إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الجمعة، 28 فبراير، 2014

في أصول لغة العرب.. وهل كان خليل الرحمن عربيًّا؟

في أصول لغة العرب.. وهل كان خليل الرحمن عربيًّا؟

الحمد لله وبعد: فتنقسم اللغة العربية القديمة إلى قسمين: شرقية وهي الأكدية (البابلية والأشورية) وهي لغة عرب ما بين النهرين والهلال الخصيب، وغربية وهي تنقسم إلى قسمين: شمالي (الكنعانية والفينيقية) وهي ممتدة من شمال جزيرة العرب إلى حوض البحر المتوسط، ويتفرع عنها الموءابية والعبرية والآرامية، وجنوبي (عربي شمالي وعربي جنوبي) وهي ممتدة من وسط جزيرة العرب إلى جنوبها مع سواحل أفريقيا الشرقية والحبشة، وتمتد شمالًا حتى تدخل العراق.
وقد يستقيم لنا القول: إن اللغة العربية قد مرت بثلاث مراحل: الأولى هي العربية القديمة كالعاديّة والثموديّة والأكديّة والفينيقية. والمرحلة الثانية: هي العربية المتوسطة كالآشورية والبابلية والكنعانية وما تفرع عنها من عبرية وآرامية وجنوبية. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة العربية الحديثة (الفصحى).
وإيضاحًا لذلك نقول: إن أقدم الحضارات المشهودة على ظهر الأرض هي الحضارة السومرية (ويُعتقد أنهم بقايا قوم نوح عليه السلام الذين نجوا من الطوفان) ويرجح البعض أن أوّل أمرهم كان قبل (6000) من الميلاد، علمًا بأنه لم يبق من الشعوب سوى ذرية نوح عليه السلام، قال تعالى: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ [الصافات: 77]. فنوح  عليه السلام هو أبو البشر الثاني.
ويقال: إن نسل نوح عليه السلام ثلاثة وهم: سام حيث بقي نسله في الهلال الخصيب والشام وجزيرة العرب وشمال إفريقيا، وحام ويُظن أن نسله في جميع إفريقيا ــ خلا شمالها ــ، ويافث وقد انتشر نسله في آسيا وأوربا (مع اختلاط هذه السلالات في كثير من المناطق).
والسومريون يعودون ــ أو غالبهم ــ إلى الشعوب السامية المتفرعة من سام بـن نوح عليه السلام ، وإليهم ترجع أقدم حضارة إنسانية معروفة، وهم أول من شق القنوات الزراعية وأنشأ السدود وصنع بعض الصناعات البدائية، كذلك إليهم تنسب أقدم الكتابات البشرية وهي المسمارية (وهي أنماط منحوتة على الحجر أو الطين أو المعادن) ثم تبعها اختراع الكتابة التصويرية (أي نقش الصور ورسمها لتدوين المراد، كلغة المصريين القدماء) ثم تبعتها الأبجدية الأولى (أي كتابة الأحرف الصوتية اللسانية) على يد الفينيقيين العرب ولا زال معمولًا بها حتى الآن. مع التنبيه إلى تعليم الله تعالى لآدم عليه السلام أسماء كل شيء، وقدرته على الخطاب، فالموضوع في الكتابة وليس النطق.
ثم نشأت على أنقاض الحضارة السومرية الحضارة الأكدية (3000ق.م) بشقيها الآشوري والبابلي، وما تفرع عنها من الكلدانيين (الذين بعث إليهم إبراهيم عليه السلام) كذلك الكنعانيين الساميين الذين فارقوا حضارتهم السومرية إلى جزيرة العرب أولًا, ثم انتقل كثير منهم إلى حوض المتوسط الشرقي والجنوبي وبعض الغربي, وبقي بعضهم في حرّان.
وبالتحليل الجينوغرافي (دراسة السلالات عن طريقة الجينات الوراثية) قامت به الجامعة الأمريكية في بيروت، تبيّن أن 99% من شعوب شرق حوض البحر المتوسط وجنوبه يعودون إلى جين J2 وهو نفس الجين الذي يحمله سكان جزيرة العرب.
ومع هجرة الساميين إلى جزيرة العرب استوطن بعضهم جنوبها الغربي وبنوا حضارات مشهورة، كذلك فقد وصلوا للسواحل الأفريقية وتوغلوا إلى وسط إثيوبيا.
أما الفينيقيون الساميون فإنهم انتقلوا من شرق جزيرة العرب إلى شرق حوض البحر المتوسط وجنوبه ــ كما أسلفنا ــ وأسسوا حضارة عريقة وعظيمة امتدت إلى جزر بعيدة في المحيط الأطلسي، بل وصلت تجارتهم لأمريكا الجنوبية إذ وجدت بضائعهم مع بقايا حضارات القارة الأمريكية الجنوبية القديمة كالمايا وغيرها, وهي البضائع التي تحمل شعارات الفينقيين وبعض رسوم آلهتهم الوثنية.
وعلى أنقاض الفينيقيين قامت حضارة جديدة ــ غير ساميّة ــ وهي حضارة الإغريق (اليونان) الذين خرّجوا الفلاسفة المشاهير كسقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم، وأسسوا المعابد الوثنية خاصة في أثينا وهي الحضارة الهيلينية، ومن أشهر قوادهم وحكامهم الإسكندر المقدوني.
ثم على أنقاض الإغريق قامت حضارة جديدة آتية من سهول أوروبا, وهي الحضارة الرومانية التي عُمّرت طويلًا واشتهرت بالطغيان والجبروت, كحال من سبقها من بعض الحضارات الكبرى، وكانت نهايتها في مصر والشام والعراق وآسيا الصغرى على يد الأمة المسلمة، لكنها بقيت بعد ذلك طويلًا في شرق وجنوب وعمق أوروبا.
وعليه نقول: إن الفينيقيين العرب هم أول من أبدع الأبجدية المعمول بها حاليًّا، وعنهم أخذت اللغات الأخرى أبجدياتها، بل أخذوا حتى أشكال الكثير من حروفها، ذلك أن الفينيقيين كانوا أمة تجارة وتواصل مع الأمم الأخرى, فاحتاجوا لتدوين كثير من أمورهم, فتفتقت عبقريتهم عن تلك الأبجدية الفريدة، ومن أمثلة ما أخذته الأمم عنهم في أبجدياتها ما نراه في اللغة الإنجليزية الحالية، فإن كثيرًا من حروفها يتطابق شكلًا ونطقًا مع الحروف الفينيقية مثل (Y- u- a – B- D- H- K- L- M- N)، وقد أخذوا حروفًا أخرى فينيقية وأبقوا على شكلها مـع تغيير في نطقها مثل (O- Q- R- W- X) مع ترك اللاتينية والإنجليزية بعض الحروف الفينيقية لثقل نطق حروفها عليهم، لكنها بقيت في اللغة الأم العربية حتى زماننا هذا، وذلك مثل (ح ـ خ ـ ص ـ ض) وغيرها، وبعد تفرق الفينيقيين في المساحات الشاسعة تغيرت لهجاتهم حتى صارت لغات مستقلة كالعربية والعبرية الكنعانية والفينيقية المعروفة والآرامية، وهذه الأخيرة خرجت من رحمها عدة لغات أخر كالنبطية لكن أشهرها السريانية.
 والمشهور أن السريانية هي لغة إبراهيم عليه السلام، ولا زالت الكنيسة السريانية تحتفل بعيد نجاة إبراهيم عليه السلام من النار التي أوقدها له أعداؤه، وكان أول أمر إبراهيم عليه السلام في بابل التي كان مركزها وسط العراق (بقرب مدينة الحلة حاليًّا) وعلى هذا فالآرامية (التي يشتهر أنها لغة المسيح عليه السلام) هي فرع عن الكنعانية الفينيقية العربية القديمة.
 وعلى هذا فإن إبراهيم عليه السلام كان عربيًّا – بهذا الاعتبار - لأن لغته هي السريانية المتفرعة من الآرامية، وكان يتكلم مع زوجات ابنه إسماعيل عليه السلام في مكة ويفهمن كلامه وهن جرهميات عربيات، ثم أخذت اللهجات تتمايز وتتطور مع نحت الزمن لها حتى صارت لغات مستقلة عن اللغة الأم العربية التي تطورت كثيرًا في عهد إسماعيل كما في مسند أحمد بسند صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أول من فتق لسانه بالضاد إسماعيل»
ثم أخذت تلك اللغة في الرقي والتطور والسمو حتى بلغت المقام الرفيع والسقف الأعلى على الإطلاق في العهد القرشي حيث خلّدها القرآن الكريم فكانت سقفًا أعلى لا يتجاوز لأنها عربية مُبِيْنَة (فصحى) ﴿بلسان عربي مبين﴾ [الشعراء: 195]
 لهذا فقد كانت قريش تفتـخر ببيانها على بقية العرب العرباء قبل الإسلام، بل تصفهم بالعجمة مقارنة بلغتهم الفصحى، وقد أقرت لها العرب بذلك التميّز وحكّمتها في أشعارها وبيانها.
ولك أن تقارن اللغة العربية الفصحى بأي لغة عالمية من شرق العالم لغربه فسترى الفرق الشاسع والفارق المبين بينها وبينهن سواء كان في عدد الكلمـات حيث فاقت العربية الإنجليزية 400%، هذا عدا الاشتقاقات المختلفة والجذور الدلالية التصريفية، وسهولة التعريب، كذلك عدد المترادفات للمعنى المتقارب جدًّا حتى إن من لا يعرف العربية يظن أن تلك المترادفات تأتي لمعنى مطابق, ولكن في الحقيقة أن كل كلمة تؤدي معنى مستقلًّا وإن كانت تـخدم المعنى نفسه، ولكن على حسب فصاحة المتكلم تتنوع خياراته ويصيب كبد المعنى برمي لفظه المطابق له.
إذن فاللغات السامية تفرقت, وبقيت منها اللغة العربية بلغاتها المختلفة, إذ العربية القديمة فرع عن السامية، ولك أن تتصور أن اللغات الإفريقية الأمهرية والهروية والسواحلية أصولهن عربية، ويجتمعن مع العربية السائدة في تراكيب وتصاريف بعيدة الجذور الزمانية, حتى صارت لغات مخالفة للفصحى السائدة في الزمن الحاضر.
وهناك من الباحثين من ينازع في كون الآرامية والسريانية تعودان في أصولهما للعربية, بل يرجعونهما رأسًا للسامية القديمة، وهذا قول وجيه، والأمر في ذلك واسع، وليس بين أيدينا سواء في تاريخ الحضارات أو اللغات سند أو دليل قطعي يرجح أيًّا من تلك النظريات.
 والله سبحانه وتعالى قد أنعم على الإنسان بأن علمه البيان والإفصاح عما في خاطره، وسرد ما في خبايا عقله، وفارق بعقله ولسانه الحيوانات المعجمة التي لا تبوح بمكنوناتها إلا بصوت مجرد من حركات اللسان، قال تعالى: ﴿الرحمن. علّم القرآن. خلق الإنسان. علّمه البيان﴾ [الرحمن: 1ــ 4].
بارقة: الكتاب كالإنسان. فالعاطفة روحه, والأحكام دمه, والدلائل عقله, والأخبار أعضاؤه. فعلى قدر تمامها ونقصها تكون حياته.
إبراهيم الدميجي
aldumaiji@gmail.com

صحيفة الاقتصادية

الأربعاء، 19 فبراير، 2014

"تحرير وتصفية مصطلحات عقدية"

"تحرير مصطلحات عقدية شائعة"



 ما زالت - بحمد الله - للغة القرآن جادة يطرقها من رام الكلام في المعتقد، ذلك أن اللغة هي الوعاء للمعاني، والحبل الموصل للمعين الأصيل من الوحي الإلهي بشقيه؛ الكتاب والسنة، فإن اختلت اللغة أو ضعفت أو حتى اشتبهت، لحق المحتوى بقدر ذلك في ذهن المُتلقِّي.
وكم دخل المبتدعة حصون السنة عن طريق اللغة، سواء بتقحّم الأدلة بعُجمة ككثير من أهل الكلام، أو بطبع أصول الديانة بطابعهم - عند أتباعهم - كما فعل المعتزلة، وهم قلة نسبة لعلماء السنة في العربية، ولم يصب من زعم خلافه.
وسأقف في هذا المقال إزاء نموذجين لقوالب لغوية مشهورة بين تدوينات وكلمات أهل العلم المعاصرين في مسائل المعتقد؛ الأول من جهة الاشتباه، والثاني من جهة الخطأ في المعنى والتصريف.. وهي قابلة للنقاش على كل حال لأنها من قبيل المصطلحات التي لا مشاحة فيها عند سلامتها معنى ومبنى.
الوقفة الأولى: تسمية توحيد العبادة بأسماء أخرى (ألوهية، إلاهية، عبوديةتسميةٌ صحيحة بلا تردّد، لا من حيث الاشتقاق ولا من حيث المعنى، لكن هناك ربكة ذهنية في فهوم طلبة العلم حيال ذلك، وقد لاحظتها فيهم ابتداءً من المراحل الابتدائية حتى ما بعد الجامعية!
فإذا سألت أحدهم عن الفروق بين توحيد الربوبية والألوهية، حار في الجوابللاشتباه في الاشتقاق.
سبب ذلك أنه بطبيعته العربيّة سيعيد اللفظ تلقائياً إلى اشتقاقه ومصدره، وسيؤديه هذا إلى أن الربوبية مشتقة من كلمةالرب، والألوهية مشتقة من كلمة “إله، والكلمتان تشيران إلى ذات واحدة؛ لأن اجتياز ذلك المدى المعرفي اللغوي إلى الوصول لمعرفة أصل كلمة “رب” ورجوع اشتقاقها ومصادرها وفروعها لمعنى الخلق والملك والتدبير، أو أن كلمة “الإله” راجعة إلى معاني التألّه والعبادة، من مألوه بمعنى معبود؛ ليس لطلبة زماننا، فالعجمة فيهم فاشية ظاهرة!
فطال تشقيق الكلام على معنى كنا في غنى عن تشتيت مبتدئة الطلبة فيه.. لذا فلو اكتفى العلماء في تحريرهم وبيانهم أقسام التوحيد الثلاثة على القول بأنهاالربوبية، والعبادة، والأسماء والصفات والأفعال؛ لكان خيراً، لأمرين:
الأولراحة للطالب من الحيرة، ورحمة به من التشتّت.
الثانيأن لفظ العبادة شرعي وليس بمحدث، وإن كانت كلها شرعية، أعنيالألوهية والإلهية، لكن هذا اللفظ أقرب من جهة أنه متعلّق بالعبد ونيته وأقواله وأعماله.. والله أعلم.

الوقفة الأخرى: من تلك المصطلحات المحتاجة إلى إعادة نظرمصطلحالتخلية والتحلية، وقد انتشرت هذه الجملة بين المتأخرين في بيانهم معنى ركني الشهادةوأرى أن لو استبدلت بما هو أولى منها، خاصة أنه يوجد في اشتقاقات جذر كلمة “التخلية” ما هو أولى منها، ككلمة “إخلاء” مثلاً، لدلالتها على التفريغ والإزالة فقط، أما التخلية فلها معانٍ أُخر غير مرادة.
أما “التحلية” فلا أراها سائغة، وليس لها معنى مفهوم في مرادها الموضوعة له في هذا السياق؛ لرجوعها في الأصل للحِلية وللحلوى.
والتحلية” المرادة هنا ربما ظنوا أن أصلها كلمة “إحلال، فصرّفوها على وزن “تحلية” لتواكب التخليةولا أرى هذا التصريف من العربية في شيء.
وعلى القول بإرجاعها إلى الحلوى أو تحلية الطعام، وهي الوجبة الحلوة المقدمة بعد الدّسم؛ فهو إزراء كبير بمعناها!
هذا ولم أجد للسلف في التعبير بها حرفاً، وكل خير في اتّباع من سلفوكأن أصلها راجع إلى الطُّرُقيّة، ومن ثمّ إلى أرباب السلوك المتأخرين، ويقصدون بها معاني عدة، منهاالذكر الخاص، وأحوال ترد على قلب المريد والسالك، ونحو ذلك.
الشاهد: أن هذه الجملة في حاجة لإعادة تقويم ونظر. ولو قيل: الكفر بالطاغوت قبل الإيمان، أو البراء قبل الولاء، أو النفي قبل الإثبات.. والأخير كأنه أجود من جهة الإطلاق اللغوي.. وبالله التوفيق.

الثلاثاء، 11 فبراير، 2014

نظرة في تكفير المعين.. غدًا إعتاقٌ أو إيباقٌ!

نظرة في تكفير المعين.. غدًا إعتاقٌ أو إيباقٌ!
الحمد لله وبعد: ففي هذا الزمان الحالك, رخصت الفتاوى, وافتُئتَ على أهل العلم, واستُحلّت دماءُ وأعراضُ أهلِ الإسلام من لدن أهل الإسلام! فعادت سُلالة فكرِ ذي الخويصرة جذعة فتيّة, واشرأبّت أعناق الفتن والبلايا من رؤوس حدثاءِ الأسنان سفهاءِ الأحلام, وظهرت قرون الغلوّ التي حذّر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "إياكم والغلو, فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" رواه ابن ماجه بسند صحيح.
وموجبات الردة, ونواقض الملة عديدة, وقد استحق وصفَهَا من لا خلاق له ممن رام تبديل الدين والهزء بالشريعة وحرب الله ورسوله, فتتردد بين الحين وأخيه قالاتُ فجورٍ وأفعالُ كفر, حقيقٌ بمن بسط الله يده بالسلطان والتمكين أن يقوم فيها لله محتسبًا قَصْبَ الزنادقة.. وكثير ما هم!
وفي مسند أحمد بسند حسّنه الألباني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَحدٌّ يُقام في الأرض خير من أن تُمطروا أربعين خريفًا" نعم, فمنفعة الغيث خاصة بالأجساد, ومنفعة الحدِّ نفعها للأديان, وهي غاية خلقِنا. ولو علم الأثيمُ قُربَ الحَدّ من الحَدِّ ما اجتازه, ولكن من أَمِنَ أساءَ!
بيد أن مسألة تكفير المعيّن في غاية الخطر إن كانت في يد من لم يملك أدواتها, وفي سلطة من لم يستتم شروط إيقاعها, فلا يجوز بحال أن يُترك عنان التكفير للعامّة, بل هو خاص بمن أوكل الله لهم سياسة الناس بالشريعة, وهم العلماء الراسخون الذين علموا شروط التكفير وموانعه, وأحسنوا إقامة الحجة على متنكبي المحجة, فقد يُتهم المرء بارتكاب مكفِّر وهو منه براء! إنما كُذب عليه كما كُذب على كثير من الأجلّة كافترائهم على شيخ الإسلام ابن تيمية بالكفر والمروق من الدين وإهانته لجناب النبوة! وكذبهم على الإمام المجدد بأنه يبغض الرسول صلى الله عليه وسلم, ويدعو لدين جديد, ونحو ذلك البهتان الذي طال كثيرًا من المصلحين في هذه السنين.
هذا, وقد يركب المرءُ المعصيةَ وهي ليست من المكفرات, فيُرمى – جهلًا وظلمًا - بالردة! كصنيع الخوارج بمرتكب الكبيرة.
 كما قد يركب الذنب المكفِّر المخرج من الملة في ذاته, ولكن لا يحكم بكفره بسبب أحد الموانع, فلا بد مع استجماعِ الشروطِ انتفاءُ الموانع:
كالجهل: كما في قصة الذي قال لولده: "إذا أنا متُّ فأحرقوني, ثم ذُرُّوا رمادي في الهواء فلئن قدر الله علي ليعذبني..." والحديث مخرّج في الصحيحين, فهذا الرجل شكّ في عموم قدرة الله تعالى, وهذا من المكفرات, مع هذا غفر الله له لخشيته وجهله.
وكالخطأ: كقصة الفَرِحِ بعودة دابته بعد يأسه من النجاة فقال بعد استمكانه منها: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك, أخطأ من شدة الفرح!" ومن فروع ذلك: سبقُ اللسان بما لم يقصده الجنان من ألفاظ الكفر, وبخاصة مع وجود القرائن الصَّارفة.
وكالتأويل الذي له وجه: ولم يتضح الحق لصاحبه, كالكثير ممن يظنون أنهم ينزهون الله تعالى عن طريق قواعد ذهنية أحسنوا بها الظنّ فسمّمت تصوراتهم, فوصل بهم ذلك إلى إنكار بعض صفاته. وقد كان الإمام أحمد يصلي خلف بعض من قال بتلك المقالات. وقال شيخ الإسلام لبعض المحرفة(المؤولة): أنتم تقولون كلاماً لو قلت به لكفرت! لكنكم لم تكفروا عندي لأنكم ترومون التنزيه بذلك التحريف, ولم تتصوروا حقيقة مذهبكم ومآل مقالاتكم. أما تأويلات الباطنية والفلاسفة والرافضة وأشباههم فهي كفر محض.
وكالإكراه: لقوله تعالى: "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان" وبعضهم خصّ الرخصة بالنطق فقط, وبعضهم خصّ الإكراه بالتهديد بالقتل دون الضرب والحبس, والله أعلم.
واعلم أن تكفير المعين يختلف عن تكفير الوصف فالوصف كقولنا: تارك الصلاة كافر. أما تكفير الشخص المعين فهو أن تقول: فلان كافر! وهنا مكمن الخطر لمن توغَّل في ذلك بغير بينة ولا برهان. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبة الوداع _ وتأمل عظمة الموقف وأهمية البيان وقيمة كل حرف فيها _: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلّغت؟" قالوا: نعم, قال: "اللهم اشهد. فليبلّغ الشاهد الغائب, فإنه رُبَّ مُبلِّغٍ يُبلِّغُه لمن هو أوعى له".
وبالجملة فلا تفريط ولا إفراط, والتقوى وسط بين الغلو والجفاء, وكما قال علي رضي الله عنه: خير الناس النمط الأوسط, الذين يرجع إليهم الغالي ويلحق بهم التالي.
الشاهد من هذا أن على الناصح لنفسه أن لا يقع في شَرَك التكفير بغير حق, وليعلم أن من دخل في الإسلام بيقين فلا يُخرج منه إلا بيقين, وليتيقَّن أن لكلّ كلمة طالباً من الله تعالى, وأنه موقوف بين يدي الجبار جل جلاله, ومسؤول عن ما اقترفه لسانه أو خطه بنانه, فليعدّ للسؤال جواباً وللجواب صواباً, وأنّى ذلك إلا ببرهان شاف, واستدلال كاف. والكلمة يملكها من كانت حبيسة جوفه, لكن إن خرجت فقد ملكته, فإما إعتاق أو إيباق! والله المسؤول أن يحفظني والقارئ والمسلمين من مضلات الفتن ودواهي المحن, فهو المستعان, وعليه التكلان, ولا إله إلا هو.
ومضة قلم: في الساعةِ التي يتبعُ فيها الجسدُ العقلَ, ويخدم كلاهما الروحَ؛ هناك فقط ستذوق عينَ النعيم, وتوقن أنك في مقصود الخليقة. فلا تضادَّ بينها, ولكن تكامل وأولويات.
إبراهيم الدميجي
الاقتصادية


