إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الاثنين، 23 سبتمبر، 2013

"واسألوا الله العافية"

واسألوا الله العافية!
قال شيخ الإسلام كلامًا مهيبًا موجلًا يكشف مقدار الخطر على قلب المؤمن عند تعرضه لفتنة أقوى من مستوى إيمانه، فلربما يقع في النفاق عياذًا بالله تعالى, وذكر أن من المنافقين من لو تركوا بدون امتحان لماتوا على الإسلام والإيمان! فاسأل ربك العفو والعافية، وأن يثبتك على الإيمان حتى تلقاه به وهو عنك راض.
قال رحمه الله:
 وكل مؤمن لا بد أن يكون مسلمًا؛ فإن الإيمان يستلزم الأعمال, وليس كل مسلم مؤمنًا, هذا الإيمان المطلق, لأن الاستسلام لله والعمل له لا يتوقف على هذا الإيمان الخاص.
 وهذا الفرق يجده الإنسان من نفسه ويعرفه من غيره, فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله؛ فهم مسلمون ومعهم إيمان مجمل, ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئًا فشيئًا إن أعطاهم الله ذلك.
 وإلا فكثير من الناس لا يَصِلون لا إلى اليقين ولا إلى الجهاد! ولو شُكِّكُوا لشكُّوا, ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا, وليسوا كفارًا ولا منافقين, بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب, ولا عندهم من قوة الحب لله ولرسوله ما يقدمونه على الأهل والمال.
وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة, وإن ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم؛ فإن لم يُنعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين وانتقلوا إلى نوع من النفاق!
 وكذلك إذا تعيّن عليهم الجهاد ولم يجاهدوا؛ كانوا من أهل الوعيد, ولهذا لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم عامة أهلها, فلما جاءت المحنة والابتلاء؛ نافق من نافق. فلو مات هؤلاء قبل الامتحان لماتوا على الإسلام, ودخلوا الجنة, ولم يكونوا من المؤمنين حقًّا الذين ابتلوا فظهر صدقهم. قال تعالى: { الم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون . ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } وقال تعالى: { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب } وقال: { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين } ولهذا ذم الله المنافقين بأنهم دخلوا في الإيمان ثم خرجوا منه بقوله تعالى: { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } { اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ماكانوا يعملون . ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون }

 مجموع الفتاوى: (7 / 274)

إِنَّها السَّلفية.. نورٌ ونار!

إِنَّها السَّلفية.. نورٌ ونار!


الحمد لله, قولُه الحقُّ ووعدُه الحقُّ ودينُه الحقُّ, أما بعد:

فموجبُ التدوين؛ موجةُ سُعَارٍ لا تهدأُ ولا تفتر عن محاولاتِ طمسِ معالم الرسالة المحمدية, تولّى كبْرَها أراذلُ البشرِ وسَقَطُ الكُتَّابِ, ويأبى الله! كأنّما يستبق دهاقينُها الزمنَ قبل فواتِ شيءٍ ما! أو نضوب حِبْرٍ ما! واللهُ مُتمُّ نورِه, ومظهرٌ دينه على الدين كلّه.

حينما يُستكتب أو يكتب مرَدَةُ الصحفيين ومتسلّقو وَهْمِ المجد, حروفًا تهاجم السلفيّة, فإنهم عن نفاقٍ وفسقٍ, أو غباءٍ وحُمْقٍ, قد طعنوا الإسلام في خاصرته, كيف لا وهم بشِنْشِنَتِهِم المعروفة يحاولون هدم البنيان الذي قام على الوحي المنزّل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, على فهم سلف الأمة الذين هم أزكى القرون قاطبة, لا كان ولا يكون مثلهم, وإن شرق بذلك مرضى القلوب.

إنها السلفيّة التي سَبَرَها المستشرقون فتيقنّوا أنها مَحْضُ الدين القويم لمحمد صلوات الله عليه وسلامه. قد كرّروا في مساربها النظر وكرّوا الكيد ليفتكوا بها, فانقلب إليهم بصرُهم خاسئًا وكيدُهم خائبًا فقالوا بمرارة مهزومٍ: إنها السلفية إن تركناها امتدّت, وإن حاربناها اشتدّت! إنها السلفية, نعم إنها السلفية التي أنشأت لها دولٌ عظمى دوائرَ بحث خاصة, فدرستها دراسةً مشبعة مستفيضة, ونَخَلتْها وحلَّلتها, فخرجت إلى أنها الأنموذج الكامل للدين الإسلامي في حال صفائه الأول, وهذا ما لا تطيقه قلوبهم!

إنها السلفية نورٌ ونارٌ: نورٌ يهتدي به من أراد الحق, ونارٌ تُحرق يدًا امتدّت إليها بالأذى, نورٌ يكشف الله به شبهات الشياطين المضلّين, ويهتك أستارهم, ويدحض تخرّصاتهم وتهوّكاتهم, ونارٌ تُصلَى بها شهواتُ عُبّادِ الهوى وسَدَنةِ أضرحة الفواحش, فحدودُ الله فيهم تُقام طالما عن حدودِ الله حادُوا.

 نورٌ يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام, ونارٌ تَنْصُرُ بإذنه, وتقطعُ حبال الهوى وعروقَ الردى من جسد الأمة الواحد.

قالت الماردةُ لأذنابها: لا يُهدمُ بنيانٌ بأمضى من مِعْوَلٍ بيمينِ أهله! لذا فحديث بعض الأصاغر عن حرجِ الدولة من دعوة الإمام المجدد, وعن تشويه رموزها, سواءً من مضى لربه بعد طول دعوة وجهاد, أو من بقي بتقصيرٍ أو غيره, إما بالطعن المباشر, أو بنشرِ خَطَلِ بعضِ من لوّث نقاء تلك الصفحة الساطعة بانتسابه _سُلالةً إلى الشيخ الإمام المجدد - عبر القول أو الفعل؛ لهوَ مؤشّرٌ مريب على مكرٍ كبّارٍ, مُؤذنٌ بسيلِ فتنةٍ قد انعقد غمامُها إن لم تُتدارك من لدن رواجحِ الأحلام!

آل سعود _ وإن رغِمَتْ أُنوفُ الرافضةِ والقبوريةِ والليبراليةِ _  هم أهل توحيد وجهاد وفضيلة, وتصفَّحُوا تاريخَهم, وقَلِّبُوا أخبارهم, تروا عيانًا من ذلك الطراز النادر الذي طالما انتظره كثير من أسلافكم في أحلامهم!

حَدِّثْني يا صاحبي عن مُبَرِّرِ حكم الأسرة المباركة آل سعود, أليست السلفيّة؟! ألم يقم حكمهم قبل عقود طِوالٍ على عَقْدِ التوحيد والجهاد والشريعة والفضيلة؟! وإلا فهناك من هو أشرف منهم نسبًا, وهناك من هو أكثر منهم ولدًا! 

إنّ حَزَّ السكينِ في الحبل الرابط بين الأسرةِ وبين السلفية هو في حقيقتِهِ حَزٌّ في مبرّرِ حكمهم مباشرة, "وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" 

فليعتنِ الناصحون بهذا, ولْيعلموا أن وراء الأكَمَة ما وراءها من منافقين ومشركين, وأنّ من أراد الإصلاح فليبدأ من هنا, أعني إصلاحَ الخلل الطارئ من ضَرْبِ المسلّمات العقديّة وركائزِ الفضيلة عبر تيّار التغريب الهائج الذي كشف وجهه البشع وحربه القذرة ضد أصول الديانة وركائز الأخلاق!

ولكل داعيةِ تغريبٍ وفجورٍ وإلحادٍ في هذه الدولة المجيدة يصرخ الماضي والحاضر: لماذا حرب الثلاثين عامًا بين محمد بن سعود وابن دواس؟! بل جهاد الستين عامًا مع آل عريعر وغيرهم, بل قتالٌ قارب مئتي عام! قام به أهلُ التوحيد والجهاد والشريعة والفضيلة بزعامة رئيسهم وحامل لواء دعوتهم وجهادهم الإمام محمد بن سعود, ثم من بعده ابنه الإمام المجاهد عبد العزيز الذي تربّى على عينِ عَلَمِ الإمام المجدد من يفاعةِ صِباهُ_ الذي قال عن عهده بعض علماء عصره: إنها خلافة على منهاج النبوّة _ ثم من بعده ابنه الإمام المجاهد سعود الذي ضربت أطناب دولةِ الدعوة الحنيفية ورفرفت راياتها المنصورة في عهده سوادَ العراق وتخوم فارس وسهوب الشام وبحر العرب وجبال اليمن, ثم من بعده ابنه الإمام الشهيد عبد الله _ أسد الدرعيّة _ الذي جاد بنفسه ككثير من الموحدين دفاعًا عن عقيدته السلفية, حتى كانت روحه قربانًا لربه شهيدًا في إستامبول, فرفعوا جثمانه مصلوبًا, ولم يعلموا أن الله أبقى لهم من صُلبه من يدُكَّ عروشَ خرافتهم ويبطل سحر صولتهم.

 أربعةُ أجيال ذهبيّة لهذه الأسرة المباركة المجاهدة في دورها الأول, فحدّثوني عن أسرةٍ أو قبيلة _ خلا قريش _ لها في الولاية في الإسلام قدمُ صِدْقٍ كهؤلاء؟! أتُغَطّون الشمس بغربال, قاتلكم الله أنّى تؤفكون؟!

مَضت الأجيال الأربعة لربها في الدور الأول للدولة السلفية المباركة, ثم أعقبتها أجيالٌ مباركة زكيّة _ والخير من معدنه لا يستغرب _ فخرج الإمام تركي بن عبد الله من سجن مصر لنجد, كخروج صقر قريش من الشام للأندلس, فأعاد الله به دولة التوحيد جذعةً فتيّة, ثم من بعده ابنه فيصل _ الذي كان يعتزي به حفيدُه عبد العزيز هاتفًا: أنا ابن فيصل! _ ثم من بعده ابنه الإمام عبد الرحمن وأَخَوَاه. ثم أشرقتْ _ بإذن الله _ شمسُ الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن؛ فأقام الله به عمودَ مِلَّةِ الجهاد, وسراجَ الدعوة للدين الخالص, وساق لهُ ربُّهُ إلى يمينه أَعِنَّةَ الأجناد الموحّدة, فقام بدين الله كما لم يقم به في الأمة إلا القليل, فنشرَ كتب السلف, وأقام السنن, وعظّم الشريعة, وحَرَس الفضيلة, ودعا إلى الله بالقرآن والسّنان, ثم من بعده بنوه الكرام, فخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله أنما هو من الجيل التاسع لهذه الأجيال المتصلة المتعاقبة بلا انقطاع حتى اليوم, فكل آبائه بأجيالهم الثمانية قد حكّمهم الله هذه البلاد حينما حكموا بشرعه, فهم سلالة ذلك الإمام الصالح أعني به محمد بن سعود _ ولا أزكي على الله أحدًا _ فهل عرفت يا صاحبي مدى ارتباط هذه الأسرة السلفية مع الدعوة السلفيّة؟!

وقد آنَ لخادم الحرمين - حفظه الله وأعانه - أن يشمّر لرفع البلاء الواقع على الناس من شَرَرِ نارِ التغريب المستطيرة, التي لم يعد يطيقها أهلُ الإيمان! فيا خادم الحرمين: قد آن لدِرَّةِ عمر أن تقرعَ جِباه العُصَاةِ!

كذلك رفع مظالم المعتقلاتِ التي ضجَّ الناس منها, فمن ثبت جرمه وبقي من مدة حكم الشرع فيه فليبقَ, ومن لم تثبتْ عليه جريرةٌ, أو أنهى محكوميته, فما موجب حبسه والتضييق عليه؟!

 أَلَا وإن بعض أهل الضلالة والجهالة والفجور ينعق زورًا عن ذروة سنام الإسلام الجهاد على أنه إرهاب مذموم, ويعيبُ على الدولة عدم براءتها منه, فيا سبحان الله! أليس الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة؟ أليس إمام المجاهدين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ألم يقم عمود هذه الدولة "السلفية" على الجهاد؟ لقد أَتْرَعَتْ بطونَ الكتبِ بطولاتُ الموحدين من أهل هذه الدولة المباركة, وغني عن التنويه أن ليسَ من الجهاد في شيء إرهابُ المسلمين ولا المعاهدين, إنما ذلك من ضلال الغلاة, فضاع بعض قومي بين حريقِ الغلاة وجليدِ القَعَدة!

لقد قامت هذه الأسرة المباركة بدين الله, بالدعوة إلى دين الرسول الصافي النقي, الخالي من لَوَثِ المحدثات وَدَنَسِ الشهوات. ألم يدعوا الناس إلى دين الله في أقصى الأرض وأدناها؟! بلْه بلادهم وديار رعيتهم, ألم يُنشؤوا المراكز الإسلامية وينشروا الكتب السلفية ويكفلوا الدعاة إلى الله في أركان المعمورة؟! ألم يستجبْ لهم الفئامُ من البشر؟! أليس لهم _ بعد الله _ فضلُ حملِ رسالة الدين الصحيح في زمان طمّت فيه البدعُ أركانَ الدول المنتسبة للإسلام؟! أليست الأشعرية والماتُريدية والصوفية القبورية _ فضلًا عن الرافضيّة المشركيّة _ هي السائدة في أكثر مشيخات تلك الدول؟! هل استكثرتم علينا ونحن نَدْرُجُ في مَهد الرسالة ومهبط الوحي أن ننعم بالإسلام الصافي وأخلاقه الطاهره؟!

حدثوني عمن قام بالجهاد الحقيقي من عهد الأصحاب إلى هذا اليوم ليُخرج الناس من ظلمات عبادة الطاغوت إلى عبادة الله وحده, أليسوا هم حَمَلة السلفية؟ حتى وإن انتسب بعض كبار المجاهدين ورؤسائهم إلى سبيل بدعةٍ ظاهرًا, فغالبهم _ إجمالًا _ من العامة في المعتقد, والعامة على الفطرة, والفطرة هي الإسلام الصافي ما لم تَشُبْهُ المحدثات, وكم من منتسبٍ لسبيلٍ مُحدَثٍ هو بريء في الحقيقة من بواقعه! مع عدم اضطراد ذلك بلا شك, خاصة في مسائل بدع العبادة.

إنها السلفية نور ونار: حتى في الحِجَاجِ والجدل والمناظرة, فللسلفيّة السبقُ والظفرُ والغلبةُ, واسألْ مَحَكَّات المناظرات المشهورة, _ كابن تيمية مع البطائحية مثلًا, أو مناظراته لعلماء السوء حين امتحنوه في عقيدته الواسطية, أو مناظرات تلميذه ابن عبد الهادي مع السبكي في الصارم المنكي, إلى كثير من مناظرات أئمة الدعوة مع خصومها.. _ فالمُنَاظرُ السلفي غير يحتاج لتمحّل ولا اعتذار, إذ يكفيه بيان الحق كما هو, ثم هو ينساب بلطف الله في خلجات النفوس التّواقة للهدى والحق. ثم تأمّل الحركات الإصلاحية على اختلاف مشاربها, ترى أن الوقود المحرّك لها هو يقينها بمركزيّة الوحي وسلامة طريقته, وهل هذا إلا محض السلفية!

ودفعًا لعادِيةِ من يصول بهُجْرِهِ: إنك تتكلم عن السلفية كأنما حصرْتَ الإسلام فيها, وأخرجْتَ مَنْ عَداها من الدين! أقولُ: إنّ كل ما يقال عن الإسلام فإنه يقال عن السلفيّة, فأهل القبلة هم من السلفية إجمالًا, فمن شهد الشهادتين وصلّى فله نصيبه من السلفية "الإسلام والإيمان" وعلى قدر تكميله لإسلامه يكون تكميله لسلفيّته, فالمصطلح والمسمّى لا يغيّر من الحقيقة شيئًا, - وإن ادّعاهُ من شاء من منتحلة المسميّات والمباني دون الحقائق المعاني! -
إنما احتاج العلماء أن يفرزوا مَنْ عَظّم أمر التوحيد والاتّباع عمَّن تساهل من المسلمين فقالوا: إن من سلم معتقدُه وكان صاحب سنة فهو سلفي, بمعنى أنه مسلم مستمسك بالإسلام وبخاصة في الأصول. وبهذا مايزُوا السنّي عن المبتدع, وإن كانت البدع ليست على دَرَكٍ واحد, ففيها البدعُ المسلكيّة, وفيها البدع المخرجة عن ملّة المسلمين.

 إن الإسلام هو السلفية, بمعنى أن من أراده غضًّا طريًّا كما أُنزل؛ فليتديّن لله بها, فهي الإسلام العريق العتيق التليد. وعلى قدر قُرْب المرء من السلفية يكون قربه من الإسلام, ولا يعني هذا كفر مخالفيها, ولكنهم ليسوا بأنقياء كنقاء من دخل في السلم كافّة! فالسلفية نقاء معتقد, وصفاء تصوّر, وحسنُ أخلاق, وشمولية رسالة.

نقاء معتقد: لم يتلوّث بخرافات أممِ الأوثانِ, وأساطير الكهان, ومسالك الطُّرُقيّة, وقرمطات الباطنية, وسفسطات الفلاسفة وأفراخهم من المعتزلة وأهل الكلام, وجحود ملاحدة الزمان, كما قد سلمت صدورهم على أمّتهم وبخاصة آل الرسول ومنهم أزواجه وصحابته الكرام صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم.

صفاء تصوّر: وانسجام بين الطارف والتليد, وبين الدنيا والآخرة, وبين الجسد والروح, وبين الواقع والمأمول. تصوُّرٌ صاغَهُ الوحي الإلهي الذي من اتبّعه فمعه الهدى بحذافيره, تصوّرٌ لم تفسده حياةُ العربدة الغربية والشرقية, ولم يُبهر أهله تقدّم مصانعهم على المسلمين في التقنية والبطش الحديدي, ولم تغبّش علمهم تيارات الفكر الطيني الحاكي طفولة عقول البشر, ولا صيحات الإلحاد والتناسخ واليوجا, وبهرج السياسات التي وحي الله بمعزل.. وبشّر هذه الأمة بالسَّناء والرِّفعةِ والنَّصر والتمكين.

حسنُ أخلاق: يحبون للناس ما يحبونه لأنفسهم, يودّون لو هدى الله بهم البشر من الضلاله, ونوّر لهم بعد الظلام, في لطف وسماحة ورفق وتيسير وبشر وطلاقة وجه وحسن منطق, ومن خرج عن حسنها فهو المُلام لا هي!

شمولية رسالة: فلها صفةُ الشمول والثبات والتطور, فشاملة إذِ استوعبتِ الدين والدنيا, وثابتةٌ بمبانيها ومبادئها ومسلّماتها وقيمها, متطوّرة مرنةٌ في كل ما خلقه الله للمؤمنين, وامتنَّ به عليهم, وسَخّرَهُ لهم مما في السماوات وما في الأرض, لا يجدون غضاضة في كل ما تقذفه المدنيّة من تسهيلِ عمارة الإنسان أرض الله وخلافته فيها, وإن اتّصفوا بالرويّة عند الحكم على ما استحدُث من تلك المدنيّة لنفوذِ بصيرتهم في المآلات إذ نظر الأغرار للبدايات.

وبعد: فَمِنَ الجميع للجميع: الخطأُ واردٌ, والذنبُ واقعٌ, والتقصيرُ حاصلٌ,  فليس بمعصوم أعلى الهرم ولا أدناه. والواجب: التناصحُ فيما بيننا أهل البيت الواحد, والقبلة الواحدة, وعبيد الرب الواحد, فكلٌّ راعٍ ومسؤولٌ, والمؤمنون نَصَحَةٌ, والمنافقون غَشَشَةٌ, والمؤمن توّابٌ أوّاب, وكل مؤمنٍ لا يخلو من خير, وكل قلبٍ له مفتاح, فَقَمِنٌ بمن وفّقَه الله للرفق والإخلاص والاتّباع؛ أن يُكتب له النُّجْح, "بسم الله الرحمن الرحيم: والعصر . إن الإنسان لفي خسر . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر".

إبراهيم الدميجي

16/ 11/ 1434

aldumaiji@gmail.com

aldumaiji@


الجمعة، 20 سبتمبر، 2013

حرفان رقيقان لابن حزم الأندلسي

حرفان رقيقان لابن حزم الأندلسي
ثلاثة من علماء الإسلام, وهبهم الله تعالى حدّة نباهة, وفرط ذكاء, وسيولة ذهن ليست لغيرهم, واستيعاب لنهايات فنونٍ يحتاج واحدها لعمر ثلاثة من لداتهم لاستيعاب ما استوعبه واحدهم في ذلك الفن! فهم من أذكياء العالم بلا نزاع, هم أبو محمد ابن حزم, وأبو حامد الغزالي, وأبو العباس ابن تيمية.
 فإذا أبحر المرء راكبًا متنَ كتابٍ أو رسالةٍ خطَّها يراعُ أحدهم فإنه لا يملك نفسه أن تقول: سبحان موزّع المواهب وواهب الألطاف, ويكأنَّ أحدهم لا يحسن إلا ذلك الفن الذي كتب فيه لعميق غوصه في لُجّته.. وإن كان التوفيق للصواب والهداية للحق لم تكن بينهم بالتساوي, فقد بزّهم أحمد بن تيمية بموافقته الحق في المعتقد وتوفيقه للصواب في الاتّباع ما ليس لصاحبيه "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم"
ولست بصدد المقارنة, إنّما رأيته مدخلَا صالحًا للوقوف على ساحل ذلك العَلَم الشامخ, أعني به ابن حزم القرطبي الأندلسي رحمه الله. فهذا الرجل نادرة فاذّة, وله صولات في العلوم وجولات في الفهوم رقمت بعضها يمينُه في الكواغدِ والقراطيس. وهذا العملاق _كغيره_ له وعليه, فهو يغترف من بحره الذي لا تكدّره الدلاء, ولو وُفِّقَ لعالم سنّةٍ يأخذ بيده بلطف ويوقفه على منهاج السلف في المعتقد وبخاصة في صفات الله جلّ وتقدّس, وفي التفقّه في العلميات والعمليات لكان له شأن آخر, ولسلم من شوائب المحدثات, وزَغَلِ التناقضات, ولَدَدِ شناعة الخصومات, ولكن للحكيم الخبير سبحانه حِكَمٌ تتضاءل عن معرفتها العقول مهما أُعطيت من سعة وحدّة! "لا يُسئل عما يفعل وهم يسئلون"
موضوع وقفتنا مع رسالة نادرة لهذا الفحل المهيب.. لا, بل الأديب الرقيق, صاحب طوق الحمامة الذي كان سبقًا لرواد الرومانسية الغربية, إذ سبقهم في تفصيل حقيقة العشق ولواعج الشوق وأحواله, بأسلوب أدبي رائق متانة وجزالة وجودة سبك, مع سلاسة ورونق وسهولة مأخذ, وهذه الثنائية لا تتأتّى لكل أحد, خاصة من تحفّظوا عن ذيّاك السبيل اللطيف, بذريعة إجلال الفقه!
وأكثرُ من ارتقى قُلَلَ الشاعرية, أو أبحر في مسالك العشاق, قد مرّت به مواقف حبٍّ عاصفة, جارفة فؤاده لمجهول غيبٍ, وجموح خيال, غالبًا في ميعةِ صبا.. تنتهي بأَخَرِةٍ إلى مأساةٍ يكون قتيلُها فؤادٌ بمُديةِ الجَوى الذبيح!
وكذلك كان صاحبنا أبو محمد, فقد تزوّج معشوقته "نعما" في سن مبكرة، وكانت كما يقول: أمنيةَ المتمنّي, وغايةَ الحسن خَلْقًا وخُلُقًا, وكان هو أبا عذرها! فماتت بين يديه في ريعان الهوى وفتوّة الصبابة! لذا فقد فقدها فاجعًا لم تُطقه نفسه المرهفة الحالمة التي طُردَتْ من تلك الجنة بلا سبق إنذار!
 فلبث بعدها سبعة أشهر دون أن يغتسل من الكآبة والإحباط والبكاء، وع أنه كان جامد الدمع بسبب كثرة أكلِه الكندر لمداواة خفقان قلبه، ولم ينس ذلك العاشق الوفي ذكراها حتى لحقها.
صاحبنا علّامةٌ في مدرسة التحليل النفسي _العفيف_ بل قد يكون رائده المرتّب له بإطلاق, وإن كان أقدم كتاب وصلنا هو حوار المأدبة لأفلاطون, وفيه مادة صالحة لتحليل الحب, ولكن ليست على نسق ولا ترتيب بل ولا عمق طوق الحمامة لأبي محمد. وقد تكلم المسعودي قبله في المروج حول شيء من ذلك كذلك ما جاء في الزهرة, لكن ليس على نمط ذلك اللوذعي الأحوذي.
اشتهر ابن حزم بقدرته على الغوص في أعماق الضمير الباطن, وردّ الغرائز الكامنة لأصولها, وبخاصة ما يتعلّق بالنساء! ومن أسباب ذلك غيرةٌ شديدةٌ طُبع عليها, مع عيشه في صباه في مجمع نساء علّمنه ووثقن به, قال: فلم أزل باحثاً عن أخبارهن, كاشفاً عن أسرارهن، وكن قد أَنِسْنَ منّي بكتمانٍ، فكُنَّ يطلعنني على غوامض أمورهن. ولولا أن أكون منبّهًا على عوارت يُستعاذ بالله منها لأوردت من تنبّههن في الشر ومكرهن فيه عجائب تذهل الألباب! وإني لأعرف هذا وأتيقّنه، ومع هذا يعلم الله - وكفى به عليماً - أني بريء الساحة، سليم الأديم، صحيح البشرة، نقي الحجزة، وإني أقسم بالله أجل الأقسام: أني ما حللت مئزري على فرج حرام قط، ولا يحاسبني ربي بكبيرة الزنا مذ عقلت إلى يومي هذا، والله المحمود على ذلك، والمشكور فيما مضى، والمستعصم فيما بقي.
الحرف الأول من تحليله النافذ؛ قال: والصالحان من الرجال والنساء كالنار الكامنة في الرماد, لا تحرق من جاورها إلا بأن تُحَرَّك، والفاسقان كالنار المشتعلة تحرق كل شيء!
   وشيء أصفه لك تراه عيانًا: وهو أني ما رأيت قط امرأة في مكان تحسّ أن رجلاً يراها أو يسمع حسّها؛ إلا وأحدثت حركة فاضلة كانت بمعزل، وأتت بكلام زائد كانت عنه في غُنية، مخالفين لكلامها وحركتها قبل ذلك؛ ورأيتَ التَهمّم لمخارج لفظها وهيئة تقلبها لائحًا فيها ظاهرًا عليها لا خفاء به! والرجال كذلك إذا أحسوا بالنساء! وأما إظهار الزينة وترتيب المشي وإيقاع المزح عند خطور المرأة بالرجل, واجتياز الرجل بالمرأة, فهذا أشهر من الشمس في كل مكان, والله عز وجل يقول: "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم" وقال تقدست أسماؤه: "ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن" فلولا علمُ الله عز وجل بدقّة إغماضهن في السعي لإيصال حبهن إلى القلوب، ولطف كيدهن في التحيّل لاستجلاب الهوى؛ لما كشف الله عن هذا المعنى البعيد الغامض الذي ليس وراءه مرمى، وهذا حدُّ التعرّض فكيف بما دونه؟!
الحرف الثاني يكشف فيه معنًى شديدَ الغرابة, ولعلّه يكشف علّة أعيتْ خبراء النفس في اجتماع النُّفرةِ والحبّ الشديدين في نفسٍ واحدة لنفس أخرى! قال رحمه الله:
والأضداد أنداد، والأشياء إذا أفرطتْ في غاياتِ تَضَادِّهَا، ووقفتْ في انتهاء حدود اختلافها؛ تشابهت! قدرةٌ من الله عز وجل تضل فيها الأوهام. فهذا الثلج إذا أُدمن حبسه في اليد فَعَل فِعْل النار، ونجد الفرح إذا أفرط قتل، والغمّ إذا أفرط قتل، والضحك إذا كثر واشتدّ أسال الدمع من العينين. وهذا في العالم كثير، فنجد المحبَّيْن إذا تكافَيا في المحبة, وتأكدت بينهما تأكّداً شديداً؛ كَثُرَ تهاجرهما بغير معنى! وتضادّهما في القول تعمُّدًا، وخروج بعضهما على بعض في كل يسير من الأمور، وتتبّع كل منهما لفظةً تقع من صاحبه وتأوّلها على غير معناها! كل هذه تجربة ليبدو ما يعتقده كل واحد منهما في صاحبه.
والفرق بين هذا وبين حقيقة الهجرة والمضادة المتولدة عن الشحناء ومحاربة التشاجر؛ سرعةُ الرضى، فإنك بينما ترى المحبَّين قد بلغا الغاية من الاختلاف الذي لا تُقَدِّرُه يصلح عند الساكنِ النفس السالم من الأحقاد في الزمن الطويل، ولا ينجبر عند الحقود أبداً، فلا تلبث أن تراهما قد عادا إلى أجمل الصحبة، وأهدرت المعاتبة، وسقط الخلاف، وانصرفا في ذلك الحين بعينه إلى المضاحكة والمداعبة! هكذا في الوقت الواحد مرارًا!
وإذا رأيت هذا من اثنين فلا يخالجنّك شكّ ولا يدخلنك ريب البتة ولا تتمار في أن بينهما سرًّا من الحب دفينًا، واقطع فيه قطْعَ من لا يصرفه عنه صارف. ودُونَكَهَا تجربة صحيحة وخبرة صادقة. هذا لا يكون إلا عن تكافٍ في المودة وائتلافٍ صحيح، وقد رأيته كثيراً.
فاصلة: يُزيّنون الخنا بقولهم: فلان قلبه أخضر, أو خَضَر! قل: فلان في قلبه مرض, أو مفتون, ولا تقل: قلبه خَضَر! وفي التنزيل: "فيطمع الذي في قلبه مرض" أي شهوة بلا إيمان رادع. وكم من خطيئة زُيّن لفظُها عن قُبح معناها!
إبراهيم الدميجي
14/ 11/ 1434
@aldumaiji

الذكر الذكر يا أمة الذكر!


الذكر الذكر يا أمة الذكر.
روى الإمام مسلمٌ في صحيحه عن أبي وائل شقيق بن سلمة الأسدي قال: "غَدَوْنا عَلَى عَبدِ الله بن مَسْعود رضي الله عنه يَوْماً بَعْدَ مَا صَلَّينَا الغَدَاةَ، فسلّمنا بالباب، فأُذِن لنا، قال: فَمَكَثْنَا بالباب هُنيَّةً, قال: فخرجت الجاريةُ فقالت: أَلاَ تَدْخُلُونَ فدخلنا، فإذا هو جالسٌ يُسبِّح، فقال: ما منعكم أن تدخلوا وقد أُذِن لكم فقلنا: لا، إلاَّ أنَّا ظنَنَّا أنَّ بعضَ أهل البيت نائمٌ، قال: ظَنَنْتُم بآل ابن أمِّ عَبدٍ غَفْلَةً, قال: ثمَّ أَقبل يُسبِّح حتى إذا ظنَّ أنَّ الشمسَ قد طلعت، قال: يا جارية: انظري هل طلعت قال: فنظرت فإذا هي لَم تَطلُع، فأقبل يُسبِّح، حتى إذا ظنَّ أنَّ الشمسَ قد طلعت قال: يا جارية: انظري هل طلعت قال: فنظرت فإذا هي قد طلعت، قال: الحمد لله الذي أقالنا يومنا هذا، ولم يُهلكنا بذنوبنا" (مسلم (1/564)


وقال ابن القيم رحمه الله: حضرتُ شيخَ الإسلام ابنَ تيمية مرَّةً صلّى الفجرَ، ثم جلس يذكرُ اللهَ تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفتَ إليَّ وقال: هذه غدوتِي، ولو لَم أتغذَّ هذا الغِذاءَ سقطت قوَّتِي، أو كلاماً قريباً من هذا". وقال لي مرة : لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر أو كلاما هذا معناه. الوابل الصيب - (1 / 63)


ولقد ثبت في السُّنّة أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دعا اللهَ أن يُبارك لأمَّتِه في بكرة النهار، فعن صخر بن وَداعة الغامديِّ رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللَّهمَّ بارِك لأمَّتِي في بكورِها " وكان إذا بعث سريَّةً أو جيشاً بعثهم أوَّلَ النهار. وكان صخرٌ رضي الله عنه تاجراً، فكان يبعثُ تجارتَه من أوَّلِ النهار، فأثرى وكثُر مالُه. (سنن أبي داود (2606)، وسنن الترمذي (1212)

قلت: هذه بركة في الدنيا فكيف بالبركة في الدين وعمارة القلب بالإيمان والجوارح بالإسلام؟!

 وقد قيل: يومُك مثل جملك إن أمسكتَ أوَّلَه تبِعَك آخرُه. وأعظم الذكر هو تلاوة كلام الله تعالى, ومن جعل شِرّةَ ونفاسة وقته للقرآن رأى البركة في سائر أموره.

 وقد ذكر أهل العلم والدعوة من أمثلة ذلك ما لا يحصيه كتاب, وعلى قدر اشتغاله بالتلاوة والتدبر يكون الأثر المبارك في سائر قوله وعمله ونيّته وأثره في الناس.

قال إبراهيم المقدسي موصيًا من أراد الرحلة لطلب العلم: أكثر من قراءة القرآن ولا تتركه؛ فإنه يتيسر لك الذي تطلبه على قدر ما تقرأ.

الثلاثاء، 17 سبتمبر، 2013

ذات مساء!



ذات مساء!

فعلها بستر ونسيها..
كررها ولم يره بشر،
عمل غيرها دون أن يدري مخلوق،
انتقل من خطيئة لأخرى ولم يتغير من دنياه وستره وعلاقته بالناس شيء ذو بال، ولم يعلم به ذو كبد رطبة!
أذنب وعصى، ذهب وأتى، ولم يشهده مخلوق صالح خلا الأرض التي عصى عليها، والكرام الكاتبين!
مضى قطار عمره مترددًا بينها وبين أشباهها..
اقترب طي صحيفته، وهو في ستر وكَنَف..
فعلها وفعلها وفعلها ولم يره مخلوق، ولم يسمع بخطيئته بشر..
يعصي ويُستر،
يعود فيُمهل،
بغته الأجل دون أن يدري بشر،
طُوي الكتاب، وأُغلق الباب، ونسيه الأهل والأصحاب..
تذكّر حينها كثيرًا من هفواته وسقطاته التي رحل عنها ولم ترحل عنه!
هل تعلم من كان يراك، حين غاب هذا وذاك؟!


"ألم يعلم بأن الله يرى"؟!

فصرنا كالفريسة للكلاب!



فصرنا كالفريسة للكلاب!

هل كان ضرب المدنيين في الغوطة بتنسيق أمريكي صهيوني من أجل ضمان تدمير ترسانته الكيماوية؟
هذا واردٌ جدًا، وقد أحسنوا توزيع الأدوار، فالنظام يقصف ليتقدم شبرًا في معركته اليائسة مع المجاهدين، ثم أمريكا - حامية السلام الصليبي الصهيوني المنافق!- تشجب وتتوعد وتحرك أصطولها لذر الرماد في العيون، وأوباما يمثل دور العازم المصر في بدايته ولكن الكونجرس -بأكثريته الصهيونية - يمانع، ثم تتدخل روسيا لدى الأمم المتحدة - على حرب الإسلام وأهله - فيجتمعون ويكتفون بوعد النظام بتدمير سلاحه الكيماوي وبانظمامه لاتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية، حتى لا تقع بأيدي المجاهدين، فلا يوجهون ذلك - الفليت- على الذباب اليهودي!
والحمد لله على كل حال، وعسى أن "تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا" ومن أعظم ثمار ذلك المكر؛ تعلق المجاهدين التام بالله سبحانه دون سواه، وتفويض أمورهم إليه وحده دون خلقه، واجتماع يدهم على من سواهم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون"

وتأمل: "وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليمًا قديرًا"

إبراهيم الدميجي

الاثنين، 16 سبتمبر، 2013

من فضائل أُمَّة الإسلام

من فضائل أُمَّة الإسلام
   الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيد ولد آدم أجمعين, أما بعد:
   فهذه الأمة هي أكرم الأمم على ربها عز وجل, ولها من الفضائل والكرامات ما ليس لغيرها من أبناء آدم عليه السلام, وهو فضل جملةٍ لا تعيين.
    ومن ذلك: كمال شريعتهم وتمامها وجمعها للمحاسن. قال شيخ الإسلام في وصف الشريعة التي جاء بها نبينا صلوات الله وسلامه وبركاته عليه: «وهو في كل وقت يظهر على يديه من عجائب الآيات وفنون الكرامات ما يطول وصفه، ويخبرهم بخبر ما كان وما يكون، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويشرّع الشريعة شيئًا بعد شيء، حتى أكمل الله دينه الذي بُعث به، وجاءت شريعته أكمل شريعة، لم يبق معروف تعرفه العقول أنه معروف إلا أمر به، ولا منكر تعرف العقول أنه منكر إلا نهى عنه، لم يأمر بشيء فقيل: ليته لم يأمر به، ولم ينه عن شيء فقيل: ليته لم ينه عنه، وأحل الطيبات ولم يحرّم شيئًا منها كما حُرّم في شرع غيره، وحرّم الخبائث ولم يحل شيئًا منها كما استحله غيره، وجمع محاسن ما عليه الأمم، فلا يُذكر في التوراة والإنجيل والزبور نوع من الخبر عن الله وعن ملائكته وعن اليوم الآخر، إلا وقد جاء به على أكمل وجه، وأخبر بأشياء ليست في الكتب، فليس في الكتب إيجاب لعدل وقضاء بفضل وندب إلى الفضائل وترغيب في الحسنات إلا وقد جاء به وبما هو أحسن منه.
   وإذا نظر اللبيب في العبادات التي شرعها، وعبادات غيره من الأمم؛ ظهر فضلها ورجحانها، وكذلك في الحدود والأحكام وسائر الشرائع» الجواب الصحيح (5/ 441)
    ودينه (الإسلام) محفوظ بكل تفاصيله بحفظ الله تعالى له، وقد تعرض لهجمات من شتى الأمم لم يتعرض لها دين أهل الكتاب ولا غيرهم، فشنّوا عليه هجمات عسكرية واقتصادية وفكرية وأخلاقية وعقدية على جميع محاور الغزو التي لا يستطيع البشر ــ مهما كانت إمكاناتهم ــ التصدي لها والحفاظ على دينهم من التبديل والضياع, لولا تولّي الله تعالى حفظه والعناية به، فهو الدين الذي بقي رغم تتابع القرون، وتغير الأحوال، وتوارد الأهوال شامخًا ظاهرًا شاهدًا على الأمم، قارعًا لنواميسهم وعقولهم وقلوبهم، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: «والله ليتمن الله هذا الأمر" وقال فيما رواه أحمد وصحّحه الألباني: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر» وقد قال تعالى: "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد"[غافر: 51].
    فهم _بحمد الله_ ظاهرون على غيرهم بالحجة والبيان وبالسيف والسنان، ولا تزال لهم بقية يفيئون إليها، يحفظ الله بها دينه، وإن تنقلوا من مكان لآخر كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة» متفق عليه، فنسأل الله أن يجعلنا منهم وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هداها.
   وذكر ابن كثير بسنده أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يثبت لهم العدو فُواقَ ناقة عند اللقاء، فقال هرقل وهو على أنطاكية لما قدمت الروم منهزمة: ويلكم! أخبروني عن هؤلاء الذين يقاتلونكم؟ أليسوا بشرًا مثلكم؟ قالوا: بلى. قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: نحن أكثر منهم أضعافًا في كل موطن. قال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونظلم، ونفسد في الأرض. قال: أنت صدقتني.
    وقال شيخ الإسلام رحمه الله: «وأمته أكمل الأمم في كل فضيلة، فإذا قيس علمهم بعلم سائر الأمم ظهر فضل علمهم، وإن قيس دينهم وعباداتهم وطاعتهم لله بغيرهم؛ ظهر أنهم أدين من غيرهم، وإذا قيست شجاعتهم وجهادهم في سبيل الله، وصبرهم على المكاره في ذات الله؛ ظهر أنهم أعظم جهادًا وأشجع قلوبًا، وإذا قيس سخاؤهم وبذلهم وسماحة نفوسهم بغيرهم؛ تبين أنهم أسخى وأكرم من غيرهم، وهذه الفضائل بنبيهم  صلى الله عليه وسلم نالوها ومنه تعلّموها، وهو الذي أمرهم بها، لم يكونوا قبله متبعين لكتاب جاء هو بتكميله كما جاء المسيح بتكميل التوراة، فكانت فضائل أتباع المسيح عليه السلام وعلومهم بعضها من التوراة، وبعضها من الزبور _ قلت: وهو كتاب داود عليه السلام ويسمى في العهد القديم (المزامير) وإن كان كثير منها مكذوبًا عليه_، وبعضها من النبوات_ قلت: كالأسفار المنسوبة لسائر الأنبياء في العهد القديم، أما التوراة فهي الأسفار الخمسة الأولى المنسوبة إلى موسى عليه السلام وقد دخلها تحريف وتبديل كبيرين _، وبعضها من المسيح _قلت: كما ينسب إليه في الأناجيل الأربعة الأولى من العهد الجديد ومن غيرها كإنجيل برنابا وتوما ويهوذا ومريم وغيرها _ وبعضها ممن بعده كالحواريين _قلت: كسفر أعمال الرسل ورسائل بولس علمًا بأن بولس ليس من الحواريين _ ويعقوب وبطرس ويوحنا ويهوذا، وقد استعانوا بكلام الفلاسفة وغيرهم _قلت: كما هو ظاهر في إنجيل يوحنا ورسائل بولس وغيرها خاصة في شروح الكتاب المقدس_ حتى أدخلوا لما غيّروا دين المسيح في دين المسيح أمورًا من أمور الكفار المناقضة لدين المسيح عليه السلام _قلت: كتأليه المسيح وغيره، والتثليث، وتحليل الخمر والخنزير، وإبطال الختان، وإبطال الناموس وغير ذلك _.
   وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يكونوا قبله يقرؤون كتابًا، بل عامتهم ما آمنوا بموسى وعيسى وداود والتوراة والإنجيل والزبور إلا من جهته، فهو الذي أمرهم أن يؤمنوا بجميع الأنبياء ويقرّوا بجميع الكتب المنزلة من عند الله، ونهاهم أن يفرقوا بين أحد من الرسل، فقال تعالى في الكتاب الذي جاء به: "قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" [البقرة : 136 ، 137]
    وأمته لا يستحلون أن يأخذوا شيئًا من الدين من غير ما جاء به، ولا يبتدعون بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، فلا يشرعون في الدين ما لم يأذن به الله.
    فكل علم نافع وعمل صالح عليه أمة محمد صلى الله عليه وسلم أخذوه عن نبيهم مع ما يظهر لكل عاقل أن أمته أكمل الأمم في جميع الفضائل العلمية والعملية، ومعلوم أن كل كمال في الفرع المتعلم هو من الأصل المعلم. وهذا يقتضي أنه كان أكمل الناس علمًا ودينًا، وهذه الأمور توجب العلم الضروري بأنه كان صادقًا في قوله: "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" [الأعراف : 158] الجواب الصحيح (5/ 428- 441)، وانظر: (6/ 1ــ 46).
    قلت: حتى صار حملة هذا الدين القويم نبراسًا منيرًا للبشرية في الخير والهدى. قال المستشرق بودلي: «كان المسلمون كالغيث يخصب المكان الذي يسقيه، وإن عصر الإحياء في أوروبا ليرجع إلى أحفاد صحابة محمد الذين حملوا مشعل الثقافة».
    هذا, وكل نقص مادي ومعنوي في المسلمين ــ وقد ظهر جليًا في هذا الزمن المتأخر ــ فسببه بُعد المسلمين عن علوم وأعمال دينهم الأصلية، فظهورهم وعزهم ونصرهم مرتبط طردًا وعكسًا بمسافتهم من هذا الدين الخاتم القويم.
    وقال تقي الدين رحمه الله: «والمسلمون وسط بين اليهود والنصارى، فمن تدبر حال اليهود والنصارى مع المسلمين وجد اليهود والنصارى متقابلين، هؤلاء في طرف ضلال، وهؤلاء في طرف يقابله، والمسلمون هم الوسط.
    وذلك في التوحيد والأنبياء والشرائع والحلال والحرام والأخلاق وغير ذلك، فاليهود يشبّهون الخالق بالمخلوق في صفات النقص المختصة بالمخلوق التي يجب تنزيه الرب سبحانه عنها كقول من قال منهم: إنه فقير وبخيل وتعب لما خلق السماوات والأرض، والنصارى يشبّهون المخلوق بالخالق في صفات الكمال المختصة بالخالق التي ليس له فيها مثل، كقولهم: إن المسيح هو الله، أو ابن الله، وكل من القولين يستلزم الآخر، والنصارى أيضًا يصفون اللاهوت بصفات النقص التي يجب تنزيه الرب عنها، ويسبون الله سبًا ما سبه أحد من البشر. _قلت: ويكفي في ذلك وصفهم لله باتـخاذ الصاحبة والولد، وبعضهم يذكر أمورًا لا تذكر لإيغالها في البشاعة والشناعة_.
    واليهود تزعم أن الله يمتنع منه أن ينسخ ما شرعه، والنصارى يجوزون لأكابرهم أن ينسخوا شرع الله.
   أما المسلمون فوصفوا الرب بما يستحقه من صفات الكمال ونزهوه عن النقص، وأن يكون له مثل، فوصفوه بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، مع علمهم أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصر فلا شيء مثله لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وهو ينسخ ما نسخ من شرعه وفق حكمته، وليس لغيره أن ينسخ شرعه.
   واليهود بالغوا في اجتناب النجاسات وتحريم الطيبات، والنصارى استحلوا الخبائث وملابسة النجاسات، والمسلمون أحل الله لهم الطيبات خلافًا لليهود، وحرم عليهم الخبائث خلافًا للنصارى.
    واليهود إذا حاضت المرأة عندهم لا يؤاكلونها ولا يشاربونها ولا يقعدون معها في بيت واحد، والنصارى يستحلون وطئها وهي حائض. والمسلمون يرون طهارة جسدها ويحرمون الوطء فقط.
   قلت: ذكر الدكتور رؤوف حبيب يمتدح القديس أنطونيوس ويعدد مناقبه: «لم يغتسل طوال حياته الرهبانية أبدًا، كما لم يدهن جسده بالزيت...» تاريخ الرهبنة والديرية (ص39).
   وقال الأستاذ ساجد مير: «ظل ملوك أوروبا الكبار وزعماء المسيحية العظماء قرونًا طويلة لا يعرفون أهمية الاغتسال، وكانت القصور الكبيرة بدون حمامات، وحين تعلم العالَمُ المسيحي التحضّر من العرب والمسلمين الإسبان، وبعد النهضة العلمية؛ عرفوا كيف تكون النظافة في المدن والمساكن والبيوت وكيف تُطهّر الأجساد وتزيّن، وإلا فكانوا قبل ذلك يعدّون النظافة ضد التدين وحب الإله!، وكان مما يشتهر بين بعض الطبقات: أن لا يغسل الإنسان وجهه ولا يديه أبدًا!» المسيحية (ص322، 323).
   وقال الطبيب الفرنسي علي بنوا: «مما أبعدني عن الكاثوليكية؛ التغافل التام عن النظافة قبل الصلاة!» موسوعة مقدمات العلوم والمناهج، أنور الجندي (8/ 172).
   وقال الدكتور حسان شمسي باشا: «إن الكاثوليك كانوا يعتقدون أن ماء المعمودية الذي يغتسلون به عند ولادتهم يغنيهم عن الاغتسال طوال الحياة!» هكذا كانوا يوم كنا، د. حسان شمسي باشا (ص92)
   ثم تابع شيخ الإسلام قوله: والنصارى لهم عبادات وأخلاق بلا علم ولا معرفة، واليهود لهم علم ومعرفة بلا عبادات ولا أخلاق حسنة، والمسلمون جمعوا بين العلم النافع والعمل الصالح.
واليهود قتلوا النبيين، والنصارى اتـخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم. والمسلمون اعتدلوا فآمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولم يفرقوا بين أحد من رسله فلم يكذبوا الأنبياء، ولا سبّوهم، ولا غلوا فيهم، ولا عبدوهم، فهم يعتقدونهم عبيد لله فلا يعبدون، ورسل لله فيجلّون ويتبعون» الجواب الصحيح (1/ 59ــ 71، 2/ 133ــ 136، 3/ 100ــ 125).
   وهذه الأمة المحمدية هي أفضل الأمم وأكرمها على الله، وثلثي أهل الجنة منها، وهي أول الأمم دخولاً الجنة، وتضاعف لأهلها الحسنات أكثر مما تضاعف للأمم الأخرى، وخصائصها كثيرة. وينظر لتفصيل فضائلها: حادي الأرواح لابن القيم رحمه الله.
وفي المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ وتأمل احتفاءه بالمسيح ــ: «الأنبياء إخوة لعلّات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجلاً مربوعًا إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصّران _أي مصبوغان بالصفرة _كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، وتقع الأمنة على الأرض، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون» رواه أحمد (2/ 406)، أبو داود (4/ 499)  وصححه الألباني في الصحيحة: (5 / 214)
   وفي أحاديث آخر الزمان: أن الملاحم الكبار بين أهل الإسلام ومخالفيهم ستكون أولاً بين المسلمين والصليبيين على عدو من خلفهم، فيُنصرون، ثم يغدر الصليبيون بالمسلمين، فيقتتلون في مرج دابق (في شمال سوريا بين حلب وأنطاكية) فينتصر المسلمون، ثم يخرج الدجال الأعور فيكون أول خروجه من جزيرة في البحر، ثم يذهب للمشرق فيتبعه من أهل خراسان أقوام وجوههم كالمجان المطرقة، ويتبعه من يهود أصبهان (في إيران حاليًا ويهودها كُثُر) سبعون ألفًا، ثم يدخل جزيرة العرب من شمالها بين العراق والشام، ويفتن الناس، ويطأ كل قرية ومدينة إلا مكة والمدينة، ثم ينزل المسيح ابن مريم عليه السلام من السماء بين ملكين على المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيقود المسلمين لقتال يهود، ويذهبون للقدس ويتحصنون بها، ويحاصرهم اليهود بقيادة ملكهم الدجال، فيأمر المسيح ابن مريم بفتح الأبواب، فإذا رآه الدجال هرب وانماع كالملح في الماء لكن المسيح عليه السلام يدركه عند قرية (باب لد) في فلسطين فيقتله بحربته ويري المسلمين دمه، ثم تكون القتلة في اليهود، ويعمّ الإسلام الأرض بقيادة المسيح ابن مريم عليه السلام فيحكم بالقرآن ويبطل سائر الأديان. (وانظر: عقيدة اليهود في الوعد بفلسطين، محمد آل عمر، الباب الثالث، وملاحم آخر الزمان، د. ياسر الأحمدي)
   هذا, والكاثوليك والأرثوذكس يحيلون ملاحم العهد القديم على الماضي ويجعلون عودة المسيح للحساب لا للقتال، أما غالب البروتستانت _ ومنهم رؤساء أمريكا وقادتها من الإنجيليين_ فمع اليهود الفرّيسيين فيرون أنها ستكون في المستقبل. والحق: أن ما صحّ منها فبعضه قد وقع, وبعضه سيقع في آخر الزمان, لكن ليس على تفسيراتهم وتـخرّصاتهم, وقد صحّ من السنّة شيء كثير من ذلك, والله المستعان, وعليه التكلان, ولا حول ولا قوة إلا بالله, وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين
إبراهيم الدميجي

10/11/1434
من أسباب عمارة القلب بالإيمان وبالثقة برب العالمين:

 طولُ القنوت والعبادة, وإنك لتعجب من حال بعض الدعاة إذا رأيته قد أنفق من عمره سنين عددًا, ثم ترى حظَّه من قيام الليل ثلاث ركعات, أما التهجد فلا وجود له إلا في رمضان! ثم تراه يشتكي قسوة قلبه وضعف إرادته وصعوبة كبح نفسه التي لا زالت مراوحة بين الأمارة واللوامة, أما المطمئنة فلا يحس لها بساكن!
أين طول القيام حتى يراوح بين قدميه, ويلتذ بصفهما لربه في جوف الليل الأوسط والآخر؟!

 أين ترديد الآي أثناء التهجد والتدبر فيها والتفكر في مراميها والتسبيح عندها والتحميد والاستغفار والتأثر.. والحياة بها؟!

 أين طول السجود والبكاء والضراعة والانكسار, وذوق اللحظات اللذيذة لروحه التي هي كما قيل: من أمتع لذائذ الأنفس في هذا الوجود؟!
وكما قال الإمام أحمد متأوهًا لمن نام عن تهجده من تلاميذه: يا عجبًا لطالب علم لا يقوم الليل! فنقول كذلك: يا عجبًا لداعية لا يقومه!

 ثم أين الصدقة العظيمة الخفيّة التي يحس بانفساح صدره لها, وقد أخذها من حِلّها وأنفقها في مرضاة ربه حتى لا تعلم شماله ما أنفقته يمينه؟!

ثم أين صيام الهواجر, ومكابدة الجوع والظمأ للشكور سبحانه في يوم بعيدِ ما بين الطرفين, شديد حرّه حتى  تذوب شهوة النفس في ذيّاك الأصيل من آصال الملك العلّام؟!

 كذلك أين الذكر الطويل المأثور المتدبر في الأوقات الفاضلة بقلب حاضر منتبه لما يجري على لسانه من ذكر ربه بديمومة عمريّة تكون لروحه وجبة غذائية لا غنى لها عنها مهما اختلجت مشاغله واشتبكت قواطعه.

إبراهيم الدميجي

الذنوب جراحات ورب جرح وقع في مقتل!

الذنوب جراحات ورب جرح وقع في مقتل!

إزالة وَضَرِ الخطيئة وأثرِ العصيان يحتاج لوقت طويل وليس كما يُظن أن التوبة تعيد القلب كما كان، فالقلب وهو وعاء الإيمان قد خُدش أو طُعن بحسب نوع وقدر الخطيئة، فبعض الخطايا يحتاج ترميم إيمان القلب بعدها لزمن طويل..

ومعنى التوبة تجب ما قبلها: أي يمحى الإثم من الصحيفة، ولكن هذا لا يعني بقاء القساوة والظلمة في القلب وقتًا قد يمتد العمر كله..
 فاحذر الخطيئة مهما صغرت، وسارع للإقلاع عنها قبل أن تطول جذورها في قلبك، فكلما طالت جذورها صعب اقتلاعها بالتوبة أولًا، ثم صعب التخلص من آثارها السيئة آخرًا حتى بعد رحيلها.

وقد يوفق العبد لتوبة خاصة عظيمة تبني القلب بناءً كليًا جديدًا كأنه لم يقارف معصية قط! كحال كثير من الصحابة وعظيم إيمانهم الذي لن يلحق به من بعدهم، وكتوفيق الله لبعض التائبين الذين حفر الندم في قلوبهم أخاديد عميقة، وأجرى من عيونهم جداول غزيرة.. وهم يتمنّون بصدق لعظيم ندمهم أنهم لم يخلقوا حتى لا يزلّوا تلك الزلة التي كوت قلوبهم وأحرقت وجوههم حياء من ذي الجلال والإكرام سبحانه، ولكن من يوفق لمثل هذا؟!

إبراهيم الدميجي

الجمعة، 6 سبتمبر، 2013

لولا الابتلاء لارتبنا الطريق!

لولا الابتلاء لارتبنا الطريق!
الحمد لله وبعد:
فعلى قدر إيمانك ويقينك بالقرآن يكون انتفاعك به, وعلى قدر تسليمك وانقيادك لهداياته يكون فلاحك في الدارين. ذلك أن القرآن العظيم حق مطلق لا مرية في حرف منه, فحروفه ومعانيه هي من لدن حكيم خبير, قد حَفِظَهُ من تكلّم به, وكَتَبَ أن السلامة والعافية مع من دار مع أمره مهما حَرَنَتِ نفسه, ووقف معه مهما جمحت, "فمن اتّبع هداي فلا يضل ولا يشقى" لا يضل في الدنيا, ولا يشقى في الآخرة.
   في هذا الزمان المتلاطمة أمواج فتنه, أضحى الحليم حيرانًا, والشجاع جبانًا, والعليم جاهلًا.. إلا من رحم ربي, لقد كان لزامًا على كل حازمٍ مراجعة سجلات عمره, ومنهج حياته فالفرصة يتيمة, والمهلة لا تحتمل العَوْد والرُّجعى!
   لقد خلقنا الله ليبتلينا ويبتلي بنا, "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا" فالأمر حاسم جدًّا كما قال سبحانه: "ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم" إذن فالمسألة مسألة فتنة وابتلاء, فحقيقة الابتلاء هي الفتنة التي تبلو حقيقة معدن المرء أَمِنْ ذهب قلبُهُ فيفلح, أم من نحاس فيخسر نفسه؟!
   يا صاحبي! الأمرُ أقرب مما نتصوّر, وخَطْبُ نفوسنا أجلُّ من أن يوصف, والعلاج كلّه بين أيدينا فهل من معتبرٍ مِدَّكِرٍ!
    لقد وصف الله تعالى كتابه الكريم بالشفاء والهدى والبيان والرحمة, فهو الشفاء التام لكل الأدواء, وبخاصة ما كان متعلقًا بالأرواح والأفكار والتصوّرات, فضلًا عن الأجساد "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربّكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين"
   هَهُنَا أحدى عشرة آية من صدر سورة العنكبوت, وددت لو أن كل مؤمن يتلوها في هذا الزمان مرارًا, ويكررها ويحفظها ويجعل معانيها نصب عينيه, ويا حبذا ترديدها من لدن الأئمة في الصلوات, ففي القلوب حاجة لمثلها, إذ وصفت الداء كما هو, وعرّت زيف الشبهة والشهوة, وأقامت عمود الضياء الهادي من الضلالة العاصم من الغواية, حتى عاد الأمر جليًّا واضحًا لا تحجبة سوى أهوية النفوس الخاسرة!
دعونا يا محبين نقف قليلًا مع شيء من هداياتها:
قال سبحانه: "ألم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون" فمن آمن فلا بد له من الفتنةِ حتى يُثبِتَ صدقُه, لذا فلا بد له من علمٍ بالحق يدفع به عن قلبه الشبهات, وإيمانٍ راسخ يذودُ عنه معاصي الشهوات, لذلك أَتْبَعَ سبحانه ذلك بقوله: "ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين" أي يظهر علمُه في عالم الشهادة, وإلا فهو علّام الغيوب. "أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون" أي لن يفوتونا.
 "من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم" الله أكبر! فيا أيها المحب: هذا ربك قد قطع لك الوعد, فتزيّن له بالصالحات تلقه راضيًا "ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغنى عن العالمين" فالله ليس في حاجة أحد بل العبد هو المضطر إلى مَدَدِ ربه وقبوله وتوفيقه, ودينُ الله منصور, ولكن السعيد من وُفِّقَ لمعيه أنصاره. قال الحسن: إن الرجل ليجاهد وما ضرب يومًا من الدهر بسيف.
 "والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لنكفّرنّ عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذى كانوا يعملون" أي بأحسن أعمالهم وهي الطاعات, ومنه برّ الوالدين حتى وإن أَمَرَا بأعظم خطيئة! فكيف بالمؤمِنَين؟! فقال سبحانه: "ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون" مع هذا فقد بشّره ووعده بأن يجعله في زمرة المفلحين يوم القيامة, وليس مع والديه المشركَين, فكيف إذا كانا من المؤمنين؟! فقال: "والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين"
ثم ذكر سبحانه حال بعض المخذولين ممن لم يدخل الإيمان بشاشة أفئدتهم, إنما هو الرياء والنفاق فقال سبحانه: "ومن الناس من يقول ءامنا بالله فإذآ أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين" بلى وعزة ربنا, كما قال تعالى: "أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور . وحُصِّلَ ما في الصدور" ففتش قلبك الآن يا صاحبي قبل أن يُحَصَّل ما فيه. ثم ختمها العزيز سبحانه بقوله الجليل: "وليعلمن الله الذين ءامنوا وليعلمن المنافقين" فالفتن العامة والخاصة تفرز الناس لفسطاطين, وفي الحديث الصحيح عند أحمد وغيره: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة".
فاصلة: قال بعض السالفين: لو كانت الدنيا ذهبًا يفنى والآخرة خزفًا يبقى؛ لكان على الحازم العاقل إيثار الخزف الباقي على الذهب الفاني, كيف والدنيا خزفًا يفنى والآخرة ذهبًا يبقى!
إبراهيم الدميجي
30/ 10/ 1434
صحيفة الاقتصادية