الحمد لله وحده، أما بعد؛ فإن علة الخليقة هي العبودية،
فالله تعالى قد خلقنا لعبادته وتوحيده وطاعته، والعبادات مراتب، منها شرط صحة
للدين، وهي الأعظم، ومنها كمال له. قال ابن القيم في بيان أفضل العبادات: «قال
تعالى: ﴿وَمَآ
أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾ [البينة: 5] فكلّ أحد لم يؤمر إلا بعبادة الله بما أمر،
والإخلاص له في العبادة، وهم أهل ﴿إِيَّاكَ
نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ ثم أهل مقام ﴿إِيَّاكَ
نَعۡبُدُ﴾ لهم في أفضل العبادة وأنفعها وأحقّها بالإيثار
والتخصيص أربع طرق، فهم في ذلك أربعة أصناف:
الصنف الأول: عندهم أنفع العبادات وأفضلها: أشقّها على النفوس
وأصعبها([1]).
قالوا: لأنه أبعد الأشياء عن هواها، وهو حقيقة
التعبّد. وقالوا: الأجر على قدر المشقة، ورووا حديثًا لا أصل له: «أفضل الأعمال
أحْمَزُهَا»([2])، أي: أصعبها وأشقها، وهؤلاء هم أهل المجاهدات
والجور على النفوس.
الصنف الثاني: قالوا: أفضل العبادات وأنفعها التجرد، والزهد في
الدنيا، والتقليل منها غاية الإمكان، ثم هؤلاء قسمان:
فعوامهم: ظنّوا أن هذا غاية، فشمروا إليه، وعملوا
عليه، ودعوا الناس إليه، وقالوا: هو أفضل من درجة العلم والعبادة([3])، فرأوا الزهد في الدنيا غاية كل عبادة ورأسها.
وخواصهم: رأوا هذا مقصودًا لغيره، وأن المقصود به
عكوف القلب على الله سبحانه وجمع الهمة عليه، وتفريغ القلب لمحبته والإنابة إليه،
فرأوا أن أفضل العبادات في جمعية القلب على الله سبحانه، دون كل ما فيه تفريق
للقلب وتشتيت له([4]).
الصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما كان فيه نفع
متعدّ، فرأوا خدمة الفقراء ومساعدتهم بالمال والجاه، فتصدّوا له وعملوا عليه،
واحتجوا بحديث: «الخلق كلهم عيالُ الله([5])، وأحبّهم إليه أنفعهم لعياله»([6])، واحتجوا بأن عمل العابد قاصر على نفسه وعمل
النفّاع متعدّ إلى الغير، واحتجوا بقوله ﷺ
لعلي ◙: «فَواللَّهِ لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حُمْرِ([7]) النَّعَم»([8]). وقوله عليه الصلاة والسلام: «من دعا إلى هدى
كان له من الأجر مثل أجور من اتّبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء»([9])، واحتجوا بأن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله،
وصاحب النفع لا ينقطع عمله مادام نفعه الذي نسب إليه، واحتجوا بأن الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام إنما بعثوا بالإحسان إلى الخلق وهدايتهم، ونفعهم في معاشهم
ومعادهم، لم يُبعثوا بالخلوات والانقطاع عن الناس والترهب. ولهذا أنكر النبي ﷺ
على أولئك النفر الذين همُّوا بالانقطاع للتعبد وترك مخالطة الناس.
ورأى هؤلاء التفّرق في أمر الله، ونفع عباده،
والإحسان إليهم أفضل من الجمعية عليه بدون ذلك.
الصنف الرابع: قالوا: إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب
تعالى في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته([10]).
فأفضل العبادات في وقت الجهاد؛ الجهادُ، وإن آل إلى
ترك الأوراد، من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض كما في
حالة الأمن.
والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل؛
الإقبال على تعليمه والاشتغال به، والأفضل في أوقات السَّحَر؛ الاشتغال بالصلاة
والقرآن والدعاء والذكر والاستغفار، والأفضل في أوقات الأذان؛ ترك ما هو فيه من
ورده، والاشتغال بإجابة المؤذن. والأفضل في أوقات الصلوات الخمس؛ الجدّ والنصح في
إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرة إليها في أول الوقت، والخروج إلى الجامع، وإن
بَعُدَ كان أفضل.
والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة
بالجاه أو البدن أو المال؛ الاشتغال بمساعدته، وإغاثة لهفته، وإيثار ذلك على
أوراده وخلوته.
والأفضل في وقت قراءة القرآن؛ جمعية القلب والهمّة
على تدبّره وتفهّمه، حتى كأن الله تعالى يخاطبك به، فتجمع قلبك على فهمه وتدبّره،
والعزم على تنفيذ أوامره أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك.
والأفضل في وقت الوقوف بعرفة؛ الاجتهاد في التضرّع
والدعاء والذكر، دون الصوم المُضْعِفِ عن ذلك.
والأفضل في أيام عشر ذي الحجة؛ الإكثار من التعبّد،
لاسيما التكبير والتهليل والتحميد، فهو أفضل من الجهاد غير المتعيّن.
والأفضل في العشر الأخيرة من رمضان؛ لزوم المسجد
فيه والخلوة والاعتكاف، دون التصدّي لمخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى إنه أفضل من
الإقبال على تعليمهم العلم وإقرائهم القرآن عند كثير من العلماء.
والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته؛ عيادته
وحضور جنازته وتشييعه وتقديم ذلك على خلواتك وجمعيتك([11]).
والأفضل في وقت نزول النوازل وأذى الناس لك؛ أداء
واجب الصبر مع خلطتك بهم، دون الهرب منهم، كما في الحديث: «المؤمن الذي يخالط
الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»([12])، والأفضل خلطتهم في الخير، فهي خير من اعتزالهم
فيه، واعتزالهم في الشر، فهو أفضل من خلطتهم فيه، فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو
قلّله فخلطتهم حينئذ أفضل من اعتزالهم.
فالأفضل في كل وقت وحال؛ إيثار مرضاة الله في ذلك
الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه.
وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف قبلهم أهل
التعبد المقيد، فمتى خرج أحدهم عن الفرع الذي تعلق به من العبادة وفارقه حتى يرى
نفسه كأنه قد نقص وترك عبادته، فهو يعبد الله على وجهٍ واحد، وصاحب التعبد المطلق
ليس له غرض في تعبده بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى أين
كانت، فمدار تعبّده عليها. فهو لا يزال متنقلاً في منازلة العبودية، كلما رُفعت له
منزلة عمل على سيره إليها، واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى، فهذا دأبه في السير
حتى ينتهي سيره. فإن رأيت العلماء رأيته معهم، وإن رأيت العُبّاد رأيته معهم، وإن
رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم، وإن رأيت المتصدّقين
المحسنين رأيته معهم، وإن رأيت أرباب الجمعية وعكوف القلب على الله رأيته معهم.
فهذا هو العبد المطلق، الذي لم تملكه الرسوم، ولم
تقيّده القيود، ولم يكن عمله على مراد نفسه، وما فيه لذتها من العبادات، بل هو على
مراد ربه عز وجل ولو كانت راحة نفسه ولذّتها في سواه، فهذا هو المتحقق بـ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ حقًّا، القائمُ بها صدقًا، مَلبَسُه ما تهيأ،
ومأكله ما تيسّر، واشتغاله بما أمر الله به في كل وقت بوقته، ومجلسه حيث انتهى به
المكان ووجده خاليًا، لا تملكه إشارة، ولا يتعبّدُه قيد، ولا يستولي عليه رسم،
حُرٌّ مجرّد، دائر مع الأمر حيث دار، يَدينُ بدين الأمر أنّى توجّهت ركائبه، ويدور
معه حيث استقلّت مضاربه، يأنسُ به كلُّ مُحِقّ، ويستوحش منه كل مبطل كالغيث حيث
وقع نفع، وكالنخلة لا يسقط ورقها، وكلُّها منفعة حتى شوكها، وهو موضع الغلظة منه
على المخالفين لأمر الله، والغضب إذا انتهكت محارم الله، فهو لله، وبالله، ومع الله،
قوّامًا له، ما أغربه بين الناس! وما أشدّ وحشته منهم! وما أعظم أنسه بالله وفرحه
به، وطمأنينته به وسكونه إليه! والله المستعان، وعليه التكلان»([13]). والحمد لله رب العالمين.
إبراهيم الدميجي
([1]) وهذا غير مسلّم لهم. قال شيخ الإسلام: «قول
بعض الناس: الثواب على قدر المشقة؛ ليس بمستقيم على الإطلاق، فالأجر على قدر
الطاعة، فقد تكون الطاعة لله ورسوله في عمل ميسّر، كما يسّر الله على أهل الإسلام
الكلمتين، وهما أفضل الأعمال، ولذلك قال النبي ﷺ:
«كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان
الله وبحمده، سبحان الله العظيم» متفق عليه.
ولو
قيل: الأجر على قدر منفعة العمل وفائدته؛ لكان صحيحًا، فأما كونه مشقة فليس هو
سببًا لفضل العلم ورجحانه. ولكن قد يكون العمل الفاضل شاقًّا، ففضله لمعنى غير
مشقته، والصبر عليه مع المشقة يزيد ثوابه وأجره، فيزداد الثواب بالمشقة؛ كمن كان
بعده عن البيت في الحج والعمرة أكثر؛ يكون أجره أعظم من القريب. فكثيرًا ما يكثر
الثواب على قدر المشقة والتعب، لا لأن التعب والمشقة مقصود من العمل، ولكن لأن العمل
مستلزم للمشقة والتعب.
هذا
في شرعنا الذي رُفعت عنا فيه الآصار والأغلال، ولم يجعل علينا فيه من حرج».
الفتاوى
(10/ 620ــ 622) باختصار، عن هامش كتاب طب القلوب (245، 246).
قلت:
وهذا المعنى يوجه حديث عائشة ▲: «أجرك على قدر نصبك». البخاري (1695) ومن
هذا الباب حديث جويرية ▲
مرفوعًا: «لقد قلت بعدك أربع كلمات،
ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا
نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته»
مسلم (2726).
([2]) في مسنده من لا يعرف. وانظر: الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة
(100/1)، وقال ابن القيم في شرح المنازل: لا أصل له.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق