إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأحد، 20 أكتوبر، 2013

حتى يلتزم الحاج بالتصريح

حتى يلتزم الحاج بالتصريح
الحمد لله وبعد:
فهذه كلمات موجزة عن إشكالية إلزام الحجاج بالتصريح مع مشقته عليهم حتى مع حجهتم الفريضة.
شعار حملة التصريح هذا العام (الحج الصحيح يبدأ بتصريح) باطل من جهتين: الأولى:
ليس من شروط صحة الحج شرعًا ولا من مستحباته وجود التصريح. الثاني: أن هذا من التقدّم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم, وحتى لو قيل بأن القصد التمام بالانصياع للأمر فليس هذا بمسوغ كاف لتغبيش أحكام الركن الخامس. وثمّ سؤال: هل تصريح الحج خاص بالأغنياء؟
الدولة - وفقها الله - لم تالُ جهدًا بكل أجهزتها في خدمة الحجيج والرفق بهم وتمكينهم من إحسان هذه العبادة الجليلة, فالشكر والدعاء لكل من ساهم وعمِل.
إن التنظيم والترتيب مهم في صناعة الجودة, وأمر بهذا الحجم لا بد له من تعاون الجميع, وعلى قدر صدقهم في القيام به يكون التوفيق بإذن الله, وعلى هذا فقضية طاعة ولي الأمر المنظم لإقامة هذه الشعيرة في المحل الأرفع, مع التأكيد على أن طاعته مشروطة بأمرين:
الأول: أن تكون في المعروف. الثاني: القدرة والاستطاعة. والثاني فيه نقاش في تصريح الحج, وذلك من جهة أن ربط التصريح بالحملات أفرز طمع التجار وجشعهم على حساب الحجاج, ومن أراد أن يطاع فليأمر بما يستطاع, ولك أن تقارن بين حاجّين: الأول من القارة الهندية يكلّفه الحج ثلاثة عشر ألف ريال شاملة تذاكر التنقلات والسكن والمعيشة لمدة شهر في المدينة ومكة والمشاعر, في حين نجد أن تكلفة الحج مع حملة من الداخل لمدة خمسة أيام _ وبدون تذاكر طيران _ بنفس هذا المبلغ! مع وجود بعض مواقعها في مزدلفة التي سماها بعضهم زورًا "منى الجديدة!" فلا ندري ما ذا سيسمون عرفات غدًا؟! أين الخلل من هذا كله؟!
يزعم التجار أن سبب ذلك هو سعر الخيام المرتفع, ولكن إن نظرنا لذلك فمتوسط سعر تأجير الخيمة من قبل الدولة هو خمسة آلاف للخيمة التي تتسع لعشرة أشخاص, بمتوسط وقدره 500 ريال فقط للحاج الواحد! فأين ذهبت بقية التكاليف إذن, فلو أضفنا لذلك التنقّل والمعيشة لقلنا إن تكلفة الحاج على الحملة تقارب 2000 فقط وليكن ربحه مثلها – إن طمع - إذن فمتوسط التكاليف 4000 ريال فقط شاملة السكن والمعيشة والتنقل, وكل ما زاد فهو جشع لا مبرر له. – وإن كنا نطمح إلى اليوم الذي تتكفل فيه الدولة بكل تكاليف الحجيج في الداخل والخارج, وليست بعاجزة بحمد الله -
إذن فلا بد لدفع الضرر من أحد أمرين:
أحدهما: تسعير الحملات بسقف أعلى وأدنى, حسب المواقع والخدمات, وهذا سائغ في هذا الأمر لدفع الضرر الكبير عن كاهل الحجاج.
 والثاني: عدم ربط التصريح بالاستئجار من الحملات التجارية. وترك المجال مفتوحًا للافتراش, مع بناء أدوار مفتوحة في منى للمفترشين على سفوح الجبال وما حولها, مع الضبط والترتيب! وهنا وقفة يسيرة, لأن قضية الافتراش أصبحت لكثافة الضخ الإعلامي خطيئة من الخطايا وموبقة من الموبقات, فهل الأمر كذلك في الحقيقة؟
الجواب: أن التنظيم مهم, والحزم في تطبيقه شرط لنجاحه, ومنع الافتراش سائغ بشرط تحقيق البديل الصالح الممكن, أما والحال بهذه الأسعار فليس من الحكمة في شيء, وخذ مثالًا على ذلك: فلو أن رجلًا يريد تحجيج زوجته وابنه وابنته فإنه على هذه التقديرات يحتاج لأكثر من خمسين ألف ريال لإقامة فريضتهم! لذا فيضطر كثيرهم لاجتياز الشُرَطِ بعد لبسهم المخيط.. ثم المضي في تلك الحجة بما فيها, ولا تقل: سقط الوجوب بالعجز وأنت تستطيع تسهيل حجهم ورفع ذلك العجز, خاصة مع قدرتهم الوصول للحرم وتدبير حالهم كيفما اتفق, فهو ركن الدين الذي سمّى الله تاركه مع القدرة كافرًا!
وليس الافتراش بعيبٍ؛ بل الأصل في الحاج التقلّل والتخفف وإظهار المسكنة والافتقار, فقد قال أنس رضي الله عنه: حج صلى الله عليه وسلم على رَحْلٍ رثٍّ, وقطيفة لا تساوي أربعة دراهم. رواه ابن ماجه وعلقه البخاري. قال ابن القيم رحمه الله: وكان حجّه على رحل لا في محمل ولا هودج ولا عمارية، وقد تذكَّر صاحبُه ابن عمر رضي الله عنهما بعد سنين حاله صلى الله عليه وسلم تلك حيما مرت به رفقة يمانية، ورحالهم الأُدم وخُطُم إبلهم الخُزُم فقال: من أحب أن ينظر إلى أشبه رفقة وردت العام برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذ قدموا في حجة الوداع فلينظر إلى هذه الرفقة. وقال: وفيها أن راحلته صلى الله عليه وسلم كانت زاملته التي يحمل عليها متاعه وزاده، ولم تكن له ناقة أخرى خاصة بذلك كما جاء في حديث ثمامة قال: "حج أنس على رحل ولم يكن شحيحاً، وحدَّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج على رحل وكانت زاملته" رواه البخاري.
ثم إن منع الناس من الحج بعد إحرامهم بالتلبية, بله حبسهم وتبصيمهم بخطيئة الحج بدون تصريح بالحال المذكور ليس بجيّد, فلا بد إذن من المراجعة. وبكلّ فتلك الخطيئة: شِكَاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها.
مع تسجيل أن الفوضى وتجاوز الأنظمة عيبٌ يجب على المسلمين الانعتاق منه, فإن من أسباب تخلّف الشعوب الحضاري ضعف احترام القوانين المنظمة لحياتهم, وعلى قدر استهانتهم بالأنظمة تكون فوضاهم!
 والناس لن ينصاعوا بالعسف والإكراه إلا إن صاحبته قناعة لدى عقلائهم بوجاهة ذلك التشديد, وهو مالم يكن بعد! ومما قيل في ذلك على لسان العامّة, وهو مؤشر على الرفض والاشمئزاز الشعبي من ذلك المنع الذي لم يقابله تسهيلٌ لمن أرادها من بابها:
حجيت يا خالد على غير تصريح   ...   لا انته برب البيت ولا انته بربّي!
الضيف لو ينصاك يحتاج تصريح   ...   لكن على هونك ما هو ضيف ربي!
وللشيخ الحصيّن كلام جميل في ذلك فحواه: جرّبت أفخم وأرفه الحملات للحج فلم أجد كافتراش الرصيف, وفيه من الانقطاع والتجريد والافتقار, ما ليس لغيره أو كلامًا نحوه, ومن جرّب عرف.
وكذلك الحال لأهل مكة, ومنعهم من الحج بدون التصريح, أما من اقترح فتح عرفة بعد الغروب لأهل مكة فقد أبعد وظلم, فكيف يجرؤ على حرمان قطّان الحرم وأهله من عشية عرفات ودنو رب البريات من ذلك الصعيد الشريف في تلك الساعات التي لا يعدلها شيء! ولئن أكرم الله أهل الحرم وحاضريه بإسقاط هدي التمتع عنهم وحصر كفارات الحج _ خلا الإحصار والفوات _ في فقرائهم, فهل يسوغ حرمانهم من ذلك الفضل..
يا سادة: من خلق الناس وبسط الأرض وشرع المناسك عالم بحال الناس وأعدادهم فلا تفتئتوا على الشرع بما لم تسبقوا له, واعلموا أن شعيرة الحج ليست كغيرها من الشعائر فزمانها واحد ومكانها واحد, وقد كان الناس حتى في جاهليتهم يهابون تغيير أمرٍ في الحج ويترددون كثيرًا قبل الإقدام على شيء من ذلك, فما بال الحنفاء إذن؟!
إبراهيم الدميجي
15/ 12/ 1434

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق