وقفة
تأمل
الحمد لله رب العالمين: قال تاج الواعظين أبو الفرج
عبد الرحمن بن الجوزي رحمه الله تعالى:
«يا من أيام
عمره في حياته معدودة! وجسمه بعد مماته مع دودة!
|
رأيتُكَ في النقصان مُذْ أنت في المهد |
|
تقرِّبُك الساعاتُ من ساعة اللحد |
يا من عمره يمضي بالساعة والساعة، يا كثير التفريط
في قليل البضاعة، يا شديدالإسراف، يا قوي الإضاعة. كأني بك عن قليل تُرمى في
جوف قاعة، مسلوبًا لباس القدرة وبأس الاستطاعة، وجاء منكر ونكير في أفظع الفظاعة،
وأمسيتَ تجني ثمار هذي الزراعة، وتمنيتَ لو قدرت على لحظةٍ لطاعة، وقلت: ﴿رَبِّ ٱرۡجِعُونِ ٩٩﴾ [المؤمنون:
99] يا متخلفًا عن أقرانه قد آن أن
تلحق الجماعة.
|
يا ساهيًا لاهيًا عما يراد به |
|
آن الرحيل وما قدمت من زاد |
مركب الحياة تجري في بحر البدن برُخاء الأنفاس،
ولابد من عاصفٍ قاصفٍ تفككه وتغرق الركاب.
|
حكم المنيّةِ في البريّة جارِ |
|
ما هذه الدنيا بدار قرارِ |
يا لُقَمَ الآجال! أما تسمعون صريفَ([1]) أنياب الصروف؟ كم غافلٍ وأكفانهُ عند القصّار ولِبْنُ
قبره قد ضُرب.
يا سُخنةَ عينٍ([2]) قرّت بالغرور، يا خرابَ قلبٍ عُمِّرَ بالُمنى،
العمرُ زاد في بادية، يؤخذ منه، ولا يُطرح فيه.
يا من أجله يذوب ذوبان الثلج! توانيك أبرد. كان بعض من يبيع الثلج ينادي: ارحموا من يذوب رأس ماله.
يا مؤخرًا توبته حتى شاب، خرج وقت
الاختيار، قد أُمهل الُمتقاضي، البدارَ البدارَ فنقّاضُ البدنِ قد عرقبَ([3]) الأساس.
|
ولم يبق من أيام جمعٍ إلى منىً |
|
إلى موقف التجمير غير أماني |
بادر بالتوبة من هفواتك قبل فواتك، فالمنايا
بالنفوس فواتك.
أعجب خلائق الخلائق، محسنٌ
في ليل شبابه، فلما لاح الفجرُ فَجَر!
يا هذا! عقلك يحثُّكَ على التوبة وهواك يمنع،
والحرب بينهما، فلو جهزت جيش العزم فرّ العدو. تنوي قيام الليل فتنام! تحضر مجالس
الذكر فلا تبكي! ثم تقول: ما السبب؟ ﴿قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ﴾ [آل عمران: 165] عصيتَ بالنهار؛ فنمت بالليل([4])، أكلت الحرام؛ فأظلم القلب، فلما فُتح باب الوصول
للمقبولين؛ طُردت.
أين أنت من أقوام كُشفت عن أبصار بصائرهم أغطية
الجهل؟ فلاحت لهم الجادّةُ، فجدّوا في السلوك.
كان مسروق يصلي حتى تتورم قدماه، فتقعد امرأته تبكي
مما تراه يصنع بنفسه.
أُحْصِرَ القومُ في سبيل المحبة([5]) فأقعدتهم عن كل مطلوب ﴿لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ [البقرة: 273].
في البداءة إنفاق البدن، وفي المتوسط إنفاق النفس،
فإذا نزل ضيف المحبة تناول القلب، فأملق المنفق»([6]). والحمد لله رب العالمين.
إبراهيم الدميجي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق