أركان العبودية
وشروطها ومدارها ومراتبها
الحمد لله، أما بعد؛ فللعبودية عظمتها وكبير شأنها،
وهي حقيقة بتفصيل الأمر فيها وبحثها، وتمييز مفترقاتها، وتجميع متماثلاتها.
قال ابن القيم: «العبادة تجمع أصلين: غاية الحب،
وغاية الذل والخضوع»([1]).
أما شروطها: فالإيمان المصحح للأعمال، ثم الإخلاص،
ثم المتابعة.
قال شيخ الإسلام: «كل عمل أُريد
به غير الله لم يكن لله، وكل عمل لا يوافق شرع الله لم يكن لله، إلا ما جمع
الوصفين؛ أن يكون لله، وأن يكون موافقًا لمحبة الله ورسوله، وتحقيق هذين الشرطين
هو مقتضى الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا رسول الله، ففي
الأولى لا نعبد إلا إياه، وفي الثانية أن محمدًا ﷺ
هو المبلغ عنه، فعلينا أن نصدق خبره، ونطيع أمره وقد بيّن لنا ما نعبد الله به،
ونهانا عن محدثات الأمور، وأخبر أنها ضلالة»([2]).
أما مدار العبودية فعلى خمس عشرة قاعدة. قال ابن
القيم: «العبادة مدارها على خمس عشرة قاعدة، من كمّلها كمّل
مراتب العبودية. وبيان ذلك: أن العبادة منقسمة على القلب واللسان والجوارح.
والأحكام([3]) التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه،
ومباح. وهُنّ لكل واحد من القلب واللسان والجوارح»([4]). والله المستعان.
أما عن مراتبها فاعلم أن للإيمان
شعب، وللعبودية رتب، وعلى قدر تحصيل الشعب يزيد الإيمان بقدرها، وكذلك الأمر في
تحصيل مراتب العبودية، فمن رحمة الله تعالى أنه لم يشترط الكمال في العبادة لضعفنا
وغفلتنا، بل جعل هناك مراتب ضرورية لصحة الدين، ومراتب كمالية فيه رحمة منه ونعمة
وإفضالًا. قال الدكتور عبد الرحمن المحمود في بيان مراتب العبودية:
«المرتبة الأولى: عبودية مشتركة بين الخلق مؤمنهم
وكافرهم، ألا وهي عبودية الحاجة والفقر إلى الله تعالى، فأهل السموات والأرض
جميعًا فقراء إليه. قال تعالى: ﴿ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ﴾ [فاطر: 15]، وأي ملحد مهما كانت طريقته في الإلحاد إذا مسه الضر مسًّا قويًّا رفع
بصره إلى السماء ونادى: يا الله ﴿ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ﴾ [العنكبوت: 65].
المرتبة الثانية: ذل الطاعة والعبودية. وهو ذل اختياري يقوم به
العبد، وبه يميز بين المؤمنين والكفار.
المرتبة الثالثة: ذل المحبة، فإن المحب ذليل لمن يحبه، وعلى قدر
محبة القلب لله يكون ذله له، والذل لله تعالى هو أعلى مراتب الشرف.
المرتبة الرابعة: ذل المعصية والجناية. فإذا وقع في جناية توجه إلى
ربه منكسرًا مستكينًا مستغفرًا تائبًا»([5]).
أما التقسيم المشهور للعبادة فهو تقسيمها لقسمين:
الأول: عبودية عامة، بمعنى أن العبد مخلوق مربوب مملوك
محتاج لربه.
والثاني: عبودية خاصة، وهو من تذلل لربه وخضع لمولاه ودان
بالدين الذي رضيه الله.
قال شيخ
الإسلام: «العبد يراد به المُعبَّد الذي عبّدَهُ الله فذلله ودبّره وصرّفه. وبهذا
الاعتبار فالمخلوقون كلهم عباد الله، الأبرار منهم والفجار، والمؤمنون والكفار،
وأهل الجنة وأهل النار، إذ هو ربهم كلهم ومليكهم لا يخرجون عن مشيئته وقدرته
وكلماته التامّة التي لا يجاوزها برّ ولا فاجر. فما شاء كان وإن لم يشاءوا، وما
شاءوا إن لم يشأه لم يكن([6])، كما قال تعالى: ﴿ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ﴾ [آل
عمران: 83].
فهو سبحانه رب العالمين، وخالقهم ورازقهم، ومحييهم
ومميتهم، ومقلب قلوبهم، ومدبر أمورهم، لا رب لهم غيره، ولا مالك لهم سواه، ولا
خالق لهم إلا هو. سواءٌ اعترفوا بذلك أو أنكروه، وسواءٌ علموا بذلك أو جهلوه، لكن
أهل الإيمان منهم عرفوا ذلك، واعترفوا به، بخلاف من كان جاهلاً بذلك، أو جاحدًا له
مستكبرًا على ربه ولا يقرّ ولا يخضع له، مع علمه بأن الله ربه وخالقه»([7]). وبالله التوفيق، والله أعلم، وصلى الله على محمد
وآله وصحبه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق