إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الخميس، 27 ديسمبر، 2012

(3/3) بشارات العهد الجديد بنبيِّنا صلى الله عليه وسلم


بشارات العهد الجديد بنبيِّنا صلى الله عليه وسلم (3/3)

    الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي وحده, وبعد:

    فهذا هو الجزء الثالث من بيان البشارات الإنجيلية, وقد سبق بييان البشارة الأولى: "وعلى الأرض السَّلام، وبالناس المسرة"، "وعلى الأرض إسلام, وللناس أحمد" والبشارة الثانية: "البشارة بإيليا". وفي هذا المقام سنتحدث عن:

البشارة الثالثة: "المُعَزِّي/البارقليط"

    وهذه أصرح بشارات العهد الجديد برسالة النبي الخاتم محمد صلوات الله وسلامه عليه، وقد انفرد إنجيل يوحنا بها _ومن تأمل الإصحاحات (14، 15، 16) من إنجيل يوحنا رأى كثيرًا من الإشارات لنبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم_ فقد أورد هذا الإنجيل قول المسيح عليه السلام في وصيته لتلاميذه: "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي. وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد (أي بشريعته الموحاة من الله تعالى، المحفوظة بحفظه "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" [الحجر: 9]، "وإن جندنا لهم الغالبون" [الصافات: 173]) روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه. وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم (وليس المقصود تلاميذه الذين خاطبهم, بل جنس من آمن به بحق إلى قيام الساعة. وهم من كانوا على المسيحية الحقَّةِ المقتضية للإسلام) ويكون فيكم... إن أحبني أحدٌ يحفظ كلامي (وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته أن يبلغوا المسيح عليه السلام سلامه حين ينزل في آخر الزمان كما في مستدرك الحاكم ([1]) وقد نوّه كثيرًا بأخيه المسيح "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة... وليس بيني وبينه نبي" متفق عليه. وعلّم أمته دعاءً عظيمًا فيه تبجيل وتشريف للمسيحِ عليه السلام وأُمِّهِ, ودفعِ فرية اليهود عنه وعن أمِّه الطاهرة، ونقضِ فرية الكنيسة بأنه إله أو مصلوب فقال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأن محمدًا عبده ورسوله, وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" متفق عليه) ويحبه أبي وإليه نأتي. وعنده نصنع منزلاً. الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي. والكلام الذي تسمعونه ليس لي. بل للآب الذي أرسلني. بهذا كلمتكم وأنا عندكم. وأما المعزّي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء (أي بشريعته الكاملة وهي الإسلام، ولم يمت حتى بلغ الدين كله. وقال: "تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" رواه ابن ماجه) ويذكِّركم بكل ما قلته لكم ( وهو ما حصل على التفصيل كما في سور آل عمران ومريم والصف وغيرها)... قلت لكم الآن قبل أن يكون (أي بشر به قبل مجيئه) حتى متى كان تؤمنون (وهو ما تحقق بإسلام كثير من النصارى واستجابتهم لوصية المسيح عليه السلام، فقد دخل الكثير منهم في الإسلام من زمان بعثته صلى الله عليه وسلم, مرورًا بهذا الزمان الذي دخل فيه النصارى أفواجًا في هذا الدين الحق, حتى آخر الزمان حين ينزل المسيح الذي يكسر الصليب ولا يقبل إلا الإسلام) لا أتكلّم أيضًا معكم كثيرًا لأن رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيّ شيء (يوحنا 14: 15ــ 30). (أي تنسخ شريعته الشرائع السابقة بما فيها إنجيل المسيح نفسه) ورئيس العالم هو النبي الخاتم محمد صلوات الله وسلامه عليه، وفي النسخ القديمة "أركون العالم" كما في النسخة التي بنى عليها الإمام ابن القيم كتابه القيم (هداية الحيارى) ومن كلامه هناك:

"وتأمل قول المسيح: "لأن أركون هذا العالم سيأتي" وأركون العالم هو سيد العالم وعظيمه، ومن الذي ساد العالم وأطاعه العالم بعد المسيح عليه السلام؟ وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سُئل: ما أول أمرك؟ قال: "أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى" رواه أحمد (2) وطابق بين هذا وبين البشارات التي ذكرها المسيح. فمن الذي ساد العالم باطنًا وظاهرًا، وانقادت له القلوب والأجساد، وأُطيع في السر والعلانية في حياته وبعد مماته في جميع الأعصار، وأفضل الأقاليم والأمصار، وسارت دعوته مسير الشمس، وبلغ دينه ما بلغ الليل والنهار، وخرت لمجيئه الأمم على الأذقان، وبطلت به عبادة الأوثان، وقامت به دعوة الرحمن، واضمحلت به دعوة الشيطان، وأذل الكافرين، وأعز المؤمنين، وجاء بالحق وصدّق المرسلين، حتى أعلن بالتوحيد على رؤوس الأشهاد، وعُبد الله وحده لا شريك له، في كل حاضر وباد، وامتلأت به الأرض تحميدًا وتكبيرًا وتهليلاً وتسبيحًا، واكتست به بعد الظلم والظلام عدلاً ونوراً؟ وطابق بين قول المسيح عليه السلام: "إن أركون العالم سيأتي" وقول أخيه محمد صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي، وأنا خطيب الأنبياء إذا وفدوا، وإمامهم إذا اجتمعوا، ومبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي" رواه الترمذي (3).

    وأقول بعد هذا لكل من قرأ هذه البشارة: لقد خصّك الله تعالى بأن أخّر زمانك حتى أدركت هذا النبي العظيم فلا يسبقنّك الناس إلى الإيمان به، واحذر داء التعصب فإنه أساس الحرمان "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون"  [الشعراء: 227].

    وفي الإصحاح السادس عشر يعظ المسيح عليه السلام تلاميذه طالبًا منهم حفظ وصاياه ثم يقول: "متى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب (وقد طالت أصابع التحريف هذه الفقرة حتى تتواءم مع التأليه للمسيح الذي يعجّ به إنجيل يوحنا، ونحو هذا الصنيع تجده في العهد القديم كما في (الملوك (1) 21: 20، 21)) روح الحق ( والروح القدس عند أمة الإسلام هو ملك الوحي جبريل عليه السلام، كما يطلق هذا المسمى (الروح) على القرآن الكريم، والمعنى أن الله تعالى يرسل جبريل عليه السلام بالقرآن الكريم الذي يشهد بكلامي هذا لكم) الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي وتشهدون أنتم أيضًا لأنكم معي في الابتداء. وقد كلمتكم بهذا كي لا تعثروا (وهو ما تمسك به تلميذه وحواريه برنابا فلم يعثر ولم يسقط، والظن أن بقية الحواريين كذلك فلم يبدلوا ولم يغيروا، إنما كذب عليهم نساخ الأناجيل. ونسبوا ما فيها من باطل إليهم، وحاشاهم) سيخرجونكم من المجامع (وهذه نبوءة من المسيح عليه السلام بما حدث في مجمع نيقية، فقد طُرد الموحدون وأخرجوا من المجمع والكنائس وأحرقت أناجيلهم واضطهدوا من قبل المشركين الفلاسفة المتلبسين لباس المسيحية) بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله (كما حصل مع بعض الحواريين حين قتلوا، ثم ما حصل للمسيحيين الموحدين في القرون الأولى للمسيحية ثم ما بعد مجمع نيقية حينما كانوا يقتلون باسم الله والمسيح، ثم ما حصل للمسلمين المؤمنين بالمسيح في الحروب الصليبية، ومحاكم التفتيش باسم المسيح!) وقد ملأ الحزن قلوبكم لكني أقول لكم الحق. إنه خير لكم أن أنطلق لأني إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزّي (وهذه أعظم إشارة في هذا النص لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم الذي لن يأتي حتى يذهب المسيح عليه السلام) لكن إن ذهبت أرسله إليكم ومتى جاء يبكّت العالم على خطيّة (كما فعل بالوثنيين حين قتلهم في بدر ورمى جثث قتلاهم في القليب، وكما فعل بيهود بني قريظة لما خانوه ومالؤا المشركين ضده، وكفروا به وبالمسيح فقتلهم في المدينة، وما زال أتباعه على سنته وطريقته، بالحكمة والموعظة الحسنة ثم بالجدال بالتي هي أحسن، وببيان الحق، فإن حال بين الناس وسماع الحق حائل هبروا المانع بالسيف. فانجلى الحق وظهر الهدى) وعلى بِرٍّ(فكما أنه نبي الملحمة فهو كذلك نبي الرحمة، وكان حلمه يسبق غضبه وعفوه يسبق عقوبته، كما عفا عن الوثنيين من قريش لما فتح مكة وقال قولته الخالدة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" (4)، وكما فعل مع يهود بني قينقاع حين اكتفى منهم بالجلاء مع استحقاقهم للسيف بعد نقضهم عهده) وعلى دينونة (أي الحساب، وهو ما أكد عليه الوحي مرارًا الذي نزل عليه بإيجاب الإيمان باليوم الآخر والبعث والحساب بين يدي الله تعالى، وهو ما كان أهل الأوثان ينكرونه بل حتى بعض اليهود ناهيك عن الفلاسفة والطبائعيين والماديين والملاحدة وأشباههم) فلأن رئيس هذا العالم قد دين. إن لي أمورًا كثيرة لأقول لكم ولكن لا تستطيعوا أن تحتملوا الآن (وبناء على هذه الفقرة فهذا اعتراف بأن ديانة المسيحية لم تكتمل ــ بناء على ظاهر كلامه ــ أو لعل في الفقرة تحريف أبعد المعنى المراد) وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحـق (لأن شريعته كاملة كما في القرآن الكريم "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" [المائدة: 3]) لأنه لا يتكلـم من نفســه، بل كـل ما يسمع يتكلم به ("لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه . فإذا قرأناه فاتبع قرآنه . ثم إن علينا بيانه"  [القيامة: 16ــ ]، "وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً" [الإسراء: 106]، "لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك" [الرعد: 30]، "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك" [المائدة: 67]، كذلك فالسنة النبوية هي من الوحي الملقى عليه "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى"  [النجم: 3، 4]، وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه" ــ أي السنة المطهرة الملقاة إلهامًا في قلبه ــ رواه أبو داود (5)) ويخبــركم بأمــور آتية (وكانت تحدث طبق ما قال، وقد أحصاها بعض الأفاضل ــ أي ما حدث حتى هذا الزمان ــ فأوصلها إلى ما يزيد على الخمسين) ذاك يمجدني(وصدق عليه السلام؛ فقد مجده الوحي النازل على أخيه محمد صلى الله عليه وسلم في ثلاث وثمانين آية من صدر سورة آل عمران وفي سورة مريم كاملة والصف وغيرها سوى ما مُجّدَ به في أحاديث نبوية كثيرة) لأنه يأخذ مما لي ويخبركم (فالقبس واحد وهو الوحي الإلهي من الله العلي) (يوحنا 15: 26، 27، 16: 1ــ 14).

