معنى الإخلاص والتوحيد
الحمد لله الأوّل فليس قبله شيء، والآخر فليس بعده
شيء، والظاهر فليس فوقه شيء، والباطن فليس دونه شيء. أحمده سبحانه وأشكره وأثني
عليه الخير كله ولا أكفُرُه، اللهم لك الحمد على نعمة الخلق والرزق والإنسانية وأن
جعلتنا من خير أمة أخرجت للناس، وخصصتنا بهذا الدين القويم والكتاب المبين
والمنهاج المستقيم، اللهم اهدنا صراطك المستقيم، وأجرنا من شرّ أنفسنا والشياطين،
سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأنت على كل شيء قدير.
أما بعد، فإنّ أصل الأصول وأُسَّ الأركان ومبدأ
الدين ومنتهاه هو توحيد الله رب العالمين وإخلاص الوجه للحي الدائم القيوم ذي
الجلال والجمال والكمال والإكرام. وإنّ أمرًا هذا شأنه حقيق بكلّ مكلّف أن يجعله
في المرصد الأعلى لغاياته، والمحلّ الأسمى لأولوياته، والحتم اللازم لاهتماماته،
ولا غرو فهو مفتاح الجنة، ولا عجب فهو الدّين كلّ الدّين.
وهذه سلسلة مقالات لبيان ما يسـّره الله وفتح به من
أمر التوحيد والإخلاص، جعلنا الله جميعًا من أهل تحقيقهما والفوز بمرضاة الله
تعالى والزلفى لديه. سائلًا ربي المدد والمعونة والتوفيق، هو حسبي ومُعتَمدي
ووليّي وكيلي، ونعم المولى ونعم الوكيل. وصلى الله وسلم وبارك على النبي الأمي
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الإخلاص في اللغة: قال الأزهري: «قال
الليث: الإخلاص هو التوحيد لله خالصًا، ولذلك قيل لسورة ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ١﴾ [الإخلاص: 1] والتخليص
التنحية من كل منشب»([1]).
وقال ابن فارس «خلص»: «الخاء واللام
والصاد أصل واحد مطّرد، وهو تنقية الشـيء وتهذيبه، يقولون: خلّصته من كذا، وخَلَص
هو»([2]).
وقال الجوهري: «خَلَصَ الشـيء
يخلص خُلُوصًا؛ أي صار خالصًا، والإخلاص في الطاعة؛ ترك الرياء»([3]).
وقال ابن منظور: «خَلَصَ الشـيء؛ بالفتح يخْلُصُ
خُلُوصًا وخَلَاصًا إذا كان قد نشب ثم نجا وسلم، وأخلَصَهُ وخلَّصَه وأخْلَصَ لله
دينه: أمحضه. وأخلص الشيء اختاره، وقرئ: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٤٠﴾ [الحجر: ٤٠] و«المخلِصين». قال ثعلب: يعني بالمخلِصين الذين
أخلصوا العبادة لله تعالى، وبالمخلَصين الذين أخلصهم الله عز وجل. وكلمة الإخلاص
كلمة التوحيد، والتخليص: التنجية من كل منشب، والإخلاص في الطاعة: ترك الرياء،
وخلص إليه الشيء أي وصل»([4]).
وقال الفيروزآبادي: «خَلَصَ خلُوصًا، وخالِصةً: صار
خالصًا. وأخلص لله: ترك الرياء، أما التوحيد فمعناه قريب من الإخلاص»([5]).
قال الأزهري: «الوَحْدَةُ: الانفراد. والتوحيد:
الإيمان بالله وحده لا شريك له، والله الواحد ذو الوحدانية والتوحد، والواحد في
صفة الله معناه أنه لا ثاني له، ويجوز أن يُنعت الشيء بأنّه واحد، فأمّا أحدٌ فلا
يوصف به غير الله لخلوص هذا الاسم الشريف له جل ثناؤه([6])، ويقال: أحّدتُ الله ووحدتُهُ وهو الأحد الواحد،
وأما قول الناس: توحيد الله بالأمر وبتفرّد، فإنه وإن كان صحيحًا في العربية فإني
لا أحب أن ألفظ بلفظ في حق الله لم يصف به نفسه في التنزيل أو السنة»([7]).
وقال ابن فارس: «الواو والحاء والدال أصل واحد يدل
على الانفراد»([8]).
وقال الجوهري: «الوحدة: الانفراد»([9]).
وقال ابن منظور: «التوحيد: الإيمان بالله وحده لا
شريك له. والله الواحد الأحد، ذو الوحدانية والتوحد» وكذلك تعريف الفيروزآبادي([10]).
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب: «التوحيد هو إفراد
الله سبحانه بالعبادة، وهو دين الرسل الذين أرسلهم الله به إلى عباده»([11]).
قلت: وبين الإخلاص والتوحيد عموم وخصوص؛ فإن افترقا
دل كلّ منهما على الآخر، وإن اجتمعا تعلق لفظ التوحيد بأصل الإيمان والديانة،
وتعلق لفظ الإخلاص بإفراد العبادة على التفصيل، والله أعلم.
وقد قسّم العلماء التوحيد لأقسام اصطلاحية تسهيلاً
لإفهامها، فمنهم من قسم التوحيد لقسمين: الأول: توحيد المعرفة والإثبات، وهو توحيد
الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد الطلب والقصد، وهو توحيد الألوهية والعبادة([12])، ومنهم من يقسمه لثلاثة أقسام:
الأول: توحيد الربوبية: وهو إفراد الله بالخلق
والملك والتدبير، وهو التوحيد الذي أقرّ به الكفار على زمن رسول الله ﷺ
ولم يُدخلهم في الإسلام، وقاتلهم رسول الله ﷺ
واستحلّ دماءهم وأموالهم ﴿وَمَن
يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣١﴾ [يونس: 31].
الثاني: توحيد الألوهية([13]): وهو إفراد الله تعالى بأفعال العباد كالدعاء
والنذر والنحر والرجاء والخوف والتوكل والرغبة والرهبة، وهو التوحيد الذي وقع فيه
النزاع بين الرسل وأقوامهم، قال تعالى: ﴿وَمَآ
أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥﴾ [الأنبياء:
25] أي إفراد الله عز وجل بالعبادة.
وهو التوحيد الذي من أجله خُلق الخلق، وأنزلت الكتب، وبعثت الرسل، وقامت سوق الجنة
والنار، وجردت سيوف الملّة نصرة له وقرعًا لمناكفيه.
الثالث: توحيد الأسماء والصفات: وهو إفراد الله
تعالى بأسمائه وصفاته، وذلك بإثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ،
ونفي ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ،
والسكوت عما سكت عنه الله ورسوله، إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل([14]).
قال شيخ الإسلام: «ودين الإسلام مبني على أصلين:
على أن يُعبد الله وحده ولا يُشرَك به شيء، وعلى أن يُعبد اللهُ بما شرعه على لسان
نبيه محمد ﷺ، وهذان هما حقيقة قولنا: أشهد أن لا إله إلا الله
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله»([15]).
وقال: «لا ينتفع بشفاعة النبي ﷺ
إلا أهل التوحيد المؤمنون دون أهل الشرك، ولو كان المشرك محبًا له ومعظمًا إياه لم
تنقذه شفاعته من النار، وإنما ينجيه من النار التوحيد والإيمان به ﷺ،
ولهذا فإن أبا طالب وغيره ممن يحبّونه ولم يقرّوا بالتوحيد الذي جاء به لم يكن
ليخرج من النار بشفاعته ولا بغيرها، ودليل ذلك قوله ﷺ
جوابًا عمّن سأله: أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة؟ قال عليه الصلاة والسلام: «أسعد
الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه»، وقد
اختار ﷺ الشفاعة وجعلها خاصة بمن مات لا يشرك بالله شيئًا»([16]).
وقد ذكر أيضًا رحمه الله تعالى:
أن إخلاص الدين هو الذي لا يقبل الله تعالى سواه، وهو الذي بعث الله به الأولين
والآخرين من الرسل، وأنزل به جميع الكتب، واتفق عليه أئمة أهل الإيمان، وهذا هو
خلاصة الدعوة النبوية، وهو قطب القرآن الذي تدور عليه رحاه([17]). وبالله التوفيق، والله اعلم، وصلى الله وسلم
وبارك على محمد وآله.
إبراهيم الدميجي
([6]) لعله يقصد الوصف المستغرق (الوصف المطلق) أو التسمّي به، أما مطلق
الوصف فلا بأس به؛ فالله تعالى يقول: ﴿وَإِنۡ
أَحَدٞ
مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ
ٱسۡتَجَارَكَ
فَأَجِرۡهُ
حَتَّىٰ يَسۡمَعَ
كَلَٰمَ ٱللَّهِ
ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ
مَأۡمَنَهُۥۚ
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ
قَوۡمٞ
لَّا يَعۡلَمُونَ
٦﴾ [التوبة: ٦]، وقال: ﴿فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ ٤٧﴾ [الحاقة:
٤٧]،
أو لعله قصد منع الإشارة لشخص بأنه أحد، فلا يقال: فلان أحد، لكن يقال: فلان واحد.