إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..
إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..
الأربعاء، 4 فبراير 2026
الثلاثاء، 3 فبراير 2026
لا غنى للعبد عن التوحيد والإخلاص
لا
غنى للعبد عن التوحيد والإخلاص
الحمد لله كما ينبغي له الحمد، والشكر له كما ينبغي
له الشكر، وصلى الله وسلم وبارك على النبي الأمي أحمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعه
بإحسان، أما بعد؛ فإن التوحيد هو أصل الأصول، ولبابه الإخلاص لله رب العالمين، ولا
غنى للعبد طرفة عين عن ذلك، فما وصل من وصل إلا بتحقيقهما برحمة الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ♫: «وأما النية التي هي إخلاص الدين لله فقد تكلّم
الناس في حدّها وحدّ الإخلاص، كقول بعضهم: المخلص هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر
له في قلوب الناس من أجل صلاح قلبه مع الله عز وجل، ولا يجب أن يطّلع الناس على
مثاقيل الذر من عمله»([1]).
وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله ــ يعني
الإمام أحمد ــ عن النية في العمل، قلت: كيف النية؟ قال: «يعالج نفسه إذا
أراد عملاً لا يريد به الناس».
وحدّث يزيد بن هارون بحديث عمر: «الأعمال
بالنيات» وأحمد جالس فقال أحمد ليزيد: «يا أبا خالد
هذا الخناق».
والنية في القرآن يعبر عنها كثيرًا بالإرادات كقوله
تعالى: ﴿مِنكُم مَّن
يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ﴾ [آل عمران: ١٥٢]،
وقوله: ﴿وَلَا
تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقوله: ﴿ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٣٨﴾ [الروم: ٣٨].
وفي السنة وكلام السلف تأكيد شديد على شأن الإخلاص
والنية كقوله ﷺ: «من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالاً فله
ما نوى»([2])، وما روي عنه: «يحشر الناس على نياتهم»([3])، وقوله في حديث الخسف بالجيش: «يهلكون مهلكًا
واحدًا ويصدرون مصادر شتى، ويبعثهم الله على نياتهم»([4])، وقوله: «من كانت همه الدنيا فرّق الله شمله ــ
وفي لفظ: أمره ــ وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن
كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة»([5]).
وقال يحيى بن أبي كثير ♫: تعلّموا النية فإنها أبلغ من العمل.
وقال زيد الشامي ♫: إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام
والشراب([6])، انوِ في كل شيء تريد الخير حتى خروجك إلى الكناسة([7]).
وقال داود الطائي ♫: رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية، وكفاك بها
خيرًا وإن لم تنصب. وقال: والبر همّة التقي ولو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا
لردته يومًا نيته إلى أهله.
وقال سفيان الثوري ♫: ما عالجت شيئًا أشد علي من نيتي لأنها تتقلب علي.
وقال يوسف بن أسباط ♫: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول
الاجتهاد.
وقيل لنافع بن جبير ♫: ألا تشهد الجنازة؟ قال: كما أنت حتى أنوي، قال:
ففكّر هنيهة ثم قال: امضِ.
وقال مطرف بن عبد الله ♫: صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح
النية.
وقال ابن المبارك ♫: ربّ عمل صغير تعظمه النيّة، ورب عمل كبير تصغّره
النية([8]).
قال ابن رجب ♫: «وفي حديث «إنما الأعمال بالنيات» ذكر ﷺ
أن الأعمال بحسب النيات، وحظ العامل من عمله نيته من خير أو شر، وهاتان كلمتان
جامعتان وقاعدتان كليتان لا يخرج عنهما شيء، وذكر بعد ذلك مثلاً من الأمثال
والأعمال التي صورتها واحدة ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات، وكأنه يقول:
سائر الأعمال على حذو هذا المثال»([9]).
وقال السندي ♫: «قوله: «وإنما لكل امرئ ما نوى» أي ليس
للفاعل من عمله إلا نيته أو منويه، أي الذي يرجع إليه العمل نفعًا أو ضرًا هي
النية، فإن العمل بحسبها يحسب خيرًا أو شرًّا، ويجزئ المرء على العمل بحسبها
ثوابًا أو عقابًا، ويكون العمل تارة حسنًا وتارة قبيحًا بسببها، ويتعدد الجزاء
بتعددها»([10]).
وقال مكحول ♫ في شأن الإخلاص والتجريد: ما أخلص عبد قط أربعين
يومًا إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه ولسانه.
وقال أبو سليمان الداراني ♫: إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء.
