إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الجمعة، 22 مايو 2026

آفات العبودية وعلاجها

 

آفات العبودية وعلاجها

الجمد لله رب العالمين، أما بعد؛ فإن رأس مال العبد في هو حياته دينه، فهو لحمه ودمه وعصبه وعلّة خليقته، وحياة قلبه وسروره، ومدرج سعادته وفلاحه، وباب الدخول الأعظم على رضوان ربه الكبير العليّ العظيم.

ولما كان الأمر كذلك؛ كان لزامًا على كل موفق حريص حراسة شجرة عبودية ربه في قلبه، وتقليم ما تعلق بها من متسلقات الشيطان الرجيم. فآفات العبودية مفسدة قاتلة.

وأعظم الآفات: التعلق بغير الله تعالى، وهذا أساس البلاء وذريعة الخذلان. وعلاج ذلك بتحقيق التوحيد والإخلاص.

قال شيخ الإسلام: قال تعالى في حق يوسف: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤﴾ [يوسف: 24]، فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله، كذلك الصلاة، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ ٤٥﴾ [العنكبوت: 45]، فإن الصلاة فيها دفع للمكروه وهو الفحشاء والمنكر، وفيها تحصيل المحبوب وهو ذكر الله. وحصول هذا المحبوب أكبر من دفع ذلك المكروه، فإن ذكر الله عبادة لله، وعبادة القلب لله مقصودة لذاتها، أما اندفاع الشر عنه فهو مقصوده لغيره على سبيل التبع.

كذلك تزكية النفس: والقلب خُلق يحب الحق ويريده ويطلبه، فلمّا عرضت له إرادة الشر طلب دفع ذلك، فإنها تفسد القلب كما يَفْسُدُ الزرعُ بما ينبت فيه من الدَّغَل. ولهذا قال تعالى:﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ٩ وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا ١٠﴾ [الشمس: 9، 10]، وقال تعالى: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ١٤ وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ١٥﴾ [الأعلى: 14، 15]، وقال: ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٣٠﴾ [النور: 30]، وقال: ﴿وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢١﴾ [النور: 21]. فجعل سبحانه غض البصر وحفظ الفرج هو أزكى للنفس، وبيّن أن ترك الفواحش من زكاة النفوس، وزكاة النفوس تتضمن زوال جميع الشرور من الفواحش والظلم والشرك والكذب وغير ذلك.

ومن آفاتها: طلب الرئاسة والعلو في الأرض: فقلب رقيق لمن يعينه عليها، وهكذا طالب المال؛ فإن ذلك يستعبده ويسترقّه. والعلاج أن يعلم أن هذه الأمور نوعان:

الأول: ما يحتاج العبد إليه، كما يحتاج إليه من طعامه وشرابه وسكنه ومنكحه، ونحو ذلك، فهذا يطلبه من الله، ويرغب إليه فيه، فيكون المال عنده يستعمله في حاجته بمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه، بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته، من غير أن يستعبده فيكون هلوعًا ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعٗا ٢٠ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلۡخَيۡرُ مَنُوعًا ٢١ إِلَّا ٱلۡمُصَلِّينَ ٢٢﴾ [المعارج: 20، 21]([1]).

الثاني: ما لا يحتاج العبد إليه([2])، فهذا لا ينبغي أن يعلق قلبه بها، فإذا تعلق قلبه بها صار مستعبدًا لها، وربما صار معتمدًا على غير الله، فلا يبقى معه حقيقة العبادة لله، ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله وشعبة من التوكل على غير الله.

ومن آفاتها: الكبر والتعاظم، وقد ثبت في الصحيح([3]) عن النبي أن الجنة لا يدخلها من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، كما أن النار لا يُخلد فيها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فجعل الكبر مقابلاً للإيمان، فإن الكبر ينافي حقيقة العبودية. كما ثبت في الصحيح([4]) عن النبي قال: «يقول الله: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته»، فالعظمة والكبرياء من خصائص الربوبية، والكبرياء أعلى من العظمة، ولهذا جعلها بمنزلة الرداء، كما جعل العظمة بمنزلة الإزار، ولهذا كان شعار الصلوات والأذان والأعياد هو التكبير، وكذلك يستحب في الأمكنة العالية كالصفا والمروة، وإذا علا الإنسان شَرَفًا، أو ركب دابّة، ونحو ذلك، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠﴾ [غافر: 60]، وكل من استكبر عن عبادة الله لابد أن يعبد غيره، فإن الإنسان حسّاسٌ يتحرك بالإرادة، وقد ثبت([5]) عن النبي أنه قال: «أصدق الأسماء حارث وهمام»، فالحارث: الكاسر الفاعل، والهمام: فعّالٌ من الهمّ، والهمّ أول الإرادة. فالإنسان له إرادة دائمًا، وكل إرادة فلابد لها من مراد تنتهي إليه، فلابد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته بل استكبر عن ذلك، فلابد أن يكون له مراد محبوب يستعبدُهُ غيرَ الله فيكون عبدًا لذلك المراد المحبوب، إما المال، وإما الجاه، وإما الصور، وإما ما يتخذه إلهًا من دون الله، كالشمس والقمر والقبور وغير ذلك مما عبد من دون الله.

وإذا كان عبدًا لغير الله، فيكون مشركًا، وكل مستكبر فهو مشرك، ولهذا كان فرعون من أعظم الخلق استكبارًا عن عبادة الله وكان مشركًا، قال تعالى: ﴿وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ ٣٩﴾ [العنكبوت: 39]، ووصفه بالشرك في قوله: ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ ١٢٧﴾ [الأعراف: 127]، بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارًا عن عبادة الله، كان أعظم إشراكًا بالله، لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقره وحاجتهُ إلى المراد المحبوب الذي هو مقصود القلب فيكون مشركًا بما استعبده من ذلك، ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه.

ومن الآفات: الشرك، وهو أعظم الذنوب، وهو غالب على النفوس، وقال أبو بكر: يا رسول الله، كيف ننجو منه وهو أخفى من دبيب النمل؟ فقال النبي لأبي بكر: «ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من دِقِّهِ وجِلِّهِ؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم»([6])،  وكان عمر يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا.

وكثيرًا ما يخالط النفوس شهوة خفية تفسد عليها تحقيق محبتها لله وعبوديتها له، وإخلاص دينها له. كما قال شداد بن أوس: يا نعايا العرب! يا نعايا العرب! إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية([7]). وقيل لأبي داود السجستاني: وما الشهوة الخفية؟ قال: حب الرئاسة.

ومن آفاتها: الحرص، وقد قال : «ما ذئبان جائعان أُرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه»([8])، فبين أن الحرص على المال والشرف في إفساد الدين لا ينقص عن إفساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم. وذلك بيّن؛ فإن الدين السليم لا يكون فيه هذا الحرص، وذلك أن القلب إذا ذاق حلاوة عبوديته لله ومحبته له؛ لم يكن شيء أحب إليه من ذلك حتى يقدّمه عليه، وبذلك يصرف عن أهل الإخلاص لله السوء والفحشاء كما قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤﴾ [يوسف: 24]، فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه من عبودية غيره، ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه عن محبة غيره، وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله، فيصير القلب منيبًا إلى الله، خائفًا منه راغبًا راهبًا، كما قال تعالى: ﴿مَّنۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ ٣٣﴾ [ق: 33]»([9])، فالسعيد حقًّا هو من حقق العبودية اعتقادًا وقولاً وعملاً. والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به.

إبراهيم الدميجي



([1]، 2) وجماعه الزهد، وهو ترك ما لا ينفع في الآخرة، وسيأتي في كتاب مستقل إن شاء الله تعالى.

 

([3])   مسلم (91).

([4])   مسلم (2620).

([5])   رواه ابن وهب في جامعه (46) مرسلاً، وله شاهد عند أحمد (١٩٠٣٢) وأبي داود، وقد صححه ابن تيمية كما ترى، وكذلك صححه ابن القيم في طريق الهجرتين (95) وحكم عليه الألباني وشعيب الأرناؤوط بأنه مرسل صحيح.

([6])    رواه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (54/ 716).

([7])   قال علي حسن عبد الحميد في تحقيق العبودية (177، 178): وقد صح هذا مرفوعًا. ورواه البيهقي في الزهد (ص319) وذكر الطرق. وقوله: «يا نعايا العرب» يريد أن العرب قد هلكت.

([8])   أحمد (3/ 456)، والترمذي (2482) وقال: حسن صحيح.

([9])   العبودية (120ــ 180) باختصار وتصرف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق