إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الثلاثاء، 25 ديسمبر 2012

(1/ 3) بشارات العهد الجديد بنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم


بشارات العهد الجديد بنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم (1/ 3)
    الحمد لله رب العالمين, الرحمن الرحيم, مالك يوم الدين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, إله الأولين والآخرين, وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله النبي الرسول الأمين, بشر به إخوانه المرسلون, صلى الله عليه وعليهم وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وسلم تسليماً. أما بعد:
    فقبل البيان ثَمَّ أمور ممهِّدة:
    الأول: أن الكتاب المقدس عند أهل الكتاب بعهديه القديم والجديد قد حوى ــ حتى بعد تحريفه ــ بشارات بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
    والعجيب أن النصارى المكذبين رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون ربهم في كل صلاة أن يعجل بمحمد صلى الله عليه وسلم ــ وإن لم ينووه أو يعينوه ــ بقولهم: "ليأت ملكوتك" والملكوت هو الإسلام, لأنه طريق الجنة ، فهلموا إلى الملكوت معاشر المصلين.
    الثاني:  أن المسيح ابن مريم عليه السلام لم يدّع يومًا أنه المنتظر، بل كان ينفي ذلك عن نفسه.
    كما في يوحنا: "أجاب يسوع مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود ولكن الآن مملكتي ليست من هنا" (يوحنا 18: 36) فمملكته عليه الصلاة والسلام في الجنة، وليست المملكة المنتظرة في الدنيا.
   وكان كثير من معاصريه من الأحبار قد أدركوا أنه ليس المسيح المنتظر، مستدلين على ذلك بمعرفتهم بأصل المسيح ابن مريم ونسبه وقومه، بينما المنتظر حسب أسفارهم قادم غريب عنهم لا يعرفه اليهود "قال قوم من أهل أورشليم أليس هذا الذي يطلبون أن يقتلوه، وهاهو يتكلم جهارًا ولا يقولون له شيئًا، ألعل الرؤساء عرفوا يقينًا أن هذا هو المسيح حقًا، ولكن هذا نعلم من أين هو، وأما المسيح فمتى جاء لا يعرف أحد من أين هو" (يوحنا 7: 25ــ 27).
    إذن فالمسيح القادم غريب عن بني إسرائيل، وقد أكد صدق هذه العلامة عيسى عليه السلام، فقد قال في نفس السياق: "فنادى يسوع وهو يعلّم في الهيكل قائلاً تعرفونني أو تعرفون من أين أنا ومن نفسي لم آت بل الذي أرسلني هو حق الذي أنتم لستم تعرفونه... فآمن به كثير من الجمع وقالوا ألعل المسيح متى جاء يعمل بآيات أكثر من هذه التي عملها هذا" (يوحنا 7: 25ــ 31) وهكذا ذكر المسيح أنه رسول الله، وأنه ليس الذي ينتظرونه، فذاك لا يعرفونه، والسبب بالطبع أنه من بني إسماعيل.
    وفي موقف أكثر صراحة في نفيه عن نفسه أنه المسيح المنتظر لليهود واحتجاجه عليهم بأنه من نسل داود عليه السلام: "فيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع قائلاً ما تظنون في المسيح ابن من هو؟ قالوا له: ابن داود. قال لهم: فكيف يدعوه داود بالروح ربًا قائلاً قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موضعًا لقدميك. فإن كان داود ليدعوه ربًا فكيف يكون ابنه؟! فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة" (متى 22: 41ــ 45) نعم فالأب لا يقول لابنه: سيدي.
    كذلك فهناك مانع في المسيح يحول بينه وبين أن تتحقق النبوءة فيه، فبحسب أسفارهم ــ ولا أظنها تصح ــ أنه من نسل الملك الفاسق يهويا قيم بن يوشيا (الأيام (1) 3: 14، 15) وقد حرّم الله تعالى ــ حسب العهد القديم ــ الملك على ذرية ذلك الملك الفاسق "قال الرب عن يهويا قيم ملك يهوذا لا يكون له جالس على كرسي داود" (إرميا 36: 30)، وقد تنبه نساخ إنجيل متى لهذه العلة المانعة فأسقطوا اسم هذا الجد من نسب المسيح بين يوشيا وحفيده يكنيا، ولكن بعد هذا التحريف المتعمد لم يمكنهم أن يحرفوا سفر الأيام لأن اليهود سيحولون بينهم وبين مأربهم ذلك فليس بينهم تقاطع مصالح في هذه النقطة وليس لليهود مصلحة بل  ربما شمتوا بهم من خلالها.
    وبعد التأمل في سيرة المسيح عليه السلام وأقواله وأفعاله وأحواله نصل إلى امتناع كونه المسيح المنتظر والملك القادم المذكور في بشارات الكتاب المقدس، فالمسيح لم يملك يومًا واحدًا على بني إسرائيل بل كان يهرب من بطشهم وظلمهم، أما النبي المنتظر فهو يسحق ملوك وشعوب زمانه كما أخبر به يعقوب عليه السلام "يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب" (تكوين 49: 10) وكما قال داود عليه السلام: "شعوب تحتك يسقطون" (مزمور 45: 5)([1]).
    والمسيح كان يدفع الجزية للرومان "خذه وأعطهم عني وعنك" (متى 17: 24ــ 27) فأين حال دافع الجزية لهم من الملك الذي يجتثهم لغياهب أوروبا، ويسقط عاصمتهم القسطنطينية، ويحيل كنيستهم أياصوفيا من رمز ووكر لمسبة الله تعالى بالتثليث والولادة, إلى مسجد يذكر فيه اسمه ويعظم فيه دينه وترفع فيه شعائره؟!
    والمسيح عليه السلام كان يرفض قسمة الميراث بين متـخاصمين "من أقامني عليك قاضيًا أو مقسمًا" (لوقا 12: 14) أما محمد صلى الله عليه وسلم فكان يحكم في الرقاب والدماء والأموال والدول.
    أما تحويل تلك النبوءات لعودة المسيح آخر الزمان فهذا منقوض بنصوص العهدين "ويملك على بيت يعقوب" (لوقا 1: 33) فملكه خاص باليهود وليس عام بالشعوب أما الآخر "يكون له خضوع شعوب" (تكوين 49: 10) فأين ملك الشعوب من ملك اليهود؟!
    إن بني إسرائيل قد أغضبوا الجبار جل جلاله وتقدست أسماؤه وصفاته، فنقل الخيرية عنهم لمن يستحقها ممن يعظمه ويحبه محبة حقيقية لا مُدّعاة "لماذا رفضتنا يا الله إلى الأبد" (مزمور 74: 1).
    أما استدلالهم بحديث السامرية لما سألته عن المسيا القادم "قال لها يسوع أنا الذي أكلمك هو" (يوحنا 4: 25، 26) فهنا قد وقع تحريف، دليل ذلك أن التلاميذ لم يسمعوا حديثه مع السامرية فكيف يقوّلونه ما لم يسمعوا؟! كما أن هذا ليس معهودًا عنه، بل المعهود عنه عكس ذلك فقد كان ينفي مرارًا سواءً مع التلاميذ أو الكهنة! أضف إلى ذينك السببين أن المرأة لم تؤمن به أنه المنتظر، ولو قال لها لآمنت به، فهي لم تزد على أن ذهبت للمدينة وأخبرتهم أن "إنسانًا قال لي كل ما فعلت، ألعل هذا هو المسيح" (يوحنا 4: 28، 29)، أتراها تكتم خبره لو كان قد أخبرها أنه المنتظر المخلص الموعود؟!
    لقد صدق بولتمان في كتابه (يسوع) حين قال: "إن يسوع لم يعتبر نفسه المسيا" وقد وافقه على قوله هذا كثير من المعاصرين كما نقل عنهم الأسقف برنارد بارتمان أنهم قالوا: "إن يسوع لم يعتبر نفسه المسيا بل إن التلاميذ هم الذين أعطوه هذا اللقب بعد موته (المزعوم) وقيامته من الأموات الأمر الذي كان يرفضه بشدة أثناء حياته على الأرض" وكذلك قال شارل جنيبر: "والنتيجة الأكيدة لدراسات الباحثين هي: أن المسيح لم يدع قط أنه هو المسيح المنتظر، ولم يقل عن نفسه أنه ابن الله"([2]).
   هذا و يرى كثير من المحققين أن المسيح والمسيا شخصان مختلفان، وأن المسيح هو الممهد والمبشر للمسيا، فالأول (المسيح) عيسى عليه السلام، والثاني (المسيا) محمد صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يراهما شخصية واحدة والخطب يسير دام أنها مسألة اصطلاحية، وإلا فالمضمون الحقيقي هو أن المسيح ابن مريم مبشر بالنبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم سواء سميناه المسيا أو المسيح. وإن كان تحقيق المصطلحات أولى بلا شك.
    ثالثاً: أن تلاميذ المسيح لم يفهموا نبوءاته ــ حسب نقل العهد الجديد عنهم ــ.
    ففي أعمال الرسل ــ المنسوب إلى لوقا ــ نُسب إلى بطرس أن المسيح هو تأويل نبوءة داود "قال الرب ربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك، فليعلم يقينًا جميع بني إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم ربًا ومسيحًا" (أعمال 2: 29ــ 37) ودليل خطأ هذا الربط نفي المسيح عن نفسه ذلك في رده على الفريسيين "فإن كان داود يدعوه ربًا فكيف يكون ابنه" (متى 22: 41ــ 46) فالقادم ليس من ذرية داود أصلاً، فالأب لا يقول لابنه سيدي ولا ربي.
    والأناجيل تذكر تذمر المسيح عليه السلام من أن تلامذته لم يفهموا كلامه الواضح البسيط، فكيف بالنبوءات وتأويلها "وتحرزوا من خمير الفريسين وخمر هيرودس. ففكروا قائلين بعضهم لبعض ليس عندنا خبز. فعلم يسوع وقال لهم لماذا تفكرون أن ليس عندكم خبز ألا تشعرون بعد ولا تفهمون. أحتى الآن قلوبكم غليظة. ألكم أعين ولا تبصرون ولكم آذان ولا تسمعون ولا تذكرون. حين كسرت الأرغفة الخمسة للخمسة الآلاف كم قُفّة مملوَّة كسرًا رفعتم، فقالوا اثنتي عشرة.. فقال لهم كيف لا تفهمون" (مرقس 8: 15ــ 21) كذلك تكرر الأمر (يوحنا 6: 60) (مرقس 9: 21، 32).
    بل قد امتد سوء الفهم حتى لكبير معلمي اليهود نيقوديموس الذي لم يفهم معنى الولادة الروحية "أجاب يسوع وقال له أنت معلم إسرائيل ولست تعلم هذا" (يوحنا 3: 3ــ 10) فلئن كان هذا حال معلم إسرائيل فماذا عساه يكون حال متى الذي كان عشارًا، أو يوحنا وبطرس وهما صيادا سمك، ويصفهما سفر الأعمال بأنهما "إنسانان عديما العلم وعاميان" (أعمال 4 13) وعلى هذا فما ينسب لهم من لي أعناق البشارات للمسيح غير مسلّم.
    قال البروفسور مومري: "كان حواريوه دائمًا لا يدركون أعماله، أيريدون أن ينزل عليهم نارًا من السماء يريدونه أن ينصب نفسه ملكًا على اليهود، يريدون أن يجلسوا على يمينه وعلى شماله في مملكته، يريدون أن يريهم الله، أن يجعلهم يرون الله بأعينهم المجردة، يريدونه أن يفعل وأن يفعل لهم أي شيء يتعارض مع رسالته العظيمة" ونسجل هنا عدم موافقتنا لكلام البروفسور فقد تضمن إساءة ظن بهم ومبالغة في رفع سقف مطالبهم أو رغباتهم لأنهم ـ على كل حال ـ أخلص الناس للمسيح عليه السلام، وأعلم الناس بدينه ورسالته وأصلح من كانوا على ظهرها يومئذ، وروايات العهد الجديد مطعون فيها.
    والثابت أن الحواريين قد طلبوا من المسيح عليه السلام طلباً غريباً وهو إنزال مائدة من السماء، بل طلبوها بأسلوب ينم عن جهل لا علم ورسوخ في العلم والإيمان: "إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كتتم مؤمنين . قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين . قال عيسى بن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين . قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين" [المائدة: 112ــ 115]، فذكروا علل الطلب الغريب والعلل الأغرب وهي:
1ــ الأكل.
2ــ اطمئنان القلب لطروء الشك عليه، وهو ما صرحوا به بالسؤال عن قدرة الله على فعل ذلك.
3ــ الاطمئنان لصحة رسالته من عند الله، وهذا مطعن آخر في الإيمان.
4ــ أن يكونوا شاهدين عليها بين الناس.
    وشتان ما بين حال هؤلاء وبين حال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان الإيمان قد تجذر في قلوبهم ورسخ العلم في أفئدتهم؛ حتى أصبح الإيمان بالله ورسوله في قلوبهم كالجبال الرواسي، وكانوا أشد الناس تعظيمًا لله تعالى وخشية له وعلمًا به وبصفاته وأفعاله، وإجلالاً ومهابة لرسوله صلى الله عليه وسلم، فكانوا لا يسألونه هيبة وإجلالاً إلا فيما ندر، ويفرحون بالقادم من البادية يسأل عن الدين فيستمعون لجواب نبيهم ويحفظونه وينقلونه، وبعد ذلك فهم أكثر بذلاً لنفوسهم في ذات الله تعالى وزجًّا بها في غياهب الموت فداءً لنبيهم صلوات الله وسلامه عليه ورضي عنهم، وكم عضتهم السيوف وقصفتهم الرماح وألهبتهم الأسهم فأضحوا صرعى دونه، وكانوا أجود بأموالهم وربما خرج أحدهم من ماله كله في سبيل الله تعالى، وكانوا أعلم الناس بالله وبرسوله وبدينه وشرعه، فهم أفقه الناس وأعمقهم علمًا وأبرهم قلوبًا وأقلهم تكلفًا، فلا كان ولا يكون في الناس ــ بعد الأنبياء ــ مثلهم.
    بينما تحدثنا الأسفار عن هروب الحواريين لما أراد اليهود قتل نبيهم، ثم تبديلهم شريعته ــ كما في مجمعهم الأول في أورشليم ــ حتى نقضوا ناموس موسى وبدلوا التوراة والإنجيل ــ إن صح ذلك عنهم ولا أظنه ــ بينما عبد أصحاب موسى عليه السلام العجل بعدما رأوا للتو آيات من آيات الله تعالى وآذوا نبيهم "لا تكونوا كالذين آذوا موسى"  [الأحزاب: 69]، ثم رفضوا طاعته جبنًا وهلعًا من العماليق، وقالوا بسوء أدب مع الله جل جلاله: "فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون" [المائدة: 24]، وليس كلهم كذلك بل منهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وآمنوا بموسى حق الإيمان وعملوا بالتوراة، كذلك أصحاب المسيح عليه السلام من الحواريين، فلا نبخسهم حقهم بل قد أثنى الله عليهم، وأمر المؤمنين أن يتـخذوهم مثلاً  فقال: "يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحوارييم من أنصاري إلى الله قا الحواريون نحن أنصار الله" [الصف: 14].
    رابعاً: أن الذي قال عن نفسه أنه النبي المنتظر هو محمد صلى الله عليه وسلم، وقد صدّقه الله بآيات بينات ومعجزات ظاهرات باهرات. وفي القرآن الكريم بيان أن الله تعالى قد أخذ العهد على الأنبياء أن يؤمنوا به، وأن ينصروه لو بعث في زمانهم ويتبعونه فقال جل ذكره: "وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين" [آل عمران: 81].
    ومنهم إبراهيم الخليل عليه السلام الذي قال: "ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم"  [البقرة: 129].
وكان موسى عليه السلام مطالبًا باتباعه لو بعث وهو حي، فقد قال محمد صلى الله عليه وسلم: "لو كان موسى حيًا بين أظهركم ما وسعه إلا اتباعي". رواه أحمد والدارمي.
    ومنهم المسيح ابن مريم عليه السلام "وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد" [الصف: 6].
    وقد أكّد الله تعالى وجود البشارات بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة: كما في قوله تعالى: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون" [الأعراف: 157].
    وفي تلك الكتب ذِكْرُ أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام وأمته: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً" [الفتح: 225].
   بل ويذكر الله تعالى أن أهل الكتاب يعرفون نبيه صلى الله عليه وسلم بصفاته وعلاماته كما يعرفون أبناءهم "الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون" [الأنعام: 20]، وقد اعترف بذلك بعض كبار أحبار اليهود وسادتهم كعبد الله بن سلام رضي الله عنه وكعب الأحبار ووهب بن منبه وآخرين(وقد بُشِّرَ من أسلم من اليهود والنصارى بأنهم سيؤتون أجرهم مرتين، وهذه البشارة خاصة بمن أسلم من أهل الكتاب) ولا شك أن التوراة التي بين أيدينا قد طالتها يد التحريف بشكل متدرج، فكلما ذهب جيل من الأحبار خلفهم جيل آخر فمدّوا أيديهم لطمس نور البشارات، وشيئًا فشيئًا صارت حالها مثلما رأيناه فيما سبق، ففي القرن السابع الميلادي كشف كعب الأحبار ــ وهو من كبار يهود زمانه ــ بعدما أسلم عدة روايات توراتية لا تحتمل التأويل في البشارة بنبي الإسلام صلوات الله وسلامه عليه، وعموم رسالته للأمم، وذكر منها: "أحمد عندي المختار لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، يعفو ويغفر، مولده بكاء (بكة) وهجرته طابا (طيبة وهي المدينة) وملكه الشام، وأمته الحمادون، يحمدون الله على كل نجد، ويسبحونه في كل منزلة، ويوضئون أطرافهم، ويأتزرون على أنصافهم، وهم رعاة الشمس، ومؤذنهم في جو السماء، وصفّهم في القتال وصفّهم في الصلاة سواء، رهبان بالليل، أسد بالنهار، ولهم دوي كدوي النحل، يصلون الصلاة حيث ما أدركتهم"([3]).
   وقال كعب الأحبار كذلك: مكتوب في التوراة "محمد رسول الله، عبدي المختار، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام" وهذا النص كالشمس، لذلك فاليهود كانوا يعلمون قرب زمان بعثته وبلده ومهاجره، لذا فقد نزلت قبائل منهم طيبة لعلمهم بأنها دار هجرته انتظارًا منهم لمبعثه، وكانوا يتواصون فيما بينهم باتباعه ونصرته حين يخرج كما فعل ابن الهيبان([4])، ولكن لما بعث حسده جمهورهم، وقد ذكر أبو نعيم في (دلائل النبوة)([5]) بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن أبيه مالك بن سنان رضي الله عنه قال: "جئت بني عبد الأشهل يومًا لأتحدث فيهم ــ ونحن يومئذ في هدنة من الحرب ــ فسمعت يوشع اليهودي يقول: "أظل خروج نبي يقال له أحمد، يخرج من الحرم، فقال له خليفة بن ثعلبة الأشهلي ــ كالمستهزئ به ــ ما صفته؟ فقال: رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حمرة، يلبس الشملة، ويركب الحمار، وهذا البلد مهاجره، قال: فرجعت إلى قومي بني خدرة وأنا يومئذ أتعجب مما يقول يوشع، فأسمع رجلاً منا يقول: هذا وحده يقوله؟ كل يهود يثرب تقول هذا. قال: فخرجت حتى جئت يهود بني قريظة، فتذاكروا النبي صلى الله عليه وسلم فقال الزبير بن باطا: قد طلع الكوكب الأحمر الذي لم يخرج إلا بخروج نبي وظهوره، ولم يبق أحد إلا أحمد، وهذا مهاجره. قال أبو سعيد: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أخبره أبي هذا الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أسلم الزبير وذووه من رؤساء يهود لأسلمت يهود كلها، إنما هم لهم تبع".
    لذلك فقد سارع عرب المدينة للإسلام ونصرة نبيه لما عندهم من بشارات من جيرانهم اليهود، كذلك فقد منعت اليهود ملك اليمن تبع من تـخريج المدينة إذ جاءه كبيرهم شموال اليهودي وأخبره أنها مهاجر نبي من بني إسماعيل، ومولده بمكة، واسمه أحمد. فامتنع تُبَّع عما كان أزمعه([6]).
    والآن إلى ذكر شيء من بشارات العهد الجديد بالنبي صلى الله عليه وسلم. بما أن النصارى لا يعتمدون إنجيل برنابا، وهو الإنجيل الأقرب للحق من أناجيلهم المعتمدة، فلن نذكر بشاراته، مع أنه قد أورد اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم صريحًا في أكثر من آية وبشر به وشهد له بالرسالة وعمومها للأمم.
البشارة الأولى: "وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة"، "وعلى الأرض إسلام, وللناس أحمد":
    وهذه البشارة وردت في إنجيل لوقا "ظهر جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة" (لوقا 2: 14).
    وهي البشارة التي قادت القس الكاثوليكي والعالم اللاهوتي وخبير اللغات عبد الأحد داود إلى الإسلام. وهذه البشارة كانت ليلة ميلاد المسيح عليه السلام، وقد تبدت الملائكة للرعاة وزفّت لهم ولأهل المعمورة هذه البشارة، فما مغزاها؟ ومن المعني بها يا تُرى؟
    لقد قدّم عبد الأحد داود بحثًا لغويًا قيمًا أثبت فيه بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه الآية من إنجيل لوقا إنما هي بشارة بمجيء النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالإسلام(والعلاقة بين هذا التوقيت والبشارة أنه ميلاد المبشر بالرسول الخاتم)، وقال: "إن هؤلاء الملائكة لم ينشدوا هذا النشيد باللغة العبرية ولا اليونانية، وإلا لما فهمها الرعاة الذين سمعوا النشيد؛ لأن الرعاة لم يكونوا يفهموا إلا السريانية التي هي لغتهم، وإذا كان هؤلاء الأملاك نطقوا هذه الكلمات بالسريانية فما هي كلمات الأنشودة بهذه اللغة؟ وما هي ترجمتها الحقيقية؟ وبخاصة السلام، المسرة)؟"([7]).
    وهنا يؤكد الباحث أن أصل هاتين الكلمتين بالسريانية التي تكلم بها الملائكة هو: (إيرينا) و(يودكيا).
    ويؤكد أن ترجمة هاتين الكلمتين في الإنجيل خطأ، ودليل ذلك أن الترجمة قد اختلفت في الألفاظ والمعاني تبعًا لاختلاف طبعات الأناجيل ودور النشر، وعلى سبيل المثال ففي الطبعة المتداولة بين أيدينا نجد أن لفظ (إيرينا) ترجمت بــ(السلام) ولفظ (يودكيا) ترجمته بــ(المسرة) ولكن الطبعة الصادرة عن دار النشر (بيبل سوسايتي) ترجمت فيها هاتين اللفظتين هكذا (إيرينا) (سلامة) و(يودكيا) (حسن الرضا) ويستدل الباحث على خطأ الترجمتين معًا، بل وعلى سوء النيّة وتعمد التضليل بالخطأ في ذلك، حتى تضيع الحقيقة المرادة من هذه الكلمات.
    وقبل أن يورد الترجمة الصحيحة لهاتين اللفظتين يورد نقضين على الترجمة المتداولة لهما، فهو يتساءل: ما معنى أن يكون على الأرض السلام أو سلامة؟ وأي سلام شهدته الأرض والجنس البشري؟! وإنما الكائنات كلها في حرب مستمرة ودائبة مع بعضها البعض! ثم أي سلام شهد هذا الكوكب منذ ظهر المسيح؟ فالمنازعات منذ ظهوره زادت، والاضطهادات تفاقمت، وتاريخ البشر لم يشهده من الفظائع مثلما وقع على أتباع المسيح في أثناء الاضطهادات التي وقعت على يد نيرون وغيره، بل إن الفظائع زادت وتفاقمت على يد الكنيسة نفسها ضد أصحاب الديانات الأخرى، وضد أتباعها ممن يخالفون تعاليمها، وما عهد محاكم التفتيش عنا ببعيد، بل إن كان في الدنيا شيء قد اكتسب أكثر شهرة في اقتراف المظالم، وإيقاد نيران العداوة فلا شك أنها الكنيسة.
    ثم كيف يكون السلام على الأرض بمجيء المسيح، والمسيح نفسه ينفي هذا ويقول: "لا تظنوا أني جئت لألقي سلامًا على الأرض، ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا" (متى 11: 24)، وقد وقع السيف على أتباعه ثم على أعدائهم اليهود "جئت لألقي نارًا على الأرض، أتظنون أني جئت لأعطي سلامًا على الأرض، كلا أقول لكم بل انقسامًا" (لوقا 12: 49)، إذن فمن المحال أن تقصد الملائكة أن الأرض عليها السلام بمعنى المصالحة والمسالمة فإن ذلك منقوض بنص كلام المسيح نفسه، ومن واقع حياة البشرية وسيرة الكنيسة الدموية الوحشية([8]).
    ثم يتساءل الباحث: ما معنى أن يكون الناس بالمسرة أو حسن الرضا؟ والناس مطبوعون على الطموح، وأطماعهم لا تحد، والجشع في الناس يزيد ولا ينقص!
    ثم بعد ذلك يوضح الباحث الترجمة الصحيحة للكلمتين (إيرينا ويودكيا) وأن أصدق الترجمات هي ترجمتهما بــ(الإسلام، أحمد).
    وعلى هذا فالصحيح أن الآية الإنجيلية: "الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض إسلام، وللناس أحمد".
    والترجمة الصحيحة لكلمة (إيرينا)( وتكتب كذلك (إيريني) اليونانية في العبرانية (شالوم) وهي في العربية (الإسلام) و(السلام). أما كلمة (يودكيا) اليونانية فيصح أن تترجم للعبرانية (حمدا) أو (محماد) المشتق من الفعل (حمد) ومعناه: المرغوب فيه جدًا، أو المحبوب أو الرائع، وكلها معان موجودة في كلمة (محمد) أو (أحمد) ومثل هذا التقارب يدل على أن لهما أساسًا مشتركًا كما هو الحال في كثير من كلمات اللغات السامية. فصلى الله وسلم على من بعثه الله بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.
...للمقال صلة
إبراهيم الدميجي
١٣/ صفر/١٣٣٤
aldumaiji@
http://aldumaiji.blogspot.com/

 حمّل مجّانًا مجموعة من الكتب في النصرانية واليهودية

 

حمل مجّانًا كتاب العقائد النصرانية في الميزان

العقائد النصرانية في الميزان  


حمل مجّانًا كتاب ربحتُ محمدًا ولم أخسر المسيح عليهما الصلاة والسلام

ربحتُ محمدًا ولم أخسر المسيح عليهما الصلاة والسلام

 

حمل مجّانًا كتاب نظرة فاحصة في الكتاب المقدس the holy bible

نظرة فاحصة في الكتاب المقدس the holy bible

 

حمل مجّانًا كتاب أشهر بشارات العهد الجديد بنبيّنا صلى الله عليه وسلم

أشهر بشارات العهد الجديد بنبيّنا صلى الله عليه وسلم

 

حمل مجّانًا كتاب سبع بشارات توراتية برسول الله صلى الله عليه وسلم

سبع بشارات توراتية برسول الله صلى الله عليه وسلم

 

حمل مجّانًا كتاب المسجد الحرام والحج في صحف أهل الكتاب

المسجد الحرام في صحف أهل الكتاب

 

حمل مجّانًا كتاب يا سائلًا عن بني إسرائيل!

يا سائلًا عن بني إسرائيل!

 

حمل مجّانًا كتاب أخلاق الكنيسة وأخلاق الإسلام

أخلاق الكنيسة وأخلاق الإسلام

 

حمل مجّانًا كتاب النصرانية من التوحيد إلى الوثنية

النصرانية من التوحيد إلى الوثنية

 

حمل مجّانًا كتاب كشف شبه أهل الكتاب (13) شبهة

كشف شبه أهل الكتاب (13) شبهة

 

حمل مجّانًا كتاب هل انتشر الإسلام بالسيف؟ 

هل انتشر الإسلام بالسيف؟

 

حمل كتاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجّانًا

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم 


....................
([1])   هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم، د. السقار ص27ــ 35.
([2])   المسيحية نشأتها وتطورها، شارل جنيبر، ص50، تاريخ الفكر الفلسفي، الدكتور القس حنا جرجس (1/ 280ــ 282).
([3])   هداية الحيارى، ابن القيم، ص193، الجواب الصحيح، ابن تيمية (5/ 282، 283)، تاريخ الأمم والملوك، الإمام الطبري (4/ 93)، دلائل النبوة، الحافظ البيهقي (1/ 284).
([4])   وسبق ذكر خبره في مقال سابق.
([5])   ص39، 40.
([6])   سيرة ابن إسحاق، ص29ــ 33.
([7])   الإنجيل والصليب، عبد الأحد داود، ص33ــ 55، وانظر: محمد في الكتاب المقدس، عبد الأحد داود، ص147ــ 165، البشارة بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل، د. أحمد السقا (2/ 370ــ 372)، هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم، د. منقذ السقار، ص112ــ 114.
([8])   وانظر: النصرانية، د. محمود مزروعة، ص82ــ 84.

الجمعة، 7 ديسمبر 2012

هل انتشر الإسلام بحد السيف؟! (2/ 2)


سلسلة حلقات كشف الشبه عن الإسلام: الجزء الأول

هل انتشر الإسلام بحد السيف؟! (2/ 2)

    الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى آله وصحبه, وبعد:

    فلنا عشر وقفات خاتمة لما أسلفناه من حروف حيال هذا السؤال: هل انتشر الإسلام بالسيف:

    الأولى: حين سقطت الأندلس بيد النصارى أصدر البابا قرارًا بتقسيم أرض الكفار ــ ويعني بهم المسلمين ــ إلى دولتين هما أسبانيا والبرتغال (وأصل تسميتها من الكلمة العربية أرض البرتقال حسب تسمية المسلمين) وقامت محاكم التفتيش بأفعال وحشية ضخمة للقضاء على بقايا الإسلام في الأندلس بمنتهى البشاعة، فاستـخدمت أقسى وأبشع وسائل التعذيب في تاريخ البشرية لمطاردة الإسلام في كل شبر من أرض ما صار يسمى أسبانيا والبرتغال، حتى صارت الهينمة في جوف الليل مبررًا لدخول رجال التفتيش أي بيت تسمع فيه لأن ذلك الصوت هو صوت قراءة القرآن الكريم سرًا في الصلاة في هدأة الليل، وصار وجود حمام في أي بيت يدخله رجال التفتيش مبررًا لصب أنواع التعذيب على أهله؛ لأن الحمامات داخل البيوت كانت في ذلك الوقت من خصائص المسلمين لنظافتهم وطهارتهم وسترهم وحيائهم، ومع هذا التقطيع العرقي الديني ــ وليس التطهير ــ والتهجير والقتل والعسف والإكراه فقد استغرق الأمر مئتي عام حتى تكون الأندلس نصرانية خرافية ضالة بعد أن كانت حنيفة مسلمة مهتدية، وتم إعلان ذلك عام (1492م).

    وبعد سقوط الأندلس شجع البابا النصارى على متابعة المسلمين خارج الأندلس بنية القضاء على الدين الإسلامي في كل الأرض، ولكن بعد مشيئة الله ثم وجود الدولة العثمانية القوية في الشرق فقد حيل بينهم وبين ما يشتهون، فحالت تلك الدولة العثمانية دون اتجاههم لبيت المقدس وقتل مسلمي شمال أفريقيا والشام والأردن والجزيرة العربية، فحاولوا الالتفاف على العالم الإسلامي من أقصاه، وكانت البرتغال أول دولة استجابت للبابا وسارعت إلى تنفيذ مكره؛ ففي سنة (1497م) قام فاسكو ديجاما برحلته الشهيرة التي أعلن بعدها كشفه طريق رأس الرجاء الصالح ــ وقد كان هذا الطريق معروفًا لدى المسلمين منذ قرون! ــ وبمعاونة البحار العربي المسلم ابن ماجد وعلى هدي الخرائط الجغرافية الإسلامية للشواطئ الأفريقية والآسيوية، فدار حول إفريقيا متجهًا نحو الشرق حتى وصل إلى جزر الهند الشرقية، وهناك قال قولته الصليبية الشهيرة عند وصوله لتلك الجزر: الآن طوقنا عنق الإسلام ولم يبق إلا جذب الحبل ليموت. ثم تتابعت رحلات الكشوف العلمية ــ المُدّعاة ــ التي مهدت للاستعمار الصليبي للعالم الإسلامي، ولما برزت القوميات الأوروبية تلبّست الروح الصليبية تجاه المسلمين فأصبح التنافس على استعمار البلاد الإسلامية ونهب خيراتها، وتنصير أهلها، وحتى حين أصبحت تلك القوميات علمانية تمامًا لم يؤثر ذلك على صليبية الحملات الاستعمارية لأن الروح الصليبية صارت شيئًا قائمًا بذاته لا علاقة له بتدين أصحابه، إنما هي كراهية وحقد للإسلام والمسلمين لا لتدين الأوروبيين ولكن عداءً للمسلمين ودينهم بوصفهم أعداء الأوروبيين. (وانظر: مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب (ص567ــ 569)، الإسلام على مفترق الطرق، ليوبلد فايس ــ محمد أسد ــ(ص52ــ 59).

    إن التاريخ ليقف ساخطًا كارهًا متبرءًا من أفعال النصارى في تلك الحقبة، ومن خزايا الكنيسة ومحاكم تفتيشها ما قرروه بقانونهم: «يحق لمحكمة التفتيش إذا أصر المتهم على إنكار أي تهمة أن تقطعه أشلاءً شلوًا بعد شلو أمام عينيه، وأن تقرض لحمه بالمقراض، وأخيرًا تحرقه» (حرية الفكر، سلامة موسى: 62). «وكانت المحكمة عبارة عن سجون مظلمة تحت الأرض بها غرف خاصة للتعذيب، وآلات لتكسير العظام وسحق الجسم البشري، وكان الزبانية يبدأون بسحق عظام الأرجل، ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيًا حتى يهشم الجسم كله ويخرج من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة والدماء الممزوجة باللحم المفروم، وكان لدى المحكمة آلات تعذيب مروعة منها آلات على شكل توابيت تثبت فيها سكاكين حادة فيلقون الضحية في التابوت ثم يطبقونه عليه فيتمزق جسمه إرْبًا إربًا، وآلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب أو أثداء النساء ثم تشد فتقصه أو تـخلعه أو تقطعه!! وصور أخرى مروعة». (وانظر: التعصب والتسامح، محمد الغزالي (ص311ــ 318)، أسبانيا أرضها وشعبها، الفصل الثامن، دوروثي لورد، عن: العلمانية، د. الحوالي (ص131، 132).

    الثانية: قارن شناعات النصارى بكريم أخلاق المسلمين. ذكرت المؤرخة النصرانية كارين آرمسترونج في كتابها (القدس مدينة واحدة وثلاث عقائد) الفصل الثالث عشر: «ظهر التراحم التوحيدي في فتح عمر بن الخطاب لبيت المقدس، ودون إراقة نقطة دم واحدة، أو إحراق للرموز الدينية، أو نزع ملكية، أو إجبار أحد على اعتناق الإسلام، أو طرد أحد» ثم مدحت في (ص482) الفتح الإسلامي السلمي على يد صلاح الدين الأيوبي، وذكرت بكاء صلاح الدين وهو يرى بؤس الأسر المسيحية تحت الحكم الصليبي، وقيام شقيقته بعتق ألف أسير مسيحي من مالها الخاص».

    وبالمثل تكلمت إيريس حبيب المصري في كتابها (قصة الكنيسة القبطية) عن الفتح الإسلامي لمصر، وفي الكتاب الثاني (ص208) وقالت: «انسحب الجيش البيزنطي من أمام المسلمين إلى الإسكندرية، ووقف القبط موقفًا سلبيًا يتفرجون على الحوادث دون أن يتعرض لهم المسلمون، وكان البيزنطيون (النصارى الأوروبيون المحتلون لمصر) يستنزفون دماء المصريين» وفي (ص212، 213): «وبعث عمرو بن العاص إلى بطريرك الأقباط ليعود إلى مقره من منفاه... ولم يطالبهم عمرو بغير الجزية، وألغى الضرائب الفادحة التي فرضها أباطرة القسطنطينية (النصارى) على المصريين (النصارى) بلا رحمة وبلا تسامح معهم» (نقلًا عن: رد شبهات النصارى على الإسلام، الشماس المصري السابق د. وديع أحمد فتحي (ص147، 148) مع ملاحظة أن ما بين الأقواس للتوضيح وليست من صلب الكتاب).

الثالثة: دندنة أعداء الأمة وتكرارهم ما نسجته أيدي مخابرات أمريكا بحادثة برجي التجارة في الحادي عشر من سبتمبر فلا نسلم لهم بحكاية الحكومة الأمريكية في زعمها أن المسلمين هم من فعلوا ذلك ببرجي التجارة العالميين, فالمعطيات المقدمة لا تصمد لأدنى مساءلة، والأدلة المطروحة لا تكفي لقتل قطّة، فما بالك من الانتقام من شعوب بأكملها؟! والأظهر أن هذا من تلفيق الحكومة الأمريكية فهي من فعلت ذلك وهي من زرعت الأدلة الواهية، وقد شكك في روايتها كثير من السياسيين والإعلامين والمفكرين والعامة، ومن أبسط قواعد التحقيق في القضايا: ابحث عن المستفيد من الجريمة أولًا، والجميع يعلم أن الحكومة الأمريكية لها فوائد كبيرة وغنائم كثيرة من جراء تصديق الناس لدعواها، وهي التهمة التي تستطيع مخابراتها إلصاقها بسهولة فيمن شاءت، ثم تدير آلتها الإعلامية الضخمة من زوايا عدة حتى تشكل تصوّر المتلقي ليصدّق هذا الزيف! ويستمر الكذب حتى ينسى الكاذب أنه كذب، وشعاره: ما أريكم إلا ما أرى، ثم من المعلوم بداهة في إجراءات الترافع والدعاوى أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وليس بالدعوى فقط يكون إيقاع العقوبة، والعقلاء وقافون عند حدود التهم ولا يلغ في العقوبة قبل الثبوت إلا ظالم كيف وقد قال مدير المخابرات الأمريكية الأسبق جورج تينيت في مذكراته: إن بوش دخل البيت الأبيض وقرار غزو العراق في جيبه!

    ثم إن هاهنا مسألة أخرى، وهي أن الأمة لا تؤاخذ بجريرة بعض أفرادها ــ هذا مع التنزل بما يوصم به بعض أتباعها من ذلك ــ ومن محكمات التنزيل عندنا: "أم لم ينبأ بما في صحف موسى . وإبراهيم الذي وفى . ألا تزر وازرة وزر أخرى" [النجم: 36ــ 38]، والبشر لا يتفقون على نفسية واحدة، ولا عقلية متقاربة، ولا سجية متحدة، بل خلقهم الله تعالى مختلفين، والإسلام يهذب النفوس مهما كانت شراستها وشدة طباعها، مع ذلك فالعجب أن يخرج بعض المنتسبين إليه من أبنائه ويفعل أشياء يكون محركها الأول ردة فعل لمظالم وفجائع يراها بعينه، ومهما يكن من أمر، وبغض النظر عن قضية بعينها فالإسلام بريء من كل ظلم وتعدي وخيانة وغدر وقتل للمدنيين العزل وإرهاب للأبرياء، فالملوم هو من خرج عن تعاليم الإسلام الربانية السمحة، وليس الملوم هو الإسلام.

    الرابعة: التاريخ يؤكد سماحة الإسلام مع غيره ورحمة أبنائه بمخالفيهم, ولا يضاهيهم غيرهم في رحمة بني الإنسان. من أمثلة ذلك ما كتبه عنه المؤرخ أوليري: «التاريخ يؤكد بوضوح عدم صحة الأسطورة القائلة بأن المسلمين المتعصبين قد صالوا وجالوا في العالم وفرضوا الإسلام على الناس بالسيف، أسطورة وهمية منافية للعقل ظل المؤرخون يرددونها» (الإسلام في مفترق الطرق، أوليري : 8). وقال: «كم ذا تمنيت أن يكون الإسلام هو سبيل العالم». وقال الدكتور راغب السرجاني عبر موقعه قصة الإسلام, مسلطًا الضوء على تلك المقولة ومفندًا لها بلغة الأرقام ــ باختصار وتصرف بسيط ــ: «لو قمنا بإحصاء عدد الذين ماتوا في كل الحروب النبوية ــ سواء من شهداء المسلمين أو من قتلى الأعداء ــ ثم قمنا بتحليل لهذه الأعداد، وربطها بما يحدث في عالمنا المعاصر، لوجدنا عجبًا! لقد بلغ عدد شهداء المسلمين في كل معاركهم أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ وذلك على مدار عشر سنوات كاملة ــ (262) شهيدًا تقريبًا، وبلغ عدد قتلى أعدائه (1022) قتيلًا تقريبًا، وبذلك بلغ العدد الإجمالي لقتلى الفريقين (1284) قتيلًا فقط!

    وبحساب نسبة القتلى إلى عدد المقاتلين نجد أن شهداء المسلمين (1%) فقط، والأعداء (2%) فقط، وبذلك تكون النسبة المتوسطة لقتلى الفريقين (1.5%) فقط! وهذه النسب الضئيلة جدًا في معارك كثيرة بلغت (25) أو (27) غزوة، و(38) سرية، أي أكثر من (63) معركة لمن أصدق الأدلة على عدم دموية الحروب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولكي تتضح الصورة بشكل أكبر وأظهر فقد قمت بإحصاء عدد القتلى في الحرب العالمية الثانية ــ كمثال لحروب الحضارات الحديثة ــ فوجدت أن نسبة القتلى في هذه الحرب الحضارية بلغت (351%)!! فالأرقام لا تكذب؛ فقد شارك في الحرب العالمية الثانية (15.600.000( جندي، ومع ذلك فقد بلغ عدد القتلى (54.800.000) قتيل! أي أكثر من ثلاثة أضعاف الجيوش المشاركة، والسبب هو أن كل هذه الجيوش المتحاربة كانت تقوم بإبادة المدنيين، وإسقاط آلاف الأطنان من المتفجرات على المدن والقرى الآمنة فتبيد البشر فضلًا عن تدمير البنى التحتية وتـخريب الاقتصاد وتشريد الشعوب، فأين هذا من رحمة الإسلام؟!».

    لقد حكم المسلمون الأندلس لمدة (736) سنة، مع ذلك لم يكرهوا أحدًا من النصارى ولا اليهود ولا غيرهم على الدخول في الإسلام، وحكموا الهند قرابة (1000) سنة، ولم يُكرهوا الهندوس والبوذيين وبقية الوثنيين عليه، فشعارهم: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" [البقرة: 256]، ونقول لمن وصف المسلمين بإكراه غيرهم باعتناق الإسلام تأمل في البقاع التي حكمتها أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقس حالهم بإنصاف مع غيرهم. في الحبشة بلغ المسلمون (55%) على الأقل من السكان قبل ضم أريتريا ــ عنوة ــ إليها، وأريتريا كلها مسلمون، فكيف عاملتهم الدولة النصرانية المتسلطة عليهم؟ ــ في وقت هيلاسلاسي ــ.

    لا يوجد في الدولة وزير مسلم واحد يمثل أغلبية السكان، ولا موظف واحد من كبار الموظفين، ومدارس الدولة تمنع تعلم القرآن الكريم في مدارسها، وحين يفتح المسلمون الكتاتيب الخاصة الأهلية لتعليم القرآن الكريم تضع الدولة عليهم الضرائب الثقيلة حتى يغلقوها، ويُمنعون من تلقي معونات إنسانية وخيرية من الخارج، وإلى عهد غير بعيد كان المسلم إذا استدان من النصراني وعجز عن الوفاء استرقه النصراني! وقد وقف هيلاسلاسي في هيئة الأمم المتحدة وألقى خطابًا أعلن فيه أنه خلال اثني عشر عامًا لن يكون في الحبشة إلا المسيحية فقط! ــ وخسأ الظالم ــ. وذهب الطاغية وبقي الإسلام.

    ولا زال المسلمون من أهل أثيوبيا يعانون الاضطهاد والتضييق والظلم من حكومات النصارى المتعاقبة.

    والفلبين كانت يومًا ما أرضًا إسلامية، وعاصمتها مانيلا كانت تسمى (أمان الله) فغزاها أهل الصليب، وحكموها قهرًا بالحديد والنار، وعاملوا أهلها أسوأ معاملة، فقد ظلوا يطاردونهم ويخرجونهم من أرضهم وديارهم وأموالهم حتى حصروهم في قطاع صغير، ثم سموهم متمردين فاستباحوا قتلهم، وتحريق مزارعهم، بل تحريق أجسادهم شفاء للحقد الصليبي المتأصل في نفوسهم.

    والهند حكمها المسلمون وعاش أهلها في كنفهم في سلام وأمان، ولم يضطهدوهم ولم يكرهوهم على الإسلام مع أنهم يعبدون البقر والأوثان، ولم يمنعوهم سوى من عادة قبيحة بشعة وهي إحراق الأرملة حية مع زوجها المتوفي ــ وهذا ما حفظه أحرار الهند لهم ــ. فلما حكمها الهندوس لم يعاملو المسلمين بالمثل بل انقلبوا عليهم بتنكيل بشع وظلم، فلا تنقطع أخبار الشغب ــ كما تسميه الدولة الهندوسية ــ عن طريق هجوم الهندوس على القرى الإسلامية فيحرقوها على أصحابها ويقتلوا منهم ما نالته أيديهم، فيهب المسلمون لرد العدوان فتقتلهم الشرطة وتودعهم السجون بتهمة إثارة الشغب! بل صرح رئيسهم نهرو ــ والحكومة اليوم على خُطاه ــ فقال: إن حق تقرير المصير حق لكل الناس إلا في كشمير!

     أما فلسطين فشاهدة حية ناطقة بالتحالف الكتابي على أهلها المسلمين.

    قال الزعيم الألماني الفوهلر هتلر في كتابه "كفاحي": «أعتقد أن الذي استطاع أن يتعامل مع اليهود ويكسبهم ويشل حركتهم في نفس الوقت هو رسول الإسلام محمد، الذي فهم ما تدور به عقولهم وقلوبهم، لذا كان محمد حريصًا منهم حريصًا عليهم ليبلغ رسالته، فاستقطبهم بطريقته التي لم ولن يصل إلى رتبتها أحد، فالتعامل مع اليهود مشكلة غير عادية، إنهم لا يستحقون الحياة، إلا أن محمدًا كان واسع الصدر، يملك منطقًا غير عادي، تأكدنا منه لتعامله معهم بالود الذي لم يألفوه، وبالقوة التي شهدوها... أعتقد أنه لو كان محمد في عصرنا هذا ما فعل ما فعلت مع اليهود، لكنهم لا يستحقون إلا ما قمت به معهم» (عن الإسلام ورسوله: 103).

    وإن تعجب فعجب فعل النصارى معهم بتوطينهم في فلسطين لما ركبهم اليهود، وأوهموهم أنه لابد من بناء الهيكل المزعوم ــ حتى ينزل المسيح ــ ولم يعلموا أن مسيح اليهود هو الأعور الكذاب.

    وقال إيليا أبو الروس في كتابه (اليهودية العالمية وحربها المستمرة على المسيحية) (ص49): «وتاريخ اليهود حافل بتعصبهم اللئيم ضد المسيحيين وسائر الأديان، ففي سنة (135م) حاولوا بقيادة باركوخبا المسيح الدجال إقامة مملكة، وذبحوا المسيحيين في القدس، وفي القرن السادس تجمعوا وأقاموا ملكًا مع السامريين وقتلوا المسيحيين، وفي أوائل القرن السابع ذبحوا المسيحيين في القدس وسائر فلسطين برعاية الفرس طمعًا في إقامة حكم ذاتي لهم، كل ذلك من أجل دولة يقيمونها على سفك الدماء والسرقة والغش، فباؤوا بفشل ذريع، وتشتتوا في أنحاء الأرض. «لأن أعمالهم أعمال إثم وفعل الظلم في أيديهم. وأرجلهم إلى الشر تجري وتسرع إلى سفك الدم الزاكي. أفكارهم أفكار إثم. في طريقهم اغتصاب وسحق. طريق السلام لم يعرفوه. وليس في مسالكهم عدل. من أجل ذلك ينتظرون نورًا فإذا ظلام» (أشعيا 59: 6ــ 9).

    إن الإسلام حيث يدعو للجهاد لا يقاتل من أجل فرض عقيدته على الناس وهم كارهون، ولكن يقاتل لإزالة القوى الجاهلية المانعة من وصول الحق إلى الناس، دون حواجز نفسية أو حسية مادية. لقد فتح المسلمون مصر فدخلت الإسلام بسلام، وفتحو الأندلس فدخلت في الإسلام بسلام، حتى اليهود كانت الأندلس الملاذ الآمن لهم من بطش النصرانية الصليبية.

    فدينهم العظيم يأمرهم بالحسنى، قال تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" [النحل: 125]، وأمرهم تعالى بمجادلة أهل الكتاب من اليهود والنصارى بالتي هي أحسن خلا الظالمين: " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم"  [العنكبوت: 46].

    ومن التطبيقات الإسلامية لقوله تعالى: "لا إكراه في الدين" [البقرة: 257] ففي سنن البيهقي عن أسلم قال: لما كنا بالشام أتيت عمر بماء فتوضأ منه، فقال: من أين جئت بهذا فما رأيت ماء بئر ولا ماء سماء أطيب منه؟ قال: قلت: من بيت هذه العجوز النصرانية. فلما توضأ أتاها فقال: أيتها العجوز أسلمي تسلمي، بعث الله بالحق محمدًا صلى الله عليه وسلم. قال: فكشفت رأسها فإذا مثل الثغامة (أي أن شعر رأسها قد ابيض كله كالسحابة البيضاء) قالت: وأنا أموت الآن. قال: فقال عمر: اللهم اشهد" سنن البيهقي (1/ 32) فعمر لم يستـخدم عليها ولا على غيرها أي وسيلة إكراه أو ضغط ولا تهديد ولا تعذيب، بل بالنصح والكلمة الطيبة، وهذا شأن دعاة أهل الإسلام أيها المنصفون.

    وتأمل قصة إسلام ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة حينما أسرته خيل المسلمين فأبقاه النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ثلاثة أيام وكان يعرض عليه الإسلام عرضًا كريمًا، وكان يرفض الإسلام فأطلقه بلا قيد أو شرط، فلما خرج من المسجد ذهب إلى نخل قريب فاغتسل وعاد معلنًا إسلامه اختيارًا وقناعة. والقصة بطولها في البخاري (450)، مسلم (1764).

    وقد قال أبو سفيان ــ بعد أن حارب الإسلام عشرين سنة ــ ثم هداه الله للإسلام ــ مخاطبًا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد حاربتك فنعم المحارب كنت، ثم سالمتك فنعم المسالم أنت» (الوافي بالوفيات، الصفدي: 1/ 2240)

    الخامسة:  قد يتعلّق بعضهم بحد الردّة, وقتل المرتد إن لم يعد للإسلام _وسيأتي بسط الكلام فيه استقلالاً في ما يُستَقبل إن شاء الله_ ونوجز القول فيه هنا فنقول:

     إن كان المرء قد دخل في الإسلام ثم خرج منه فهذا من الهزء بالدين، وهذا مما يزعزعه في نفوس الناس فيهلكوا، لذا وجب حسم مادة الفتنة بقطع دابرها والتشديد على من أراد هدم الملة من الداخل، وهذا أعظم جرمًا من الخيانة العظمى عند السياسيين فالدين أعظم من الملك. ونحن أمام مسلم ارتكب جريمة معينة هي الردة، ولسنا أمام يهودي أو نصراني نريد إكراهه على تبديل دينه وحمله كرهًا على الإسلام، والإسلام شرع الجزية وعقد الذمة وفي ذلك إقرار لغير المسلم على البقاء على دينه, أما المرتد فقد نقض العقد وارتكب الخيانة العظمى.

السادسة: المسلمون إذا أعطوا أعداءهم عهدًا فإنهم يوفون به ولا ينقضونه ولا يغدرون، ممتثلين أمر الله تعالى: "وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً" [الإسراء: 34] وقول نبيهم صلى الله عليه وسلم: «اغزوا باسم الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا ولا شيخًا ولا امرأة». رواه مسلم.

    فالمسلمون يشددون على العقد ولا ينقضونه، أما من خافوا خيانته من الأعداء فإنهم يردون عليه عهده علانية حتى لا يكون مغدورًا، قال تعالى: "وإما تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين" [الأنفال: 58]. والمعنى: أن من خفتم خيانتهم ممن بينكم وبينهم عهد, فلا يحل لكم أن تغدروا بهم, بل أرسل إليهم بفسخ العهد أولاً حتى يكونوا على بينة وجلاء من أمرك وأمرهم, ليأخذوا أُهبتهم فلا يُغدرون.

    وقد أعطى معاوية رضي الله عنه عهدًا للروم إلى أمد محدود، ثم جاءته عيونه تـخبره أن القوم يستغلون الهدنة للانقضاض على المسلمين ويستعدون لذلك، فاستشار مستشاريه من علماء الإسلام فقالوا: إمّا أن ترد إليهم عهدهم وتـخبرهم بفسخه حتى لا تبغتهم، وإما أن تنتظر إلى نهاية العهد، والله ينصرك بالطاعة والوفاء، فانتظر حتى نصره الله.

    وقارن ذلك النبل والكرامة بغدر الصليبيين بعهدهم مع صلاح الدين، ومباغتتهم المسلمين ونقضهم العهد والميثاق، فقتلوا المسلمين وأثخنوهم، فاحتمى المسلمون بالمسجد فقتلوهم فيه حتى غاصت الخيل إلى الركب من الدماء... فلما استدار الزمان ودالت الدولة وانتصر صلاح الدين أبى عليه دينه وإسلامه أن يشفي غيظه منهم بالانتقام فأحسن إليهم! ولم يغدر قط بميثاق واحد أعطاه لهم، في مثال شامخ على سماحة الإسلام ونبله وكرمه وعمقه. (وانظر: مذاهب فكرية، محمد قطب: 591ــ 602).

    وتأمل وفاء المسلمين لأهل ذمتهم في حال الهزائم العسكرية، فحين أسر التتار في هجومهم على بلاد الشام بعض المسلمين واليهود والنصارى, ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ومعه ثلة من العلماء إلى سيد التتر غازان ــ في محاورة عظيمة جليلة ــ فسمح غازان بعدها بإطلاق أسرى المسلمين دون اليهود والنصارى, فقال شيخ الإسلام: بل تطلق جميع من أخذت من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا فإننا نفتكهم، ولا ندع أسيرًا لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة، فأطلقهم له.

    السابعة: نقول للذي يزعم أن الإسلام انتشر بالسيف: كيف يستقيم ذلك ونحن نرى الإسلام اليوم هو أسرع الأديان انتشارًا بين أبناء الأمم النصرانية وغير النصرانية خاصة من علية القوم وقادة الفكر، ودهاة السياسة، وأساطين العلم، وليس في أوساط العامة فقط، مع أن المسلمين اليوم يعيشون أضعف مراحلهم المادية والعسكرية؟!

    بل حتى الجيوش التي غزت المسلمين في دارهم قد تأثرت بالإسلام وبحضارته المشرقة؛ فالمغول قد دخلوا فيه واعتنقوه مع أنهم المنتصرين ماديًا وعسكريًا، والصليبيون قد دخل كثير منهم فيه أو عادوا لوطنهم بفكر منفتح حر بعدما احتكوا بالمسلمين.