وقال يوسف بن الحسين ♫: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط
الرياء عن قلبي فكأنه ينبت على لون آخر.
وقال الجنيد ♫: الإخلاص سرّ بين الله وبين العبد، لا يعلمه ملك
فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله([11]).
وقال ابن كثير ♫ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠﴾ [الكهف: 110]: «وهذان ركنا العمل المتقبل، لابد أن يكون خالصًا لله
صوابًا على شريعة رسول الله ﷺ»([12]).
وقال ابن القيم ♫: «العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه
رملاً ينقله ولا ينفعه»([13]).
وفي قصة إسلام عكرمة ◙ لما ركب البحر هاربًا من
رسول الله ﷺ فهاج البحر وأصابتهم عاصفة، فقال أصحاب السفينة:
أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا ههنا. فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني من
البحر إلا الإخلاص لا ينجّيني في البر غيره، اللهم إن لك علي عهدًا إن أنت عافيتني
مما أنا فيه أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوًّا كريمًا. فجاء فأسلم([14]).
وتأمل أخي ــ أحسن الله إليك ــ في فضل الإخلاص
حديث أبي كبشة الأنماري ◙ أنه سمع رسول الله ﷺ
يقول: «إنما الدنيا لأربعة نفر؛ عبدٌ رزقه الله مالاً وعلمًا فهو يتقي ربّه
فيه، ويصلُ به رحمه، ويعلم لله فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله
علمًا ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل
فلان، فهو بنيَّته، فأجرهما سواء. وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علمًا فهو يخبط
في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًّا،
فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علمًا فهو يقول: لو أن لي مالاً
لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيّتهُ، فوزرهما سواء»([15])، ويشهد لذلك حديث أنس ◙ أن رسول الله ﷺ
قال: «من طلب الشهادة صادقًا أُعطيها ولو لم تصبه»([16]).
وتأمل حديث البطاقة([17]) وحديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة([18]) وتفكر في مغزى التكرار والتأكيد على الإخلاص في
قوله ﷺ: «تكفّل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه إلا
الجهاد في سبيله وتصديق كلماته، بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه
مع ما نال من أجر أو غنيمة»([19])، ومثله حديث الخروج للصلاة: «ثم خرج إلى المسجد
لا ينهزه إلا الصلاة لا يريد إلا الصلاة»([20])، وفي حديث عتبان المشهور لم يذكر ﷺ
وسيلة لاتقاء النار سوى الإخلاص في كلمة التوحيد «لن يُوافي عبدٌ يوم القيامة
يقول لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله إلا حرّم عليه النار»([21]).
ولما خرج ﷺ
في غزاة قال لأصحابه: «إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا
إلا كانوا معكم، حبسهم المرض»، وفي رواية: «إلا شركوكم في الأجر»([22])، فلما صدقوا النية وحبسهم العذر أُجِرُوا
كالعاملين، فالحمد لله على فضله وإحسانه.
ومن رحمته تعالى أنه لم يجعل الهم بالسيئات كالهم
بالحسنات، فعن ابن عباس ¶ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن
ربه عز وجل قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك، فمن همّ بحسنة فلم
يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همّ بها فعملها كتبها الله له عنده
عشر حسنات إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله
له عنده حسنة كاملة، فإن هو همّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة»([23]).
قال النووي ♫ في الأربعين([24]) معلقًا على هذا الحديث العظيم: «فانظر
يا أخي وفقنا الله وإياك إلى عظيم لطف الله تعالى، وتأمل هذه الألفاظ، وقولهُ: «عنده»
إشارة إلى الاعتناء بها، وقوله: «كاملة» للتأكيد وشدة الاعتناء بها. وقال
في السيئة التي همّ بها ثم تركها: «كتبها الله عنده حسنة كاملة» فأكّدها بـ«كاملة»،
«وهمّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة» فأكّد تقليلها بواحدة، ولم يؤكدها
بكاملة، فلله الحمد والمنة لا نحصـي ثناء عليه، وبالله التوفيق.
وقد ذكر الغزالي ♫ في الإحياء([25]) كلامًا نفيسًا نلخص مهماته، قال: «قال
عمر ◙: أفضل الأعمال أداء ما افترض الله تعالى، والورع عما حرّم الله تعالى، وصدق
النية فيما عند الله تعالى. وكتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز: اعلم أن
عون الله للعبد على قدر النية، فمن تمّت نيته تمّ عون الله له، وإن نقصت نقص
بقدره. وقال الثوري: كانوا يتعلمون النية للعمل كما تتعلمون العمل. وقال بعض
العلماء: اطلب النية للعمل قبل العمل، وما دمت تنوي الخير فأنت بخير. وقال أبو
هريرة ◙: يبعثون يوم القيامة على قدر نياتهم. وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ ٣١﴾ [محمد:
31] يبكي ويرددها ويقول: إنك إن
بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا. وقال الحسن: إنما خلد أهل الجنة في الجنة وأهل النار
في النار بالنيات.
واعلم أن النية والإرادة والقصد عبارات متواردة على
معنى واحد، وهو حالةٌ وصفةٌ للقلب يكتنفها أمران: علم وعمل. فالعلم يقدمه لأنه
أصله وشرطه، والعمل يتبعه لأنه ثمرته وفرعه، وذلك لأن كل عمل أعني كل حركة وسكون
اختياري فإنه لا يتم إلا بثلاثة أمور: علم وإرادة وقدرة. فالنية عبارة عن الصفة
المتوسطة وهي الإرادة وانبعاث النفس بحكم الرغبة والميل إلى ما هو موافق للغرض إما
في الحال وإما في المآل. ولابد أن ينفرد الباعث دون غيره وأن يكون متجردًا خالصًا
عن مشاركة غيره وممازجته. قال تعالى: ﴿وَمَآ
أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾ [البينة:
5]، وقال: ﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ﴾ [الزمر:
3]، وقال: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ لِلَّهِ﴾ [النساء:
146]. وقال ﷺ: «ثلاث
لا يغلّ عليهن قلب رجل مسلم: إخلاص العمل لله...»([26]).
ولا يتخلص العبد من الشيطان إلا بالإخلاص، قال
تعالى: ﴿إِلَّا
عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٤٠﴾ [الحجر:
40]، لذلك كان معروف الكرخي يضرب
نفسه ويقول: يا نفس أخلصـي تتخلّصـي. وقال يعقوب المكفوف: المخلص من يكتم حسناته
كما يكتم سيئاته. وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى ¶: من خلصت نيته كفاه الله ما
بينه وبين الناس. وقال أيوب السختياني: تخليص العمل على العمل أشد عليهم من جميع
الأعمال. وكان مطرف يقول: من صَفّا صُفّي له، ومن خلط خلط عليه. وقيل: العلم بذر
والعمل زرع وماؤه الإخلاص.
واعلم أن كل شيء يتصور أن يشعر به غيره، فإذا صفا
عن شوبه وخلص عنه سمي خالصاً، ويسمى الفعل المصفّى المخلص: إخلاصًا. قال تعالى: ﴿مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ ٦٦﴾ [النحل:
66]. فإنما خلوص اللبن ألا يكون فيه
شوب من اللبن والفرث ومن كل ما يمكن أن يمتزج به، والإخلاص يضادّه الإشراك، فمن
ليس مخلصًا فهو مشـرك إلا أن الشـرك درجات. فالإخلاص في التوحيد يضادُّه التشـريك
في الإلهية([27])، والشرك منه خفي وجلي، وكذا الإخلاص. والإخلاص
وضدّه يتواردان على القلب، فمحله القلب وإنما يكون ذلك في القصد والنيات»([28]).
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد
وآله.
إبراهيم الدميجي
([5]) رواه أحمد (21590)، وأبو داود (3660)، والترمذي (2656)، وابن ماجه
(230) من حديث زيد بن ثابت ◙ وصححه الألباني في صحيح الجامع (6510).
([16]) مسلم (1908)، وفي حديث معاذ مرفوعًا: «ومن سأل الله القتل من
نفسه صادقًا ثم مات أو قُتل فإن له أجر شهيد» أبو داود (541) وصححه الألباني.
([17]) أحمد (2/ 213)، والترمذي وحسنه (2369)، وابن ماجه (4300) وصححه
الألباني في صحيح ابن ماجه، وقبله السفاريني في لوائح الأنوار السنية (2/197) من
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: "يُصاحُ برجلٍ
من أمَّتي يومَ القيامةِ على رءوسِ الخلائقِ، فيُنشَرُ لَهُ تسعةٌ وَتِسْعونَ
سجلًّا، كلُّ سجلٍّ مدَّ البصرِ، ثمَّ يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: هل تُنكرُ من هذا
شيئًا؟ فيقولُ: لا، يا ربِّ، فيقولُ: أظلمَتكَ كتبتي الحافظونَ؟ ثمَّ يقولُ: ألَكَ
عن ذلكَ حسنةٌ؟ فيهابُ الرَّجلُ، فيقولُ: لا، فيقولُ : بلَى، إنَّ لَكَ عندَنا
حسَناتٍ، وإنَّهُ لا ظُلمَ عليكَ اليومَ، فتُخرَجُ لَهُ بطاقةٌ فيها: أشهدُ أن لا
إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، قالَ: فَيقولُ: يا ربِّ ما
هذِهِ البطاقةُ، معَ هذِهِ السِّجلَّاتِ؟ فيقولُ: إنَّكَ لا تُظلَمُ، فتوضَعُ
السِّجلَّاتُ في كفَّةٍ، والبطاقةُ في كفَّةٍ، فَطاشتِ السِّجلَّاتُ، وثقُلتِ
البطاقةُ". قالَ محمَّدُ بنُ يحيى: البطاقةُ: الرُّقعةُ، وأَهْلُ مِصرَ
يقولونَ للرُّقعةِ : بِطاقةً.
([18]) متفق عليه. البخاري (2215) ومسلم (2743)، من حديث عبد الله بن عمر
رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «خَرَجَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ يَمْشُونَ
فأصابَهُمُ المَطَرُ، فَدَخَلُوا في غارٍ في جَبَلٍ ، فانْحَطَّتْ عليهم صَخْرَةٌ،
قالَ: فقالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ادْعُوا اللَّهَ بأَفْضَلِ عَمَلٍ
عَمِلْتُمُوهُ، فقالَ أحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إنِّي كانَ لي أبَوانِ شيخانِ كَبِيرانِ،
فَكُنْتُ أخْرُجُ فأرْعَى، ثُمَّ أجِيءُ فأحْلُبُ فأجِيءُ بالحِلابِ، فَآتي به
أبَوَيَّ فَيَشْرَبانِ، ثُمَّ أسْقِي الصِّبْيَةَ وأَهْلِي وامْرَأَتِي،
فاحْتَبَسْتُ لَيْلَةً، فَجِئْتُ فإذا هُما نائِمانِ، قالَ: فَكَرِهْتُ أنْ
أُوقِظَهُما، والصِّبْيَةُ يَتَضاغَوْنَ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذلكَ
دَأْبِي ودَأْبَهُما، حتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ
أنِّي فَعَلْتُ ذلكَ ابْتِغاءَ وجْهِكَ ، فافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً نَرَى مِنْها
السَّماءَ، قالَ: فَفُرِجَ عنْهمْ، وقالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ
أنِّي كُنْتُ أُحِبُّ امْرَأَةً مِن بَناتِ عَمِّي كَأَشَدِّ ما يُحِبُّ الرَّجُلُ
النِّساءَ، فقالَتْ: لا تَنالُ ذلكَ مِنْها حتَّى تُعْطِيَها مِئَةَ دِينارٍ، فَسَعَيْتُ
فيها حتَّى جَمَعْتُها، فَلَمَّا قَعَدْتُ بيْنَ رِجْلَيْها قالَتْ: اتَّقِ
اللَّهَ ولا تَفُضَّ الخاتَمَ إلَّا بحَقِّهِ، فَقُمْتُ وتَرَكْتُها، فإنْ كُنْتَ
تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذلكَ ابْتِغاءَ وجْهِكَ ، فافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً،
قالَ: فَفَرَجَ عنْهمُ الثُّلُثَيْنِ، وقالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ
تَعْلَمُ أنِّي اسْتَأْجَرْتُ أجِيرًا بفَرَقٍ مِن ذُرَةٍ فأعْطَيْتُهُ، وأَبَى
ذاكَ أنْ يَأْخُذَ، فَعَمَدْتُ إلى ذلكَ الفَرَقِ فَزَرَعْتُهُ، حتَّى اشْتَرَيْتُ
منه بَقَرًا وراعِيها، ثُمَّ جاءَ فقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ أعْطِنِي حَقِّي،
فَقُلتُ: انْطَلِقْ إلى تِلكَ البَقَرِ وراعِيها فإنَّها لَكَ، فقالَ:
أتَسْتَهْزِئُ بي؟ قالَ: فَقُلتُ: ما أسْتَهْزِئُ بكَ ولَكِنَّها لَكَ، اللَّهُمَّ
إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذلكَ ابْتِغاءَ وجْهِكَ ، فافْرُجْ عَنَّا فَكُشِفَ
عنْهمْ».
([21]) البخاري (6423) وبقية شروط لا إله إلا الله التي استقرأها العلماء
تنتظم في هذا الشـرط، فإذا حضر الإخلاص حضرت وإن غاب لم تنفع.
([24]) الأربعين النووية، الحديث (37). ولعل القبول الذي وضعه الله
لمؤلفاته ♫ عائد
إلى حسن نيته وصدق قوله.