إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

وقفة تأمل

 

وقفة تأمل

الحمد لله رب العالمين: قال تاج الواعظين أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي رحمه الله تعالى:

«يا من أيام عمره في حياته معدودة! وجسمه بعد مماته مع دودة!

رأيتُكَ في النقصان مُذْ أنت في المهد
ستضحكُ سنٌّ بعد عينٍ تعصَّرتْ

أتطمحُ أن يُشجَى لفقدك فاقدٌ


 

تقرِّبُك الساعاتُ من ساعة اللحد
عليكَ، وإن قالت: بكيتُ من الوجدِ
لعلّ سرورَ الفاقدين مع الفقد


يا من عمره يمضي بالساعة والساعة، يا كثير التفريط في قليل البضاعة، يا شديدالإسراف، يا قوي الإضاعة. كأني بك عن قليل تُرمى في جوف قاعة، مسلوبًا لباس القدرة وبأس الاستطاعة، وجاء منكر ونكير في أفظع الفظاعة، وأمسيتَ تجني ثمار هذي الزراعة، وتمنيتَ لو قدرت على لحظةٍ لطاعة، وقلت: ﴿رَبِّ ٱرۡجِعُونِ ٩٩﴾ [المؤمنون: 99] يا متخلفًا عن أقرانه قد آن أن تلحق الجماعة.

يا ساهيًا لاهيًا عما يراد به
ترجو البقاء صحيحًا سالمًا أبدًا


 

آن الرحيل وما قدمت من زاد
هيهات أنت غدًا فيمن غدا غاد


مركب الحياة تجري في بحر البدن برُخاء الأنفاس، ولابد من عاصفٍ قاصفٍ تفككه وتغرق الركاب.

حكم المنيّةِ في البريّة جارِ
جُبلت على كدرٍ وأنت تُريدُها
فاقضوا مآربكم عجالاً إنما


 

ما هذه الدنيا بدار قرارِ
صفوًا من الأقذارِ والأكدارِ

أعماركم سفرٌ من الأسفارِ


يا لُقَمَ الآجال! أما تسمعون صريفَ([1]) أنياب الصروف؟ كم غافلٍ وأكفانهُ عند القصّار ولِبْنُ قبره قد ضُرب.

يا سُخنةَ عينٍ([2]) قرّت بالغرور، يا خرابَ قلبٍ عُمِّرَ بالُمنى، العمرُ زاد في بادية، يؤخذ منه، ولا يُطرح فيه.

يا من أجله يذوب ذوبان الثلج! توانيك أبرد. كان بعض من يبيع الثلج ينادي: ارحموا من يذوب رأس ماله.

يا مؤخرًا توبته حتى شاب، خرج وقت الاختيار، قد أُمهل الُمتقاضي، البدارَ البدارَ فنقّاضُ البدنِ قد عرقبَ([3]) الأساس.

ولم يبق من أيام جمعٍ إلى منىً

 

إلى موقف التجمير غير أماني

بادر بالتوبة من هفواتك قبل فواتك، فالمنايا بالنفوس فواتك.

أعجب خلائق الخلائق، محسنٌ في ليل شبابه، فلما لاح الفجرُ فَجَر!

يا هذا! عقلك يحثُّكَ على التوبة وهواك يمنع، والحرب بينهما، فلو جهزت جيش العزم فرّ العدو. تنوي قيام الليل فتنام! تحضر مجالس الذكر فلا تبكي! ثم تقول: ما السبب؟ ﴿قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ [آل عمران: 165] عصيتَ بالنهار؛ فنمت بالليل([4])، أكلت الحرام؛ فأظلم القلب، فلما فُتح باب الوصول للمقبولين؛ طُردت.

أين أنت من أقوام كُشفت عن أبصار بصائرهم أغطية الجهل؟ فلاحت لهم الجادّةُ، فجدّوا في السلوك.

كان مسروق يصلي حتى تتورم قدماه، فتقعد امرأته تبكي مما تراه يصنع بنفسه.

أُحْصِرَ القومُ في سبيل المحبة([5]) فأقعدتهم عن كل مطلوب ﴿لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾  [البقرة: 273].

في البداءة إنفاق البدن، وفي المتوسط إنفاق النفس، فإذا نزل ضيف المحبة تناول القلب، فأملق المنفق»([6]). والحمد لله رب العالمين.

إبراهيم الدميجي

 



([1])   الصريف: صوت ناب البعير. ويسمى عند العامة ضريس، والصروف من الدهر: نوائبه ودواهيه.

([2])   سخنة عين: ضد قرّها، أي تعاستها وشقاؤها.

([3])   عرقب الدابة: قطع عرقوبها.

([4])   لما شكى بعض أصحاب ابن مسعود ◙ ثقل قيام الليل، قال: «قيدتكم خطاياكم».

([5])   مع الخوف والرجاء.

([6])   المدهش، ابن الجوزي (2/ 530ــ 533) باختصار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق