إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأحد، 30 مارس، 2014

رائع هو.. إحسان الظن

رائع هو.. إحسان الظن

   الحمد لله وبعد: فمن شيم المؤمنين إحسانُ الظنون بعباد الله, فلا يتبعون سوءَ الظنّ إلا عند غلبة الشبهة, مع ذلك فلا يحقِّقُون سوءَ ظنّهم, بل يحملون لإخوانهم أعظمَ المعاذير, وأجمل المحامل, فيقول الصالح لنفسه وقد بلغه عن أخيه سوءٌ: لعلّ الخبرَ لا يثبت, لعلّها نميمةٌ وبهتان, لعلّ أخي المسلم الذي قيلت فيه القالةُ لم يقصد, لعلّه كان ناسيًا, لعلّه كان غافلًا, لعلّه لعلّه.. فيستطيلُ في تلمّس أعذارِ أخيه, فيروح وقد أراحَ فؤاده من حرارة الأحقاد, ووساوس المعاداةِ, فيكسب بذلك أربح التجارات, إذ قد ربح أجره, وربح راحة نفسه, وربح محبّة الناس له, وربح النُّجحَ في أموره لحسن نيّته, فالله شكور حميد, وربح حُسن العاقبة في الدنيا, فكم ممن قصد الإضرار بعبدٍ ثم تاب وأناب وشكر ذلك المضرور على إحسانِ ظنٍّ نفعه ولم يضرّه.
    والطباع سراقةٌ, والجبلّات نزّاعة, وإنّما الحلم بالتحلّم, ومن فروع الحلم حسنُ الظنِّ, ويتأتّى بالدُربة والممارسة وتعلّمِ أسبابِ ذلك, وتلمّحِ موارده, والبحثِ عن متمماته, وفحصِ غوائلِ النفسِ, وتنظيفِ دغائلِها على من لا يستحقون سوى الإحسان.
قال الله تبارك وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ” قال بعض السلف: من جعل لنفسه من حُسْن الظَّن بإخوانه نصيبًا، أراح قلبه. وقال رجل لمطيعِ بنِ إياس: جئتُك خاطبًا لموَدَّتك. قال: قد زوجتُكَهَا على شرط أن تجعل صدَاقَهَا أن لا تسمع فيّ مقالة النَّاس.

ومرض الشافعي رحمه الله، فأتاه بعضُ إخوانه يعوده، فقال للشافعي: قوَّى الله ضعفك. فقال الشافعي: لو قوى ضعفي لقتلني. قال: والله ما أردت إلَّا الخير. فقال الشافعي: أعلم أنك لو سببتني ما أردت إلا الخير. ألا رحمة الله على المُطّلبي, ما أحكمه وأرحمه وأحسن ظنه!
 ومن رام النجاة فليأخذ بأسبابها, وليتعلّق بِعُراها, وما ثمَّ إلا توفيقُ الله تعالى وهُداه, وقد جعل الله لذلك أسبابًا فمنها:
 أن يلتمسَ الأعذارَ للمؤمنين، قال ابن سيرين رحمه الله: إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد، فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه. وفي التماس الأعذار راحة للنَّفس من عناء الظَّن السَّيئ، الذي يشغلها ويقلقها، وفيه أيضًا إبقاءٌ على الموَدَّة، وحفاظ عليها من الزوال والانتهاء. وكان بعض الصالحين يردّد:
تأنَّ ولا تعجلْ بلومِكَ صاحبًا   ...   لعلّ له عذرٌ وأنتَ تلومُ
ومنها: إجراءُ الأحكام على الظاهر، وإيكالُ أمر الضَّمائر إلى الله العليم الخبير، واجتناب الحكم على النِّيَّات، فإنَّ الله لم يكلِّفنا أنَّ نفتِّش في ضمائر النَّاس. لذا فالاكتفاء بظاهر الشَّخص، والحكم عليه من خلاله، من أعظم بواعث حُسْن الظَّن، وأقوى مثبتاته.
إذا ساء فِعلُ المرء ساءتْ ظنونهُ   ...   وصدّق ما يعتاده من تَوَهّمِ
قال أبو حامدٍ رحمه الله: إنَّ الخطأَ في حُسْن الظَّن بالمسلم، أسلمُ من الصَّواب بالطَّعن فيهم، فلو سكتَ إنسانٌ مثلًا عن لعن إبليس، أو لعن أبي جهل، أو أبي لهب، أو من شاء من الأشرار طول عمره، لم يضرَّه السُّكوت، ولو هفا هفوة بالطَّعن في مسلم بما هو بريء عند الله تعالى منه فقد تعرّض للهلاك، بل أكثرُ ما يُعْلمُ في النَّاس لا يحلُّ النُّطق به؛ لتعظيم الشَّرع الزَّجرَ عن الغيبة، مع أنَّه إخبار عما هو متحقِّق في المغتاب.
هذا وقد أجاز العلماء بعض صور سوء الظن, كمن بينه وبين آخر عداوةٌ, ويخاف على نفسه من مَكْرِه، فحينئذ عليه أن يحذَرَ مكائدَهُ ومَكْرَه؛ كي لا يصادفه على غرَّة فيُهلِكَه. ومن ذلك من أظهرَ المعصية وتخلف عن الطاعة بلا عذر, كما قال ابن عمر رضي الله عنهما: كنَّا إذا فقدنا الرَّجل في صلاة العشاء وصلاة الفجر، أسأنا به الظَّنَّ. رواه البيهقي بسند صحيح.
قلت: وشتّان بين ظنِّهم وظنِّ أحدِ الناس الذي فقد جارَهُ عن شهودِ الجماعة بضعةَ أشهر, فأخذ في الكلام في عرضه, والحطِّ من قدره, وأن فيه من سيما المنافقين, وكذا وكذا.. ولم يكلّفْ نفسه السؤالَ عنه, ولا احتمالَ حسنِ الظن به. وفي أحد المجالس بعدما أرغى وأزبد وانتفخ بالباطل, ردّ عليه أحد جيرانه: إن فلانًا الذي ما زلتَ تتكلمُ فيه قد كان مصابًا بمرض خطير ألزمه البيت ستّة أشهر, ثم توفاه الله بعدها, فأُسقطَ في يدِ صاحبنا! ولكن بعد خراب البصرة!
إن حسن الظن هو القاعدة, وسوؤه مع مبرّره الملحُّ هو الاستثناء, فإن انقلب الاستثناءُ قاعدةً هَلَك الناس! قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: لا يحلُّ لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمةً يظنُّ بها سوءًا، وهو يجد لها في شيء من الخير مخرجًا.
 وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من علم من أخيه مروءةً جميلةً فلا يسمعنَّ فيه مقالاتِ الرِّجال، ومن حَسُنت علانيته فنحن لسريرته أرجى.
فعلى المؤمنِ الناصحِ لنفسه أن لا يبحث لها عن المعاذير والمخارج, وأن لا يُرْكِبَهَا قلائصَ التأويلِ التي لا تُغني عنه من الحق شيئًا, في إساءة الظن بما لم يؤذن له فيهم من المؤمنين, بل عليه أن يسيءَ الظن بنفسه, ويحسن الظن بالعباد, وقد حسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر فقال: "إيَّاكم والظَّن، فإنَّ الظَّن أكذب الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا" رواه أحمد, قال النَّووي: المراد: النَّهيُ عن ظنِّ السَّوء، وقال الخطَّابي: هو تحقيقُ الظَّن وتصديقُه دون ما يهجسُ في النَّفس، فإنَّ ذلك لا يُمْلَك. ومراد الخطَّابي: أنَّ المحَرَّمَ من الظَّن ما يستمرُّ صاحبُه عليه، ويستقرُّ في قلبه، دونَ ما يعرض في القلب ولا يستقر، فإنَّ هذا لا يكلَّفُ به.
ومن جميل أقوالهم: السِّتر لما عاينت، أحسن من إذاعة ما ظننت. وقال أحد الزُّهاد الحكماء: أَلقِ حُسْنَ الظَّن على الخَلْق، وسوءَ الظَّن على نفسك، لتكون من الأوَّل في سلامة، ومن الآخر على الزيادة.
بارقة: تكلّم أحدهم على الحسن ثم ندم واعتذر؛ فعفى عنه وأوصاه بقوله: لا تخرجنّ من بيتك وفي نفسك أنك أفضلُ من مؤمن تلقاه قط.
إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

الجمعة، 14 مارس، 2014

أي بُنَيَّ المُبتعث


أي بُنَيَّ المُبتعث

في مجاهل بحر اليابان وفي سنة 1876م ولد الطفل "هيديو نجوشي" في إحدى الجزر الصغرى في اليابان لأسرة بلغ بها الفقر حدًّا جعل أباه يهجر أسرته حين علم أن طفلاً ثانياً في طريقه إلى الحياة! وأُهمل هذا الطفل إهمالاً جعله يسقط في مدفأة فاحترقت يده اليسرى حتى شاهت، وأوذيت يده اليمنى إيذاء كاد يفقد نفعها، فكان أن اجتنبه التلاميذ في المدرسة لما في جسده من وصمات وتشويه، فهمّ الصبيّ بالانتحار هربًا من مآسيه الجسدية والمالية والمعنوية، ولكن الله صرف عنه ذلك, فقد قدم جرّاح نابِهٌ إلى القرية حينها، وعالج يده اليمنى علاجًا ناجعًا.
 واعترف "نجوشي" للجراح بالجميل اعترافاً جعله يقرّر لتوّه أن يكرّس نفسه للطب, ومن ثمّ علاج المرضى والأخذ بأيديهم نحو العافية الجسدية؛ فمن رِحم المعاناة يولد الإبداع.
فجدّ واجتهد, ولم يبال بمشاق التعليم وصعوبات الدراسة واختلاف اللغة وغزارة العلوم التي يحتاج أن يهضمها أولًا ليقف على قدميه في ساحِ الطب, فتقدّم وثابر بعزيمة وصبْرٍ يبزّ عظماء المخترعين, ومن أقواله عن نفسه محدّثًا لها وسائقًا لها لبر النجاح: سأكون نابليون الذي ينقذ البشرية, لا نابليون الذي يفتك بها، إنني أستطيع الآن أن أعيش معتمدًا على نعاس أربع ساعات في الليل.
 وكان "نجوشي" مفلسًا، ولكن متى كان الإفلاس عائقًا عن التحدّي العلمي؟! فعوّض هذا العصامي الفولاذي نقص ماله بزيادة جهده, فعمل في صيدلية على أن يكفل صاحبها مصاريف دراسته. وبعد أن تخرج من كلية الطب, سافر إلى الولايات المتحدة وعرض خدماته على الهيئة الطبية في الجيش في واشنطن مقابل نفقاته فقط؛ فقبلوه لتقديرهم للروح العلمية فيه, وهيأت له مؤسسة "روكفلر" للأبحاث الطبية معملًا يجري فيه تجاربه وينجز أبحاثه بهدوء وجَلَد.
 وشرع الشاب "نجوشي" يعمل وحده, لا يشاركه أحد على الإطلاق في إجراء التجارب والقيام بالبحث العلمي، فانتهى به ذلك الإخلاص والدَّأَبُ لقطف بعض أطيب الثمرات الخالدة في الطب الحديث؛ فهو الذي أنتج أول عينة خالصة من جراثيم الزهري، وكشف عن أثر الزهري في الشلل العام وفي الشلل البطيء, وأخيرًا استطاع في سنة 1918م أن يعزل طفيليّ الحمى الصفراء؛ فلما كسب الشهرة والثروة عاد هذا الوفيُّ لبلده اليابان، وكرَّم أمه العجوز، وجثا على ركبتيه أمام الصيدليّ الذي أنفق على دراسته الطبية اعترافاً له بالجميل.
 ثم انطلق إلى إفريقيا _ حيث الوباء الفتّاك _ ليدرس الحمى الصفراء التي كانت تفتك بساحل الذهب من أوله إلى آخره، فأصابته هذه الحمى التي صرعته بعدما نجح في كشف سرّها, ومات سنة 1928م عن اثنين وخمسين عامًا.
ولي ثلاث وقفات عجلى مع تلك القصة المؤثرة:
الأولى: لست بصدد نقد الابتعاث, فهو في مجملة رافد عظيم للتقدم الحضاري الدنيوي في المجالات التجريبية المختلفة, إنما أُسجّلُ تحفّظي على ابتعاث من هم دون سن النضج (وهو في العادة بعد المرحلة الجامعية) فقد أفرز هذا التساهل انحرافات فكرية وأخلاقية لدى بعض فلذات أكبادنا. كذلك أنبّه لضعف معيار الجودة النوعية في اختيار المبتعثين, وذلك بتدني سقف المقابلة والامتحان مما نتج عنه ضعف ملحوظ في المستوى الدراسي لدى نسبة غير قليلة أثناء الابتعاث. وبالجملة فلا بد للمبتعث من حَصانتين: إيمانية لدفع الشهوات المحرمة, وعلمية لدفع الشبهات المضللة.
