إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

السبت، 24 أغسطس، 2013

خواطر في مدارس تحفيظ القرآن الكريم

 خواطر في مدارس تحفيظ القرآن الكريم
الحمد لله, وبعد:
فمن جليل فضل الله تعالى على بلادنا رعايتها القرآن المجيد، وبذل الغالي والنفيس لتعبيد الناس لرب العالمين عن طريق تعليمهم كتاب ربهم وتربيتهم على محكماته، وذلك عبر نشر المدارس القرآنية النظامية، كذلك الحلقات الخيرية في بيوت الله لإحاطة المشروع كمًّا وكيفًا، فافتتحت مدارس خاصة بتعليم كتاب الله بخط متواز مع المواد العلمية والأدبية الاعتيادية، كما رصدت مكافات شهرية محفزة لكل طالب تزيد حسب المرحلة الدراسية، وقد آتت طيب أُكلها بحمد الله، فلا تكاد ترى إمام مسجد إلا وقد مرّ بتلك الرياض ورتع، فضلًا عن جموع لا تحصى من المسلمين، ولستُ بمعرض تفصيل الثمرات سواء للمدارس النظامية أو حلقات التحفيظ، فمقصدي بهذا المقال إسداء بعض الاقتراحات الخاصة بمدارس التحفيظ علّ الله ينفع بها، وقبلها أهمس في أذن كل أبٍ شفيق أن يحرص قدر طاقته على تعليم فلذات كبده كتاب الله، فعلِّمْهُ القرآنَ والقرآنَ سيعلمه كلَّ خير، ولْتعلم أن القرآن يحفظه بقدر ما يحفظ القرآن، وكفى بكلام الله في جوف ابنك وبنتك فضلًا وفوزًا. ولا تظنّ أن القرآن يضيّع عليه دراسته ففي تكرار كلام الله سرّ عجيب في توسيع المدارك وتقوية الملكات العقلية وتنمية قدرات الاستيعاب بشقّيه في الحفظ والاستنباط، ولك أن تعلم أن ثمانية من أصل عشرة طلاب من العشرة الأوائل في الثانوية العامة في الرياض في إحدى السنوات هم من طلاب تحفيظ القرآن، قال عز وجل: "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" وقال سبحانه: "فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى" وبعد: فمن المقترحات:
١- استبدال مسمى تحفيظ القرآن بتعليم القرآن، فالتعليم أشمل من مجرد التحفيط، فهو يحوي كذلك التفسير وعلوم القرآن وأحكامه ونحو ذلك.
٢- محاولة حل مشكلة طمع بعض الآباء في المكافأة الدنيوية دون الأخروية، مما نشأ عنه وجود نماذج سيئة جدًا من الطلاب الذين لوّثوا بسوء أخلاقهم الجوّ القرآني العاطر، وحلُّها بأن تكون المكافأة مربوطة بالتفوق في القران ودائرة معه وليس بمجرد الانتساب للمدرسة، وهذا كفيل بإذن الله بطرد ذباب الطمع عن أجواء القرآن الشذيّة.
٣- النظر في مشكلة التسرب الشديد وبخاصة في المرحلة الثانوية فهي تقارب ثلاثة من كل أربعة طلاب تقريبًا، وسبب ذلك عدم قبولهم في كثير من الجهات بعد الثانوية مع أنها تقبل القسم الشرعي ففرقت بين المتماثلات.
٤- محاولة حلّ مشكلة معلمي القرآن من متخصصي القراءات في قضية مسار تعييناتهم مما أثّر سلبًا على نفسياتهم، وهي باختصار: أن تعييناتهم وتنقّلاتهم يشاركهم فيها معلمو مسار التربية الإسلامية العام في مدارس تحفيظ القرآن الكريم، بينما هم لا يشاركون إخوتهم في التربية الإسلامية إلا في مدارس تحفيظ القرآن، والعدل يكون بأحد أمرين: إما بجعل أولوية تدريس القرآن لهم في مدارس تحفيظ القرآن وكذلك مدارس التعليم العام، أو بجعل أولوية تدريس مواد التربية في مدارس التحفيظ لهم مع إكمال العجز بغيرهم، أما حصرهم في مقرر القرآن والقراءات فقط ففيه مشقة عليهم وحصر لهم على حساب التوسعة لغيرهم، ولعل الوزارة تستعجل في حل هذه القضية.
٥- وهذا الاقتراح كنت قد طرحته بنصه في مقال سابق وليس هو خاص بمدارس التحفيظ بل هو عام بسياسة التعليم العامة للدولة، والمبرر لإعادتها ما ذكر في الصحافة من طرحه للدراسة من قبل الوزارة ونص المقترح:
إلغاء إجازة منتصف الفصل الثاني, وإضافتها لإجازة الربيع, بحيث يكون أسبوعين بدلًا من أسبوع. وهو الأسبوع الذي أثبت بالفعل ما رآه غالب المُربّين بالقول, فقد قضى على أسبوعين أحدهما قبله والآخر بعده, واستنطق المدارس في ثلاثةِ أسابيعِهَا البائسة! وليت شِعري ما المُخرجات المفيدة, والثمار السعيدة من ذلك؟! إن هي إلّا ضياع المعلومات التي يرتبط أولُها بآخرِها, ويحدث فيها الخللُ عند فكّ ارتباط بعضها ببعض؟! وهو ما فعلته بجدارة تلك الإجازة!
ولا أظنّ من الحصافة في شيء تقديمُ مصلحة السياحة المتوهّمة على ضرر التربية والتعليم المتيقن, في أعزِّ موارد البلاد على الإطلاق _بعد دينها_ فلذات أكبادهاو ولبنات بنائها, وبُناة مستقبلها بإذن مولاهم الحقّ.
والله ولي التوفيق.
إبراهيم الدميجي
16/ 10/ 1434