الجمعة، 7 فبراير، 2014

تعقيب على تعقيب د. سعيد صيني

تعقيب على تعقيب د. سعيد صيني
 حي الله أخانا سعيد, أسعد الله أيامه ولياليه.. وأبلّ بالهناء نواحيه؛ وبعد:
فأتفق معك – عزيزي – في كثير مما عقبت به على مقالي "احذروا كسر الباب" تحت هذا الرابط: http://aldumaiji.blogspot.com/ وبخاصة في أهمية تحرير الروايات التاريخية التي تمس أعظم أجيال بني الإنسان بإطلاق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم. وإن كنت – غفر الله لك - قد عنونت مقالك بما حسبت أنه سيكون تعقيبًا شموليًا وليس بالتعقيب الخاطف على جملة واحدة, ثم السباحة بعيدًا في لجج اليَمّ عن محاور ذياك المقال. فمرحبًا بك وسهلًا. ولتنعم براجمك بفائق تأملك وعذب حروفك.. ياذا المفاكهة المشوقة.
سأبدأ بتعقيبك, ثم أمخر معك شيئًا من سيلك العرم.. فليسددني إلهي ومولاي.. هو حسبي ونعم الوكيل.
 ألمحت في تصديرك عن طريق رغبتك لكل باحث محقق أن يتسم بالتأمل والشمول والعمق.. الخ ثم ثنيت بفقد كثير من الكتابات التاريخية للمنهجية والدقة واتسامها بالقصور المنهجي.. ثم أسقطت هذه التقدمة على ما خطه بنان أخيك في شأن أمير المؤمنين علي مع أخيه معاوية رضي الله عنهما "مع التسليم بأن أولى الطائفتين بالحق هو علي رضي الله عنه".
ولا أريد الإطالة لكن أذكرك بأن هذا التعبير هو لفظ نبي الله صلوات الله وسلامه عليه إذ قال فيما رواه أحمد ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تفترق أمتي فرقتين فتمرق بينهما مارقة فيقتلها أولى الطائفتين بالحق" هذا لفظ الإمام أحمد , ودلالة الحديث ظاهرة, فليس لأحد تقحّم المشاقة وركوب المخالفة, فما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى العين والرأس, سمعنا وصدقنا وأطعنا. فإن رام أحد خلاف هذا المعنى المتبادر فليس له إلا بحديث آخر صحيح صريح فيه معنى يحيل هذا الفهم. ولا أعلمه. فالحذر الحذر من التقدم بين يدي الله ورسوله – يا رعاك الله -.
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (4/467): "فهذا الحديث الصحيح دليل على أن كلا الطائفتين المقتتلتين علي وأصحابه ومعاوية وأصحابه على حق، وأن علياً وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه" إذن فليس في كلامي ما يدل على تخطئة أي صحابي؛ لا أم المؤمنين في سعيها للصلح, ولا معاوية في اجتهاده رضي الله عنهما. كيف والمقال كله في تقرير موقف أولئك الأجلّة في اجتهادهم, ووجوب مراعاة صحبتهم وفضلهم علمهم وديانتهم وحرمتهم, وأنّا لسنا بشيء حتى نخطّئهم أو نتعقبهم! وبهذا تسقط دعواك, أيها الكريم.
وههنا مسألة تشتبه على بعض الناس وهي الخلط بين مسألة: أيهما أولى بالحق علي أم معاوية, ومسألة: قتال الناس مع إحدى الطائفتين أو القعود عنه لأنه قتال فتنة.
فالمسألة الأولى: فقول عامة أهل العلم فيها أن عليّا وأصحابه أقرب الطائفتين للحق, إذ هو ظاهر النصوص. أما المسألة الثانية فقد رجح شيخ الإسلام أن الأقرب للصواب هو رأي القعود عن القتال لأنه قتال فتنة, ونسب هذا القول لأكثر أهل العلم من سلف هذه الأمة وخلفها, وقد خالف في ذلك بعض الأكابر من الصحابة ومن بعدهم كالإمامين النووي وابن حجر لأدلة قدموها, والمسألة هنا متجاذبة الاجتهاد, والأقرب تصويب رأي الجمهور في القعود, والله أعلم.
قال شيخ الإسلام في الفتاوى: (55/ 35): "وأكثر أكابر الصحابة لم يقاتلوا لا من هذا الجانب ولا من هذا الجانب, واستدل التاركون للقتال بالنصوص الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ترك القتال في الفتنة وبينوا أن هذا قتال فتنة" وقال (77/35) "والفقهاء ليس فيهم من رأيه القتال مع من قتل عمارا; لكن لهم قولان مشهوران كما كان عليهما أكابر الصحابة: منهم من يرى القتال مع عمار وطائفته، ومنهم من يرى الإمساك عن القتال مطلقا. وفي كل من الطائفتين طوائف من السابقين الأولين. ففي القول الأول: عمار، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب.  
وفي الثاني: سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة; وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر ونحوهم. ولعل أكثر الأكابر من الصحابة كانوا على هذا الرأي; ولم يكن في العسكرين بعد علي أفضل من سعد بن أبي وقاص، وكان من القاعدين ." وقال في منهاج السنة: (4/219):  "ومنهم من يقول كان الصواب أن لا يكون قتال, وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين, فليس في الاقتتال صواب, ولكن علي كان أقرب إلى الحق من معاوية, والقتال قتال فتنة ليس بواجب ولا مستحب, وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين مع أن عليا كان أولى بالحق. وهذا هو قول أحمد وأكثر أهل الحديث وأكثر أئمة الفقهاء, وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان"
هذا, ولي وقفة مع تكذيبك لخبر من ختم القرآن في قيام ليله وأن ذلك غير ممكن عقلًا! وليت عقلك يكف عن بعض المجازفات, فالثقة المطلقة ببداهة الرأي آيلةٌ في ثاني الحال للعطب. ولعلها من كبوات الجياد وهفوات الأمجاد.
والقصة في قراءة ذي النورين للقرآن في ركعة واحدة ثابتة, وقد صححها جماعة منهم ابن عبد البر والطحاوي وقد فعلها غيره من الصحابة ومن بعدهم, كتميم الداري وابن الزبير رضي الله عنهما وعلقمة وابن جبير والشافعي رحمهم الله.
 قال الحافظ في الفتح (2/482): "وصح عن جماعة من الصحابة أنهم أوتروا بواحدة من غير تقدم نفل قبلها, ففي كتاب محمد بن نصر وغيره بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد أن عثمان قرأ القرآن ليلة في ركعة لم يصل غيرها" أما بخصوص عثمان رضي الله عنه ففي شرح معاني الآثار للطحاوي (2/ 294) بسنده عن عبد الرحمن التيمي قال: قلت: لا يغلبني الليلة على القيام أحد, فقمت أصلي, فوجدت حس رجل من خلفي في ظاهري, فنظرت فإذا عثمان بن عفان فتنحيت له, فتقدم فاستفتح القرآن حتى ختم ثم ركع وسجد. فقلت: أوهم الشيخ! فلما صلى قلت: يا أمير المؤمنين, إنما صليت ركعة واحدة؟ فقال: أجل, هي وتري"
ويكفي لضابط القرآن أن يقرأ الجزء في نحو ثلث الساعة, فليس الأمر كما أحلته _ عفا الله عنك _ وإن من المعاصرين لمن فعل ذلك, فيحكي الشيخ د. علي الشبل عن الإمام ابن باز رحمه الله يحدثهم عن نفسه أنه صلى العشاء ليلة ثم قام بالقرآن كله في ركعة قبل انفجار الصبح, ويروى عن العلامة الشنقيطي _ صاحب الأضواء _ مثل ذلك. وفي هذا يا صاحبي مقنع.
أما إنكارك لحجية الإجماع مطلقًا فهو ضلال مبين وباقعة مشينة, وإني لفي عجب من أمرك ههنا؟! هل لا زال بيننا من يشكك بحجية الإجماع المنضبط؟ أينك عن قول الله عز وجل: "ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم" وقوله: "فإن تنازعتم في شيء" ودلالته على أن ما اتفقوا عليه ولم يتنازعوا فيه فهو حق وحجة, وقوله: "لتكونوا شهداء على الناس" والشهيد مقبول قوله لثقته وحجيته.. والأدلة من النقل والعقل كثيرة على حجيته وتحريم مخالفته.
فلعلها شبهة قد عنّت لك, فاضرع إلى الله بكشف ما كدّر صفاء علمك, فإنكار حجية الإجماع المنضبط قاصمة للظهر, هداني الله وإياك سبيله وأعاذنا من خذلانه.
ومن باب ذكر الشيء بالشيء – وليس د. سعيد منهم إن شاء الله ولكن تنبيه لغيره - فلدى بعض الناس في ذا الزمان نزعة طيش لمخالفة السائد حتى وإن أطبق عليه سلف الأمة وخلفها, والفرح بالتميز أيّا كان نوع ذلك التميز, كأنه يقول: أنا هنا ولو سرت عريانًا! ورحم الله الإمام أحمد حين أوصى تلميذه بقوله: احذر أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. وقد يرى بعض المتعجلين أن هذه الحيطة قاتلة للإبداع, ولكنها في الحقيقة حافظة له منمّية لجوهره إن أحسن الناس التعامل معها, وتركوا الفوضى العلمية والعملية والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.
إبراهيم الدميجي
6/ 4/ 1435
aldumaiji@gmail.com

الثلاثاء، 4 فبراير، 2014

خالد الدخيل.. ومتلازمة العلمنة السياسية!

خالد الدخيل.. ومتلازمة العلمنة السياسية!
الحمد لله على كل حال, والشكر له في كل حين.. وبعد: فإن المحدّد الأول لضمان الوصول لأي هدف بإذن الله هو صحة اتجاه السير, أما مع انحراف المسير فكل خطوة يخطوها فهي لا تقربه لهدفه قط, بل تبعده عنه بقدر ميل الاتجاه وانحرافه!
ولدى الدكتور خالد الدخيل - وهو الكاتب المتميز الخلوق - متلازمة غريبة في مكابرة الفهم والطرح لثلاثة مواضيع: السياسة الشرعية, وصلاحية الدين لكل زمان ومكان, وأن الدين الواجب الاتباع هو الوحي المنزل لا أقوال الفقهاء.. وقد أفرز القصور عن فهم هذه الثلاثية الحيرة في فك رموز الصيرورة التاريخية في الطرفين الماضي والحاضر المعروف شرعًا بسنن الله الكونية.
فالملاحظ على د. خالد - وفقه الله وأخذ بيدي ويده لهداه ومرضاته – تكراره ودورانه في مدوناته على مسألة فصل الدين عن السياسة عبر محاور تبعد وتقرب من مركز هذه المتلازمة الجائرة, ولعله قد خط ذلك بحسن نية وسلامة طوية ورغبة خير للوطن, ولكن متى كان الجهل عذرًا في مسائل نسف مسلمات الدين وزحزحة سلطان الوحي الإلهي أمام ترهات البشر وأكاذيب السياسة وأضاليل الفكر؟!
 وهذه العلمنة السياسية المنادَى بها بهلعٍ من لدن كتّاب وساسة كثُر في الداخل والخارج لتجعل المراقب الغيور يضع يده على قلبه متسائلًا: ماذا يراد بمهبط الوحي وماذا يكاد لمهوى الأفئدة وماذا يعدُّ لمأرز الإيمان؟! فاللهم سلم سلم.
د. خالد أنموذج لقياس تقريبي لعمق الأزمة الفكرية التي يعانيها من تشرّب كتب الفلسفة دونما رِيٍّ كاف من ينبوع السلامة والعافية والتحصين, وهل هو إلا الوحي لا غير؟!  وسأقف مع مقاله الأخير المعنون بـ" إدمان الخطاب الديني" المنشور في صحيفة الحياة يوم الأحد الثاني من ربيع الآخر. وهذا المقال بمسمّاه غير اللائق يعتبر واجهة ثقافية لمشروع كتّاب السياسة العلمانية إجمالًا؛ إذ كرّر كثيرًا من موضوعاتها ومفرداتها بضغطها في مقال واحد. وياليت د. خالد مع هذا الجهد والترتيب قد أعاد النظر مليّا في جذور تلك الهرولة الفكرية للوراء! نعم للوراء فكل ما أخرجته جماجم البشر الفانية من محاولات القفز على حدود الله والانحراف الفج عن صراطه المستقيم لا تعدو أن تكون طفوليات جالبة للشفقة والأسى مهما تدثر أصحابها بدعوى الموضوعية وتواروا خلف ألقابها!
لا أريد تشتيت الحديث – ذي الشُّعب المترامية - عن محوره ألا وهو وقفات مختصرة مع ذلك المقال, لعل الله ينفع به أخي الكريم الدكتور خالد ومن خدعتهم ظواهر لبوس الفلسفة عن حشوها النكد المسموم. وسيكون كلام د. خالد بين معقوفين وبلون مغاير, قال:
"في كل مرة تُفرض قضية اجتماعية أو سياسية مهمة نفسها علينا، غالباً ما نلجأ إلى مناقشتها، انطلاقاً من مفاهيم الخطاب الديني ومرئياته، وفي شكل يكاد أن يكون حصرياً وهذا ما حصل مع موضوع «الجهاد» في برنامج «الثامنة مع داود الشريان» الأسبوع الماضي، وفي الردود التي تتالت عليه في بعض الفضائيات والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي ما المشكلة في ذلك؟ ألسنا مجتمعاً مسلماً؟ تأخذ الإجابة عن ذلك صيغة سؤال أيضاً: هل هو محكوم على المجتمع المسلم من دون غيره من المجتمعات أن يتنكر لتعدديته، وأن يبقى أسيراً لخطاب واحد أحد، على رغم القرون كلها، وتغير الزمن والتاريخ والمعطيات؟ المشكلة مركبة، ولها أوجه عدة"
قلت: هذا التصدير الاحتجاجي فيه مغالطات ثلاث:
 الأولى: عدم صحة هذه الدعوى عبر كثير من منابر الإعلام الرسمي, بل الواقع المرّ بخلافه, فالصحافة والفضائيات والنت تعج بخلاف ما ذكر, ويديرها الليبراليون المتأمركون, ولهم حظوة من قديم عند بعض أصحاب القرار, فأفرز ذلك قوة ونماء التيار العلماني التغريبي في الوسط الإعلامي الرسمي بكل أسف! فتبيّن إذن أن "حصريّا" ما هي إلا كذبة صلعاء, ولولا بعض التنفيس لكادت "الحصرية" أن تكون بعكس من ذكر الكاتب. ولله وسائل التواصل الاجتماعي - التي أقلقت الكاتب - إذ أظهرت حجم التديّن الفطري وحب العلم وأهله والغيرة على ثوابته وحدوده من لدن غالب الشعب والسواد الأعظم بحمد الله صالحهم ومقصّرهم, عدا قلّة منتفخة بالباطل تزعم أنها نخبة الناس بينما بعضهم لا يحسن فاتحة الكتاب!
وما هذا الركض المحموم من الكاتب وغيره سوى محاولة لرفع معنويات الإعلامي المحترق داود الشريان, الذي أبى إلا أن يظهر وجهه في الشمس الساطعة التي أذابت ما بقي من شمع التزييف الإعلامي والحذلقة الخدميّة والتشدق الوطني! وليت الدكتور خالد لم يربط قاربه بمركب ذلك المخاتل!
المغالطة الثانية: مساواة المجتمع المسلم ببقية المجتمعات, فكثير من الكتاب يقيسون الإسلام الكامل بنصرانية بولس وكنائس الخرافة والظلم, وهنا ينعى الكاتب عدم قبول المؤمنين للتعدّدية, وهذا العبارة الهلامية - وهي من إفرازات عصر التنوير الأوروبي - يراد بها تعدّدية الأديان, فحينما يقول الله تعالى: يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم" يريد هؤلاء للمؤمنين أن يقبلوا أولئك الكفرة وأن تتسع صدورهم لحرية كفرهم وعهرهم. وحينما يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها: "لا يترك بجزيرة العرب دينان" يأتينا من يدعو لمحادّة ذلك, وتأمل  - عزيزي - كلام نبيك صلوات الله وسلامه الذي رواه الشيخان: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" فهذا أمر بإخراج "وطرد" من كان فيها, فما بالك بقبول من أتى من خارجها. أما الاستثناء لوجودهم فهو الحاجة لهم كتجارة وصناعة ونقل خبرة ونحو ذلك بدون استيطان.
والموقف من التعددية الدينية له جذور لا بد من فقهها جيدًا: منها أن الأمر كما قال الطحاوي رحمه الله: لا تثبت قدم الإسلام إلا على الظهر التسليم والاستسلام. فنحن عبيدٌ نمتثل أمر سيدنا وهو رب العالمين لا شريك له, فعلام التلكؤ والتحيّر؟!
ومنها: العلم بتكريم الله للإنسان المؤمن المطيع الذي انشرحت نفسه للدين الخاتم واتسع صدره للإسلام كافة, وصح تصوّره عن حقيقتي الدنيا والآخرة, فكيف يُقاس هذا الكريم بمن كفر وطغى وتجبّر؟! اللهم غُفْرًا.
ومنها: ما لجزيرة العرب من خاصيّة ليست لغيرها من البقاع فلا يصح أن تقاس بغيرها.
وقد يريد الكاتب بالتعددية: تعددية المذاهب المنسبة للإسلام - على ما فيها من هنات, كذلك حَمَلة الفكر المخالف لمنهج أهل السنة والجماعة - وفي هذا من الضلال وفتح ذرائع الشر ما يعلمه كل عاقل مدقّق, وهل تأخرت الأمة إلا حينما فتحت فنائها لعاديات الضلالات ومغيرات الفرق؟!
المغالطة الثالثة قوله: " وأن يبقى أسيراً لخطاب واحد أحد، على رغم القرون كلها، وتغير الزمن والتاريخ والمعطيات؟"
قلت: وهذه الجملة هي الوحل الذي ساخت فيه قوائم الفهم العلماني "المقولب والمؤدلج" فوقع بعض أبناء أمتنا في أُحبولة "تاريخية النص الديني" الذي قضى الضال محمد أركون عمره في محاولة تقريرها, ولو علم أن مَثَلَهُ كمن يمرّ بأَسَلَةِ قلمه على صفحة الماء لما فعل, وهو الساعة عند ربه بعدما صار إمامًا للمفتونين, فهل بيّضت صحائفُه صحائفَه؟! "ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه" فالقرآن وحي الله وكلامه, وسنة نبيه هي الوحي الثاني "وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى" فكيف يجرؤ من انتسب للمسلمين – المستسلمين لربهم – "قل إن هذى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين" ثم يهرف بخَطَلِهِ: تغير الزمن والتاريخ والمعطيات؟! يا عجبًا! أفي الله شك يا دكتور؟! إنّ كل ما تراه من هذا العالم الفسيح هو ذرّة لا تكاد أن تكون بجانب مخلوقات الله العظمى, هل تأمّلت الأزل السحيق الذي لا ابتداء له, والأبد البعيد الذي لا انتهاء له, إن العقل ليدهش ويكاد يصعق حينما يتأمل تلك القدرة الإلهية وذلك الجلال والملك والخلق والجبروت لله رب العالمين.. أين أنا وأنت من جملة الخلائق زمانًا ومكانًا؟! أخي د. خالد: إني أهتف بالإيمان المشعّ في فؤادك وبالفطرة الصافية في صدرك - قبل كشف الغطاء في ساعة لا يغني فيها الندم - قف وتأمّل وتذكّر أن عدم التسليم بعلم الله المحيط وبقدرته التامة وبحكمته الشاملة خرقٌ بشع في ثوب الإيمان وقنطرةٌ آيلةٌ لحوبة النفاق - أجارك الله وأعاذك – قد قال ربك سبحانه وبحمده: "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" هل تعتقد أن الله قد خلقنا عبثًا, أو تركنا سدى؟! إن المسألة لا تحتمل سوى إجابتين: فإما التسليم التام بشمول الوحي وصدقية خطابه وتمام عدله وحكمته, وإما الحيرة والتكذيب.
 فالحيرة أن يؤمن بعض الناس ببعض الكتاب ويكفرون ببعض, فيقرأ القرآن ويصلي ويصوم, ولكن في نفسه شيء من صلاحية الدين لكل زمان ومكان, كأن الدين الذي ارتضاه الله ليس تامًا كاملًا بل إن نظريات ديكارت ودوركايم وروسو وفولتير وكانط وأشباههم هي أَوْلى بالتقديم والمراعاة والتسليم من قول الله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا"
 وقد يحاول المرء دهرًا أن يجمع بين ما تلحّ عليه الضرورة الشرعية والعقلية والفطرية وبين ما يهواه من ورمٍ ظنه شحمًا, إنما هو رسائل أذهان لفّها الجهل بالحقائق فاتخذوا سوى منهج الله سبلًا أردتهم وأردت بهم, فليس هناك بدّ من الإقرار بمناقضة جملة مذاهبهم العقلية لبدهيات العقل الإنساني في صورته النقية الصافية عبر نور العلم والإيمان. فإن أبى المغترّ بتلك الجهليات إلا إعناقًا في شبهاتها ومتاهاتها؛ فلا بد أن تأتيه ساعة ينفجر فيها عقله بجنون أو إلحاد, إلا أن يشاء الله, فكيف يجمع بين الماء والنار, والظلام والنور "فما ذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون"
 أخي خالد: هل تأمّلت تلطّف الله وتكرّمه ورحمته وفضله حينما امتنّ علينا بإنزال كلامه وبعث رسوله ووعده بالرضى والجنة؟! إن ساعة تأمّل للآيات الشرعية والكونية لتبخّر الألوف من شبه الشيطان وشهوات النفس. جعلني الله وإياك من المهتدين.
ثم يقول: "المشكلة مركبة، ولها أوجه عدة فإلى جانب أن التسليم بهيمنة خطاب واحد يقمع التعددية في المجتمع، إلا أنه ينسف كل مكتسبات التنمية والتعليم، ويلغي قدرة المجتمع بعد كل ذلك على التعبير عن نفسه خارج هذا الإطار، كأن شيئاً لم يستجد في تاريخه الطويل"
وأقول: لماذا القفز على الحقائق يا دكتور؟ فهل أنت حقًّا مسلّم بهيمنة الخطاب الديني في المجتمع؟ أم أنك قد قصدتها كوميديا سوداء؟! إن كان ثمّة خطاب إعلاميّ قمعي فمعلوم أصحابه من التغريبيين, وليس بنا حاجة لعرض قائمة عددية بذلك. إلا إن كنت تقصد خُطب الجمع فهذه سابقة وكارثة, فهل تريد لمن يعتقد الشريك مع الله وعباد القبور وسبّابة الصحابة والطرقية وأهل الخرافة أن يمسكوا زمام توجيه الناس في دينهم؟! لا إخالك تقصد ذلك – رعاك الله –
أم أنك تريد فتح باب تلويث أديان الناس على مصراعيه عن طريق المناداة بحرية الفكر وحرية "الكفر" فيتلقف أفراخ المستشرقين شباب الإسلام الذين لم يتحصلوا الرصيد العلمي والفكري والإيماني الكافي للتمييز بين الجيد والرديء من تجارب وأفكار وأخلاق أممٍ اللهُ وحده العالم بمقدار ما فيها من ضلال! وهل تريد من مجتمعنا المؤمن أن يقرّ مسبة الله ورسوله ودينه؟! فهل تقرّ أحدًا على سبّك وسبّ والديك؟ وهل بين الأمرين من مجال للمقارنة أصلًا؟! وكم من مقعّد لأمر خفيت عليه مآلاته ولو بعد حين!
وكل كسرٍ فإن الدين يجبره   ...   وما لكسر قناة الدين جبران
لا تظننّ أنك بدعوتك للانطلاق في فضاءات الفكر وغيره بلا قيود أنك لهم ناصح أمين, كلا وربي, فما هذا إلا كآمر العمي أن يسيروا فوق طريق الألغام. وليست القضية بمنع الأخذ مما عند الأمم من تجارب وأفكار وأسباب تمدّن, فالحكمة ضالة المؤمن, بل الفرق فقط في اشتراطنا أن يُنخل ذلك الركام وينقى من أسباب الفساد في الدين والدنيا على يد الثقات الأمناء, لا من يغير مع الذئاب ويبكي مع الراعي! 
 ثم قال: "الجانب الآخر للمشكلة أن فرض الخطاب الديني ولّد حالاً متجذرة من الازدواجية. في الفضاء العام يتحدث الجميع بلغة الخطاب الديني، أو بما يراعي حساسيات هذا الخطاب، أما في الفضاءات الخاصة حيث الرقابة أضعف ومجال الحرية أوسع، تختلف زاوية الحديث، وأحياناً ما تكون مناقضة لما يقال في الفضاء العام"
قلت: لعل هذا يحدث في نوادٍ ومجالس من شرقوا بدين الله, أو من كذبوا على أنفسهم وعلى الناس, فهل نلوم الحقيقة لأن الجبان خذلها؟ّ!
ثم قال: "هناك جانب أكثر خطورة، وهو تضخم التناقض بين مواقف الدولة وحساباتها السياسية ومصالحها، وبين خطاب ديني لا يرى دائماً الموضوع من الزاوية نفسها. تصور في هذه الحال نتيجة ضخ مفردات الخطاب في ثقافة المجتمع، وأن المسلمين إخوة يجب أن ينصر بعضهم بعضاً، ثم في الوقت نفسه لا تستطيع الدولة الالتزام بمقتضيات هذا الطرح. الحال السورية كبّرت صورة هذا التناقض في شكل غير مسبوق، ليس بالنسبة إلى السعودية، بل بالنسبة إلى العرب كلهم تحول الصراع هناك بفعل سياسات النظام السوري وحلفائه إلى صراع طائفي، وفي شكل أساس بين السنّة والشيعة. إيران تدعم النظام بكل ما يحتاج إليه من مال وسلاح ومقاتلين، بينما الدول العربية لا تستطيع، أو لا تملك، أو لا تريد، كل بحسب ظروفه، أن تفعل الشيء نفسه بالنسبة إلى معارضي النظام. كأن الشبان بذهابهم إلى مناطق الحروب والقتال بشعار «الجهاد»، وبالنقاشات التي تفرضها هذه الظاهرة، ينوبون عن الدولة في الاستجابة لما يحدث حولهم في أعقاب ثورات الربيع العربي. وهذه حال تضع سياسة الدولة أمام اختبار لم تعهده من قبل"
قلت: هذه أزمة سوء فهم لدى عامّة من يكتب بنّفّس علماني, فيحبس مفهوم السياسة الشرعية في أمور ضيقة ونصوص مفردة عن مثيلاتها في القضية الواحدة, وسبب ذلك المفهوم عدم استيعابهم لمفهوم السياسة الشرعية العام, وهي بالمجمل فرع عن صلاحية دين الله زمانًا ومكانًا. ثم نشأ عن قصور فهم تلك المسألة ازدواجية فهم السياستين الواقعية والشرعية, وضيق عطنهم عن قبول حلول شرعية سياسية باهرة بسبب الفصام النكد السابق في خلفيتهم الثقافية, وإنك لا تجني من الشوك العنب, والناس أعداء لما جهلوا.
وقد مثّل الكاتب ضيق أفقه بالسياسة الشرعية عبر هذا المثال الفاتر فظن أن قول الله تعالى: "إنما المؤمنون إخوة" وحديث النبي صلوات الله وسلامه عليه الرائق الجميل المتفق على صحته: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" متعارض مع عجز الدولة عن النصرة الكاملة للشعب السوري ورفع المظلمة عنه, ونسي أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها, "فاتقوا الله ما استطعتم" والجميع يعلم أن سوريا الآن هي حرب استنزاف عالمية بالوكالة بين أقطاب الأرض الكبار, وأن السعودية والدول العربية جزء من تلك الحرب التي تكشف كل يوم حجم التآمر العالمي على أهل السنة والجماعة عبر تطويقهم بالحلف الصفوي الصهيوصليبي, فإيران التي أكلت العراق وجزءًا كبيرًا من لبنان وأجزاء من اليمن والخليج لها مصالح مشتركة – وإن كانت غير متفقة – مع الغرب والشرق, فوحَّدهم عِداءُ الإسلام المتمثل في أهل السنة, لذا فالسعودية تعلم أن ثورة سوريا عبارة عن منعطف تاريخي وتحوّل كبير في البعد الإقليمي والدولي, وعليه فدورها في سوريا لا بد أن يكون محوريًا رئيسًا, لا هامشيًا تابعًا, فلا عجب أن تلقي بثقلها خلف أحرار السنة الذين يشاركونها رفع وإنهاك كاهل المنجل المزدكي الصفوي عن المنطقة بأسرها. والمراقب العادي يرى صدق ذلك وثمرته على الأرض حتى مع كثافة غبار فتن الشقاق والتكفير التي تتحمل طهران كثيرًا من وزر صنعها وتفخيخها. ومن ظن أن إيران ليست اقل خطرًا وعداءً من اليهود فليس يبصر ما تحت قدميه!
ثم قال: "وهنا يبرز التناقض الحاد بين الخطاب من ناحية، والسياسة من ناحية أخرى. مصدر هذا التناقض أن منطق الدولة وحساباتها لا تتطابق غالباً مع منطق الخطاب. بعبارة أخرى، تبدو السياسة من دون خطاب يعبّر عنها ويستند إلى حد أدنى من الإجماع. الخطاب الديني لم يعد كافياً للتعبير عن سياسة الدولة. هي في حاجة إلى خطاب آخر يتسع لمقتضيات الدين ومتطلبات الدولة معاً."
قلت: وهذا مجانب للصواب, إنما أراد الكاتب مخاتلة القارئ بالإيحاء أن الخطاب الديني ليس فيه رؤية ولا رويّة ولا حسابات للمصالح والمفاسد على مستوى الدول والأفراد, وأن كل حال يقدّر بقدره, وإنما المخرج – كما يراه – ابتداع خطاب علماني لا علاقة له بالشريعة, بل يكتفي بدملوماسية الخداع والكذب الخذلان والماكيافيلية والبراجماتية على أنها هي المنقذ من هذه الأزمة الخانقة, ولا أملك ألا أن أقول: وهل مصيبة الدين إلا من كلام من يتكلم فيه دون فقه ولا ورع!
ثم قال: "من هذه الزاوية يبرز إشكال آخر: هل الجهاد قضية دينية، أم قضية سياسية؟ مسار الأحداث، كما مسار التاريخ من قبل، يقول إنها قضية سياسية كل طرف معني أو مهموم بها يبحث لها عن مشروعية دينية، أو قل أيديولوجية. وعصرنا عصر المعلومة، وعصر السياسة، وعصر تسييس المجتمعات. وفي هذا السياق لم يعد خافياً أن درجة التسييس في المجتمع السعودي تتصاعد في شكل لافت. والاقتصار أمام ذلك على خطاب ديني لا يتماهى مع متطلبات الرحلة، يضمر هوة كبيرة بين الطرفين"
وأقول: هنا برهان ما ذكرته بعاليه من جهل الكاتب بالسياسة الشرعية, وهل يشك مسلم في ذروة سنام الإسلام, وهل سقطت الأمة في حضيض هذا الهوان إلا حينما تركته؟!
يا دكتور خالد: الجهاد قضية شرعية, والسياسة قضية شرعية كذلك, وكما قال العلامة السعدي رحمه الله: لا إله إلا الله من أولها لآخرها سياسة.
تبرز للسطح مشكلة بعض المفكرين حينما يصِلون لمرحلة قبول الأفكار المتناقضة عن طريق مزجها في قالب النسبية, فلا معنى لديهم أن يكون الحق واحدًا, بل كلٌّ محتمل للصواب, وليس عابد البقرة بأقل مرتبة وفكرًا و"ديانة" من عابد رب العالمين.
والقضية هنا ليست في مسالمة الآخر أو محاورته أو الإحسان إليه, بل هي هتك حصوننا الداخلية وزعزة ركائزنا الإيمانية في سبيل "قبوله" لنا! لقد هزلت حتى بدا من هزالها كُلاها!
أما عصر تسييس المجتمعات فليس بجديد, وليس أهل الإسلام ببدع من غيرهم, والأرض بأممها تتجه اليوم إلى تسييس أيدلوجياتها, فما بال عطنك قد ضاق عن أهلك واتسع لغيرهم؟!
أما إسقاط الكاتب بتسييس المجتمع السعودي فهو من قبيل تأكيد وتكرار ما ابتدأ به مقاله, وسيكرره مرات ومرات في الأسطر القادمة في متلازمة حقيقة بالرثاء.
ثم قال: "القضية التي تمحور حولها الجدل، ولا يزال، هي: هل حرّض بعض الدعاة والمشايخ الشبان على الذهاب إلى محارق الحروب والقتال في المنطقة بدعوى «الجهاد»؟ هل يجوز ذلك شرعاً؟ ولماذا لا يذهب هؤلاء الدعاة وأولادهم إلى تلك المحارق قبل غيرهم؟ القضية ليست جديدة ومشروعة تماماً، بل ملحة، إلا أنها تتم مناقشتها وكأنها في العراء من دون إطار اجتماعي وسياسي. طرح الموضوع بهذا المفهوم ينسجم تماماً مع المنطلقات الدينية التي يستخدمها بعض الدعاة للتغرير بالشبان. وهؤلاء المغرر بهم -كما قال أحد ضيوف البرنامج- نتاج تربية أممية تعتمد التجييش العاطفي، وتصب في إضعاف الانتماء الوطني. المذهل هذا التناقض الصارخ بين الرغبة في تعزيز الانتماء الوطني من ناحية، والاتكاء من ناحية أخرى على خطاب يرفض من حيث المبدأ فكرة الانتماء هذه"
وأقول: نعم إن مناقشة مثل هذه المواضيع في العراء والإشادة بالمصيب وتخطئة المخطئ وحساب المذنب لهي ظاهرة صحية جديرة بالاحتفاء, فالهواء النقي لا يضر الأصحاء, شريطة أن تُناقش من قبل أهلها الذين يحيطون بأبعادها الشرعية تنظيرًا وواقعًا, وليس ممن يمتطونها لتصفية حسابات شخصية أو فكرية أو سياسية. أما زعمه بتضاد الانتماء الديني مع الوطني فهي زلة كبيرة أحرى بالكاتب المخضرم أن لا يُستجرّ لها, فليست موضوعية ولا منصفة بحال.
ثم قال: "يشترط الخطاب الديني موافقة الوالدين وموافقة ولي الأمر. كلا الشرطين صحيح من الناحيتين الشرعية والسياسية. لكن يتم التركيز على الناحية الشرعية وتهميش الناحية السياسية. وكما أشرت، هل الجهاد قضية دينية، أم سياسية، أم كلتاهما معاً؟ وما مسؤولية الدولة في كل هذه الأوجه الثلاثة؟ هناك جانب الفرد. هناك فرد قابل لأن يغرَّر به لصغر سنه، وآخر غير قابل لذلك، لكبر سنه وخبرته وتعليمه. ماذا عن الأخير عندما يذهب للقتال بقناعته واختياره ومن دون أن يغرر به أحد؟ هل يملك وحده حق تقرير موقفه من قضية بحجم الانتصار لثورة في سورية مثلاً؟ وما حدود موقف هذا الفرد؟ هل هي موافقة الوالدين وولي الأمر، أم قوانين وأنظمة الدولة التي ينتمي إليها؟"
وأقول: أليس ولي الأمر هو من وضع أو أقرّ أنظمة الدولة؟ فلماذا تفصل بين ذينك الأمرين ومؤداهما واحد؟ وهل النظام سوى قيد مصلحي يسنّه ولي الأمر في وقت, ويغير بعض بنوده في وقت آخر, وقد يلغيه تمامًا بعد ذلك. فلعل الكاتب الكريم فيما يستقبل أن ينبذ اللعب بالمصطلحات, وأن يكون واضحًا صادقًا.
ثم قال: "في ما يتعلق بشرط موافقة الوالدين وولي الأمر تبرز ملاحظة لافتة. في حرب أفغانستان كانت هناك موافقة ولي الأمر، وعلى الأقل موافقة بعض الوالدين، ومع ذلك لم تختلف النتيجة. ترتب على تلك المشاركة إرهاب كان ولا يزال معنا، ما يعني أن المشكلة ليست مرتبطة فقط بموافقة الوالدين وولي الأمر. المشكلة في مكان آخر."
وأقول: كَبُرَتْ كلمة يا خالد! ألهذه الدرجة بلغ لك الحنق على الخطاب الديني؟! قد تهرب بقولك: إني أعني كلام العلماء الذين يفتون الدولة ويجيزون سياستها ويبررون خطابها, أو حتى أولئك الذين لا تستمع لهم الدولة وتضرب صفحًا عن خطابهم وتغضي عن كلامهم. ولكن أينك من هذا السؤال: أتريد أن تقول إن الشريعة التي يتكلم بلسانها أهل العلم تحوي في باطنها المشكلة والداء؟! أتعقل ما تقول حقًا؟!
إن كلام فقيه أو أكثر لا يعني بالضرورة أنه موافق للشرع المنزل, ولكن كلام الطرف المخالف غير المتدثر بالعلم والفقه والملقب لهم بأصحاب الخطاب الديني لا يُفهم من كلامه إلا الإسقاط على الوحي ذاته والشريعة عينها, وهنا مكمن الفجور!
ثم أكّد الكاتب إشكالية الخطاب الديني "الذي لا يحتمل في سياقه هنا سوى شريعة الله لأنه أطلق ولم يقيد وعمّم ولم يستثن" فقال: "خطاب ديني يتجاوز بحدوده وتطلعاته سياسات الدولة وقدراتها، وأحياناً يتناقض معها."
قلت: وهذا الكلام الخطير بإقرار الكاتب بتناقض الخطاب الديني مع سياسة الدولة يلزم منه واحد من ثلاثة:
 إما بطلان الخطاب الشرعي - وهو محال في الجملة – وإما فجور الدولة بسياسة مخالفة لشرع الله – وهو مبرر بقائها وشرعيتها عند رعيتها – وإما كذب الكاتب.
ثم قال: "هل مصطلح ولي الأمر بدلالته الآن هو نفسه الذي كان عليه في زمن المأمون وأبو جعفر المنصور ومعاوية بن أبي سفيان، أم أن ولاية الأمر أخذت تنصرف بدلالتها إلى مفهوم الدولة بمؤسساتها وتعقيداتها في هذا العصر؟ لماذا الإصرار على مصطلح ولاية الأمر، في حين أن هذا الأمر أصبح علاقة مركبة بين المجتمع والدولة ولم يعد مجرد تجسيد في مؤسسة أو فرد؟ تشير هذه الأسئلة إلى أنه لم يعد من الممكن حصر معاني كل المصطلحات الشرعية بدلالاتها الدينية، وتجاهل مضامينها وتبعاتها السياسية والاجتماعية في كل مرحلة"
قلت: هل تؤمن بالديمقراطية التي تدعوا لها حقَا؟ هل تناسيت ما فيها من كذب وتدليس ومظالم باسم الشعب؟ هل تعتقد أنها أعدل وأصدق من شرع الله؟ المشكلة يا دكتور ليست في الإسلام بل في تطبيقه, فليس في الإسلام هذا الاستبداد الخانق, ولا الفساد المستشري, ولا الظلم المقنن, ولا الارتجالية التائهة. مشكلتنا – يا صاحبي – في التطبيق, نعم في التطبيق, ولو تمسكنا بأهداب شرع الله ما آل حالنا لما نراه, ولكن أُعيد لك النصح: لا تغتر بمكياج الديمقراطية والليبرالية, وابحث من جديد في دفائن كنوزك, وستجد فيها بغية كل توّاق للحق الأبلج والحرية المنضبطة والعدل الحكيم "ولكن أكثر الناس لا يعلمون"
ثم قال: "لا بد من الاعتراف بأنه عندما يتكرر الجدل بسخونة لافتة حول موضوع خطر مثل الجهاد، يتداخل فيه الديني مع السياسي، في لحظة تاريخية مفصلية، وفي مجتمع محافظ دينياً. فهذا علامة على حيوية ثقافية. لكن عندما يبقى هذا الجدل في غالبه وعلى مدى عقود، داخل دائرة الخطاب الديني، فهذا علامة أخرى لا تنسجم تماماً مع تلك. لماذا؟ لأنه ينم عن تناقض بين الطرح في الفضاء العام، والطرح في الفضاء الخاص، والقضية المطروحة قضية عامة"
قلت: وهذا من مكرور كلامه, عفا الله عنه وهداه.
ثم قال: "ثانياً، أن الحيوية الظاهرة تُبطن شيئاً من الوجل والتردد، وربما عدم الثقة وعدم الوضوح. وأن هذا الوجل والتردد يفرض حصر القضية بحجمها وخطورتها، في إطار خطاب، انفعالي، إقصائي، منفصل عن العصر، ويتناقض رأساً مع الهدف المعلن لطرح القضية من أصلها، ما يحصر خيارات المجتمع داخل الخطاب التقليدي نفسه، ويعيده إلى المربع الأول: ما هو الجهاد؟ هل ذهاب الشبان السعوديين للقتال في الخارج جهاد دفع، أم جهاد طلب؟ ما شروط كل منهما؟ هل يجوز الجهاد من دون موافقة الوالدين، وموافقة ولي الأمر؟ كأنك تناقش الموضوع في إحدى حواضر الأمويين أو العباسيين، وليس في حواضر السعودية في اللحظة الراهنة"
قلت: هذه الأسئلة الوجيهة لو أنك أحسنت إدارتها لرفعتها لمن أمرك ربك بسؤالهم بقوله جل وعز: "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم" وقوله: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" ولكن سياق سؤال الكتاب ومكانه يدلان على أنه سؤال جوابي لا استفهامي, وهذا من ثمار التعالم والانتفاخ بإهاب ليس له! ثم خَلَطَ القضية بما يسمى بالظاهرة التاريخية وإسقاط أحكام الجهاد في الإسلام وأقوال السلف على دولتي بني أمية والعباس في سخرية وهزل, وهذا يردنا بالكاتب إلى السؤال المصحح للإيمان: هل دين الله كامل صالح؟! وليخط الجواب بأكفانه حين رحيله وحيدًا إلى من لا يرجى ولا يخاف ولا يحب على الإطلاق سواه!
ثم قال: "ينطوي ذلك كله على ملاحظة يجب أن تأخذ حقها من الاهتمام، وهي أن العلاقة بين الديني والسياسي في الحال السعودية لم تواكب في تطورها التغيرات التي أصابت المجتمع والمنطقة، بما يجعلها قادرة على الجمع بين الهوية الإسلامية للدولة والمجتمع، والانسجام في الوقت نفسه مع الانتماء الوطني، ومع حقيقة أن السعودية دولة وطنية، وأن طبيعتها دولة مدنية. وهذا لن يتحقق إلا على أساس من نصوص دستورية تعيد صياغة هذه العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتأخذ صفة التعاقد والتكامل بينهما. الدولة الوطنية في حاجة إلى خطاب وطني، ما يتطلب مرجعية دستورية، تعكس خصوصيتها وتستجيب لظروفها وطموحاتها"
أقول: السعودية دولة إسلامية, ولسنا في شيء من تسمياتك وألقابك لها وتمحلك باستبطان مضامين الخطاب المدني بخلفيته الغربية ومرجعيته العلمانية, فقولك إن طبيعتها مدنية – في مقابل الدينية والعسكرية كذلك – باطل, بل دستورها بتفاصيله قائم على مرجعيتها الدينية البحتة, وإن جانَبَتْ بعض تطبيقاتها ذلك الدستور الشرعي الذي لحمته وسداه محكمات الكتاب والسنة. وليس لك بشافع أن تدعي الجمع بين خصوصية المجتمع الإسلامية وظروف وطموحات الدولة, فكما سبق وقلنا: إن كان ثمة ازدواجية فالخلل في معايير بعض الساسة وتطبيقات بعض التنفيذيين وفهوم بعض المتحذلقين, وليس في شريعة رب العالمين, فخذ معك هذا الأصل فإنه نفيس لكل من يكتب في السياسة الشرعية.
ثم قال خاتمًا مقاله: أن"أما حين تبقى هذه المرجعية متناثرة بين نصوص فقهية يعود أحدثها إلى القرن الثامن الهجري (14 م)، وأقدمها إلى القرن الثاني الهجري (8 م)، فلا بد أن تتناثر تبعاً لذلك هوية الانتماء الوطني لهذه الدولة في القرن الخامس عشر الهجري (21 م)."
قلت: وهذا السطر هو شمّاعة هروبه من المسائلة الشرعية, وما هو إلا كنافقاء اليربوع, يضربه بأنفه إذا خاف حمّ القضاء. مع صبغه بمتلازمته التي صدّر وثنّى وثلّث بها كلامه في العلمنة السياسية وتاريخية الوحي المفضية لعدم صلاحيته!
وإنى أرى للدكتور خالد فطنةً وعقلًا وأدبًا خليق بهن أن يفضين به إلى الحق والهدى. "من يهدي اللهُ فهو المهتدي ومن يضلل فؤلئك هم الخاسرون"
اللهم اهدنا سبلنا وألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا, وصل وسلم وبارك على نبيك محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
إبراهيم الدميجي
3/ 4/ 1435

aldumaiji@gmail.com