الثانية: التحول الاجتماعي والانقلاب الصناعي في أي أمة لا بد أن يسبقه تحوّل ثقافي أخلاقي إيجابي, وبحسب البعد المنهجي وعمقه للأمة يكون تسارع قطعها للمسافات الزمانية للرقي المدني الحضاري, مع التنبيه إلى ضرورة وجود الإرادة ثم الإرادة ثم الإرادة لدى المسؤولين لبناء ثقافة عمليّة (دراماتيكية) مجتمعيّة مستمرة, وليس مجرّد هبّات هنا وهناك, فيتفرّق الجهد وينقطع العمل, مما يثقل الكاهل بأعباء وتكاليف لم نكن بحاجة لها لو وُجدت المتابعة الدقيقة والحزم الصارم مع المتلاعبين والمختلسين والانتهازيين ونحوهم.
ومن الثقافة المحتاجة للتعزيز لدينا: ثقافة الجديّة, والنظام, وعدم الاستنكاف من العمل اليدوي, ونشر ثقافة العصاميّة دون الشرانق المعتمدة على كدِّ والديها.
لقد احتاجت اليابان إبّان قفزتها الشاهقة السريعة من نظام الإقطاع إلى النظام الصناعي والتجاري لخمسة عشر عامًا فقط! (ما يعادل خمس خطط خمسية فقط في بلداننا اليوم) فاستدعت الخبراء الأجانب في مختلف فروع المدنيّة الصناعية الذين وجدوا في مساعديهم اليابانيين العطش العلمي للروح الصناعية, فشربوا علوم معلميهم وطبقوا تجاربهم _ تحت أعينهم _ فلم يمض خمسة عشر من الأعوام حتى صار المتعلّمون أقرانًا لمعلميهم, فابتدأوا صناعة وطنية يابانية نقلت اليابانيين من خيام الجلود والأكواخ إلى المصانع وناطحات السحاب, ومن بدائية المحراث والمطرقة لعصر الأجهزة المعقّدة.
ثالثًا: ليس الابتعاث دليل نقص في بلد المبتعث, فلا زالت الحضارة تنتقل من بلد لآخر مع تغيير لغتها وملبسها, فهي لا تموت ولكن تنتقل, وقد كانت جامعات الأندلس تستقبل المبتعثين من بلاد أوروبا عقودًا طويلة, حتى كانت لغة العرب هي لغة العلم والثقافة وزيّهم هو لباس الحريّة والتنوير, حتى بين أولاد ملوك ونبلاء وأشراف ومثقفي أوروربا في ذلك الحين السعيد.
رابعًا: رسالة مودّة لسفراء بلادهم في الأخلاق والجديّة وحب العلم والعمل من المبعثين من الجنسين:
 أي بُني المبتعث: سلام الله عليك, وأسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة, وأحاط دينك ودنياك بحفظه, وردّك لأهلك سالمًا غانمًا, خذ مني هذي الوصايا الموجزة التي دفقها الفؤاد المفعم بالمحبة لك وحسن الظن بك:
اعلم أنها سنين قلائل ستطوى سريعًا من تحت قدميك وسيترتّب على إنجازك لها مصير مستقبلك في حياتك, فأنت من تفصّل الثوب الذي ستلبسه غدًا بإذن الله.
واحفظ أمانة الله التي أودعكها وهي دينك, فمن فقد دينه فليس عنده شيء يُبكى عليه بعد, فاتق الله وعظّم شعائره وحرماته وحدوده, واحذر ذنوب الخلوات ومنها ما كان بعيدًا عن رقيب قومك, وقد أوصى أحد سلفك صاحبه حين سافر قائلًا: لا يكن الله أهون الناظرين إليك. وإياك والمشتبهات الفكرية, وارجع لأهل العلم فيما أشكل عليك. ثم الزم الوسطية, واعلم أنها صراط الله, فكل من زاد فيها أو نقص منها فقد غوى.
وكن واضح الهدف, حسن التخطيط لبلوغه, متحلّيًا بالجديّة والانضباط.
 ولتكن حسن المظهر, نقيَّ المخبر, واسع الأفق, رحب الصدر, دمث الأخلاق, مراعيًا للمفاسد والمصالح, مفرّقًا بين المداهنة والمداراة, واترك أثرًا طيبًا في كل من تتعامل معهم, ولتكن خير سفير لدينك وبلدك وأهلك.
بارقة: جامعة الوصايا: اتق الله حيثما كنت "ألم يعلم بأن الله يرى" 
إبراهيم الدميجي
صحيفة الاقتصادية

مقال ذو صلة: 

الجمعة، 7 مارس، 2014

التقوى بين الغلوّ والجفاء



الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان,  أما بعد:
فمن سنن الله تعالى في خليقته أن نوّع المدارك, وفضّل في المِنح, ورفع بعض الناس على بعض في أديانهم وعقولهم وأخلاقهم وأرزاقهم, وبثّهم في هذه الدار امتحانًا وابتلاءً. كلٌّ منهم يحرث أيامه بأعماله, ويستبق أجله مع أنفاسه حتى إذا بلغ المدى الأخير عادت وديعة الروح لصاحبها ورجعت لخالقها.. حتى إذا أذن الله للحساب؛ أقام الأشهاد, وجمع الأولين والآخرين.. حينها: "يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذٍ لله" "كل نفس بما كسبت رهينة" "يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية
حينها يكون الافتراق العظيم  في المصير على قدر الافتراق اليوم في التديّن "ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون . فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون . وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فؤلئك في العذاب محضرون"
فبما أن الأمر بهذا الخطر فقد وجب على كل ناصح لنفسه أن يراجع مسيرته, ويحاسب نفسه قبل الفوات, كي يستعتب في دار المهلة ويؤوب قبل أن لا تحين مناص.
ومن فروع تلك المحاسبة: أن لا يكتفي بإحسان النية دون إحسان الاتّباع, فرُكنا قبول العمل الإخلاص والاتّباع, ولا يكفي شرط عن مُكَمّله, فلا بد من تحقيق الشهادة الأولى بتجريد النية وإخلاص العمل وتوجيه الوجه للواحد الأحد لا شريك له, ثم بتحقيق الشهادة الثانية بإحسان الائتساء بمن لَهَجَ له بالشهادة بالرسالة صلوات الله عليه وسلامه وبركاته, وهو القائل _ بأبي هو وأمي ونفسي _ فيما رواه الشيخان: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ" وكفى به عن الإحداث زاجرًا.
فقل لمن لم يخلص: لا تتعب! وقل لمن لم يتّبع لا تتعب! "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعما عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا"
وشرْعُ الإسلام وسط بين الشرائع, قد جمع الله فيه كل كمالاتها وجعله خاتمًا لها ناسخًا, "ومن يبتغ غير الإسلام فلن يقبل منه" وأمة محمد صلى الله عليه وسلم وسط بين الأمم, عدولًا خيارًا شهداء على الناس, "وكذلك جعلناكم أمة وسطًا"
وما من أمر لله إلا وللنفس فيه إفراط أو تفريط, ومن رحمة الله أن جعل منار الدين واضحًا جليًّا, وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم محفوظة نقيّة "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" فمن رام الفلاح فليبدأ من هنا. لا غلو ولا جفاء, فابعث نفسك على العمل واجتهد ولا تقصّر, ثم قف حيث وقف القوم, فلا خير في التقصير ولا خير في الغلو.
إبراهيم الدميجي
6/ 5/ 1435

الأحد، 2 مارس، 2014

زهد وإحسان لا تصوّف وخرافة

زهد وإحسان لا تصوّف وخرافة
أن تصل مرتبة الإحسان التي أعلاها وأشهرها رسول الهدى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه, بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك" عليك بأمرين:
إحسان المعتقد, وإحسان المتابعة.
"فمن كان يرجو لقاء ربه فليعما عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا" صلاحًا بحسن الاتّباع وهجر الابتداع, وإخلاصًا بالبراءة من كل ما يشوب صفاء التوحيد من لوثات التشريك.
فإحسان السلوك يبدأ من هنا, وبهذا تتحقق لك الشهادتان قولًا وعملًا, فإن كنت كذلك فافرح بفضل الله تعالى, واحمده واشكره والهج بتقديسه وذكره, واسأله المزيد من فضله, والتثبيت على صراطه, وإن كنت على غير هذه الجادة _ إما دَخَلًا في معتقد, أو ابتداعًا في الاتّباع _ فلا تتعب نفسك, فعلى قدر الانحراف تكون المؤاخذه بعد إقامة حجة الله تعالى على نفسك.
فيا صاحبي اضرع إلى ربك, وانطرح بين يديه, وانكسر في سجودك مبتهلًا: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل, عالم الغيب والشهادة, أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
إبراهيم الدميجي