السبت، 10 أغسطس، 2013

أزمة الفكر المادي

أزمة الفكر المادي
الحمد لله, وبعد:
لا يطيب مزاجه إلا بتغييبه عن واقعه, بسكرةِ شراٍب أو نشوةِ خيالٍ, إذ أن إفاقته بالرجوع للواقع الصادق, المشعِّ ببراهين الفطرة واتساق العقل السليم مع حركة الكون العامة, بامتدادها في الأطراف زمانًا ومكانًا يصيبه بدهشة كئيبة لا تطيقها نفسه النزاعة للعلو والاستكبار ضد كل ما يحول بينه وبين عبوديته لنفسه دون غيرها ولو كان رب العالمين!
الفكر المادي المنكِر لكل ما وراء المادة والطبيعة يصطدم كل لحظة بجبال اليقين الحسية والعقلية وأشد منها الروحية, ذلك أن الجاحد لهذه اليقينيات الغيبية لا ينفك عن الارتباط بها ومناداتها ومناغاتها والاستماع لها, بل والابتهال والدعاء والاستغاثة لمن وراءها عند الكروب والشدائد, حتى وهو يعبّ كأس الإنكار الظاهر ويكرع في تكرار زيف مشاعره! وأكثر من رام تلمّس طريق الغيب صرعه الجهل دون عتباته, إنه السَّفَرُ الدؤوب للروح لإشباع حاجتها للإحساس بربوبية ربها وعبادته والأمن تحت كنفه. إذ أن المفتاح الأول لعالم الغيب _ وأعني به العلم بأن للكون ربًّا معبودًا هو الله وحده _لم يؤته ربُّ الغيب والشهادة سبحانه إلا الموفقين من عباده, نعم لقد نقش رسمه في الفطرة الأولى لكل إنسان, فإن ساعد على ذلك سقيا رحمة أزهرت وأثمرت النافع الجميل من علوم الوحي الشريف النقي, أما إن انتهبها قُطّاعُ طريق فلاح الأرواح إما بغيب مشوّه أو بشهادة ماديّة صمّاء؛ فإن السعادة حينها تعود شقاءً والنعيم يرتدّ بؤسًا, وينقلب العلم جهلًا! وللحكيم سبحانه في ذلك حكم لا يدرك البشر إلا بعض أطرافها بتوفيق الله لهم.
 هذا وللفكر المادي أزمة ملازمة, فكل إنسان مهما تطرّف في فكره وإلحاده؛ لا بد أن يؤمن بقدر مشترك من علم الغيب, وأن هناك عوالم موجودة غير محسوسة بحواسه الخمس, وإن اختلف الناس اختلافًا عظيمًا في الإقرار بأفرادها وتفاصيلها, قال الله تعالى في بيان إقرار ضمائر أشدّ الجاحدين بربوبيته سبحانه: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًّا" وقال في وصف حال المكذبين في الدنيا إذا شاهدوا ما كانوا ينكرونه ظاهرًا مع إقرارهم به في الباطن: "بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل" ولا يعني هذا بحال أن كل من آمن بالغيب فهو على سبيل نجاة, بالطبع لا, فكلّ أمم الأوثان _بلا استثناء_ هي مؤمنة بعوالم غيبية, لكنها عوالم شوهها الجهل والتكذيب وبعدُهم عن آثار المرسلين، فلا صلاح للعالَم على التحقيق إلا بسيره على قبس من هدي النبوة.
وكلما تقدّم العلم التجريبي بفروعه الفلكي والتطبيقي والطبي والتشريحي وغيرها فإنه يجد في نفسه ضرورة للسجود في محراب الإيمان بأن وراء هذا العالم المتناسق البديع خالقًا حكيمًا مدبّرًا رحيمًا, وعلى قدر تجرده لنداء المنطق وإلحاح الفطرة الأولى يكون قربه من الاستسلام لرب العالمين, وما أقربه للإسلام حينها إن وُفّق لمن يأخذ بيده الحيرى ونفسه القلقة.
وهناك خيط فاصل بين الحقيقة والخرافة, بين العلم والأسطورة, ومن أبصر الخيط بنور الوحي انتظم أمره واستقامت محجّته.
وليس ببدع من القول أن كل إنسان لا بد أن يؤمن بقدر من الغيب يلقي إليه أشلاء حيرته من سر الوجود وعلّة الخليقة, وما يلحق ذلك من تحميل ذلك الغيب أموره المحيّرة التي يحس بإلحاحها عليه وضغطها الشديد على عقله ونفسه, كروحه التي بين جنبيه, فنفسه العاقلة المتصرّفة في جسده هي أقرب سرّ وأغمضه وأحلكه مع إحساسه الدائب بها, فكيف هذا؟! "قل الروح من أمر ربي" "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" لذا فالعلم في كثير من أحيانه إنّما يكون بالإقرار بالجهل الإيجابي, وهو الإقرار بالحقيقة مع التسليم بعدم معرفة التفاصيل, مع الاستسلام والتفويض لمن بيده مقاليد الأمور ومفاتيح حقائق العلوم, وهو الجهل البسيط الذي لا ينفك عنه إنسان مهما بلغ في مراتب العلوم "وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا" فحينئذ يعرف المرء قدره, وأنه لم يُعط من العلم إلا على قدر ما يحتاجه لإقامة العبودية لرب العالمين, واستخلافه في الأرض ليعمرها ثم يعبرها للدار الآخرة.
لهذا فأساس الدين هو الإيمان بالغيب, وللإيمان بالغيب طرفان: الأول العلم واليقين والإقرار بحقائق ما أخبر عنه الوحي في القرآن والسنة من صفات الله تعالى والجنة والنار والبعث والملائكة والجن وغير ذلك من الغيوب المذكورة في الكتاب والسنة. الثاني: الوقوف عند هذا الحدّ, وعدم الخوض في الكيفيّات بدون دليل وبرهان, فصفات الله تعالى معلومة مثبتة مؤكَّدة, ولكن كيفياتها لا نعلمها ولا نخوض فيها, فالقول في الصفات كالقول في الذات يُحذى فيه حذوه ويجرى فيه بمثاله, كذلك أمور الغيب التي جعل الله دونها سجفًا من الحجب التي أحالتها للغيب المطلق دون عالم الشهادة المحسوسة.
لذلك فأولُ وصفٍ في القرآن وصَفَ الله تعالى به عباده المؤمنين هو إيمانهم بالغيب, فقال سبحانه في أول سورة البقرة: "الذين يؤمنون بالغيب" فلا إيمان لمن لا يؤمن بالغيب, بل كل أركان الإيمان الستة هي من أمور الغيب, وكفى بذلك تعظيمًا لهذا الجانب.
 وبالجملة فمن أنكر الغيوب واستمسك في النزاع بالمحسوسات دون الغيبيات فهو مناقض لنفسه, مكذّب لفطرته, مناوئ لصادق إحساسه, وليس له عند الله من خلاق.
فاصلة:
 يا صاحبي: اكتب بمداد سواد الليل على أديم بياض النهار منشور خلاصك, وأنّى ذلك إلا بالباقيات الصالحات, فاغتنم جمعيّتك قبل الشتات, وبقيّتك قبل الفوات.
إبراهيم الدميجي
2/10/1434
@aldumaiji