    في هذه النصوص يتحدث المسيح عليه السلام عن صفات الآتي بعده، وهو المُعزِّي، فمن هو؟

    لنرى جواب الكنيسة([6]) حيث قالت: "الآتي هو روح القدس الذي نزل على التلاميذ يوم الخمسين ليعزيهم في فقد مسيحهم. وهناك "صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة، وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين. وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار. واستقرت على كل واحد منهم. وامتلأ الجميع من الروح القدس. وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح القدس أن ينطقوا" (أعمال 2: 1ــ 4) ولا تذكر أسفار العهد الجديد شيئًا ــ سوى ما سبق ــ عن هذا الذي حصل يوم الخمسين من قيامة المسيح ــ المزعومة ــ([7]) ولكن الحق هو أن المعزّي هو محمد صلى الله عليه وسلم، ويتجلى ذلك بأمور:

الأول: أن لفظ (المُعزِّي) لفظ جديد، استبدلت بها التراجم الجديدة للعهد الجديد ما كان مرقومًا في التراجم العربية القديمة (1820م، 1831م، 1844م) التي كانت تضع الكلمة اليونانية (البارقليط)([8]) كما هي، وهو ما تصنعه حاليًا ــ بلا حياء ــ التراجم الحديثة، ولعل سبب ذلك التحريف الواضح ما تضمنته دلالة لفظ (بارقليط) من قوة في الاستدلال به على اسم النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم.

    أما تفسير كلمة (بارقليط) اليونانية فلا يخلو من حالين:

    إما أن يكون أصله (باراكلي توس) ومعناه: المعزّي والمعين والوكيل.

    أو أن يكون أصله (بيروكلوتوس) فيكون قريبًا من معنى اسم محمد وأحمد.

    قال أسقف بني سويف الأنبا أثناسيوس: "إن لفظ بارقليط إذا حُرِّفَ نطقه قليلاً يصير (بيركليت) ومعناه الحمد والشكر وهو قريب من لفظ أحمد»([9]).

    وحين سئل الدكتور كارلو نيلنو ــ الحاصل على الدكتوراه في آداب اليهود اليونانية ــ عن معنى كلمة (بيركلوتس) أجاب بقوله: "معناه: الذي حمد كثيرًا"([10]) قلت: وهذا هو المعنى المطابق لاسم محمد فهو من حُمد كثيرًا.

    ومما يؤكد خطأ الترجمة أن اللفظ اليوناني (بيركلوتس) اسم لا صفة، وقد كان من عادة اليونان زيادة السين في آخر الأسماء، وهو ما لا يصنعونه في الصفات، ومن المعلوم عند محققي الترجمات العالمية أن من أول بدهيات الترجمة أن الاسم ينقل حسب نطقه ولفظه لا حسب معناه، وجرب أيها القارئ أن تنقل معنى اسم مترجمًا ــ أيًا كان ــ للغة أخرى ثم تنادي به، هل تشعر أنك المقصود؟!

    ويرى عبد الأحد داود أن تفسير الكنيسة للبارقليط بأنه: "شخص يُدعى للمساعدة، أو شفيع، أو محامي، أو وسيط" غير صحيح؛ لأن كلمة البارقليط اليونانية لا تفيد أيًا من هذه المعاني، فالمعزّي في اليونانية يدعى (باراكالون) أو (باريجوريتس) والمحامي تعريف للفظ (سانجرس) أما الوسيط والشفيع فيستعمل لهما لفظ (ميديتيا) وعليه فعزوف الكنيسة عن معنى الحمد إلى غيره تحريف محض.

    هذا ويعترف معجم اللاهوت الكتابي بذلك حين يقول في مادة (بارقليط): "ومعنى المعزّي ــ المشتق على الأرجح من أصل لغوي خاطئ ــ غير وارد في العهد الجديد".

    هذا وإن وقوع التصحيف والتحريف والتغيير في الأسماء كثير عند الترجمة بين اللغات كذا اختلاف الطبعات والنساخ، فاسم (باراباس) في الترجمة البروتستانتية نراه في نسخة الكاثوليك (بارابا) وكذلك (المسيا) يكتب أحيانًا (ماشح) و(شيلو) يكتب في موطن آخر (شيلوه) وهكذا، إذن فكلمة (بارقليط) ليست بمعزل عن ذلك التحريف والتحوير حتى بدون استحضار تهمة التعمد.

    والحاصل أن البارقليط هو ترجمة للكلمة السريانية (منحميا) والتي تعريبها: محمد. والسريانية هي لغة المسيح عليه السلام، وقال آخرون بل الآرامية، وعلى كل فاشتقاق الكلمة ــ فيما أظن ــ متفق أو متقارب بين اللغتين الساميتين، فالآرامية منبثقة من السريانية، وقد حملت معها اشتقاقاتها ومرادفاتها اللغوية.

    ثانيًا: البارقليط بشر نبي وليس ملكًا من الملائكة:

    فيوحنا قد استعمل في حديثه عن البارقليط أفعالاً حسية (الكلام، السمع، التوبيخ) كذلك في قوله: "كل ما يسمع يتكلم به" وهذه الصفات لا تنطبق على ألسنة النار التي هبّت على التلاميذ يوم الخمسين ــ على رواية أعمال الرسل ــ فالسفر لم يذكر أن تلك الألسنة النارية هي المتكلمة، إنما كانت مجرد إلهامات قلبية روحانية ليس إلا.

    وقد فهم بعض متقدمي المسيحية بشرية ذلك البارقليط، حيث ادّعوا أنهم هم البارقليط، كما فعل مونتوس في القرن الثاني (187م) وماني في القرن الرابع([11]).

    ثالثًا: من صفات الآتي المنتظر أنه يجيء بعد ذهاب المسيح عليه السلام من الدنيا، فالمسيح وذلك المعزي لا يجتمعان معًا، وهذا ما يؤكد مرة أخرى أن المعزي لا يمكن أن يكون هو الروح القدس لأنه أيّد المسيح طيلة حياته، بينما المعزي المبشر به "إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعزّي" وروح القدس سابق للمسيح عليهما السلام ودعوته (تكوين 1: 2) (إشعيا 63: 11) وله دور في ولادة المسيح (متى 1: 18) وقد اجتمعا عند تعميد المسيح (لوقا 3: 22) كما أعطاه للتلاميذ قبل ذهابه (يوحنا 20: 22).

    رابعًا: أن المعزي من نفس نوع المسيح، أي أنه بشر مثله "فيعطيكم معزيًا آخر" أما الروح القدس فلا.

    خامسًا: كيف يقال: إنه الروح القدس بينما الروح القدس نزل إلهامًا على التلاميذ ــ حسب رواية الأعمال ــ والإلهام يحتاج لتأكيد تصديقه، فكيف يوصيهم المسيح بتصديقه؟!

    سادسًا: أن المعزي ــ البارقليط ــ يأتي بشريعة فيها تكليف، وهذا ما لم يتأت بتلك الألسنة الغريبة!

    سابعًا: يلزم من كونه الروح القدس أن يكون متكلمًا من نفسه وليس من غيره، وعلى حسب العقيدة الكنسية الضالة في الثالوث الأقدس فإن الروح القدس مساوٍ للآب في الألوهية ــ تعالى الله عن ذلك ــ بينما المبشر به "لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به" ومصداق ذلك في القرآن العظيم: "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" [النجم: 3، 4].

    ثامنًا: أن المسيح قد أخبر بحدوث أمور كبار من قتلهم وطردهم من المجامع، وهذه لم تحدث إلا بعد مدة طويلة من زمن تلك الألسنة.

    تاسعًا: ذكر المسيح أن المعزِّي سيشهد له "فهو يشهد لي" فأين شهادة الروح القدس للمسيح؟ وبم شهد؟ كما ذكر أنه سيمجده "ذاك يمجدني" ولم ينقل في الأسفار أن روح القدس أثنى على المسيح أو مجده يوم الخمسين، بل الذي شهد له ومجده كما لم يمجده أحد هو أولى الناس به أخوه محمد صلى الله عليهما وسلم.

    عاشرًا: أخبر المسيح أن المعزّي يمكث إلى الأبد، بينما الذي أعطاه الروح القدس للتلاميذ في الخمسين ــ حسب الرواية ــ لا تعدوا كونها قدرات ومعجزات انتهت بوفاتهم، ولكن البارقليط والمعزّي الحقيقي قد بقيت شريعته ودينه حتى الساعة وإلى قيام الساعة وعودة المسيح ليحكم بين الناس بها.

حادي عشر: أخبر المسيح عليه السلام أن المعزِّي "يذكِّركم بكل ما قلته لكم" فما هي الحاجة للتذكير بعد رفعه بزمن يسير؟ كذلك فلم تنقل الأسفار أن الروح القدس أو الألسنة ذكرتهم بشيء، لكن الذي ذكر الخلق بدعوة المسيح وحقيقة حاله هو محمد صلى الله عليهما وسلم.

ثاني عشر: المعزي له مهمات لم يقم بها الروح القدس "يبكّت العالم على خطيّة وعلى برّ وعلى دينونة" ولم يرد أن الروح القدس وبخ أحدًا ذلك اليوم لا التلاميذ ولا غيرهم، ولكن الذي وبخ البشرية قاطبة وبكّتها على خطيئتها وكفرها هو محمد صلى الله عليه وسلم "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم"  [التوبة: 73]، "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"  [التوبة: 29]، "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين" [البقرة: 193].

    ثم هل صفة التوبيخ تناسب من جاء يعزيهم بفقد معلمهم؟! كذلك فالعزاء إنما يكون على المصائب بينما المسيح كان يبشرهم بذهابه ومجيء الآتي بعده فلم العزاء أصلاً؟!

وقال شيخ الإسلام: "ولا يمنع أن يكون البارقليط يعبر به عن الروح القدس وعن محمد صلى الله عليه وسلم كذلك، وهذا من بدل الاشتمال، فكل منهما متعلق بالوحي" ([12])

وقال الدكتور منقذ السقار: "إن إصرار النصارى على أن التلاميذ احتاجوا لعزاء الروح القدس يبطل عقيدة الفداء والخلاص"([13]) لأن الصلب في نظرهم هو سبب الخلاص والسعادة الأبدية، فكيف يعدون ذلك مصيبة تستوجب العزاء؟!

والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً..وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله عدد أنفاس أهل الجنة.

إبراهيم الدميجي

@aldumaiji

15/ صفر/ 1434


........................

([1]) المستدرك (5/ 755).

(2) (4/ 127، 128).

(3) الترمذي (5/ 587). والنقل عن هداية الحيارى، ص149، 150، وانظر: الجواب الصحيح (5/ 286، 305)

(4) سيرة ابن إسحاق بسند حسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (8/18).

(5) سنن أبي داود (4604).

([6])   تفسير إنجيل يوحنا، الأنبا أثناسيوس ص118ــ 205، معجم اللاهوت الكتابي، مادة: بارقليط. نقلاً عن: هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم؟ ص126، 127.

([7])   وانظر الجواب عن ذلك في: الجواب الصحيح (5/ 289).

([8])   لذلك كان كلام علماء الإسلام الأوائل كابن حزم ــ الذي يقال إنه أول من نبه النصارى إلى تناقض كتابهم بالشواهد ــ وابن تيمية وابن القيم وغيرهم غالبًا منحصر في لفظ (بارقليط) أو (فارقليط) فقط دون المعزي كما في (الجواب الصحيح) لابن تيمية (5/ 284ــ 318) و(هداية الحيارى) لابن القيم ص128ــ 159، وقد ذكر ابن تيمية لفظ (المعز) بمعنى (الإعزاز) في كتابه المذكور (5/ 288، 304).

([9])   تفسير إنجيل يوحنا، الأنبا أثناسيوس، ص117، وانظر: هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم، ص125.

([10])   السابق، ص128.

([11])   ينظر: الجواب الفسيح لما لفقه عبد المسيح، خير الدين الألوسي (1/ 286ــ 291)، محمد في الكتاب المقدس، عبد الأحد داود، ص224، 225، البشارة بنبي الإسلام، د. أحمد السقا (2/ 276ــ 278)، هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم؟ د. منقذ السقار ص125ــ 140، الاختيار بين الإسلام والمسيحية، العلامة ديدات، ص50ــ 96، دراسات في الأديان، د. الخلف، ص293، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح عليه السلام، شيخ الإسلام ابن تيمية (5/ 284ــ 358)، وقد بسط فيها القول وأطال النفس في الردود وقد لخصها تلميذه الإمام ابن القيم في: هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، ص129ــ 154.

([12])   الجواب الصحيح (5/ 314، 315).

([13])   هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم، ص135.

الأربعاء، 26 ديسمبر، 2012

(2/ 3) بشارات العهد الجديد بنبيِّنا محمد صلوات الله عليه وسلامه


بشارات العهد الجديد بنبيِّنا محمد صلوات الله عليه وسلامه (2/ 3)

    الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله, وبعد: فقد سبق الحديث عن البشارة الأولى: "وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة"، "وعلى الأرض إسلام, وللناس أحمد" وفي هذا المقام سنتحدث عن:

البشارة الثانية: "البشارة بإيليا"

    وقد سبقت الإشارة في سفر ملاخي (3: 1، 2) وهو يتحدث عن اثنين أحدهما الذي يهيئ الطريق أمام القادم من عند الرب، والثاني الذي يأتي بغتة إلى الهيكل ويسميه: السيد، وملاك العهد، وهو الذي يطلبه بنو إسرائيل وينتظرونه.

    وبعدها يذكّرهم النبي ملاخي عليه السلام بوصية موسى عليه السلام على جبل حوريب (الطور) والتي فيها بشرهم موسى بالنبي القادم مثله من إخوتهم وأوصاهم بحفظ وصيته ونصره.

    هذا ويرى النصارى أن النبي الذي يمهد الطريق هو يوحنا المعمدان، أما المُمَهَدُ له فهو المسيح عليهما السلام، ولكن هل هذا حق؟

    تحتج الكنيسة على قولها بما تنسبه عن المسيح عليه السلام: "ماذا خرجتم لتنظروا، أنبيًا، نعم أقول لكم وأفضل نبي، فإن هذا هو الذي كتب عنه هاأنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ الطريق قدامك. الحق أقول لكم. لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه؛ لأن جميع الأنبياء والناموس تنبؤا. وإن أردتم أن تتقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي. من له أذنان فليسمع" (متى 11: 9ــ 15)، "إن إيليا يأتي أولاً ويرد كل شيء.. ولكني أقول لكم إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه. حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان" (متى 17: 10ــ 13).

    وهكذا ترى الكنيسة أن المبشر الممهد هو يوحنا المعمدان ــ يحيى عليه السلام ــ وأن المبشر به هو المسيح عليه السلام، ولكن الصحيح هو أن إيليا رمز للنبي القادم، وليس للنبي الممهد طريقه([1]).

    وقبل الولوج لفهم حقيقة هذه النبوءة نذكر بعض التنبيهات حول التحريف اللفظي والمعنوي الذي طال هذا النص المقدس الفريد.

    ففي ملاخي (ملاك العهد) وفي الترجمات القديمة (رسول الختان) ثم في الترجمات القديمة: (أرسل رسولي) وفي الحديثة (أرسل ملاكي)، وفي طبعات أخر (السيد) و(الولي) و(إيليا) وفي النسخة التي كانت بين يدي ابن القيم (إيل)([2]).

   كما أن في نصوص الأناجيل تحريف للاقتباس من سفر ملاخي الذي استعمل ضمير المتكلم "فيهيئ الطريق أمامي" فيصيره الناسخ إلى "يهيئ الطريق قدامك".

    ولم يسلم كلام المسيح ولا يحيى بن زكريا عليهم السلام من التحريف؛ فقد زعم كُتّاب الأناجيل أن المسيح قد اعتبر المعمدان يحيى هو الممهد لدعوته، وأنه قد سماه إيليا المنتظر ــ كما مر ــ.

    ومن التحريف قولهم: إن المعمدان قد أخبر أن القوي الذي بشر بقدومه بعده هو المسيح "هو ذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم، هذا هو الذي قلت عنه: يأتي بعدي رجل صار قدامي لأنه كان قبلي" (يوحنا 1: 26ــ 40).

    ودعوانا بوقوع التحريف ليس ردها إلى عدم توافق النصوص مع المسألة التي نحن بصدد إثباتها بل رده إلى أن يوحنا المعمدان نفسه قد أنكر أن يكون هو النبي إيليا الممهد بين يدي السيد القادم، فقد قال لرسل اليهود من الكهنة واللاويين "ليسألوه من أنت. فاعترف ولم ينكر. وأقر إني لست أنا المسيح. فسألوه إذا ماذا. إيليا أنت. فقال لست أنا. النبي أنت، فأجاب لا" (يوحنا 1: 19ــ 21) فهذا نص واضح لا يقبل التمحُّل والتأويل.

   ويلزم من قول المعمدان تكذيب المسيح فيما نُسب إليه من أن إيليا قد جاء، أو يكون المعمدان كاذبًا حين أنكر أنه إيليا، والمجزوم المقطوع به أن الأنبياء لا تكذب فأخص صفاتهم الصدق، فلم يبق إلا الاحتمال الثالث وهو أن التلاميذ ــ كالعادة ــ لم يفهموا كلام المسيح وأوامره ونبوءاته ــ على افتراض صحة ما نسب إليهم ــ إذن فقد أساء التلاميذ الفهم ومعهم متى حين قال: "حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان" (متى 17: 13)، لقد ظنوا أنهم فهموا بينما في الحقيقة أنهم لم يفهموا مراده لأنه كان يعني نفسه،     

    فالمسيح عليه السلام يخبرهم بأنه هو النبي الممهد للنبي القادم إيليا، ومن له أذنان فليسمع.