    فمن ذلك مثلًا على مستوى القادة والزعماء والعلماء النصارى الذين اعتنقوا الإسلام بعد خوضهم الحروب العسكرية أو الفكرية مع أهله وحسن دعوة أهله لهم بحالهم وفعلهم قبل مقالهم وجدلهم: روبرت أوف سانت ألبانس، أحد كبار قادة فرسان المعبد سنة (1185م) وقد تزوج بإحدى حفيدات صلاح الدين، كذلك ابني أخت الملك الإنجليزي ريتشارد قلب الأسد، وقد تركـا معسكـر جيشهمـا إلى معسكر المسلمين والتحقا بجيش صلاح الدين سنة (1192م) (587هــ) كذلك الفارس الصليبي المشهور رانيود الذي أسلم وانضم بفرقته العسكرية إلى المسلمين.

    وفي الحملة الصليبية الأولى انفصلت جماعة كثيرة من الألمان وغيرهم من جيشهم إلى الجيش الإسلامي السلجوقي معتنقة الإسلام.

    وفي الحملة الصليبية الثانية انضمت فرقة كبيرة من الجيش الصليبي قوامها أربعة آلاف مقاتل تقريبًا إلى جيش الإسلام بعد فشل الحملة.

    أما الحملة الصليبية الثالثة فقد ذكر توماس أرنولد في كتابه (الدعوة إلى الإسلام) أن في تلك الحملة انضمت أعداد غفيرة من جيش الصليب إلى جيش الإسلام، وساق شهادة مؤرخ غربي مرافق لهذه الحملة ومتحسرًا على دخول جموع غفيرة من قومه في الإسلام: «وفريق من رجالنا تراهم يهجرون بني جلدتهم ويفرون إلى الأتراك، فلم يترددوا أن يصبحوا في زمرة المرتدين».

    ومن رجال الدين النصراني البولسي الذين صدقوا مع نفوسهم حين خاطبوها بالإسلام فأسلمت عبد الواحد الصوفي الذي كان قسًا بكنيسة مريم في دمشق سبعين سنة، كذلك فقد أسلم دانيال أسقف خابور في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي. وقد أشار توماس أرنولد نقلًا عن بعض المصادر اللاتينية إلى خلو كثير من الأسقفيات القبطية في بداية القرن الثالث عشر الميلادي في مصر من الأساقفة، ومن أمثلة ذلك دير القديس مكاريوس لم يبق منه غير أربعة قسيسن من أصل ثمانية في عهد البطريرك السابق. بل إن أحد رجال الدين الفرنسيسكان المنصرين لما أرسل إلى أفريقيا للتنصير عاد مسلمًا، وقد ذكر توماس أرنولد كثرة اعتناق القساوسة النصارى للإسلام في تلك الفترة.

    أما اعتناق الإسلام من قبل عامة النصارى فإنه لا خلاف أن العراق والشام ومصر وشمال أفريقيا والأندلس وغيرها كانت الديانة الغالبة على أهلها والسائدة على أرضها هي النصرانية قبل ظهور الإسلام، ومع انتشار نوره وضيائه دخل الناس فيه من تلك البلدان حتى أصبح الإسلام هو دين الغالبية، بدون إكراه أو تهجير، بل بالدعوة بالحسنى حتى هجر أكثرهم نصرانيته إلى الإسلام، وقد أسلم على يد ابن الجوزي وحده مئتان منهم.

     وذكر توماس أرنولد أنه بانتهاء القرن الحادي عشر الميلادي انضم إلى أهالي الشام وفلسطين من المسيحيين عنصر جديد يتألف من هذه الجموع الهائلة من الصليبيين الذين كانوا يدينون بشعائر الأمم اللاتينية.. وفي تلك الفترة كانت تحدث تحولات إلى الإسلام بين هؤلاء المهاجرين الغرباء... وكانت أعداد المرتدين عن المسيحية في القرن الثالث عشر كثيرة كثرة تلاحظها في سجلات الصليبيين القانونية التي يطلق عليها مجالس قضاء بيت المقدس، ومما يدل على كثرة اعتناق النصارى للإسلام في تلك الفترة فزع أحد قساوستهم في الشام وإرساله رسائل إلى البابا ورجال الدين في أوروبا, يطلب فيها أن لا يرسلوا الضعفاء والفقراء, لأنهم أكثر عرضة أن يفتنهم المسلمون فيعتنقون الإسلام. (وانظر: دعوة المسلمين للنصارى، الرسالة الناصرية، الأوضاع الحضارية في بلاد الشام في عصر الحروب الصليبية، الدعوة إلى الإسلام، توماس أرنولد. البداية والنهاية، ابن كثير الدمشقي، تاريخ الحروب الصليبية، رحلة ابن جبير، مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب:70ــ 78).

    الثامنة: شهادات منصفة للإسلام من كبار خارج دائرته: قال الزعيم الهندي الشهير مهاتما غاندي في كتابه (ينج إنديا): «أردت أن أعرف صفات الرجل الذي يملك بدون نزاع قلوب ملايين البشر، لقد أصبحت مقتنعًا تمام الاقتناع أن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته، وكلما اطلعت اكتشفت أن قوة الإسلام لا تكمن في السيف»، وقال: «إن نبي الإسلام هو الذي قادني للمناداة بتحرير الهند».

    وسبق نقل قول برنارد شو: «إن رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجة للجهل أو التعصب قد رسموا صورة قاتمة... لكني اطلعت على أمر هذا الرجل فوجدته أعجوبة خارقة، وتوصلت إلى أنه لم يكن عدوًا للمسيحية، بل يجب أن يسمى منقذ البشرية، وفي رأيي أنه لو تولى أمر العالم اليوم لوفق في حل مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو إليها البشر».

    وقال: «أرجو أن يفهموا نبوءتي: فالإسلام قادم ليصبح العالم به في حب وسلام، فقد دخل وما يزال يدخل الإسلام كثرة هائلة من بني قومي، ومن الأقوام الأخرى، حتى ليمكن أن يقال: عن تحول أوروبا للإسلام قد بدأ... ولم يسجل التاريخ أن رجلاً واحدًا سوى محمد كان صاحب رسالة وباني أمة ومؤسس دولة، هذه الثلاثة التي قام بها محمد كانت وحدة متلاحمة، وكان الدين هو القوة التي توحده  على مر التاريخ».

    هذا وإبراهيم عليه السلام لم يؤسس مملكة ودولة، كذلك موسى عليه السلام، أما داود وسليمان عليهما السلام فقد ملكا على ممالك سابقة بعد عهد القضاة، والمسيح عليه السلام لم يؤسس مملكة ودولة، أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد أسس مملكة ودولة وشريعة جديدة. وهناك شهادات كثيرة في ذلك وللمزيد انظر مقالي: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    التاسعة: تأمل هذين المشهدين واحكم بنفسك, وهما مثال معبر عن سمات راسخة في الفريقين المُفترقين:

    الأول: حينما قدم وفد نجران النصارى لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، فحانت صلاتهم فقاموا يصلون في المسجد، فأراد بعض الناس منعهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوهم»، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم. (تاريخ الإسلام، للذهبي: 549).

    الثاني: في الترجمة الحديثة لكتاب الحياة يفسر البطريرك والقسيس قول المسيح في (متى 7: 6): «لا تعطوا القُدُس للكلاب ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير» بأن المقصود: لا تعطوا الأناجيل للمسلمين!

    ولا أعلم كيف يستجيز أحد لنفسه هذا الكلام وهو يعلم أن المسلمين لم يخلقوا أصلًا إلا بعد مئات السنين من تلك الكلمة المشكوك في صحتها أصلًا! ولكن الحقد يفعل أكثر من ذلك.

    إن الأمة المسلمة تمنعها ريادتها الحضارية وكنزها العلمي الإيماني العملي أن تنزل لمستوى يجازي السيئة بمثلها، ففي حين أبت الشهامة المحمدية أن تأخذ عوضًا عن جثة الكافر الذي قاتلهم في الخندق وقتله المسلمون وبذل أهله المال في سبيل الحصول على جثته، فوهبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جثته مجانًا، وفي المقابل نرى أمريكا رأس النصرانية بحربها الصليبية المقدسة! تأبى مبادؤها الجوفاء إلا أن ترمي بجثة المسلم في البحر وتبخل عليها بمتر من الأرض يحويها ــ هذا إن صدقت في روايتها المهتزة ــ ولما أسر المسلمون المصريون ملك فرنسا ومجيّش الجيوش الصليبية لحرب المسلمين، فما تراهم قد فعلوا به؟ لقد أكرموه في سجنه، ولم يهينوه ولم يمنعوه من حاجاته، ثم توّجوا لطفهم بإطلاقه، مع أنه أسير حرب معتدي مستحق للقتل، ولكن الغادر جزى إحسانهم بالسيئة، فأسس حربًا جديدة هي حرب الأفكار والقيم، والغزو الفكري والخلقي للمسلمين الأتقياء.

    وقد أخذ بوصاياه غلادستون ــ زعيم حزب الأحرار البريطاني ــ فقال: ما دام هذا القرآن موجودًا بين أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان. (كما نقله عنه صاحب كتاب قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام أبيدوا أهله: 38).

    وليس هذا فقط فلم تمر الأيام حتى غزاهم نابليون بونابرت بجيوشه وضرب الجامع الأزهر بالمدافع!

     والآن نطرح السؤال الكبير: من هم الأولى بالمسيح حقًا حين يقول_فيما ينسبونه له_: «أحبوا أعداءكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. باركوا لاعنيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم. من ضربك على خدك الأيمن فاعرض له الآخر أيضًا. وكل من سألك فأعطه. ومن أخذ الذي لك فلا تغالبه. وكما تريدون أن يفعل الناس بكم فافعلوا أنتم أيضًا بهم هكذا. وإن أحببتم الذين يحبونكم فأي فضل لكم فإن الخطاة أيضًا يحبون الذين يحبونهم. وإذا أحسنتم إلى الذين يحسنون إليكم فأي فضل لكم فإن الخطاة أيضًا يفعلون هكذا» (لوقا 6: 28ــ 34)؟ وسنأخذ الإجابة من أفواه المنصفين من غير المسلمين فم غير متّهمين في حكمهم هذا بالتحيز:

    قال أرنست رينان: «لقد فهمت، لقد أدركت، ما تحتاج إليه البشرية هو شريعة سماوية تحق الحق وتزهق الباطل، وهي شريعة القرآن».

     وقال الأديب الروسي الشهير تولستوي في كتابه (حِكَم النبي محمد): «إن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة». وقال: «لا يوجد نبي حظي باحترام أعدائه سوى النبي محمد، مما جعل الكثرة من الأعداء يدخلون الإسلام».

     وقال المستشرق الألماني برتلي سانت هيلر في كتابه (الشرقيون وعقائدهم): «كان محمد في دعوته رحيمًا لطيفًا حتى مع أعدائه».

     وقال الكونت كاتياني في كتابه (تاريخ الإسلام): «لقد جاء الرسول محمد بدعوته لينشر في العالم الحب والسلام».

    وقال شاعر ألمانيا غوته: «استطاع رسول الإسلام بحبه للخير أن يجعل دعوته ورسالته تمتد وتنتشر وتضرب جذورها في أعماق النفس البشرية التواقة دائمًا للتعرف على النواحي الإيجابية في الحياة».

     وقال المستشرق الأسباني غوستاف لوبون في كتابه (حضارة العرب): «إن محمدًا رغم ما يشاع عنه من قبل خصومه ومخالفيه في أوروبا، قد أظهر الحلم الوافر والرحابة الفسيحة» وقد تقدم ذكر القول الفريد للمستشرق الأسباني جان ليك في كتابه (العرب): «لا يمكن أن توصف حياة محمد بأحسن مما وصفها الله بقوله: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" [الأنبياء: 107] كان محمد رحمة حقيقية، وإني أصلي عليه بلهفة وشوق».

    وقال الشاعر والمفكر الفرنسي فولتير: «إن الإسلام دين يستحق الإعجاب والإجلال والتقدير، وذلك لأنه جعل زنوج وسط أفريقيا يشعرون بآدميتهم، وجعل سكان جزر البحر الهندي يعرفون أن هناك قوة غير التي اعتادوا عليها». ثم ذكر شائعة انتشار الإسلام بالسيف وفندها بقوله: «هناك شائعات تحاول أن تقلل من قيمة الإسلام ورسوله، والدليل على ذلك أن كثيرين اعتنقوا الإسلام وهم بعيدون عن بلاده وغزواته وفتوحاته، إذن كيف وصلهم السيف الذي يدعيه مؤرخونا وخطباؤنا؟!...إن أقل ما يقال عن محمد: أنه قد جاء بكتاب وجاهد، والإسلام لم يتغير قط».

    وقال برتراند راسل: «لقد قرأت عن الإسلام ونبي الإسلام فوجدت أنه دين جاء ليصبح دين العلم والإنسانية».

    العاشرة: مقارنة عجلى بين تكوين النفسيات البانية للحضارات الإنسانية لأتباع الديانات الثلاث, فمع السكون يسود السلام:

    فنرى الديانة اليهودية قد أكب رجالاتها على المال وجمعه كيفما اتفق، سواءً كان ربًا أو ضرائب أو غشًا أو سرقات للقرابين "ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا" [البقرة: 96]، "ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً" [آل عمران: 75].

    وفي المقابل نرى في الديانة النصرانية الحث على الرهبانية والانقطاع عن الحياة العامة، والانزواء في الصوامع والأديرة، تاركًا حرث الدنيا وعمارة الأرض "ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم" [الحديد: 27]

    ثم نرى في الوسط بين تلك الفئتين الإسلام الحنيف يأمر بالإقبال على الآخرة مع حراثة الدنيا "وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الإرض إن الله لا يحب المفسدين" [القصص: 77]، وأمر بالضرب في الأرض وعمارتها وبنائها لتعين على الآخرة لا لتصد عنها، في اتساق بديع باهر "فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه" [الملك: 5]، "كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور" [سبأ: 15] وخفف عن عباده صلاة الليل لينشطوا في الصباح لرزقهم"وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله" [المزمل: 20] بل وضرب الإسلام أروع مثال في الإيجابية وحب العمل والإنتاج والنفع العام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها فإن له بذلك أجر» أحمد والبخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني.

    وتأمل هذه القصة: روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلًا من الأنصار جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله (أي مالًا) فقال: «أما في بيتك شيء؟» قال: بلى، حلس (جلد) نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء، قال: «ائتني بهما» فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال: «من يشتري هذين؟» قال رجل: أنا آخذهما بدرهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يزيد على درهم؟» مرتين أو ثلاثًا، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، فأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري وقال: «اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدومًا (حديدة الفأس) فائتني به» فأتاه به، فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عودًا بيده، ثم قال: «اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يومًا»، ففعل، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا، وببعضها طعامًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذه خير لك من أن تجيء المسألة نكتة (أي بقعة) في وجهك يوم القيامة، وإن المسألة لا تصلح إلا لثلاث: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم (دين) مفظع، أو لذي دم موجع (دية)» رواه أبو داود.

    وقال فانسان مونتيه أستاذ اللغة في جامعة باريس: «لما قرأت القرآن لأول مرة في حياتي... وعرفت تسامح الإسلام تجاه الديانات الأخرى، أعلنت إسلامي، فشعرت بالراحة في ظلاله... وليس مثل الإسلام دين يدفع إلى الأخلاق العليا والكرامة الإنسانية، لقد اخترت دين الإسلام لأنه دين الفطرة... أخذته دينًا ألقى به وجه ربي». (انظر: القرآن الكريم من منظور غربي، د. عماد الدين خليل: 78).

    وقال مارماديوك (وقد أسلم وتسمى: محمد مارماديوك باكتال)في كتابه (الثقافة الإسلامية): «يمكن للمسلمين أن ينشروا حضارتهم في العالم بنفس السرعة التي نشروه بها سابقًا، يرجعوا إلى أخلاقهم السابقة؛ لأن هذا العالم الخاوي لا يستطيع الصمود أمام روح حضارتهم»

    ختاماً نقول بكل ثقة: إن أمة الإسلام هي أسمى أمة حضارية في التاريخ بلا منازع, وهي أمة الرحمة والسماحة, ولم تسعد البشرية في زمن كسعادتها بدين الإسلام.

    ولتوثيق الأمثلة السابقة مع زيادات انظر: حوارات مع مسلمين أوروبيين، د.الأهدل، آفاق جديدة للدعوة، ومقدمات العلوم والمناهج، أنور الجندي، عظماء ومفكرون يعتنقون الإسلام، محمد طماش، الإسلام في قفص الاتهام، د.شوقي أبو خليل، أمريكا والإسلام تعايش أم تصادم؟ د.عبد القادر طاش، القرآن الكريم من منظور غربي، د.عماد الدين خليل، أوروبة والإسلام، د.عبد الحليم محمود، التنصير والاستعمار، عبد العزيز الكحلوت، الإسلام، د. أحمد شلبي.

    وصلى الله وبارك على إمام المرسلين وخاتمهم نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان وسلم تسليماً.

إبراهيم الدميجي

22 محرم 1434


 حمّل مجّانًا مجموعة من الكتب في النصرانية واليهودية

 

حمل مجّانًا كتاب العقائد النصرانية في الميزان

العقائد النصرانية في الميزان  


حمل مجّانًا كتاب ربحتُ محمدًا ولم أخسر المسيح عليهما الصلاة والسلام

ربحتُ محمدًا ولم أخسر المسيح عليهما الصلاة والسلام

 

حمل مجّانًا كتاب نظرة فاحصة في الكتاب المقدس the holy bible

نظرة فاحصة في الكتاب المقدس the holy bible

 

حمل مجّانًا كتاب أشهر بشارات العهد الجديد بنبيّنا صلى الله عليه وسلم

أشهر بشارات العهد الجديد بنبيّنا صلى الله عليه وسلم

 

حمل مجّانًا كتاب سبع بشارات توراتية برسول الله صلى الله عليه وسلم

سبع بشارات توراتية برسول الله صلى الله عليه وسلم

 

حمل مجّانًا كتاب المسجد الحرام والحج في صحف أهل الكتاب

المسجد الحرام في صحف أهل الكتاب

 

حمل مجّانًا كتاب يا سائلًا عن بني إسرائيل!

يا سائلًا عن بني إسرائيل!

 

حمل مجّانًا كتاب أخلاق الكنيسة وأخلاق الإسلام

أخلاق الكنيسة وأخلاق الإسلام

 

حمل مجّانًا كتاب النصرانية من التوحيد إلى الوثنية

النصرانية من التوحيد إلى الوثنية

 

حمل مجّانًا كتاب كشف شبه أهل الكتاب (13) شبهة

كشف شبه أهل الكتاب (13) شبهة

 

حمل مجّانًا كتاب هل انتشر الإسلام بالسيف؟ 

هل انتشر الإسلام بالسيف؟

 

حمل كتاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجّانًا

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم