتؤدة, فإنك أن تكون تابعًا في الخير, خيرٌ من أن تكون رأسًا في الشر!.

    وأعظم وأكرم من ذلك قول الله تعالى: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب" (الأنفال: 25) "ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين" (الحج: 11) ووصية نبي الرحمة والهدى صلى الله عليه وسلم بقوله: "إنها ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم, والقائم خير من الماشي, والماشي خير من الساعي, من يستشرف لها تستشرفه, فمن استطاع أن يعوذ بملجأ أو معاذ فليفعل" رواه البخاري في صحيحه.

    وهذه الأخطار الداهمة هي: (التغريب, والظلم, والفساد)

 فهذه الثلاث هي أركان الخطر الذي ادلهم سحابه وانعقد غمامه, وهو مؤذن بعقوبة من الله ماحقة إن لم يلطف الله بالأمة فيأخذ بيدِ من لهم الأمر لاستدراكه ورفع موجباته. فالخلّاق الحكيم الخبير سبحانه قد أقام الكون وِفْقَ سننٍ لا تتخلف ولا تتبدل ولا تحابي ولا تماري بل قضى أن تقع الأمور بمسبباتها وترتفع بموانعها. وإلى شيء من بيان تيك الأخطار والدواهي على البلاد:

    أولاً: التغريب في الإعلام والتعليم والعمل والمعاملات المالية والقضاء والعلمنة, ومحاولة المنافقين إغراق فطر العامة والخاصة بتشريعات, استغلالاً لإحسان ظن ولي الأمر بنصحهم. وحقيقتهم أنهم كفأرة سدّ مأرب تنخر البنيان حتى سقوطه ودماره أو دمارهم! ومكمن خطرها أنها مبارزة لله تعالى في حَرَمِهِ وبساط ملكه ومأرز دينه ومهبط وحيه ومدرج نبيه! والجبار جل وعلا يغار, بل لا أحد أغير منه إذا انتهكت محارمه, وكم من معصية أقامها وأفشاها من استؤمنوا على حفظ الديانة تركت الديار بلاقع! فالعذاب اذا نزل عم الجميع, فلزاماً على أهل العقد حسم مادته فوراً واقتلاع جذوره آناً. وكسرهم أبلغ في الحزم وأبعد من الذم, أما بقاء أولئك الشرذمة فهو _لعمر الله_ شماتة العدو المتقادم ومناداة العدو الحادث. أما استفزاز الصالحين والأخيار بضرب ثوابت الأمة فهو بارود يضرب راميه قبل مرميّه, ورب داهية بدأت هوينى! ومن أراد المكارم فليجتنب المحارم, ومن لم يصبر على كلمة سمع كلمات. ولا بد دون الشهد..

    ثانياً: الظلم الذي لم يعد خافياً على أحد, فلا تخطئه عينٌ ولا تنبوا عنه أذنٌ؛ وهو موضوع قضايا المعتقلين, فلا بد من رفعه, وكل يوم يمر هو بمثابة كرة الجليد المتدحرجة التي تثقل كاهل العدالة وتشوّه مُحيّاها, وقد قال الأول: التثبت نصف العفو, وفي ترك النظر عميُ البصر. وهؤلاء المساجين على ثلاثة أقسام:

    1_متهمون قد ثبتت إدانتهم وحوكموا وسجنوا, ولم تنته مدة عقوبتهم فهم ليسوا بداخلين في ما نحن بسبيله, _خلا المحاكمات التي ظهرت زيادة قسوة أحكامها على المبررات المنشورة_ فبعضها دعاوى إن عُرضت على المعقول أحالها أو على المشهود أزالها! كما قيل, ولكل من ظلم يصيح الحال:

اظلم كما شئت لا أرجوك مرحمة   ...   إنا إلى الله يوم الحشر نحتكمُ

 والقضاة على شفى هلكة خلا من عدل.

إذا جار الوزير وكاتباه   ...   وقاضي الأرض أجحف في القضاء

فويل ثم ويل ثم ويل   ...   لقاضي الأرض من قاضي السماء

وأما زجر المعتدي على البيضة فلابد منه لحفظ الأمة, فلا بد لذوي الإجرام من سلطان يسوسهم بسوط الشريعة ويذودهم عن حياض المؤمنين.

    ٢_متهمون ثبتت إدانتهم وحوكموا وانتهت مدة عقوباتهم المقررة, لكنهم لا يزالوان خلف القضبان. فوضعهم بهذا الحال من الظلم الذي حرمه الله تعالى وعظّمه وزجر عنه. قال جل وعز: "وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً" (الكهف: 59) وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه في الحديث الرباني الذي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا.." ولمحمد بن حازم يصف دعوة دعا بها الله تعالى:

وساريةٍ لم تسر في الأرض تبتغي   ...   محلّاً ولم يقطع بها البيد قاطعُ

سرَت حيث لم تُحْدَ الركاب ولم تُنَخ   ...   لوردٍ ولم يقصر لها القيد مانعُ

تمر وراء الليل والليل ضاربٌ   ...   بجثمانه فيه سميرٌ وهاجعُ

إذا وفدت لم يردد اللهُ وفدها   ...   على أهلها والله راءٍ وسامعُ

تُفتّحُ أبواب السماوات دونها   ...   إذا قرع الأبواب منهن قارعُ

وإني لأرجو الله حتى كأنني   ...   أرى بجميل الظن ما الله صانعُ

    ٣_ محبوسون على ذمة التحقيق ممن طال بهم الزمان وتجاوزوا ثلاثة أشهر أو حتى ستة أشهر خلف القضبان بدون محاكمة, فهؤلاء كمن سبق يستمطرون العذاب والنقم كل ليلة ويرسلون السهام كل ساعة على كل من له يد في ذلك أو كانت له قدرة على نصرهم فخذلهم! وقد كتب أحدهم من سجنه للوالي العباسي: إن كل يوم يمضي من سجني يمضي من نعمتك مثله, والموعد الحشر, والحكم الديّان.

أما والله إن الظلم شؤم   ...  ولا زال المسيء هو الظلوم

إلى ديان يوم الدين نمضي   ...   وعند الله تجتمع الخصوم

تنام ولم تنم عنك المنايا   ...   تنبه للمنيّة يا نؤوم

    ومن باب ذكر الشيء بالشيء؛ فلا بد من حفظ كرامة عباد الله, وأن لا تمتهن تحت أي ظرف إلا بمبرر مشروع حقيقي لا مُدّعى متوهّم. وأنّى ذلك إلا بحكم قضائي(شرعي) وكتب الحسن إلى عمر بن عبدالعزيز رحمهما الله تعالى: أما بعد؛ فكأنك بالدنيا لم تكن, وبالآخرة لم تزل, والسلام.

معاويَ إننا بشرٌ فأسجِحْ   ...   فلسنا بالجبال ولا الحديدا

    ثالثاً: الفساد بشقّيه الإداري والمالي, والحديث في هذا ذو شجون لا تنتهي, ولكن يجمعها إصلاحاً: أن يعلم المسؤول ويتذكّر دوماً أنه مستأمن من ملك الملوك على هذه الرعيّة, وأنه عليهم كالوصي على الأيتام. وقد علم المسلمون ما في عقوبة الله لآكل أموال اليتامى ظلماً أو الساعي في أحوالهم بخلاف صلاحهم, وأنّ كل متولٍّ من قبله إنّما يمثله أمام الله قبل رعيته! وأن الموقف غداً عسير ومزلة الأقدام هناك إنما هي لسخط الله وناره! وأن الناس رعيته اليوم وخصماؤه غداً في النقير والقطمير فليعدّ للسؤال جواباً وللجواب صواباً..

    وبعد؛ فهذه ثلاث قضايا إن صلحت استقام _بإذن الله_ أمر الراعي ورعيته, وكان الله له عوناً مسدداً كما وعد الرحماءَ والعادلين, وإن كانت الأخرى _عياذاً بجنابه_ دخل النقص والخلل من بابها والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.

    هذا وإن أول قافز من ذلك القارب هم أولئك الزمرة المنافقة, ولن يثبت مع قائد دفته سوى من تجردوا للحق نصحاً ولم تغل قلوبهم على الثلاث المشهورة الواردة في حديث أنس عند مسلم. فإن تنصرهم وتحفظ حقّهم ياذا الشأن فإنهم لعمر الله نعم العدة عند الفزع والبلاء ونعم العفاف عند المغنم والنعماء, ولكنهم لن يطرقوا لك باباً لغناهم بربهم, بل هم أهرب منك ممن يُطلبون للجنايات! وفي بقيتهم المشهود لها بالخير من كبار علماء الأمة فضلاً كبيراً وخيراً جزيلاً.

    ثم على الناصح الحادب أن لا يكون مطففاً ولا أعوراً, فكما يُصلِح الخللَ بذكر الداء والدواء؛ فليذكُر وليتذكّر الخير الوافر مِنْ حِفْظ مجمل أصول الديانة, ونشرها, ورعاية كثير من الآداب الشرعية, وحفظ أمن السابلة والقاطنة, والنعم التي لن يعرف احد مهما تفكر قدرها حتى يُسلبها, وإن عميت بصائر المتعجّلة!

     وبالجملة فآخِيَّةَ حفظ النعم شكر المنعم, وذلك بذكرها واستدرار بقائها بطاعته في من ابتلاهم بطاعته وامتحنهم بولايته, سواء رأوا منه ما يرضون ويسرون أو يكرهون ويضيقون. فهناك سقف لابد من تبيانه لكل ذي عينين, فكما يُوعظ الولاة ويُوصَونَ بالرفق والرحمة والعدل؛ فكذلك الرعية, وكل طرف مبتلى بنفسه و بالآخر, فليتق الله كلًّا في كلّ، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً. وإن حفظ مكتسبات الأمة ورعايتها فريضة لازمة وواجب متحتّم على كل مؤمن بالله واليوم الآخر. ولا يحل الخروج على إمام ما لم يكفر كفراً بواحاً مع القدرة على تغييره, وكم من فتن وبلابل ومظالم جرها على الأمة من راموا لها إصلاحاً وتوفيقاً! وكم من كلمة رماها مريد للإصلاح في غير مكانها أو زمانها سارت بها الركبان فأصابت في الأمة مقاتل!

    وكثير ممن يكتب في هذا الشأن لا يفرّق فيه بين المختلفات ولا يجمع فيه بين المتفقات! ثم يأتي من يستثمر أهدافه في مشاريعه ويرمي بذوره في أرضه وصاحبنا مندفع بالغيرة مضطرب بالحماسة فالهدَأة الهدَأة والسكينة السكينة معاشر المصلحين.

    ومما غُبِشت حياله بصائر بعضنا؛ أمور الإنكار والخروج, فليس كل من رام الإصلاح ناله, ولا كل من أنكر سلم دينه, ولا كل من سكت سلم من التبعة الأخروية, وليس كل منكِرٍ يُعدّ خارجاً, فثمّ برزخٌ واسع بين قضايا المناصحة والإنكار والأمر والنهي من الرعية والعزل من لدن أهل الحل والعقد وبين الخروج على الجماعة, كذلك فالأمور عند الاختيار ليست كالأمور حال الغلبة, كذا ههنا فرقٌ بين رِدَّةِ الوالي الظاهرة الفاشية وبين ما دونها مما يدخله تأويل أو إكراه أو فسق. ولكل حال وموقف شروطه وأدواته وأهله ومقتضياته, وكم من مفسدة وقعت بسبب الخلط بين المسائل وتنزيلها!

    كذلك فمن محاور التقاطعات المتنوعة الشرعية المصلحية أو ضدها؛ جلب المصالح ودرء المفاسد, ورعاية أعلى المصلحتين بتفويت أدناهما, واحتمال أدنى المفسدتين لدفع أشدهما. والتوفيق في فقه هذه النوازل يكون باستفراغ الجهد والتأمل والتفكر والغوص في المآلات مع استصحاب الواقع كما هو, وكل هذا بناء على الوحي المنزل بفقه من رسخ فيه, ثم بعد ذلك التوفيق والتثبيت للعمل بمقتضيات ذلك الفقه والنظر.

   وليُعلم ان لكل وسط طرفان من الناس كلّ منهم يرى أنه الوسط, ويتقرب الى الله عبادةً وديانةً بتأصيل ذلك الموقف وتفريعه, مع ضميمةِ فئامٍ من رَكَبَةِ الهوى ودعاة الجهل ونَعَقةِ الضلالة, فلابد لذي الحق من مكابدة الاختلاف ومناكفة الباطل, وإلّا فعلامَ سبعين أمراً بالصبر في محكم التنزيل؟!

    وعند أبي داود بسند صحيح عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: ايْمُ اللهِ لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن السعيد لمن جنّب الفتن, إن السعيد لمن جنّب الفتن, إن السعيد لمن جنّب الفتن, ولمن ابتلي فصبر فواهًا" وفي البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمٌ يتبع بها شَعَف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن" . فمن اشتبهت عليه الأمور فليكف ولينأ بنفسه حتى تنجلي عجاجة الأمور وتنقشع سحائب المشتبهات, والخطأ في الكف والإحجام أهون من الخطأ في الفعل والإقدام.

آخراً: هلّا تدبرنا قول ربنا جل وعز: "أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون" (العنكبوت: 87)

    اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أصلح أحوال بلاد الإسلام كافة وأصلح دين العباد ودنياهم, واهد الولاة للحكم بكتابك والرفق برعاياهم واهدهم سبل السلام, وصل اللهم وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه.

إبراهيم الدميجي

15 / 12/ 1433

الثلاثاء، 23 أكتوبر، 2012

(3/3) دلائل نبوة خاتم المرسلين عليه الصلوات والبركات والتسليم


دلائل نبوة خاتم المرسلين عليه الصلوات والبركات والتسليم (3/3)
"اشتمال دلائل نبوته على جنسَي العلم والقدرة"
ثانياً: القدرة
   الحمد لله كما ينبغي لجلاله وعظمته, وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله وخليله وكليمه ومصطفاه, درة التاج الإنساني وفصّ الخاتم البشري, صلى الله وسلم وبارك عليه وجزاه عنا خير ما جزى نبياً عن أمته, وبعد:
فدىً لك من يقصّر عن مداكا   ...   فلا ملك إذن إلا فداكا
أروح وقد ختمتُ على فؤادي   ...   بحبّك أن يحل به سواكا
وقد حمّلتني شكراً طويلاً   ...   ثقيلاً لا أطيق به حراكا
أُحاذر أن يشقَّ على المطايا   ...   فلا تمشي بنا إلّا سواكا
فلو أني استطعتُ خفضت طرْفي   ...   فلم أبصر به حتى أراكا
أرى أسفي وما سرنا شديداً   ...   فكيف إذا غدا السير ابتراكا
إذا التوديع أعرض قال قلبي   ...   عليك الصمت لا صاحبتُ فاكا
وفي الأحباب مختص بوجدٍ   ...   وآخرُ يدّعي معْهُ اشتراكا
إذا اشتبهت دموع في خدود    تبين من بكى ممن تباكى
فأما من بكى فيذوب وجداً   ...   وينطق بالهوى من قد تباكى
أحبك لا ببعضي بل بكلّي   ...   وإن لم يبق حبك بي حراكا
   فلا حب بعد الله كحب هذا الإنسان الكامل التام الجميل الجليل صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. قد أسلفنا شيئاً من دلائل رسالة حبيبنا نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم بالإخبار عن المغيبات وهو تابع لمعجزة العلم, والآن نسرد شيئًا من دلائل نبوته المتعلقة بالقدرة والفعل والتأثير(1) وهي تسعة أنواع:
   الأول: ما هو في العالم العلوي كانشقاق القمر(2) وحراسة السماء بالشهب الحراسة التامة لما بعث، وكمعراجه إلى السماء، ومعلوم بالضرورة ومطرد العادة أنه لو لم يكن هناك انشقاق حقيقي للقمر لأسرع بعض المؤمنين لتكذيب ذلك فضلاً عن الكافرين والمنافقين، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة القمر في المجامع الكبار، وكان كل الناس يُقرُّون بذلك ولا ينكرونه، وحتى يتأكد المشركون أنه لم يسحرهم بانشقاق القمر سألوا المسافرين الذين أتوا من كل وجه فكلّهم أقرّ بمشاهدته لذلك الانشقاق العظيم، كذلك الإسراء بين المسجدين، وحينما أخبرهم في الصباح سألوه عن صفته ونعته، فنعته لهم ولم يخرم من النعت شيئًا، وأخبرهم عن عِيرهم التي كانت في الطريق.
    كذلك المعراج وما فيه من آيات باهرات، والدرجات التي رفعها محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج وسيرفعها في الآخرة في المقام المحمود الذي سيغبطه عليه الأولون والآخرون الذي ليس لغيره مثله.
   النوع الثاني: آيات الجو؛ كاستجابة الله تعالى دعاءه في استسقائه واستصحائه، ومن هذا الباب نصر الريح له بإذن الله تعالى.
   النوع الثالث: تصرفه في الحيوان، الإنس والجن والبهائم؛ كإخراجه الجني من بدن الصبي حين بصق في فيه وقال: «اخسأ عدو الله وأنا رسول الله» ثلاث مرات، ثم قال: «شأنك بابنك، وليس عليه بأس، فلن يعود إليه شيء مما كان يصيبه»، وكاستماع جن نصيبين له حينما كان يصلي أثناء رحلة عودته من الطائف، ثم آذنته الشجرة بهم فاستقبلهم وقد كانوا كُثُر حتى تزاحموا عليه، ودعاهم للإسلام، وعلمهم، فدخلوا في دينه وصاروا دعاة لقومهم كما فصلت ذلك سورة الجن، والأظهر أنهم كانوا نصارى بولسيين كما ذكر الله تعالى عنهم تنزيههم رب العالمين عن الصاحبة والولد "وأنه تعالى جد ربن ما اتخذ صاحبة ولا ولداً . وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططاً" [الجن: 3، 4].
   وكالرجل الذي عرض له بسيفه وقال: يا محمد من يمنعك مني؟ فارتعدت يده حتى سقط السيف، فتناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «يا غورث من يمنعك مني؟» فقال: لا أحد.
   وحينما جاءه جمل يرقُل _أي: يسرع في سيره_ قال: «أتدرون ما قال هذا الجمل؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «هذا جمل جاءني يستعدي على سيده، يزعم أنه كان يحرث عليه منذ سنين حتى إذا أجربه وأعجفه وكبر سنه أراد نحره...» ثم ابتاعه من سيده ثم سيّبه في الشجرة حتى نصب سنامًا, كل هذه الدلائل وأكثر قد حدثت في غزوة ذات الرقاع وتسمى «غزوة الأعاجيب»(3) وقد مضت أمثلة لهذا النوع.
   النوع الرابع: آثاره في الأشجار والخشب؛ كحنين الجذع شوقًا إليه حتى كاد أن ينشق فنزل وضمه حتى سكن واستقر(4) وأمره للشجرتين أن تلتئما عليه لما أراد قضاء حاجته(5) وكعذق النخلة الذي جاءه ينقز حتى قام بين يديه وشهد له بالرسالة(6) والسلمة التي أقبلت إليه لما دعاها وكانت بشاطئ الوادي حتى قامت بين يديه فاستشهدها ثلاثًا فشهدت له ثم رجعت إلى منبتها(7) والشجرة التي آذنته ــ أي: أخبرته ـ بالجن ليلة استمعوا القرآن(8) وكتسليم الجبال والحجر والشجر عليه بالرسالة(9).
   النوع الخامس: الماء والطعام والثمار الذي كان يكثر ببركته فوق العادة، وهذا باب واسع, وتقدم بيان بعضه، وذكرنا لبعضها هو من باب ربطها بسياق واحد، مع مزيد من الأخبار سواء في الكم أو الكيف, ونذكر منه أمثلة؛ أما الماء: فحينما خرج في بعض مغازيه ومعه ناس كثيرون فحضرت الصلاة ولم يجدوا ماءً يتوضئون به، فانطلق رجل منهم فجاء بقدح فيه ماء يسير، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ ثم مدّ أصابعه الأربع على القدح ثم قال: «قوموا فتوضئوا»، وكانوا قرابة السبعين رجلاً(10) وفي مرة أخرى كانوا ألفًا وأربعمئة(11) قال جابر: فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه. وحينما وقفوا على بئر  ماؤها قليل جدًا أنزل فيها ستة رجال حتى ينزحوا له منها دلوًا، فلم يجدوا من الماء إلا نصف الدلو، فرفعوه إليه، فوضع يديه في الماء ودعا ربه وأنزل الدلو في الماء فثار ماؤها حتى إن أحد الرجال الستة قد أخرج بثوب مخافة الغرق(12).
   أما الطعام فمن أمثلته؛ لما كانوا في الخندق يحفرون وقد أصابهم جوع شديد، فذهب جابر بن عبد الله إلى زوجته رضي الله عنهم، وذبح بُهيمة صغيرة وطحن صاع شعير وأصلحه، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسارّه أن يأتي ومعه نفر قليل لطعامه، فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس قائلاً: «يا أهل الخندق، إن جابرًا قد وضع لكم سورًا فحي هلاً بكم» والسور: الطعام. وقال لجابر: «لا تنزلن برمتكم, ولا يُـخبرنَّ عجينكم حتى أجيء» _والبرمة: القدر الصغير_ فأتى وبصق في البرمة والعجين وبارك، فأكل الرجال وهم ألف. قال جابر: فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا ــ أي: أكلوا حتى شبعوا وقاموا ــ وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليُخبز كما هو»(13).
   ومثله أقراص أبي طلحة من الشعير وكانت قليلة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم من معه من الناس بعد أن أخبرهم بما في نفس أنس رسول أبي طلحة ــ وكان من معه قرابة السبعين رجلاً ففت أقراص الشعير وعصر العُكّة عليه, _والعكّة: وعاء من جلد يحفظ فيه السمن_ وقال ما شاء الله أن يقول، فأكل منه الرجال عشرة عشرة حتى شبعوا وخرجوا، وفضل منه فأهدوا لجيرانهم(14).
   ولما كانوا بخيبر أمر أن يجمعوا أزوادهم في نطع مبسوط ــ أي جلد ــ قال سلمة: فحزرته كربضة الشاة ــ أي قدّرته كقدر مكان ربضها ــ ونحن أربع عشر مئة، قال: فأكلنا، ثم نظرت إليه فحزرته كربضة الشاة(15) وفعل نحوه في غزوة تبوك، وأمثلته كثيرة.
   أما تكثير الثمار فمن ذلك؛ أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما لما استشهد أبوه وترك دينًا وست بنات، فلما حضر جداد النخيل دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغرماء وكال لهم حتى أوفاهم وفيهم يهودي كان له ثلاثون وسقًا, _والوسق: قرابة (180) كيلو_ وبقي منها بعد الوفاء كثير(16) وأتى أبو هريرة بتمرات إلى رسول الله وقال: ادع الله لي فيهن بالبركة، فصفّهن بين يديه ثم دعا، ثم قال: «اجعلهن في مزودك فأدخل يدك ولا تنثره» قال: فجعلت منه كذا وكذا وسقًا في سبيل الله، ونأكل ونطعم، وكان لا يفارق حقوي _ والحقو: الخاصرة_ فلما قتل عثمان انقطع من حقوي فسقط(17). وأمثلته كثيرة.
   النوع السادس: تسخير الأحجار له؛ كما أمر جبلي أحد وحراء بالسكون لما رجفا، وكالحجر الذي كان يسلم عليه بمكة إذا مر عليه ويقول: السلام عليك يا رسول الله، وقال علي رضي الله عنه: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله(18). وحينما أخذ قبضة من الأرض ورمى بها في وجوه الأعداء في بدر وحنين وهو يقول: «شاهت الوجوه» فما منهم من أحد إلا دخل عينيه من تراب تلك القبضة، فولوا مدبرين منهزمين(19).
   النوع السابع: تأييد الله تعالى له بالملائكة الكرام، قال تعالى: "إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين" [الأنفال: 9]، وقد أمده الله تعالى بالملائكة في بدر وأحد والخندق وبني قريظة وحنين والهجرة، قال ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ: بينما رجل من المسلمين يومئذ ــ أي في بدر ــ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة سوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه، كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فحدّث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «صدقت، ذلك مدد من السماء الثالثة»(20).
   وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «رأيت يوم أحد عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض، يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد القتال، ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده» ويعني بهما جبريل وميكائيل عليهما السلام(21) وعن أنس رضي الله عنه قال: «كأني أنظر إلى الغبار ساطعًا في زقاق بني غنم _والزقاق: السكة أو الطريق بين البيوت_ وبني غنم بطن من الخزرج. موكب جبريل صلوات الله عليه حين سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة»(22). وحينما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثقيف جاءه ملك الجبال وسلّم عليه، وعرض عليه أن يطبق على قريش الأخشبين ــ وهما جبلا مكة الكبيران ــ فقال صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا»(23).
النوع الثامن: حفظ الله تعالى له وكفايته له من أعدائه وعصمته له من الناس، وهذا فيه آيات لنبوته من وجوه:
   أن ذلك تصديق لقول الله تعالى: "إنا كفيناك المستهزئين" [الحجر: 94]، ولقوله: "فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم" [البقرة: 137]، ولقوله: "والله يعصمك من الناس" [المائدة: 67].
   ومنها: أنه قد كفاه أعداءه بأنواع عجيبة خارقة للعادة.
   ومنها: أنه نصره مع قوة أعدائه وكثرتهم، مع كونه وحيدًا مجاهرًا بمعاداتهم وشتم آلهتهم وتسفيه أحلامهم مع أن العرب كانوا معظمين لهم خاصة بعد حادثة الفيل الرهيبة.
   ومن أمثلة ذلك الحفظ والنصر؛ لما قال أبو جهل: هل يعفر _ أي: يسجد_ محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم، قال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، فذهب إليه ليوفي بقسمه المشين فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه. فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولاً وأجنحة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا»(24). وأنزل الله من السماء: "أرأيت الذي ينهى . عبداً إذا صلى . أرأيت إن كان على الهدى . أو أمر بالتقوى . أرأيت إن كذب وتولى . ألم يعلم بأن الله يرى . كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية . ناصية كاذبة خاطئة . فليدع ناديه . سندع الزبانية . كلا لا تطعه واسجد واقترب" [العلق: 9ــ 19].
   ولما أراد سراقة بن مالك القبض عليه وهو مهاجر إلى مكة وكان يركض إليها بفرسه على أرض صلبة فارتطمت فرسه بالأرض وساخت إلى بطنها، وحبس عنهم حتى قال: إني قد علمت أنكما دعوتما علي فادعوا لي...»(25).
   ولما كان بغزوة ذات الرقاع في واد كثير العضاه _ أي: الشجر الكبار_ فنزل رسول الله وعلق سيفه بغصن من أغصانها فإذا رجل من أعدائه قد أخذ سيفه وهو يقول له: من يمنعك مني؟ فقال: «الله» فمنعه الله(26).
   وأتاه رجل من النصارى فأعلن الإسلام وقرأ البقرة وآل عمران وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فارتد نصرانيًا، وكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له ــ من أجل أن يفتن الناس عن الإسلام ــ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعله آية» ــ وذلك لعظيم فتنته ــ فأماته الله، فأصبح وقد لفظته الأرض بعد أن دفنه أصحابه، فقالوا: هذا من فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم، فحفروا له فأعمقوا ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فحفروا له في الثالثة وأعمقوه أكثر فلفظته في الليلة الثالثة، فقالوا: إنه ليس من فعل الناس. فتركوه منبوذًا(27) فكان للناس آية.
   ولما اجتمعت قريش في ناديهم حول الكعبة وذكروا تسفيهه لأحلامهم وعيب دينهم، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفًا بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض ما يقول، فعُرف ذلك في وجهه، _وهذه من صفاته صلوات الله وسلامه عليه فكان وجهه صدى صادقًا لمشاعره وهذا من صفاء نفسه وصدق أخلاقه_ فلمّا مر الثانية غمزوه بمثلها، والثالثة كذلك فوقف عليهم وقال: «تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح» فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشدًا، فوالله ما كنت جهولاً. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من الغد اجتمعوا في الحجر وتذاكروا قوله بالأمس، فتعاقدوا عليه، فلما أقبل وثبوا عليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به وهم يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا ــ من عيب دينهم وسب آلهتهم ــ وهو يقول: «نعم أنا الذي أقول ذلك» _وهذا في غاية شجاعة الرجال وجسارة البشر، فلم يُلن لهم الكلام، ولم يستـخدم المجملات ولم يركب التأويلات، بل جابههم بقوله الحاسم مع التأكيد على أنه هو الذي يقول ذلك!_ حتى قام أبو بكر دونه وهو يبكي ويقول: "أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله" [غافر: 28] ثم انصرفوا عنه»(28).
   ولما كان يصلي عند البيت فأخذوا سلا جزور قد نحرت بالأمس _ الجزور هي الناقة المنحورة، والسلى: المشيمة وهي في غاية القذارة_ فلما سجد وضعوه بين كتفيه، وضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأصحاب له جلوس لا يستطيعون نصرته لاستضعافهم، ولم يرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه حتى قدمت ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها لما أخبروها، فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى صلاته، رفع يديه وصوته ودعا عليهم بأسمائهم وخص منهم سبعة، وكانت نهايتهم كلهم أن قتلوا في معركة بدر وسحبوا إلى قليبها ورموا فيها(29).
   ويدخل في هذا الباب ما لم يزل الناس يرونه ويسمعونه من انتقام الله ممن يسبه ويذم دينه بأنواع العقوبات. قال شيخ الإسلام: «وفي ذلك من القصص الكثيرة ما يضيق المقام عن بسطه، وقد رأينا وسمعنا من ذلك ما يطول وصفه من انتقام الله ممن يؤذيه بأنواع العقوبات العجيبة التي تبين كلاءة الله لعرضه، وقيامه بنصرته، وتعظيمه لقدره، ورفعه لذكره، ومن المعروف المجرب أن عساكر المسلمين بالشام إذا حاصروا بعض حصون أهل الكتاب، أنه يتعسر عليهم فتح الحصن ويطول الحصار إلى أن يسب العدوُّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم، فحينئذ يستبشر المسلمون بفتح الحصن وانتقام الله من العدو، فإن ذلك يكون قريبًا جدًا، كما جرب المسلمون غير مرة لقوله تعالى: "إن شانئك هو الأبتر" [الكوثر: 3]، ولما مزق كسرى كتابه مزق الله ملك الأكاسرة كل ممزق، ولما أكرم هرقل والمقوقس كتابه ثبت الله لهم ملكهم إلى حين»(30).
   النوع التاسع: إجابة دعوته:
   ومعلوم أن من عوّده الله إجابة دعائه فهذا دليل على صلاح دينه وحاله، وهذا كثير جدًا؛ مثل دعائه على من كذب عليه فمات ثم لفظته الأرض ثلاث مرات، ودعائه على السبعة من قريش بأسمائهم فقتلوا قتلة واحدة في بدر، ودعائه على عتيبة بن أبي لهب لما آذاه فأكله الأسد من بين رفقته.
    ومثل دعائه لما قلّ الزاد وجمعوه على نطع فكثره الله ببركة دعائه حتى أشبع الجيش العظيم في غزوة تبوك، ومثلها في الخندق لما أشبع الألف من صاع شعير، وكذلك لما دعا بالبركة في بئر الحديبية حتى أروت الجيش وهم ألف وأربعمئة وركابهم، ودعائه للأعمى فرد الله عليه بصره، وفي الاستسقاء فأمطرت السماء، وفي الاستصحاء فأقلعت وما يشير إلى جهة في السماء إلا انقشع سحابها، ودعائه على سراقة حين تبعهم في هجرتهم فساخت قوائم فرسه في الأرض مرارًا في أرض صلبة، ودعائه يوم بدر وحنين فأجابه الله بمدد من الملائكة، ودعا لأنس أن يكثر الله ماله وولده فرأى من ولده لصلبه بضعة وعشرين ومئة قبل موته، وكان بستانه يحمل الفاكهة مرّتين على خلاف العادة، ولما دعا لأم أبي هريرة أسلمت مباشرة وكانت قبل تأبى، واستجاب دعوته في تفقيه ابن عباس فصار من بحور العلم، ودعا لجمل جابر الذي كاد أن يسيّبه من ضعفه فعاد من أجود الإبل، ودعا لسعد بن أبي وقاص بإجابة الله دعوته وتسديد رميته فكان لا تـخطئ له دعوة ولا رمية، ودعا لأبي يزيد الأنصاري: «اللهم جمّله وأدم جماله» فبلغ بضعًا وثمانين سنة وما في لحيته بياض إلا نزر يسير وكان منبسط الوجه لم يتقبض وجهه حتى مات، ولما دعا لعروة بن الجعد بالبركة فكان لو اشترى التراب لربح فيه من البركة، ولما أصرّ أحدهم على الأكل بشماله واحتج بعدم استطاعته قال: «لا استطعت ما منعه إلا الكبر» فما رفعها إلى فيه بعد.. إلى غير ذلك من الوقائع الكثيرة(31) التي زادت على مئة وستة وعشرين واقعة(32).
   وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه.
إبراهيم الدميجي
7/ 12/ 1433
@aldumaiji
http://aldumaiji.blogspot.com/
...................
   (1)   ينظر: المجلد السادس من: الجواب الصحيح، بتمامه وبخاصة (ص159ــ 323).
   (2)   متفق عليه، وقد مر معنا الكلام عليه.
   (3)   والحديث الطويل فيها أورده الهيثمي، المجمع (9/ 7).
   (4)  البخاري (4/ 319).
   (5)   مسلم (4/ 2306).
   (6)   المجمع، الهيثمي (9/ 10).
   (7)   الدارمي (1/ 9).
   (8)   متفق عليه.
   (9)   المستدرك، الحاكم (2/ 620) ووافقه الذهبي.
   (10)   البخاري (6/ 581).
   (11)   متفق عليه.
   (12)   أحمد (4/ 292) بسند صحيح.
   (13)   متفق عليه.
   (14)   مسلم (3/ 1614).
   (15)   مسلم (3/ 1354).
   (16)   البخاري (5/ 60).
   (17)   المسند، أحد (2/ 352).
   (18)   سنن الترمذي (3626).
   (19)   في حنين، مسلم (3/ 1402)، وفي بدر، سيرة ابن هشام (2/ 279)، جامع البيان، الطبري (9/205).
   (20)   مسلم (3/ 1383).
   (21)   مسلم (4/ 1802).
   (22)   البخاري (7/ 407).
   (23)   متفق عليه.
   (24)   متفق عليه.
   (25)   متفق عليه.
   (26)   متفق عليه.
   (27)   متفق عليه.
   (28)   مسند أحمد (2/ 218).
   (29)   متفق عليه، وفي رواية: أن أمية بن خلف كان رجلاً ضخمًا فانتفخ وقطعت أوصاله فلم يلق في البئر.
   (30)   الجواب الصحيح (6/ 296).
   (31)   انظر تفصيل ذلك في: الجواب الصحيح (6/ 324ــ 379).
   (32)   انظر تفصيلها: دلائل النبوة، سعيد باشنفر (1/ 355ــ 480).