    وبهذا تكون نبوءة ملاخي قبل التحريف "ها أنذا أرسل رسولي فيهيئ الطريق لمن أمامه، ويأتي بغتة إلى بيت الله السيد الذي تطلبونه ورسول الختان الذي تسرون به هو ذا يأتي" (ملاخي 3: 1، 2). وقد كان ملك الروم هرقل حزّاءً ــ أي ينظر في النجوم ــ وكانت عنده نبوءات وبشارات الكتاب المقدس، وقد دعا خاصته في يوم من الأيام وقال لهم: "نجم ملك الختان قد ظهر..." في قصة طويلة مشهورة ([3]).

    ثم إن صفات إيليا لا تنطبق على المعمدان، لأنه يأتي بعد المسيح "المزمع أن يأتي" والمسيح والمعمدان متعاصران!

    كذلك فعندما يأتي إيليا فإنه "يرد كل شيء" و"يرد قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على الآباء" ومثل هذا لم ينقل عن المعمدان الذي عاش في الصحراء، وطعامه الجراد والعسل، ولباسه وبر الإبل، وغاية ما صنعه تعميد من جاء تائبًا. (متى 3: 1ــ 5)([4]).

    وكيف يكون المعمدان ممهدًا للمسيح وهو قبل مقتله ــ حسب الأناجيل ــ لا يعرف حقيقة المسيح، ويرسل تلاميذه ليسألوا المسيح: "أنت هو الآتي أم ننتظر غيرك" (متى 11: 3) فكيف يقال بأنه قد أرسل بين يديه وهو لم يعرف حقيقته؟! ثم ماذا صنع يحيى بمهمته المدعاة للمسيح عليهما السلام؟! فلم يرد عنه سوى البشارة بالملكوت كما بشر به المسيح من بعده (متى 3: 1) وهذا ما يؤكد أن الاثنين دعوتهما واحدة وهي البشارة بنبي الملكوت محمد صلى الله عليه وسلم، فقد قال متى عن المسيح عليه السلام: "من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات" (متى 4: 17، 23). كذلك تلاميذه (متى 10: 7)، كما فعله يوحنا المعمدان "جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهودية قائلاً توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات" (متى 3: 1، 2) نعم قد اقترب فستمئة عام قصيرة للغاية بحساب الأمم، وهو ما تحقق بعد ستة قرون، فقد قرع الخافقين أعظم ناموس كوني، وأكمل هداية للبشرية ببعثة سيد ولد آدم بشيرًا ونذيرًا بكلام الله العزيز.

    وكما قلنا في عدم تحقق صفات إيليا في يوحنا المعمدان فهي كذلك غير متحققة في المسيح عليه السلام. قال المعمدان: "أنا أعمدكم بماء التوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني. الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه. هو سيعمدكم بالروح القدس ونار. الذي رفشه في يده. وسينقي بيدره. ويجمع قمحه إلى المخزن. وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ" (متى 3: 11، 12) فالقادم المبشر به سيعمد بالروح القدس والنار، أما المسيح فلم يعمّد أحدًا طول حياته "مع أن يسوع نفسه لم يكن يعمد بل تلاميذه" (يوحنا 4: 2) أما الآتي فيعمد بالروح القدس والنار أي يملك سلطان الدين (الروح القدس والوحي) وسلطان الدنيا (النار وجهاد من خالفه) فطهّر كثيرًا من بقاع الأرض من رجس الوثنية بالوحي والسيف، فأين معمودية المسيح عليه السلام من هذا؟!

    كما قد وصف المعمدان النبي القادم بأنه "أقوى مني" وليس في حياة المسيح عليه السلام بحسب الأسفار ــ  ما يميزه من حيث القوة ــ عن المعمدان، فكلاهما لم يبعث بشرع جديد، ولم يملك على قومه، بل تزعم الأسفار أنه قد صلب! إذن فتلك القوة معلوم صاحبها الذي قلقل الدنيا وسحق إيوان كسرى وثلّ عرش قيصر   _أي بدعوته وشريعته_ وحاز قصور اليمن، بعد أن طهر أطهر البقاع وأقدس الأماكن مكة المكرمة البلد الحرام من رجس الأوثان وحمأة الجاهلية.

    ثم أين تحقيق بشارة المعمدان "رفشه في يده. وسينقي بيدره. ويجمع قمحه إلى المخزن. أما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ" وهذا كناية عن سلطان إيليا المنتظر (رسول الختان) الذي ينقي بيدره، وهو الأصل الذي أنزله الله تعالى على أنبيائه ورسله مما علق به التبديل والتحريف، وجمع حكمها وصفّاها في محكم كتابه العزيز (القرآن الكريم) ويحرق التبن (الدخيل الزائف المحرف) بنار لا تطفأ وهي نار الوحي والسيف.

      ولا يمنع أن يكون هذا البيدر إشارة إلى جزيرة العرب التي أمر رسول الختان الخاتم عليه الصلاة والسلام أن يخرج اليهود والنصارى منها بعد أن طهرها من عبدة الأوثان ومنع أن يجتمع مع الإسلام فيها دين بقوله: "لا يترك في جزيرة العرب دينان" رواه أحمد (6/ 275) وقوله: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" متفق عليه. أي لا يقيموا فيها إقامة دائمة مستمرة، وقد كان ذلك بحمد الله تعالى إلى هذا اليوم كما قد أخبر أن الحجاز مأرز الإيمان "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها" رواه البخاري.

    وهو النبي الخاتم الذي "يأتي بغتة" كما جاء محمد صلى الله عليه وسلم إلى بيت ربه تعالى في ليلة واحدة لما أسري به إلى المسجد الأقصى "هيكله" فجمع الله له الرسل والأنبياء فصلّى بهم قبل عروجه إلى السماء([5])، بينما المسيح ويوحنا المعمدان لم يأتيا للمسجد "الهيكل" بغتة، بل قد عاشا في ربوعه وأكنافه.

    وثمة بشارة في جوف ذلك النص الذي يبين أيدينا وهي وصف إيليا بالأصغر في ملكوت الله "ولكن الأصغر في ملكوت الله أعظم منه. لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبؤا. وإن أردتم أن تقبلوا هذا فهو إيليا المزمع أن يأتي. من له أذنان فليسمع" (متى 11: 11ــ 15) فالأصغر في الملكوت هو إيليا المزمع أن يأتي، الذي تنبأ به وبشر بقدومه الأنبياء، نبيًا تلو نبي، حتى كان آخرهم المعمدان والمسيح عليهما السلام، وهو الأصغر بالنسبة إلى تأخر ميلاده عن جميع الأنبياء عليهم السلام، وبهذا تأخرت بعثته ورسالته لحكم كثيرة ومع هذا التأخر الزماني فقد فاق كل من سبقه من الرسل بكماله في ذاته وفي رسالته وشريعته ورضا الله تعالى بدينه خاتمًا إلى قيام الساعة.

    ولا يمكن لنصراني أن يقول: إن المسيح عليه السلام هو آخر الرسل والأنبياء لأن النصارى يؤمنون برسالة تلاميذه وإيحاء الروح القدس إليهم وامتلائهم به حين يكرزون، بل وبمن بعدهم كبولس "الرسول!" ثم كيف يدّعون كمال رسالة المسيح عليه السلام وهم يروون عن التلاميذ أنهم عدلوها ونسخوا بعضها في مجمع أورشليم الأول بزعم التيسير على المدعوين، فأبطلوا الختان، وأحلوا بعض محرمات التوراة؟!

....للحديث صلة

إبراهيم الدميجي

14/ صفر/ 1433

@aldumaiji

http://aldumaiji.blogspot.com/
......................

([1])   هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم؟ ص115ــ 122، الفاروق بين المخلوق والخالق، عبد الرحمن البغدادي، ص654، الاختيار، ديدات، ص26ــ 123، وقد أطال الشيخ ديدات رحمه الله النفس في هذه النبوءة وكذلك نبوءة (المُعزّي).

([2])   هداية الحيارى، ابن القيم، ص196.

([3])    (البخاري ــ الحديث السابع) وانظر كذلك جوابه لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى الإسلام. مسند أحمد (21/ 198ــ 200) مع الفتح الرباني، البداية والنهاية، ابن كثير (5/ 16).

([4])   في مصنف عبد الرزاق (20709): أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يبلغهن ويعلمهن بني إسرائيل، ويعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فكأنه أبطأ فقيل لعيسى: مر يحيى أن يأمر بهذه الكلمات وإلا فأمر بهن أنت، فقال عيسى ليحيى ذلك. فقال يحيى: لا تفعل فإني أخاف إن أمرت بهن أن أعذب أو يخسف الله بي الأرض، قال: فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس، ثم جلسوا على شرفة، فقال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعلمكموهن وآمركم أن تعملوا بهن. ثم قال: أولاهن ألا تشركوا بالله شيئًا، فإن مثل من يشرك بالله..." فذكر الخمس مع أمثلة عليها وهي النهي عن الشرك، والأمر بالصلاة، والصدقة والصيام وذكر الله، قال يحيى بن أبي كثير: فأخبرني الحارث الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وأنا آمركم بخمس بالسمع، والطاعة، والجماعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله...".

وقد مدح الله يحيى عليه السلام: "يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً . وحناناً من لدنا وزكاة وكان تقياً . وبرّاً بوالديه ولم يكن جباراً عصيّاً . وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّاً" [مريم: 12ــ 15]، وروي أن سبب قتله أنه نها بعض ملوك زمانه عن نكاح من لا تحل له ثم إن ذلك الملك تزوجها، فأوغرت صدره واحتالت حتى جعلته يأمر بقتله فقتله عليه الصلاة والسلام.

([5])   جمع الحافظ ابن كثير رحمه الله أطراف أحاديث الإسراء والمعراج في مقدمة سورة الإسراء من تفسيره.