إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأحد، 31 مارس، 2013

لَكِنَّ الحُمَيْد لَا بَوَاكِيَ لَهُ!


لَكِنَّ الحُمَيْد لَا بَوَاكِيَ لَهُ!

    الحمد لله ذي العرش المجيد, المبدئ المعيد, الفعّال لما يريد, لا إله إلا الله يفعلُ ما يشاء ويحكم ما يريد, وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على خير العبيد, أما بعد:

    فلابن بُرْدٍ بشّار يصف بعض أصحابنا وأهلينا وأنفسنا:

كأن جفونَهُ سُمِلَتْ بشوكٍ   ...   فلَيس لوسنةٍ فيها قرارُ

أقولُ ولَيلتي تزدادُ طولاً   ...   أمّا للِّيلِ بعدهُمُ نهارُ

جَفَتْ عيني عَنْ التَّغميضِ حتّى   ...   كأنّ جفونها عنها قصارُ

    كَثُرَ الحديثُ واستطال الشّجَنُ عن المعتقلين, ولا لائمَ لهم بحقّ إلا القليل, وكثير منهم يُقْرِّحُ حاله كبدَ من لا كبد له! ويُبكي من لا عين له! إذ استوى في ناظري أحدهم الليلُ والنهار, وتماثل في  سَمْعِهِ الهدأةُ والضجيجُ, وصارت أمانيه أحلامٌ وأوهام, إلا من رحمةِ الله تعالى.

عسى فرجٌ يأتي به الله إنّهُ   ...   له كل يوم في خليقتهِ أمرُ

    والغريب أنه في خضم تيك المطالب العادلة لم نسمع لهاتفٍ بإطلاق الشيخ الجليل عبد الكريم بن صالح الحميد, من علماء بريدة, وهو عالم جليلٌ باعتراف مخالفيه قبل موافقيه, وله تصانيف نافعة في المعتقد على مذهب السلف, قد جاوز تعدادُها مئةً وعشرين مصنّفًا, جُلُّها في العقيدة, وله مناكفةٌ ومدافعة للمبتدعة والضُّلالِ, وهو ذو رسوخٍ في كتب شيخي الإسلام ابن تيمية وتلميذه. مع ذلك فهو تحت الإقامة الجبريّة, وهو سجن بكل حال! وغيره من أهل العلم والفضل حالُهم قريب منه أو أشدّ, كما ذكره الشيخ الحافظ السعد, فأيُّ خذلان للعلم وأهله أكثر من هذا؟! ثم نرى ونسمع دبيبَ الشامتين وهِزْءَ اللُّمَزَةِ!

بالملح نُصلحُ ما نخشى تغيّرَهُ   ...   فكيف بالملح إن حلَّتْ به الغِيَرُ

    وما أشدّها من القريب من رَحِمِ العلم لا رَحِمِ النَّسب, والقرين والمصاحب! وظلم ذوي القربى أشد! ولكن من كان في الله تلفُهُ كان على الله خَلَفُهُ.

    وللشيخ _فك الله رهنه وأطلق حبسه_اجتهادات قابلةٌ لسعة الخلاف, لا يوافَقُ عليها ولا تحطّ من قدره, فلا يَلحق من رَكِبَ أيًّا من طرفيها ضلال ولا إحداث, ومن ذا وُفِّقَ في كل اجتهاداته؟! ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها؟! فَلَهُ كغيرِهِ كبوات الجياد, وهفوات الأمجاد, والصارم قد ينبو, والجواد قد يكبو, أفلا ملكتم ذِمامَ الكرام بالكفّ عنهم؟!

    ولقد صلّيتُ في مسجده العتيق ذاتَ عِشاء, قبل نحو عقدٍ ونصف, غرب بريدة في حي الخبيبية, ونَشْرُ عَبَقِ السَّلف يضوعُ بين جنبات البساطة والأصالة والنقاء في ذلك البيت من بيوت الله الذي سُوِّي بالثّرى, فيا ليت شعري ذاك المسجد ما ذا جَنَى؟!

     ثُمَّ حاورْتُهُ ليلتها وناقشتُهُ, فلمْ أَرَ إلّا عِلْمًا يتفجّرُ بين حناياه, وغيرةً لدين الله تُذيب الصُّوان الصَّلْد. ولا نزكي على الله أحدًا. وإن كان قد جَبَهَنِي ليلتئذٍ بطلب المباهلة على غير ذي بال! ولكن لا ضَيْرَ, فَلَنِعْمَ عليم دينِ المرسلين هو.

     كما أن خَلْفَ شَماريخ تِيكَ القُلّة الشامخة الصلداء قد كَمُنَ صبوحُ رحمة وغبوقُ تهذيب, ثُمَّ أنهاراً رقراقة من السلاسة النفسانية, والعذوبة الأدبية, والرقة الروحانية, واسألوا رسائله ودواوينه.

    وما علمنا على هذا الجليل من سوء, إنْ هُوَ إلّا الصدعُ بالحقِّ حيثما كان ولمن كان, ولا نزكي على الله أحداً. وقد شَمَتَ به من لم يعرف قدره ولا قدر أمثاله من أهل العلم:

كُلُّ المصائبِ قد تَمُرُّ على الفتى   ...   فتهونُ غير شماتة الأعداءِ

    وَلِشريفِ علمِ الأخيار-لا الأغيار- فسبيلُ الشيخ الذي أَلِفَهُ وأحبَّهُ وارتضاه من شظف العيش ورقَّةَ الحال؛ لم يُلزمْ به أحدًا ولم يوجبه, إنّما خِلافُهُ مع بعض أمورٍ التعليم العام خاصّة, وبعض روافد المدنيّة الغربيّة عامّة, وكثير مما شُنِّع عليه لا يصحّ عنه, وغالبُ مناطاتِ أحكامه متعلّقةٌ بفقه المآلات وسدّ الذرائع, وكثيرُ صوابها معه، وله سَلَفُ صِدْقٍ وفقهٍ وصلاح. أكثرَ الله أمثاله في العالمين, ورفعه فوق كثير من خلقه في الدارين, إله الحق آمين.

    هذا وإنّ السجنَ للأحرارِ ليس بعيبٍ ولا شَنَأٍ, فقد سُجِنَ الأنبياءُ والعلماءُ والسادة. ورحم الله شيخ الإسلام إذ قال وهو منشرحُ البال مطمئن النفس في محابسه في مصر ودمشق وقد هُدّد بالقتل ممن جَهِلوا أُنْسَ وليَّ الله بالله: المحبوس من حبسه ذنبه, والمأسور من أسره هواه, ما يفعلُ أعدائي بي, إن سجني خلوة, وقتلي شهادة, وإخراجي من بلدي سياحة! ولما أدبر السجانون قرأ قول ربه الأجل: "فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمه وظاهره من قبله العذاب" (الحديد: 13)

    وقد قال الله جل جلاله في محكم التنزيل: "والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبؤنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون . الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون" (النحل: 41_42) وقال جل وعز: "بل تؤثرون الحياة الدنيا . والآخرة خير وأبقى" (الأعلى: 16_17)

    فلأهلِ العلم عامّة, ولأهل بريدة خاصة؛ لا تنسوْهُ من شفاعاتكم الحسنة, ودعواتكم الصالحة, وادّخروها عند ربكم في صالح العمل.

    ومن عذيّ كلام الحُكماء وعذْبِ ألفاظهم: نارٌ لم تُحرق إبراهيم, سكينٌ لم تقتل إسماعيل، بحرٌ لم يُغرق موسى, حوتٌ لم يأكل يونس! قل لن يصِيبنا إلا ما كتب الله لنا.

    ولكلِّ مؤمنٍ يخشى الله ويرجو اليوم الآخر, أيًّا كان حُطامُهُ, وأين استقلّ جُثمانُه: قال ربك وإلهك وسيدك ومولاك وملكك الجبار جل جلاله: "وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظُلمًا . ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلمًا ولا هظمًا" (طه:111_112) وقال ذو الجبروت والملكوت: "ولا تحسبن الله غافلاً عمّا يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليومٍ تشخص فيه الأبصار . مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء" (إبراهيم: 42_43)

    وهذا الشيخ أنموذج, وغيره من المستحقّين لِوَعْظِ حابسيهم كثير. وإنما تُقْرَعُ الحُجَّةُ بالحجّة, والفكر بأخيه, أما بالحبس الشَّميت تالله ما هذا بالنَّصَف! بل هو لعمر الحقِّ من موارد الخذلان ومنابت المحق! "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (يوسف: 21)

    وبالجملة؛ فلئن كان العلماء الأخيار الذين نعتهم الله بأولي الأمر محبوسين ممنوعين, وأضدادُهم من الجهلة والفَسَقَة ودعاة أبواب جهنَّم مُطلقين مُكَرَّمين مُبَوَئي أعلى الرتب وأسنمة التسلّط؛ فعلى الدنيا السلام، والسلام.


إبراهيم الدميجي

18/ 5/ 1434

@aldumaiji


http://aldumaiji.blogspot.com/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق