فضل الصِّدِّيقيّة
الحمد لله، وبعد، فلقد قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩﴾ [التوبة:
119] ووصف الله
تعالى التنزيل بالصدق ﴿وَلَٰكِن
تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ﴾ [يوسف: 111] وقال: ﴿وَهَٰذَا
كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ﴾ [الأنعام: 92] وجعل للصادقين موعدًا للسؤال ﴿لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ﴾ [الأحزاب:
8] ووصف وعده بالصدق: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٞ ٥﴾ [الذاريات:
5] ووصف أهل البر بالصدق فقال: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ﴾ [البقرة:
177]، ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ١٥﴾ [الحجرات: 15].
ووصف المتقين بخمس صفات، منها:
الصدق، فقال: ﴿ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ
وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ ١٧﴾ [آل عمران: 17]، ومن آخر ما نزل من القرآن
المائدة، وقد قال في خواتيمها: ﴿قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١٩﴾ [المائدة: 119]، وقد مُدحت الملائكة والأنبياء
بالصدق ﴿وَأَتَيۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٦٤﴾ [الحجر: 64] ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١﴾ [مريم: 41]، ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥٤﴾ [مريم: 54]، ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا ٥٦﴾ [مريم: 56]، ﴿ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ﴾ [يس: 52]. والآيات في هذا الباب كثيرة.
أما من السنة فقد مدح نبينا صلوات الله وسلامه هذه الخصلة وأعلى من شأن
أهلها فقال: «اضمنوا لي ستًّا من أنفسكم أضمن لكم الجنة؛ اصدُقوا إذا حدثتم...»([1]). وقال: «عليكم بالصدق، فإن الصدق
يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صدّيقًا([2])، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار،
وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا»([3])، وقال في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة: «فقال بعضهم لبعض:
إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق، فليدعُ كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق
فيه...»([4])، وقال: «دع ما يَريبُك إلى ما لا يَريبك([5])، فإن الصدق طُمأنينة، والكذب ريبة»([6]).
وفي حديث أبي سفيان ◙ لما سأله هرقل: فبماذا يأمركم؟ ــ يعني رسول الله ﷺ ــ قال أبو
سفيان: «قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول
آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة...»([7])، لذا فمن بدايات دعوته عليه الصلاة والسلام الأمر بهذا الخلق الجليل
الجميل، بل من صفاته وصفات كل الأنبياء الصدق، قالت خديجة ▲: «والله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث»([8])، وقالت له قريش في قصة ندائهم وهو على الصفا: «ما
جرّبنا عليك إلا صدقًا»([9]).
وقال عليه الصلاة والسلام مبينًا أن مرتبة الصديقية
مستلزمة لخصال أخرى نبيلة كعفاف اللسان: «ولا ينبغي لصدّيق أن يكون لعّانًا»([10])، وقال في شأن الدعاء الصادق: «من طلب الشهادة
صادقًا، أُعطيها، ولو لم تصبه»([11])، وقال: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله
منازل الشهداء، وإن مات على فراشه»([12]).
وقد امتثل الصحابة الأطهار هذا الخلق الرفيع،
وامتزجت أجزاؤه بنفوسهم، وفي قصة الثلاثة الذين خلفوا فوائد جمة وثمرات جليلة لهذه
الشيمة النبيلة([13])، قال كعب بن مالك ◙ لما سأله رسول الله ﷺ
عن تخلّفه: «يا رسول الله! إني والله لو جلست عند غيرك من أهل
الدنيا؛ لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعطيت جدلاً، ولكني والله لقد علمت
لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث
صدق تجد عليّ فيه([14])، إني لأرجو فيه عُقبى الله([15])، والله ما كان لي من عذر. والله ما كنت قط أقوى
ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال رسول الله ﷺ: «أما
هذا فقد صدق. فقم حتى يقضي الله فيك»، ثم كانت العاقبة؛ توبة الله عليه بقوله:
﴿يَٰٓأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩﴾ [التوبة:
119]. قال كعب:
والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من
حديث رسول الله ﷺ»([16]).
قال ابن القيم في تعليقه على خبر كعب: «ومن
الفوائد: عظم مقدار الصدق، وتعليق سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شرهما به، فما
أنجى الله من أنجاه إلا بالصدق، ولا أهلك من أهلكه إلا بالكذب، وقد أمر الله
سبحانه عباده المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين، فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩﴾ [التوبة: 119]»([17]).
وتأمل قصة ذلك الأعرابي ذي القلب الطاهر وثمرة صدقه
مع الله تعالى حين جاء لنبي الله ﷺ فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك. فأوصى به
النبي ﷺ بعض أصحابه. فلما كانت غزوة خيبر، وغنم النبي ﷺ سبيًا، فقسم وقسم للأعرابي، فأعطى أصحابه ما قسم
له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاءوه دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: قِسْمٌ
قَسَمَه لك النبي ﷺ. فأخذه، فجاء به إلى النبي ﷺ فقال: ما هذا؟ قال: «قسمته لك»، قال: ما
على هذا تبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى ههنا ــ وأشار إلى حلقه ــ بسهم
فأموت فأدخل الجنة. فقال: «إن تصدق الله يصدقك»، فلبثوا قليلاً، ثم نهضوا
في قتال العدو، فأُتي به النبي ﷺ يُحمل قد أصابه سهم حيث أشار. فقال النبي ﷺ: «أهو
هو؟» قالوا: نعم. قال: «صدق الله فصدقه»، ثم كفنه النبي ﷺ،
فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته «اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك، فقتل
شهيدًا، أنا شهيدٌ على ذلك»([18]).
وقال علي بن أبي طالب ◙: «من كانت له عند
الناس ثلاث وجبت له عليهم ثلاث، من إذا حدثهم صدقهم، وإذا ائتمنوه لم يخنهم، وإذا
وعدهم وفّى لهم، وجب له عليهم أن تحبه قلوبهم، وتنطق بالثناء عليه ألسنتهم، وتظهر
له معونتهم»([19]).
وقال جعفر الصادق: «الصدق هو
المجاهدة، وألا تختار على الله غيره، كما لم يختر عليك غيرك، قال تعالى: ﴿هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ﴾ [الحج: 78]»([20]).
وقال الجنيد: «حقيقة الصدق:
أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب»([21]). قلت: أي فيما يظهر لغير البصير. وقال يوسف بن
أسباط: «لأن أبيت ليلة أُعاملُ الله بالصدق أحبُّ إلي من أن
أضرب بسيفي في سبيل الله». وقيل: عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرّك، فإنه
ينفعك. ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك، فإنه يضرك([22]).
وقال ابن القيم: «قال شيخنا ــ
أي ابن تيمية ــ: والصدّيق أكمل من المحدَّث؛ لأنه استغنى بكمال صديقيته عن التحدث
والإلهام والكشف. فإنه قد سلّم قلبه كله وسرّه وظاهره وباطنه للرسول ﷺ،
فإن وافقه قبله، وإلا رده. قال: وأما ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات والجهالات:
حدثني قلبي عن ربي، فصحيح أن قلبه حدثه، ولكن عمن؟ عن شيطانه أو عن ربه؟ فإذا قال:
عن ربي كان مسندًا الحديث إلى من لم يعلم أنه حدثه به. وهذا كذب»([23]).
وقال ابن القيم ‘
في كلامه على منزلة الصدق: «وهي منزلة القوم العظمى التي منها تنشأ جميع منازل
السالكين، والطريق الأقوم الذي من لم يسِرْ عليه فهو من المنقطعين الهالكين. وبه
تميّز أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجنان من أهل النيران، وهو سيف الله في
أرضه الذي ما وُضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلاً إلا أرداه وصرعه، من صال به
لم تُرَدَّ صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته، فهو روح الأعمال، ومحكّ
الأحوال([24]) والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي منه دخل
الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، وهو أساس بناء الدين، وعمود فسطاط اليقين، ودرجته
تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين.
وقسم الله سبحانه الناس إلى صادق ومنافق، فقال: ﴿لِّيَجۡزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّٰدِقِينَ بِصِدۡقِهِمۡ وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٤﴾ [الأحزاب:
24] والإيمان أساسه الصدق، والنفاق
أساسه الكذب؛ فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر»([25]).
وقال ‘ في مراتب
المكلفين في الدار الآخرة، وطبقاتهم([26]) فيها بعد ذكره لأولي العزم من الرسل ثم بقية الرسل
ثم الأنبياء، قال: «الطبقة الرابعة: ورثة الرسل وخلفاؤهم في أممهم، وهم
القائمون بما بُعثوا به علمًا وعملاً ودعوة للخلق إلى الله على طريقهم ومنهاجهم.
وهذه أفضل مراتب الخلق بعد الرسالة والنبوة، وهي مرتبة الصديقية.
ولهذا قرنهم
الله تعالى في كتابه بالأنبياء فقال: ﴿وَمَن
يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا ٦٩﴾ [النساء:
69]، فجعل درجة الصديقية تلي درجة
النبوة، وهؤلاء هم الراسخون في العلم، وهم الوسائط بين الرسول ﷺ
وأمته، فهم خلفاؤه وأولياؤه وحزبه وخاصته وحَمَلةُ دينه، وهم المضمون لهم أنهم لا
يزالون على الحق، لا يضرّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على
ذلك. وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ
بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٩﴾ [الحديد:
19] ومرتبة
الصديقية فوق مرتبة الشهداء، ولهذا قدمهم عليهم في الآيتين؛ هنا وفي سورة النساء.
وهكذا جاء ذكرهم مقدمًا على الشهداء في كلام النبي ﷺ
في قوله: «اثبت أُحُد، فإنما عليك نبي وصدّيق وشهيدان»([27]). ولهذا كان نعت الصديقية وصفًا لأفضل الخلق بعد
الأنبياء والمرسلين، وهو أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، ولو كان بعد النبوة درجة
أفضل من الصديقية لكانت نعتًا له ◙.
ودرجة الصديقية والربانية ووراثة النبوة وخلافة
الرسالة هي أفضل درجات الأمة، ولو لم يكن من فضلها وشرفها إلا أن كلّ من علم
بتعليمهم وإرشادهم أو علّم غيره شيئًا من ذلك كان لهم مثل أجره ما دام ذلك جاريًا
في الأمة على آباد الدهور([28])، وصح عنه ﷺ
أنه قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده كان له مثل أجر من عمل
بها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا»([29])، وقال: «إن الله وملائكته حتى النملة في جحرها
وحتى الحوت في البحر ليصلّون على معلّم الناس الخير»([30])، وقال: «إن العلماء ورثة الأنبياء»([31]).
والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا، وقد ذكرنا مئتي دليل
على فضل العلم وأهله في كتاب مفرد([32]).
فيالها من مرتبة ما أعلاها، ومنقبة ما أجلّها
وأسناها، أن يكون المرء في حياته مشغولاً ببعض أشغاله، أو في قبره قد صار أشلاء
متمزقة وأوصالاً متفرقة، وصحف حسناته متزايدة تملى فيها الحسنات كل وقت([33])، وأعمال الخير مهداة إليه من حيث لا يحتسب. تلك
والله المكارم والغنائم! وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وعليه يحسد الحاسدون، وذلك
فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وحقيق بمرتبة هذا شأنها أن تنفق نفائس الأنفاس
عليها، ويستبق السابقون إليها، وتوفّر عليها الأوقات، وتتوجه نحوها الطلبات»([34]).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير حفظه الله تعالى: «منزلة
الصديقية منزلة لا يبلغها إلا القليل النادر من الناس، ولم يشتهر بذلك إلا أبو بكر
◙، والسبب في ذلك القصة المعروفة»([35]).
وفي شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة ‘([36]): «والصديقية تجيء عن محض التصديق، أي: أن يصدق ما
أخبر به من قبل الله جل وعلا ورسوله ﷺ، فلا يُسمى
صديقًا ولا يرتقي مرتبة الصديقية إلا إذا صدّق تصديقًا محضًا بكل ما أتاه من الله
جل وعلا ومن رسول الله ﷺ، ولسان حاله يقول: آمنت بالله وبما جاء عن الله،
على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله ﷺ،
وأروع الأمثلة على تحقيق الصديقية أبو بكر ◙، فقد حقق معانيها ظاهرًا وباطنًا.
فأول مراتبها التي حققها: التصديق بكل ما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ،
والثانية: أن يصدق قوله فعله. والثالثة: أن يصدق ظاهره باطنه. والرابعة والخامسة:
التصديق بموعود الله في الدنيا والآخرة.
وقد حقق
الصديق تلك المراتب بقوله لمن جاءه من قريش يخبرونه بما قاله لهم رسول الله ﷺ
ليلة الإسراء: إن كان قال ذلك فقد صدق، والله إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك؛
أصدقه في خبر السماء. وفي صلح الحديبية كانت صديقيته حاضرة، وهذه الحادثة تبين لك
أن مرتبة الصديقية أعلى من مرتبة الإلهام، فبينهما مفاوز، واعتبر ذلك بحال أبي بكر
الصديق وعمر المحدث الملهم.
فقد قال أبو
بكر لعمر لما راجعه في أمر صلح الحديبية فيكشف له أو يعينه؛ فقال له الصديق عين ما
قاله رسول الله ﷺ لفظًا ومعنىً، وحين مات نبي الله صلوات الله
وسلامه عليه قام الصديق قومته المسدّدة، وفاء الناس بعد خطبته إلى الحق، وأخذوا
الآية من فيه كأنما سمعوها لأول مرة ﴿وَمَا
مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وفي خبر الحث على الصدقة حينما تصدق بكل ماله،
وأجاب رسول الله ﷺ حينما سأله: «ماذا أبقيت لأهلك؟» قال:
أبقيت لهم الله ورسوله. وحينما ارتدت العرب، ودخل الخوف أهل المدينة أنفذ جيش
أسامة، وقال لمن راجعه: والله لو جرّت الكلاب أمهات المؤمنين لأنفذت جيش أسامة»([37]).
وقد ذكر شيخ الإسلام فضل الصدق من عشرة أوجه وهي:
الأول: أن الإنسان حي ناطق، فالوصف المقوم له
الفاصل له عن غيره من الدواب هو المنطق، والمنطق قسمان: خبر، وإنشاء. والخبر صحته
بالصدق، وفساده بالكذب، فالكافر أسوأ حالاً من البهيمة([38]).
الثاني: أن
الصفة المميزة بين النبي والمتنبئ هي الصدق والكذب؛ فإن محمدًا رسول الله الصادق
الأمين، ومسيلمة الكذاب، قال تعالى: ﴿۞فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدۡقِ إِذۡ جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٣٢ وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ٣٣﴾ [الزمر: ٣٢ ، ٣٣].
الثالث: أن الصفة الفارقة بين المؤمن والمنافق هي
الصدق، فإن أساس النفاق الذي بُني عليه الكذب، وعلى كل خلق يُطبع المؤمن ليس
الخيانة والكذب، قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من كن فيه كان منافقًا؛ إذا حدّث كذب،
وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»([39]).
الرابع: أن الصدق هو أصل البر، والكذب أصل الفجور.
قال ﷺ: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر...» الحديث([40]).
الخامس: أن الصادق تنزل عليه الملائكة، والكاذب
تنزل عليه الشياطين، كما قال تعالى: ﴿هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢٢١ تَنَزَّلُ عَلَىٰ
كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ ٢٢٢ يُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَٰذِبُونَ ٢٢٣﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣].
السادس: أن الفارق بين الصديقين والشهداء
والصالحين، وبين المتشبه بهم من المرائين والمسمّعين والملبّسين هو الصدق والكذب.
السابع: أنه مقرون بالإخلاص الذي
هو أصل الدين. قال تعالى: ﴿وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ ٣٠ حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ﴾ [الحج: ٣٠ ، ٣١]، ولهذا قال ﷺ: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله مرتين»، وقرأ
هذه الآية([41]). وقال: «ألا أنبئكم بأكبر
الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين» وكان متكئًا فجلس فقال: «ألا وقول
الزور، ألا وشهادة الزور» فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت([42]).
الثامن: أنه ركن الشهادة الخاصة عند الحكّام، وركن
الشهادة العامة في جميع الأمور، وركن الإقرار الذي هو شهادة المرء على نفسه، وركن
الأحاديث والأخبار التي بها يقوم الإسلام، بل هي ركن النبوة والرسالة، التي هي
واسطة بين الله وبين خلقه، وركن الفتيا التي هي إخبار المفتي بحكم الله، وركن
المعاملات، وركن الرؤيا التي قال فيها ﷺ: «أصدقهم
رؤيا أصدقهم حديثًا»([43])، والتي يؤتمن فيها الرجل على ما رأى.
التاسع: أن الصدق والكذب هو المميز بين المؤمن
والمنافق([44]).
العاشر: أن المشايخ العارفين اتفقوا على أن أساس
الطريق إلى الله هو الصدق والإخلاص كما جمع الله بينهما في قوله: ﴿وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ ٣٠ حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ﴾ [الحج: ٣٠ ، ٣١] ([45]).
وقال الشيخ بكر أبو زيد ‘
في شأن الصدق: «صدق اللهجة: عنوان الوقار، وشرف النفس، ونقاء
السريرة، وسمو الهمة، ورُجحان العقل، ورسول المودة مع الخلق، وسعادة الجماعة،
وصيانة الديانة، ولهذا كان فرض عين، فيا خيبة من فرّط فيه، ومن فعل فقد مس نفسه
وعلمه بأذى.
قال الأوزاعي رحمه الله تعالى:
تعلّم الصدق قبل أن تتكلّم العلم.
وقال وكيع ‘:
هذه الصنعة([46]) لا يرتفع فيها إلا صادق.
والصدق: إلقاء الكلام على وجه مطابق للواقع
والاعتقاد، فالصدق من طريق واحد. أما نقيضه الكذب فضروب وألوان، ومسالك وأودية
يجمعها ثلاثة:
1ـ كذب المتملّق: وهو ما يخالف الواقع والاعتقاد،
كمن يتملّق لمن يعرفه فاسقًا أو مبتدعًا فيصفه بالاستقامة.
2ـ كذب المنافق: وهو ما يخالف الاعتقاد ويطابق
الواقع، كالمنافق ينطق بما يقوله أهل السنة والهداية.
3ــ كذب الغبيّ: بما يخالف الواقع ويطابق الاعتقاد،
كمن يعتقد صلاح صوفي مبتدع فيصفه بالولاية.
فالزم الجادّة «الصدق» فلا تضغط على عَكَدِ اللسان،
ولا تضم شفتيك، ولا تفتح فاك ناطقًا إلا على حروف تُعبّر عن إحساسك الصادق في
الباطن؛ كالحب والبغض، أو إحساسك في الظاهر، كالذي تدركه الحواس الخمس.
واحذر أن تحوم حولك الظنون، فتخونك العزيمة في صدق
اللهجة، فتُسجّل في قائمة الكذابين. وطريق الضمانة لهذا، إذا نازعتك نفسك بكلام
غير صادق فيه؛ أن تقهرها بذكر منزلة الصدق وشرفه، ورذيلة الكذب ودركه، وأن الكاذب
عن قريب ينكشف، واستعن بالله ولا تعجزن.
ولا تفتح لنفسك سابلة المعاريض في غير ما حصره
الشرع. فيا طالب العلم! احذر أن تمرق من الصدق إلى المعاريض فالكذب، وأسوأ مرامي
هذا المروق؛ الكذب في العلم لداء منافسة الأقران، وطيران السمعة في الآفاق. ومن
تطلع إلى سمعة فوق منزلته؛ فليعلم أن في المرصاد رجالاً يحملون بصائر نافذة،
وأقلامًا ناقدة، فيزنون السُّمعة بالأثر، فتتم تعريتك على ثلاثة معان: فقد الثقة
في القلوب، وذهاب عملك وانحسار القبول، وألا تُصدّق ولو صدقت. وبالجملة؛ فمن يحترف
زخرف القول، فهو أخو الساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى»([47]). والله المستعان، وعليه التكلان، وبه التوفيق،
ومنه الهدى والرشاد.
وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك على محمد
وآله.
إبراهيم الدميجي
([1]) الحاكم في المستدرك (4/ 359) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه، وصححه الذهبي، وأخرجه أحمد (5/ 233).
([2]) دل على أن الصديقية لا تكون إلا بعد رسوخ الصدق في النفس وتحريه
وتعاهده حتى يكون سجية وخلقًا.
([3]) متفق عليه. البخاري (6094) ومسلم (2607).
([4]) متفق عليه وهذا لفظ البخاري (3465)، أما مسلم (2743)
فأورده بدون لفظ الصدق، والصدق هنا بمعنى الإخلاص، وبينهما عموم وخصوص، والصدق
والإخلاص مع تقاربهما إلا أن الصدق هو الفرقان بين الإيمان والنفاق، أما الإخلاص
فهو الفرقان بين التوحيد والشرك. وانظر: ظاهرة الإرجاء (438).
([5]) يروى بفتح الياء وضمها، وأصله من الارتياب وهو الشك.
([6]) الترمذي (2518) واللفظ له. وقال: حسن صحيح. والنسائي (8/ 327) بسند
صححه محقق جامع الأصول. عن موسوعة نضرة النعيم. وقد استفدت منهم كثيرًا في هذا
الكتاب، سواءً جمعهم الآيات والأحاديث والآثار والنقول في مكان واحد أو في تخريج
الأحاديث، فلهم الشكر بعد الله تعالى. وأوصي كل خطيب أو محاضر أو باحث أن يقتني
تلك الموسوعة النفيسة فإنها من ذخائر العلم المحقق.
([7]) متفق عليه. البخاري (5980) ومسلم (1773).
([8]) البخاري (الفتح 8/ 4770).
([9]) متفق عليه. البخاري (4770) ومسلم (208).
([13]) وانظر كتاب (لله درك يا كعب!) للمؤلف.
([14]) أي تغضب علي من أجله.
([15]) أي العاقبة الحسنة من الله، وتلمّح ثلج اليقين على فؤاده القريح.
([16]) متفق عليه. البخاري
(4418) ومسلم (2769).
([17]) زاد المعاد، ابن القيم (3/ 590).
([18]) النسائي (1953)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1415).
([19]) الآداب الشرعية (1/ 29).
([20]) إحياء علوم الدين (2/ 1698).
([21]) مدارج السالكين (2/ 290).
([23]) التفسير القيم، ابن القيم (1/ 35).
([24]) قال السهروردي في عوارف المعارف في الفرق بين الحال والمقام: «فالحال
سمي حالاً لتحوله، والمقام مقامًا لثبوته واستقراره»
(2127). ملحق بإحياء العلوم. وقصد الإمام ابن القيم ‘
بهذا اللفظ مجموع أقوال وأعمال القلب والجوارح، والله أعلم. والخلل عند كثير من
المتصوفة أنهم أحالوا الحال على الذوق والوجد لا العلم والوحي.
قال
ابن القيم: «وسير أولياء الله وعباده الأبرار
والمقربين هو إحالة الحال على العلم، وتحكيمه عليه وتقديمه، ووزنه به وقبول حكمه،
فإن وافقه العلم وإلا كان حالاً فاسدًا، منحرفًا عن أحوال الصادقين بحسب بُعدِه عن
العلم، فالعلم حاكم والحال محكوم عليه، فمن لم يكن هذا أصل بناء سلوكه فسلوكه
فاسد، وغايته الانسلاخ من العلم والدين، كما جرى ذلك لمن جرى له، والله المستعان».
المدارج (3/38).
([25]) مدارج السالكين (3/ 5ــ 7) باختصار.
([26]) وهم ثمان عشرة طبقة ذكرها في طريق الهجرتين، أما ابن حزم فذكر عشر
طبقات فقط.
([27]) البخاري (3675) من حديث أنس رضي الله ؓ.
([28]) العلماء بالله وبدين الله العاملون بما علموا هم داخلون دخولاً
أوليًّا في الصديقية، ولكن لا يعني ذلك إخراج العوام الذين صلحت أعمالهم وخلصت
نياتهم وصدقوا الله في دينهم.
([29]) مسلم (1017) عن جرير بن عبد الله ◙.
([30]) الترمذي (2685) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. والطبراني (7912)،
وصححه الألباني في صحيح الجامع (1/ 1838).
([31]) أحمد (21715) وأبو داود (3641) والترمذي (682)، واختلف في صحة
سنده، وقد صححه ابن حبان والحاكم، وضعفه الترمذي والبغوي وابن عبد البر.
([32]) وللعلم كتاب مستقل يأتي إن شاء الله تعالى.
([33]) وقت توفي ابن القيم ‘
سنة (751) أي أن كتبه لها قرابة السبعمئة سنة وهي تُهدي له الحسنات، ولا نزكيه على
الله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
([34]) طريق الهجرتين (2/ 764ــ 771) باختصار.
([35]) شرح المحرر في الحديث، د. عبد الكريم الخضير (19/ 63) ومراده حديث
الإسراء وخبر أبي بكر ◙ فيه.
([36]) للشيخ محمد حسن عبد الغفار.
([37]) شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة، محمد حسن عبد الغفار (29/ 3)،
وانظره كذلك في: درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية (5/ 28).
([38]) لأن البهائم لا تكذب.
([39]) متفق عليه. البخاري (6095) بلفظ: «آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ:
إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ»، ومسلم (59).
([40]) متفق عليه. البخاري
(6094)، ومسلم (2607).
([41]) الترمذي (299)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (6402).
([42]) متفق عليه. البخاري (6919) ومسلم (87).
([43]) الترمذي (2270)، وقال: حسن صحيح. وصححه الألباني.
([44]) وقد مرّ هذا في الثالث، وعليه فهي تسعة.
([45]) فالصدق تضمنته الآية الأولى، والإخلاص الثانية. الفتاوى (20/ 74ــ
78).
([47]) حلية طالب العلم، بكر بن عبد الله أبو زيد، بشرح العلامة العثيمين
رحمهما الله (136ــ 143) بتصرف يسير.