إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الثلاثاء، 12 مايو 2026

فضل العبودية ومكانتها وضرورة الخلق إليها وتحقيقها

 

فضل العبودية ومكانتها وضرورة الخلق إليها وتحقيقها

الحمد لله رب العالمين، وإله الأولين والآخرين، أما بعد؛ فإن العبودية هي غاية الخلق، وملبوس التكليف، وسلم المنح والعطايا، وسبب الرضوان العظيم. وعلى قدر تحقيقها يصل العبد ويحظى ويفلح، والعباد ـــ كل العباد ـــ في الغاية من الحاجة إليها.

والعبودية لفظ جامع لكل ما يقع من العبد مرضاة لله تعالى، فمنها ما هو محضٌ مباشر كالصلاة والسجود والدعاء ونحوه، ومنها ما كان دون ذلك كصلة الرحم وحسن الخلق وإماطة الأذى عن الطريق ونحو ذلك مما هو برهان على العبودية إن صاحبها احتساب وإحسان نيّة، ومن هنا جاء شرط الإخلاص في الأولى للقبول، وشُدّد جدًّا في التشريك فيه، بخلاف الثانية. ومن بعد ذينك يأتي القسم الثالث وهو إحسان النيّة والاحتساب عند تناول حاجات النفس ومشتهياتها كالطعام واللباس والنوم والنكاح وغيرها، فإن حسُنَت النية بأن يتناولها تقوِيًّا على العبادة، وتلطّفًا وترفّقا بالنفس تنويلًا لبعض مباحات رغائبها، فهو مأجور محمود مشكور لأنه عبد ربه في أخذه وتركه.

كما أن العبوديات تتكامل، فلا تستطيع فرز إحداها عن غيرها إلا في الذهن فقط لا خارجه، وأيضًا فالعبوديات تتفاضل، فليست عبودية المحبة كالخوف مثلًا مع ضرورة العابد لكليهما في تصحيح دينه، وتوضيح ذلك: أنّ العبد في سيره إلى ربّه تعالى لا بد له من ثلاثية العبودية: المحبة والرجاء والخوف، وتتقدّمها المحبة، فمن أطاع مولاه خوفًا منه فهو على خير، ومن أطاعه رجاء ثوابه فهو على خير، ولكن من أطاعه محبة له فهو العابد حقًّا. فالعبادة غاية المحبة والخضوع، وفرقٌ بين عبد يعمل خوفًا أو رجاء وبين من يعمل محبة وامتنانًا، مع استحضار الخوف والرجاء، وتأمل مرتبة الخلّة للخليلين عليهما السلام وما في ثناياها من لطائف المحبة، وتدبر قول ربك الأعلى: ﴿يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾ [المائدة: 54]. نسأل الله الكريم من فضله وقبوله.

والحاصل؛ أنّ هناك بونًا شاسعًا بين من يسوقه الخوف، أو يدفعه الرجاء، وبين من تطير به المحبة إلى حبيبه ومعبوده وقرّة عينه ووطن قلبه تبارك وتعالى مع خشيته ورجاء كرمه.

فالعبادة هي الغاية التي خلقنا الله تعالى لتحقيقها وتحصيلها، قال شيخ الإسلام: «العبادة لله هي الغاية المحبوبة له، والمرضية له، والتي خلق الخلق لها. كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦﴾ [الذاريات: 56]، وبها أرسل الرسل. كما قال نوح لقومه:﴿يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ﴾ [الأعراف: 59]، وكذلك هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ [النحل: 36]، وجعل ذلك لازمًا إلى الموت كما قال: ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ ٩٩﴾ [الحجر: 99]، وبذلك وصف ملائكته، فقال تعالى: ﴿وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ ١٩﴾  [الأنبياء: 19]، وذم المستكبرين عنها بقوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠﴾ [غافر: ٦٠]، ونعت صفوة خلقه بالعبودية فقال تعالى: ﴿عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفۡجِيرٗا ٦﴾ [[الإنسان: 6]، وقال في وصف الملائكة: ﴿بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ ٢٦﴾ [الأنبياء: 26]، وقال عن المسيح عليه السلام: ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا عَبۡدٌ أَنۡعَمۡنَا عَلَيۡهِ وَجَعَلۡنَٰهُ مَثَلٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩﴾ [الزخرف: 59]، ولهذا قال النبي : «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله»([1]).

وقد نعته الله بالعبودية في أكمل أحواله، فقال في الإسراء: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ [الإسراء: 1]، وقال في الإيحاء:﴿فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ ١٠﴾ [النجم: 10]، وقال في الدعوة: ﴿وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبۡدُ ٱللَّهِ يَدۡعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيۡهِ لِبَدٗا ١٩﴾ [الجن: 19]، وقال في التحدي: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٣﴾ [البقرة: 23]. فالدين كله داخل في العبادة.

وفي حديث جبريل لما سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان قال في آخر الحديث: «هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم»([2]) فجعل هذا كله من الدين.

والدين يتضمن الخضوع والذل، يقال: دِنْتُهُ فَدَان، أي ذلّلته فذلّ. ويقال: يَدِينُ([3]) اللهَ، ويَدِينُ للهِ، أي: يعبد الله ويطيعه ويخضع له. فدين الله: عبادته وطاعته، والخضوع له.

والعبادة أصلٌ معناها الذل أيضًا، لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له. فإن آخر مراتب المحبة التتيُّم([4])، يقال: تيم الله أي: عبد الله، فالمتيّم: المُعبّد لمحبوبه.

ومن خَضَعَ لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن له عابدًا، كما قد يحب ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون اللهُ أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله. وكل ما أحب لغير الله فمحبته فاسدة، وكل ما عُظّم بغير أمر الله كان تعظيمه باطلاً، قال تعالى: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤﴾ [التوبة: 24]، فجنس المحبة تكون لله ورسوله كالطاعة، فإن الطاعة لله ورسوله، والإرضاء لله ولرسوله ﴿يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ ٦٢﴾ [التوبة: 62]، والإيتاء لله ورسوله: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ رَضُواْ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ ٥٩﴾ [التوبة: 59]. أما العبادة وما ينال من التوكل والخوف ونحو ذلك فلا تكون إلا لله وحده، كما قال تعالى: ﴿أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا﴾ [آل عمران: 64]، وقال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣﴾ [التوبة: ٥٩] فالإيتاء لله والرسول، وأما الحَسْبُ ــ وهو الكافي([5]) ــ فهو الله وحده، كما قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣﴾ [آل عمران: 173]»([6]).

وقال: «والعبادة أصلها القصد والإرادة، والعبادة إذا أفردت دخل فيها التوكل ونحوه، وإذا قرنت بالتوكل صار التوكل قسيمًا لها، وهكذا كما ذكرنا في لفظ الإيمان. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]. فهذا ونحوه يدخل فيه فعل المأمورات وترك المحظورات، والتوكل من ذلك، وقد قال في موضع آخر: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ [الفاتحة: 5]، وقال: ﴿فَٱعۡبُدۡهُ وَتَوَكَّلۡ عَلَيۡهِۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٢٣﴾ [هود: ١٢٣]، ومثل هذا كثيرًا ما يجيء في القرآن، أي تنوع دلالة اللفظ في عمومه وخصوصه بحسب الإفراد والاقتران، كلفظ المعروف والمنكر، ولفظ الفقراء والمساكين، إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، وإذا قرن أحدهما بالآخر صار بينهما فرق، لكن هناك أحد الاسمين أعم من الآخر، وهنا بينهما عموم وخصوص؛ فمحبة الله وحده والتوكل عليه وحده وخشيته وحده ونحو هذا كله يدخل في توحيد الله، قال تعالى في المحبة: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ ١٦٥﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٥٢﴾ [النور: ٥٢]، فجعل الطاعة لله والرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده، كذلك في قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣﴾ [آل عمران: ١٧٣] وقوله: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب ٨﴾ [الشـرح: ٨] فجعل التحسب والرغبة إلى الله وحده.

والمقصود أن قول القائل: لا إله إلا الله فيه إفراد الإلهية لله وحده، وذلك يتضمن التصديق لله قولاً وعملاً، فالمشركون كانوا يقرون بأن الله رب كل شيء، لكن كانوا يجعلون معه آلهة أخرى، فلا يخصونه بالإلهية. وتخصيصه بالإلهية يوجب ألا يعبد إلا إياه، وألا يسأل غيره، كما في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ [الفاتحة: 5]، فإن الإنسان قد يقصد سؤال الله وحده والتوكل عليه، لكن في أمور لا يحبها الله بل يكرهها وينهى عنها، فهذا وإن كان مخلصًا له في سؤاله والتوكل عليه، لكن ليس هو مخلصًا في عبادته وطاعته، وهذا حال كثير من أهل التوجهات الفاسدة أصحاب الكشوفات والتصرفات المخالفة لأمر الله ورسوله، فهم يعانون على هذه الأمور، وهذا نصيبهم من العاجلة، أما العاقبة فسيئة.

وطائفة أخرى قد يقصدون طاعة الله ورسوله ولكن لا يحققون التوكل والاستعانة به، فهؤلاء يتابعون على حسن نيتهم وطاعتهم، لكنهم مخذولون فيما يقصدونه؛ إذ لم يحققوا الاستعانة بالله والتوكل عليه، ولهذا يبتلى الواحد منهم بالضعف والجزع إن لم يحصل مراده وبالإعجاب إن حصل.

وشر من هؤلاء وهؤلاء من لا تكون عبادته لله ولا استعانته بالله، بل يعبد غيره ويستعين بغيره، وهؤلاء المشركون من الوجهين.

أما القسم الرابع فهم أهل التوحيد الذين أخلصوا دينهم لله فلم يعبدوا إلا إياه ولم يتوكلوا إلا عليه»([7]).

وقال: «كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله، وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته.

ومن توهّم أن المخلوق يخرج بوجه من الوجوه، أو أن الخروج عنها أكمل، فهو من أجهل الخلق، بل مِنْ أضلِّهم، ففي القرآن وصفُ أكابر الخلق بالعبادة، وذم من خرج عن ذلك، وكل رسول ابتدأ دعوته بالدعاء إلى عبادة الله، وبيّن الله أن عباده هم الذين ينجون من السيئات، وبالعبودية نَعَتَ كل من اصطفى من خلقه ﴿وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٥ إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ٤٦ وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٧ [ص: 45ــ 47].

والعبودية في الحقيقة: هي رقّ القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده فهو عبده. لهذا يقال:

العبدُ حرٌّ ما قنع

 

والحرُّ عبدٌ ما طمع

وقال القائل:

أطعتُ مطامعي فاستعبدتني

 

ولو أني قنعت لكنت حُرًّا

ويروى عن عمر ◙ أنه قال: الطمع فقر، واليأس غنى، وإن أحدكم إذا يئس من شيء استغنى عنه. وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه، فإن الأمر الذي ييأس منه لا يطلبه، ولا يطمع به، ولا يبقى قلبه فقيرًا إليه، ولا إلى من يفعلُهُ، وأما إذا طمع في أمر من الأمور ورجاه، فإن قلبه يتعلق به، فيصير فقيرًا إلى حصوله، وإلى من يظن أنه سبب حصوله، وهذا في المال والجاه والصور وغير ذلك.

وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرره قويت عبوديته له، وحريَّتُهُ مما سواه، فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له، فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه، كما قيل: استغن عمن شئت تكن نظيره، وأفْضِل على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره. فكذلك طمع العبد في ربه ورجاؤه له يوجب عبوديته له. وإعراضُ قلبه عن الطلب من الله والرجاء له يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله، لاسيما من كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق؛ بحيث يكون قلبه معتمدًا إما على رئاسته وجنوده وأتباعه ومماليكه، وإما على أهله وأصدقائه، وإما على أمواله وذخائره، وإما على سادته وكبرائه، قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا ٥٨﴾  [الفرقان: 58].

وكل من علّق قلبه بالمخلوقين أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه؛ خضع قلبه لهم، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميرًا لهم، مدبرًا لهم، متصرفًا بهم. فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر.

فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة، ولو كانت مباحة له، يبقى قلبه أسيرًا لها، تحكم فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدُها لأنه تزوجها أو مالكها، ولكنه في الحقيقة هو أسيرها ومملوكها، ولاسيّما إذا درت بفقره إليها وعشقه لها، وأنه لا يعتاض عنها بغيرها، فإنها حينئذ تتحكم فيه تحكُّم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه، بل أعظم؛ فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن. فإن من استُعبِدَ بدنُهُ واسترق وأُسر، لا يبالي إذا كان قلبه مستريحًا من ذلك مطمئنًا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص، وإما إذا كان القلب الذي هو ملك الجسم رقيقًا مستعبدًا، متيمًا لغير الله، فهذا هو الذل والأسر المحض، والعبودية الذليلة لما استعبدَ القلب.

وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، فإن المسلم لو أسره كافر أو استرقّه فاجر بغير حق، لم يضرّه ذلك إذا كان قائمًا بما يقدر عليه من الواجبات. ومن استُعبد بحق إذا أدّى حق الله وحق مواليه فله أجران، ولو أكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك. وأما من استُعبد قلبُه فصار عبدًا لغير الله فهذا يضره ذلك، ولو كان في الظاهر ملك الناس.

فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس، قال : «ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس»([8]).

والعبد لابد له من رزق، وهو محتاج إلى ذلك، فإذا طلب رزقه من الله صار عبدًا لله، فقيرًا إليه، لهذا كانت مسألة المخلوق محرّمة في الأصل، وإنما أُبيحت للضرورة، وفي النهي عنها أحاديث كثيرة في الصحاح والسنن والمسانيد. وأوصى خواص أصحابه ألا يسألوا الناس شيئًا، فكان السوط يسقط من أحدهم ولا يقول لأحد ناولني إياه. وقد دلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق والنهي عن مسألة المخلوق كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ ٧ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب ٨﴾ [الشرح: 7، 8]، وقول النبي : «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»([9])، ومنه قول الخليل: ﴿إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١٧﴾  [العنكبوت: 17] ولم يقل: فابتغوا الرزق عند الله؛ لأن تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر، كأنه قال: لا تبتغوا الرزق إلا عند الله، وقد قال تعالى: ﴿وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٣٢﴾ [النساء: 32].

ومن تعلق قلبه بامرأة مباحة له صار فيه من العبودية لها بحسب ذلك، أما من استعبد قلبَهُ صورة محرمة ــ امرأة أو صبي ــ فهذا هو العذاب الذي لا يدانيه عذاب. ومن أعظم أسباب هذا البلاء إعراض القلب عن الله، فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له؛ لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك ولا ألذّ ولا أطيب.

والإنسان لا يترك محبوبًا إلا بمحبوب آخر يكون أحب إليه منه، أو خوفًا من مكروه. فالحب الفاسد إنما ينصرف القلب عنه بالحب الصالح، أو بالخوف من الضرر. قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤﴾ [يوسف: 24]، فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله، ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله والإخلاص له، تغلبه نفسه على اتباع هواها، فإذا ذاق طعم الإخلاص وقوي في قلبه([10])؛ انقهر له هواه بلا علاج([11]).

وكذلك طالب الرئاسة والعلو في الأرض؛ قلبُه رقيق لمن يعينه عليها، ولو كان في الظاهر مقدمُهم والمطاع فيهم، فهو في الحقيقة يرجوهم ويخافهم، فيبذل لهم الأموال والولايات ويعفو عما يجترحونه، ليطيعوه ويعينوه، فهو في الحقيقة عبد مطيع لهم، وإن كان في الظاهر رئيسًا مطاعًا. والتحقيق أن كليهما فيه عبودية للآخر، وكلاهما تارك لحقيقة عباد الله، وإذا كان تعاونهما على العلو في الأرض بغير حق؛ كانا بمنزلة المتعاونين على الفاحشة أو قطع الطريق، فكل واحد من الشخصين لهواه الذي استعبده واسترقّه؛ مستعبدٌ للآخر.

وهكذا أيضًا طالب المال؛ بأن ذلك يستعبده ويسترقّه، وحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب، وهو موافقته في حب ما يُحب وبُغض ما يبغض، والله يحب الإيمان والتقوى، ويبغض الكفر والفسوق والعصيان، ومعلوم أن الحب يحرك إرادة القلب، فكلما قويت المحبة في القلب طَلَبَ القلب فعل المحبوبات، ومعلوم أن المحبوبات لا تنال غالبًا إلا باحتمال المكروهات، سواء كانت محبة صالحة أو فاسدة. فالمحبون للمال والرئاسة والصور، لا ينالون مطالبهم إلا بضرر يلحقهم في الدنيا، مع ما يصيبهم من الضرر في الدنيا والآخرة. فالمحب لله ورسوله إذا لم يحتمل ما يرى ذو الرأي من المحبّين لغير الله مما يحتملون في سبيل حصول محبوبهم، دل ذلك على ضعف محبته لله. ومن المعلوم أن المؤمن أشد حبًا لله ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ ١٦٥﴾ [البقرة: 165] ([12]).

إذا تبين هذا؛ فكلما ازداد القلب حبًّا لله ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية، ازداد له حبًّا وفضّله عما سواه.

والقلب فقير بالذات إلى الله من وجهين:

من جهة العبادة، وهي العلة الغائية([13])، ومن جهة الاستعانة والتوكل، وهي العلّة الفاعلة. فالقلب لا يصلحُ، ولا يفلح، ولا يلتذ، ولا يُسرّ، ولا يطيع ولا يسكن، ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه، ومن حيث هو معبوده، ومحبوبه، ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسـرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة.

وهذا لا يحصل إلا بإعانة الله له، فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله، فهو دائمًا مفتقر إلى حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ ، فإنه لو أُعين على حصول ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده، ولم يحصل له عبادة لله، فلن يحصل إلا على الألم والحسرة والعذاب، ولن يخلص من آلام الدنيا ونكد عيشها إلا بإخلاص الحب لله، بحيث يكون هو غاية مراده، ونهاية مقصوده، وهو المحبوب له بالقصد الأول، وكل ما سواه إنما يُحبه لأجله، لا يُحبه شيئًا لذاته إلا الله.

فمتى لم يحصل على هذا، لم يكن قد حقّق حقيقة لا إله إلا الله، ولا حقق التوحيد والعبودية والمحبة لله، وكان فيه من نقص التوحيد والإيمان ــ بل من الألم والحسرة والعذاب ــ بحسب ذلك. ولو سعى في هذا المطلوب، ولم يكن مستعينًا بالله متوكلاً عليه، مفتقرًا إليه في حصوله؛ لم يحصل له، فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فهو مفتقر إلى الله من حيث هو المطلوب المحبوب المراد المعبود، ومن حيث هو المسئول المستعان به المتوكل عليه، فهو إلهه لا إله له غيره، وهو ربه لا ربّ له سواه. ولا تتم عبوديته لله إلا بهذين، فمتى كان يحب غير الله لذاته، أو يلتفت إلى غير الله أنه يعينه، كان عبدًا لما أحبه وعبدًا لما رجاه، بِحَسَبِ حبّه ورجائه إياه، وإذا لم يحب أحدًا لذاته إلا الله، وأي شيء أحبه سواه فإنما أحبه لله، ولم يَرْجُ قط إلا الله، وإذا فعل ما فعل من الأسباب أو حصَّل ما حصّل منها كان مشاهدًا أن الله هو الذي خلقها وقدّرها وسخرها له، وأن كل ما في السموات والأرض فالله ربُّهُ ومليكه وخالقه ومسخّرهُ وهو مفتقر إليه ـ كان قد حصل له من تمام عبوديته لله بحسب ما قُسِمَ له من ذلك.

والناس في هذا على درجات متفاوتة، لا يحصي طرفها إلا الله، فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله وأقواهم وأهداهم؛ أتَمُّهُم عبودية لله من هذا الوجه، وهذا هو حقيقة دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو أن يستسلم العبدُ لله لا لغيره، فالمستسلم له ولغيره مشرك، والممتنع عن الاستسلام له مستكبر.

ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه، ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه، ولا يوالي إلا من والاه الله، ولا يعادي إلا من عاداه الله، ولا يحب إلا الله، ولا يبغض شيئًا إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله.

فكلما قوي إخلاص دينه لله كملت عبوديته واستغناؤه عن المخلوق، وبكمال عبوديته لله تكمل تبرئته من الكبر والشرك، والشرك غالب على النصارى والكفر غالب على اليهود. ولما كان الكبر مستلزمًا للشرك، والشرك ضد الإسلام وهو الذنب الذي لا يغفره الله؛ كان الأنبياء جميعُهم مبعوثين بدين الإسلام، فهو الدين الذي لا يقبل الله غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين»([14]). وبالله التوفيق.

إبراهيم الدميجي

IIII


 



([1])   البخاري (3445).

([2])   متفق عليه. البخاري (50) ومسلم (9).

([3])   بفتح الياء، أما ضمها فغاية سوء الأدب مع رب العزة سبحانه؛ لأنه من الإدانة وهي الاتهام.

([4])   انظر: روضة المحبين، ابن القيم (ص16).

([5])   ومن الأخطاء الشائعة قول بعضهم للآخر: أنا محسوبك، كذلك توكلت عليك ونحو ذلك؛ لأنها من إفراد العبادة، ولو قال: أعتمد عليك بعد الله لجاز، أما لفظ التوكل فيتضمن التعلق التام.

([6])      العبودية، ابن تيمية (24ــ 38) باختصار. وانظر: المستدرك على مجموع الفتاوى (1/ 15).

([7])   مجموع الفتاوى (3/ 276ــ 278) بتصرف، وسيأتي بسط هذه المسألة في باب التوكل إن شاء الله، ونبهنا عليها هنا لتعلقها بالعبودية. وانظر: العبودية (85- 91).

([8])   متفق عليه. البخاري (٦٤٤٦) ومسلم (١٠٥١).

([9])   أحمد (1/ 293) بسند حسن.

([10])      فلابد من قوة الإخلاص ولا يكفي مجرد ذوقه.

([11])      وسيأتي التفصيل في آخر الفصل في علاج الآفات بمشيئة الله، وفي علاج تعلق الصور فصل خاص في كتاب المحبة بمشيئة الله تعالى.

([12])      لاحظ ارتباط العبودية بجميع أقوال وأعمال القلب والجوارح، ولكنها في أعمال التعلق (الحب ــ الخوف ــ الرجاء) أشد ارتباطًا، كذلك الحال بالنسبة للافتقار والإخلاص.

([13])      التي من أجلها خلق الخلق ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦﴾  [الذاريات: ٥٦]، أو الفاعلة، ويقال لها: الفاعلية: أي عدم قدرته على العبادة إلا إذا يسر الله له أسبابها وهي التوكل والاستعانة، كما ذكرها المصنف، وجمعها قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ﴾ [الفاتحة: 5] وهي الغائية ﴿وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ [الفاتحة: 5] وهي الفاعلة.

([14])      العبودية (91ــ 134) باختصار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق