تعريف الصديقية
الحمد لله ﴿وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا
١٢٢﴾ [النساء: 122] [النساء:
122]،
والحمد لله ﴿وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا ٨٧﴾ [النساء: 87]، أرسل رسله بالصدق وصدَقهم وصدّقهم،
وأدالهم على من خالف أمره وكذّب بالصدق لمّا جاءه. وتبارك الذي أَمَرَ بالصدق في
النيّة والقول والعمل، وبِصُحبَةِ أهل الصدق إذ قال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩﴾ [التوبة: 119].
أما بعد: فإن الصديقية هي المرتبة
التالية للنبوة والسابقة للشهادة، ومعراجها الموصل هو رسوخ الصدق في القلب وإضاءة
نوره على اللسان وظهور حلاوة ثماره على الجوارح.
وهذه حروف مما يسّره الله تعالى في
بيان صدق القلب مع الله تعالى، وما يترتّب عليه من أمور طيّبة وآثارٍ صالحة ودين
مستقيم، جعلنا الله جميعًا من الصدّيقين ووالدينا والمسلمين، آمين إله الحق. والبداية
بحده وتعريفه:
«الصدق والتصديق والصديقية اشتقاقها
واحد وهو الصدق، والصدق: ضد الكذب» قاله الأزهري([1]).
وقال ابن فارس: «الصاد والدال والقاف
أصل يدل على قوة في الشيء، قولاً وغيره. ومن ذلك الصدق: خلاف الكذب، سمي لقوته في
نفسه، ولأن الكذب لا قوة له، وهو باطل؛ وأصل هذا من قولهم شيء صَدْقٌ أي صلب،
ورمحٌ صَدْقٌ، ويقال: صدقوهم القتال، وفي خلاف ذلك: كذبوهم. والصِّدِّيق: الملازم
للصدق»([2]). وقال الجوهري: «الصّدّيق الدائم
التصديق، ويكون الذي يُصدِّقُ قوله بالعمل»([3]). وقال الراغب: «الصدق والكذب أصلهما
في القول ماضيًا كان أو مستقبلاً، وعدًا كان أو غيره. ولا يكونان في القصد الأول
إلا في القول. ولا يكونان في القول إلا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام، ولذلك
قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا ١٢٢﴾ [النساء: 122] [النساء: 122]، والحمد لله ﴿وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ
ٱللَّهِ حَدِيثٗا ٨٧﴾ [النساء: 87]، ﴿إِنَّهُۥ
كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ﴾ [مريم: ٥٤].
وقد يكونان بالعَرَض في غيره من
أنواع الكلام، والصدق مطابقةُ القول الضمير والمُخبَر عنه معًا، ومتى تأخر شرط من
ذلك لم يكن صدقًا تامًا، بل إما ألا يوصف بالصدق([4])، وإما أن يوصف تارة بالصدق وتارة
بالكذب على نظرين مختلفين، كقول كافر إذا قال من غير اعتقاد: محمد رسول الله، فإن
هذا يصح أن يقال: صدق لكون المخبر عنه كذلك. ويصح أن يقال: كذب، لمخالفة قوله
ضميره، وبالوجه الثاني إكذابُ الله تعالى المنافقين حيث قالوا: ﴿نَشۡهَدُ إِنَّكَ
لَرَسُولُ ٱللَّهِۗ﴾ [المنافقون: ١].
والصّدّيق: من كثر منه الصدق([5])، وقيل: بل يقال لمن لا يكذب قط،
وقيل: لمن لا يتأتى منه الكذب لتعوده الصدق، وقيل: بل لمن صدق بقوله واعتقاده
وحقّق صدقه بفعله، قال تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ
كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١﴾ [مريم: ٤١]، وقال: ﴿ﯝ ﯞ﴾ [المائدة: ٧٥]،
وقال: ﴿مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ﴾ [النساء: ٦٩]،
فالصديقون: هم قوم دون الأنبياء في الفضيلة.
وقد يُستعمل الصدق والكذب في كل ما
يحقُّ ويحصل في الاعتقاد، نحو صدق ظني وكذب، ويستعملان في أفعال الجوارح، فيقال:
صدق في القتال إذا وفّى حقه وفعل ما يجب وكما يجب، وكذب في القتال إذا كان بخلاف
ذلك. وقال تعالى: ﴿رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ﴾ [الأحزاب: ٢٣]
أي حققوا العهد بما أظهروه من أفعالهم. وقال: ﴿لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن
صِدۡقِهِمۡۚ﴾ [الأحزاب: ٨]،
أي يسأل من صدق بلسانه عن صدق فعله تنبيهًا أنه لا يكفي الاعتراف بالحق دون تحرّيه
بالفعل، وقوله:﴿وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٨٤﴾ [الشعراء: ٨٤]
أي سأل الله أن يجعله صالحًا بحيث إذا أثنى عليه من بعده لم يكن ذلك الثناء كذبًا،
بل يكون كما قال الشاعر:
|
إذا نحن أثنينا عليك بصالحٍ |
|
فأنت الذي نثني وفوق الذي نثني»([6]) |
وقال الفيروز آبادي: «الصِّدْقُ:
الشدة، ومصداق الشيء: ما يصدّقه»([7]).
وصلى الله وسلم وبارك على من جاء بالصدق وصدّق به
وعلى آله وصحبه أجمعين.
إبراهيم الدميجي
([5]) قال شيخ الإسلام: «يُقال: فلان صادق اللهجة؛ إذا
تحرى الصدق، وإن كان قليل العلم بما جاءت به الأنبياء، وأبو بكر الصديق ◙ مُدح
بكونه صدّق الأنبياء، وليس بمجرد كونه صادقًا، وتصديقه للنبي ﷺ هو صدق خاص، فالمدح
بهذا التصديق ــ الذي هو صدق خاص ــ نوع، والمدح بنفس كونه صادقًا نوع آخر. فكل
صدّيق صادق، وليس كل صادق صدّيقًا». منهاج السنة (4/ 266).