إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الجمعة، 22 مايو 2026

أَلا لا تَلُوْمَاني، كَفَى اللَّوْمَ مَا بِيَا

أَلا لا تَلُوْمَاني، كَفَى اللَّوْمَ مَا بِيَا

أَلا لا تَلُوْمَاني، كَفَى اللَّوْمَ مَا بِيَا … فَمَالَكُمَا فِي اللَّوْمِ نَفعٌ وَلا لِيَا

أَلَمْ تَعْلَمَا أنَّ المَلامةَ نَفْعُهَا … قَلِيلٌ وَمَا لَوْمِي أَخي منْ شِمَالِيَا

فَيَا رَاكِبًا إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ … نَدَامَايَ مِنْ نَجْرَانَ أَلا تَلاقِيَا

هذه الأبات الشاهقة الباسقة لعبد يغوث الحارثي حين قُدّم ليُقتل صبرا هي معدودة من أجزل مراثي العرب لأنفسهم وأقواها صوتًا وحماسة وأبكاها وأجراها لدمع الصادقين المحبين

ولا تعنينا المعركة التي سببتها بقدر ما تعنينا هذه القصيدة الشامخة العربية القحة الاصيلة التي تظهر عزة وانفة وشموخ واباء العربي  

وقد قال أبو بحر الجاحظ عن عبد يغوث الحارثي وقصيدته هذه :ليس في الأرض أعجب من طَرَفة بن العبد وعبد يغوث، فإن قِسْنا جودةَ أشعارهما في وقت إحاطة الموت بهما فلم تكن دون سائر أشعارهما في حال الأمن والرفاهية. قلت: وهذا من رباطة الجأش: كما قال عمرو بن الإطنابة (٤): [وافر]

أقُولُ لَهَا وَقَدْ جَشَأَتْ وَجَاشَتْ … مَكَانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي

وعلى روي قصيدة عبد يغوث ومن ريحها وهبوبها خرجت لنا رائعة مالك بن الريب  لما رثى نفسه برائعته التي مطلعها:

 ألا ليتَ شِعري هل أبيتنَّ ليلةً

بوادي الغضَى أُزجي الِقلاصَ النواجيا

فَليتَ الغضى لم يقطع الركبُ عرْضَه

وليت الغضى ماشى الرِّكاب لياليا

لقد كان في أهل الغضى لو دنا الغضى

مزارٌ ولكنَّ الغضى ليس دانيا

أقول:وحتى نفهم قصيدة عبد يغوث ربما يحسن أن نورد قصتها على وجه الاجمال، والحق اني لا احب الخوض في حروب الجاهلية لأنها تثير النعرات وتقدح أزِنْدَة المفاخرة وتظهر كوامن الشر في الناس، وليس من ورائها طائل في الحقيقة، فأهلها كلهم موتى، وذراريهم أدركوا الإسلام وهداهم الله تعالى اليه، وكل قبيلة بلا استثناء لها وعليها، ولها انتصارات ومفاخر، وعليها هزائم ومذلات، ومن جميل حكم الشعبييين (كل قبيله فيها حقها من رجالها)) والعاقل لا يبحث عن المثالب التي دفنها الزمان، ولا يظهر المفاخر التي ربما دخل معها الشيطان، والعرب مولعة منذ ابتدائها بالمفاخرة والمُثالبة ويزداد الأمر حين يكون الخصم قريبا في النسب، والله المستعان،

والعجيب انك تقرا عن المعركة الواحدة وخاصة غير المفصلية ويرويها راويان ثم بحسب نسب الراوي تكون نتيجة المعركة – هكذا بلا مبالغة - فهذا يزعم نصر قبيلته والاخر بعكسه وقد يخترعان القصائد المدعمة لنصرهما المتضاد وهذه من المفارقات

لذبك ايام العرب لحقها كثير من الزيادة والنقص والتحوير وهي تروى للاعتبار بدون اعتقاد وقوع تفاصيلها الدقيقة حتى وان سلمنا بوقوع احداثها الكبار وهذا مسلك تاريخي مهم خاصة في ازمنة تفشي الجاهليات العصبية

وبالجملة؛ فمع كل هذا إلا أنه هذا لا يمنع ان نختار منها احيانا ما يفيدنا حكمة عقل أو لذة نفس أو إضاءة فكر، وقد كان صحابة رسول الله ربما تناشدوا تلك الأشعار وتداولوا تلك الاخبار، ومن ذلك حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه الذي رواه احمد وأصله في مسلم قال جالَستُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابَه أكثَرَ من مِئَةِ مرَّةٍ، فكان أصحابُه يَتناشَدونَ الشِّعرَ، ويَذكُرونَ أشياءَ من أمْرِ الجاهِليَّةِ، فربَّما يتبسَّمُ معهم. فالإسلام لم يمنع من التحدث بأيام العرب وأخبارهم وأشعارهم لكنه نقّاها من العصبية والباطل وأقرها بشرط ألا تحيي عصبيةً أو محرّمًا.وقد اسنشد النبي ﷺ شعر أمية بن أبي الصلت حتى سمع مئة بيت والحديث عند مسلم في الصحيح وقال عنه «آمنَ شعرُه وكفرَ قلبُه» أي أن النبي ﷺ استمع إلى شعره وأثنى على بعض معانيه

وقد آن لنا ياكرام ان نقف أمام قصيدة من أفحل وأصدق وأجمل ما أنت سامع من قريض بني يعرب، وقائل القصيدة هو عبد يغوث بن الحارث المذحجي (45 ق هـ - 3 ق هـ / فهو شاعر جاهلي ومن سادة قومه وفرسانهم المغاوير الأشداء الذي انتهى به الأمر أن يقتل صبرا بسبب دفاعه عن ساقة قومه، وكان  عبديغوث سيدا لقومه بني الحارث بن كعب وكان قائدُهم في يوم الكلاب الثاني على بني تميم، (((وقد حدثت الوقعة في وادي الكلاب، وهو وادٍ في عالية نجد، ولعله هو وادي الشَّعْرَاء المنحدر من ثهْلان أو أنه وادي عُصَيْل.والله اعلم،))وفي ذلك اليوم أُسر ثم قتل صبراً. وهو من أهل بيت مُعَرَّق في الشعر في الجاهلية والإسلام،

وقصة أسره وقتله وإنشاء قصيدته بإيجاز

أن قبائل اليمن حينما علمت بأن قبيلة بني تميم قد قتل كثير من رجالها في وقعة الصفقة -صفقة باب المَشِقَّر- وهو الحصن الذي كان في هجر (الأحساء) لأَن عاملَ كِسْرَى وهو المُكَعْبِرُ دعا تميما الذين كانوا يُغَيرون على لَطَائِم كسرى، واللطائم العير التي تحمل متاعه التجاري فأدخلهم الحصنَ بخديعة وغدر وأصفقَ عليهم الباب وقتلهم،

وبعدما سمعت بعض قبائل اليمن بذلك طمعت في تميم كحال كل العرب بلا استثناء لأنهم كانوا يعيشون كعيشة الغاب فيأكل القوي الضعيف كالسباع الضواري ولم يحجزهم سوى الاسلام بحمد الله تعالى، والمقصود أن تلك القبائل المتحالفة ارادت أن تستغل ضعف بني تميم بعد قتل كثير من سُراتها ومقاتليها، وأن تغير على أموالها حين قل الحامي والناصر والمدافع (نعوذ بالله من الذلة والقلة )

وذكروا أنهم اجتمعوا في عسكر عظيم بلغ ثمانية آلاف، ولا يعلم في الجاهلية جيش أكثر منه، ومن جيش كسرى بذي قار ومن يوم جَبَلة (الي عند الجمش وكُسرت فيه تميم. يَوْمٌ كَانَ بَيْنَ بَنِي حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَبَيْنَ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ [٦]، فَكَانَ الظَّفَرُ فِيهِ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَلَى بَنِي حَنْظَلَةَ)

والحاصل: أن بني تميم جاءهم نذير الحرب فاتخذوا للأمر أهبته ولبسوا جلود النمور، وهذا كناية عن شدة الغضب في البأس لإحساسهم بضعف موقفهم إزاء البحر اللجب الهادر من الجنوب والكتائب الحمراء الملتهبة بالحماسة، ، وبالجملة فقد احتاطوا من مفاجأة العدو، فارتحلوا من مكان يسهل عليه اجتياحهم، كما في صَحَاري الدهناء والصَّمَّان المكشوفة أمام المهاجمين، إذ لا جبال فيها فانتقلوا إلى العالية بعد أن أنزلوا بني حنظلة بن مالك منهم في الدَّهناء، وبني سعد والرِّباب في الكِلاب، لكي يقوم هؤلاء بحماية الطريق، وكانت بلاد باهلة واقعة في طريق الجيش القادم من نجران وما حوله، فمضى الجيش حتى إذا كان ببلاد باهلة قال جزء بن جزء بن جزء الباهلي لابنه (٢): - وتأمل النصح والفصاحة والجمال اللفظي والمعنوي والاخلاقي والوفاء لبني عمومتهم من مضر لأنهم من قيس عيلان بن مضر- قال: يا بُنَيَّ، هل لك في أُكْرُومَةٍ (الفعلة الكريمة) لا يُصابُ أبدًا مِثْلُها؟

قال: وما ذاك؟

قال: هذا الحَيُّ من تَميمٍ قد وَلَجوا هناك مَخافَةً، (اي خائفين لقلتهم بعد ذبح سُراتهم) وقد قَصَصْتُ أَثَرَ الجَيْشِ يُريدونهم، فاركَبْ جَمَلي الأَرْحَبِيَّ، (نسبة إلى أَرْحَب، وهي قبيلة معروفة من حاشد من همدان باليمن. وديار أرحب كانت شمال صنعاء، ولا يزال اسم مديرية أرحب قائمًا في اليمن اليوم. والارحبية مثل مايقال الان الابل العمانية ونحوها) قال: وسِرْ رُوَيْدًا رُوَيْدًا عُقْبَةً من اللَّيْلِ — يعني ساعَةً — ثم حُلَّ عنه حَبْلَيْهِ وأَنِخْه، وتَوَسَّدْ ذِراعَه، فإذا سَمِعْتَه قد أَفاضَ بِجِرَّتِه وبالَ،( الإبل من المجترّات؛ تأكل سريعًا، ثم إذا سكنت أعادت الطعام من الكرش إلى الفم تمضغه، وهذا يُسمّى الاجترار، وما يخرج يسمى الجِرّة. ولازالت باسمها حتى اليوم) فاستَنْقَعَتْ ثَفَناتُه في بَوْلِه (الثَّفَنات جمع ثَفِنَة، وهي مواضع البروك. قال ابن عباس في وصف الخوارج اهل الضلاله في قصته في مناظتهم : كَأَنَّ أَيْدِيَهُمْ ثَفِنُ الْإِبِلِ) فاشْدُدْ عليه حَبْلَه، ثم ضَعِ السَّوْطَ عليه، فإنك لا تَسْأَلْ جَمَلَكَ شيئًا من السَّيْرِ إلا أَعْطاكَ، حتى تُصَبِّحَ القومَ. (ونشاط الجمل لأنه افرغ الزيادة من الطعام والشراب وضمر بطنه فصار مستعدا للطيران بصاحبه حيث شاء) قال: ففعل ما أَمَرَه به. قال الباهِلِيُّ:

فحَلَلْتُ بالكُلاب، ((( لذلك سميت بيوم الكلاب الثاني أما يوم الكلاب الأول، فقد وقع بين شُرَحْبِيل وأخيه سلمة ابني الحارث بن عمرو الكندي في حدود العراق.)) قَبْلَ الجَيْشِ (أي انه سبق الغزاة بعدما كانوا سابقين له) قال: وأنا أَنْظُرُ إلى ابنِ ذَكاءَ — يعني الصُّبْحَ — فنادَيْتُ: يا صَباحاهُ! فإنهم لَيَثِبونَ إليَّ لِيَسْأَلوني: مَنْ أنت؟ إذ أَقْبَلَ رجلٌ منهم من بني شَقيقٍ على مُهْرٍ كان في النَّعَمِ (والمهر الحصان الفتي)، فنادى: يا صَباحاهُ، قد أُتيَ على النَّعَمِ! ثم كَرَّ راجعًا نحوَ الجَيْشِ، فَلَقِيَه عبدُ يَغوثَ الحارِثِيُّ (وهو شاعرنا هذه الليلة) — وهو أَوَّلُ الرَّعيلِ (و الرَّعيل: أوائل الجيش). — فطعَنَه عبديغوث في رأسِ مَعِدَتِه فَسَبَقَ اللَّبَنُ الدَّمَ، وكان قد اصْطَبَحَ، فقال عبدُ يَغوثَ: أَطيعوني وامْضوا بالنَّعَمِ، (((وهذه من حكمته الي أباها شبابُهم) وخَلُّوا العَجائِزَ من تَميمٍ ساقِطَةً أَفواهُها (يحاول ان يعيفهم فيما ارادوا بتقبيح الصورة ) . قالوا: أَما دونَ أن تَنْكِحَ بَناتِهم فلا.   (قلت: ولعل هذا القول لم يصدر منهم حتى وإن تتابع كثير من المؤرخين عليه، فالسبي وإن كان موجودا لدى العرب لكنه نادر فغرض الغزو المعتاد إما انتهاب الإبل أو الأخذ بالثأر. وهو الأليق بكرام اليمن.

قالوا فما هو إلا أن صبحوهم إلا وقد تجالد الجمعان، وتلاقى الفرسان فكان النصر لبني تميم بعد أن قُتل بعض فرسانهم، وشُغلت مَذْحِج ومن معها بانتهاب النَّعَم. ((( ومذحج كانت ولا زالت من أشرس وأمنع قبائل العرب ومنهم الشاعر الفارس المشهور الصحابي عمرو بن معدي كرب الزبيدي بن سعد العشيرة صاحب سيف الصمصامة

ومنهم الصحابي الجليل عمار بن ياسر العنسي

ومنهم قيس بن مكشوح المرادي المذحجي، وكان قيس فارس مذحج في الجاهلية ومن فرسان العرب المشهورين في فجر الإسلام، وهو من الصحابة، وهو الذي قتل باذان الفارسي وقتل الأسود العنسي، وكانت له مواقف وبطولات شهيره في الفتوحات في زمن عمر وعثمان ، ومنها معركتا اليرموك والقادسية الشهيرتان

ومنهم خير التابعين أُوَيس القَرَنيّ المرادي سيد التابعين أدرك زمن النبي ﷺ ولم يره، وقد شهد له النبي ﷺ بالصَّلاح والإيمان وببرّه بوالدته وأنه خير التابعين وهو الذي لو أقسم عَلَى الله لأبره، »)))

الحاصل: أن مذحج انهزمت، وقتل خلق من الفريقين. وقتل من بني تميم النعمان بن مالك بن جساس وأسر عبد يغوث، وكان قائد قومه مذحج، وأراد أن يفدي نفسه، فأبت بنو تميم إلا أن تقتله بالنعمان بن جساس، ولم يكن عبد يغوث قاتله، ولكن قالت تميم: قتل فارسنا ولم يقتل لكم فارس مذكور. وكانوا قد شدوا لسانه (اي ربطوه بحبل من جلد) لئلا يهجوهم، فلما لم يجد من القتل بدا طلب إليهم أن يطلقوا عن لسانه، ليذم أصحابه وينوح على نفسه، وأن يقتلوه قتلة كريمة، فأجابوه، وسقوه الخمر وقطعوا له عِرقا يقال له الأكحل، (الأكحل عِرْقٌ عظيم في الذِّراع، ويُعدّ من الأوردة الكبيرة. من الكحل لانه داكن وهو الذي يُفصد)وتركوه ينزف حتى مات. فقال هذه القصيدة حين جُهّز للقتل،

وقالت أم الفتى الذي أسره من أنت؟ وقد شاهدت عبد يغوث عظيما جميلا جسيما؟ فقال: أنا سيد القوم. فضحكت وقالت: قبحك الله من سيد قوم حين أسرك هذا الأهوج، تقصد ولدها الفتى. فرد عليها عبد يغوث ببيت شعر:

وتضحك مني شيخة عبشــــمية    كأن لم تري قبلي أسيراً يمانيا((وهذا من الالتفات البلاغيّ، إذ خاطب بعد غيبة. وهذا كثير في القرآن))

(وعبشم بطن من تميم يقال لهم عبد شمس  وهذا من النحت) )).

ويروى أنه قال لها: أيتها الحرة، هل لك إلى خير؟ قالت : وما ذاك؟ قال: أُعطي ابنك مئة من الإبل وينطلق بي إلى الأهتم ( الأهتم من سادات تميم ) فإني أتخوف أن تنتزعني سعد والرِّباب منه. وسعد والرباب قبائل من تميم فأضمن له مئة من الإبل، وأرسل إلى بني الحارث، فسرّحُوا بها إليه، فقبضها العبشمي، وانطلق به إلى الأهتم، فقال عبد يغوث:

أأهتمُ يا خيرَ البريَّةِ والدًا ... ورَهطًا إذا ما الناسُ عَدُّوا المَسَاعيا

تدارَكْ أسيرًا عانيًا في حِبالِكُم ... ولا تُثقِفَنِّي التيمَ ألقى الدَّواهِيا

، قال: فمشت سعد وتيم إلى الأهتم فيه، فقالت الرباب: يا بني سعد، قُتِلَ فارسُنا، ولم يُقتل لكم فارس مذكور، فدفعه إليهم، فأخذه عصمة التيمي، فانطلق به إلى منزله، فقال عبد يغوث: يا بني تيم، اقتلوني قِتلة كريمة، فقال عصمة: وما القتلة الكريمة؟ قال: اسقوني الخمر، ودعوني أنوح على نفسي. ((((   وهذه يذكرنا بعُبيد بن الأبرص الأسدي الشاعر وقد عُمِّرَ عبيد طويلاً حتى قتله النعمان بن المنذر_ وذلك أنه قد وفد على المنذر في أحدِ أيام بؤسه التي كان يقتل فيها أول من يراه من غير جنده وحاشيته. فقال المنذر: من هذا الشقي؟ فقيل له: عبيد بن الأبرص الشاعر. فقال بعض من حضر المنذر: أبيتَ اللعن،-وهي تحية الملوك في الجاهلية) أظن أن عنده من حسن القريض أفضلَ مما تُدركُ من قتله، فاسمع منه. فإن سمعت حسناً استزدته، وإن لم يعجبك فما أقدرَك على قتله. فقال: هلّا كان الذبح لغيرك يا عبيد. فقال: أتتك بحائنٍ رجلاه. _والحَيْنُ هو الموت_ فأرسلها مثلاً. فقال: ما ترى يا عبيد؟ قال: المنايا على الحوايا _والتَّحْوِيةُ هي أَن تُدير كساءً حولَ سَنام البعير ثم تَرْكَبَه_ فأرسلها مثلاً. فقال: أنشدني فقد كان يعجبني شعرك فقال: حال الجريض دون القريض _والجريض هو غصص الموت، والقريض هو الشعر_ فأرسلها مثلاً. فقال: أنشدني: أقفر من أهله ملحوب (وهي معلقتُه الشهيرة). فقال:

أَقَفْرَ من أهله عبيدُ  ...  فليس يبدي ولا يعيدُ

عَنت له خطة نكودُ  ... وحان منها له ورودُ

    فقال المنذر: ما أشد جزعك من الموت! فقال: لا يَرْحَل رحلَك من ليس معك _أي لا يعينك في حمل رحلك على البعير من ليس معك_ فأرسلها مثلاً. فقال له: لا بد من الموت. ولو أن أبي عَرَض لي يوم بؤسي لذبحته!  ((وما أكذبه أو مااكذب الرواة))) فاختر: إن شئت الأكحل، وإن شئت الأبجل، وإن شئت الوريد. _والأكْحَلُ هو عِرْق في وسَط الذّراع يَكْثُر فَصْدُه، والأبْجَل: عِرق عريض في الرِّجل، والوَرِيد: عِرق في صفحة العُنُق_ فقال عبيد: ثلاث خصال كسحابات عاد، واردها شر وراد، وحاديها شر حاد، ومعادها شر معاد، ولا خير فيه لمرتاد. وإن كنت لا محالة قاتلي فاسقني الخمر، حتى إذا ماتت مفاصلي، وذهلت ذواهلي فافصُدني في أكحلي. فأمر المنذر بحاجته من الخمر. حتى إذا أخذت منه وطابت نفسه، دعا به ليقتله فلما مثل بين يديه أنشأ يقول:

ألا أبلغ بَنيَّ وأعمامَهم ...   بأن المنايا هي الواردة

لها مُدّةٌ، فنفوسُ العباد  ... إليها وإن كرهت قاصدة

فلا تجزعوا لِحِمَامٍ دنا ... فللموت ما تلد الوالدة

     فأمر به ففُصد، فلما مات طلى بدمه الغَرِيَّيْن. والغَرِىّ واحد الغريّين، وهما بناءان كالصومعتين كانا بظهر الكوفة بناهما المنذر، إذ كان ينادمه رجلان من بني أسد، أحدهما عمرو مسعود، والآخر خالد بن المضلل، فأغضباه يوماً وقت ثملهم وسُكْرِهم، فأمر أن يُحفر لكل واحد منهما حفرة بظهر الحيرة، ويدفنا فيها حيّين، ففعلوا ذلك بهما، فلما أصبح سأل عنهما، فأخبر بهلاكهما، فتندم، ((وبئست الحمر أم الخبائث وروى مسلم: "مَن شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنْيا فَماتَ وهو يُدْمِنُها لَمْ يَتُبْ، لَمْ يَشْرَبْها في الآخِرَةِ. )))ثم ركب حتى نظر إليهما، فأمر ببناء الغَرِيّين عليهما، وجعل لنفسه يومين في السنة، يجلس فيهما عند الغريين، سمى أحدهما يوم النعيم، والأخر يوم البؤس، فأول ما يطلع عليه يوم نعيمه، يعطيه مئة من الإبل، وأول ما يطلع عليه يوم بؤسه يقتله، ويطلى بدمه الغريين.))))

وعدنا إلى عبد يغوث. قال الراوي: فجاءه عصمة بالشراب، ومضى عصمة وجعل معه ابنين له، فقالا لعبد يغوث: جمعت أهل اليمن، ثم جئت لتصطلمنا، (((اي لتبيدنا))) فكيف رأيت الله ﷿ صنع بك؟

والحاصل أنهم لما قدموه للقتل هتف بهذه اليائية الرائعة ومنها:

أَلا لا تَلُوْمَاني، كَفَى اللَّوْمَ مَا بِيَا … فَمَالَكُمَا فِي اللَّوْمِ نَفعٌ وَلا لِيَا

أَلَمْ تَعْلَمَا أنَّ المَلامةَ نَفْعُهَا … قَلِيلٌ وَمَا لَوْمِي أَخي منْ شِمَالِيَا((((وهذه رد على من شمت به وقال : جمعتَ أهل الْيمن ثمَّ جِئْت لتصطلمنا (لتستأصلنا وتبيدنا)، كَيفَ رَأَيْت صنع الله بك؟! فَقالَ هذه القصيدة، وبدأها بنَهيهما عن لومه، فيكفيه حالةُ الألَم والحَسرة والخوف وهو الواقف على حافَّة الموتِ، ثمَّ إن اللَّوم لا خيرَ فيه لا له ولا لهما، فلماذا إذًا؟! والملامة نفعها قليل، وليس مِن طباعه وأخلاقه وهو الفارسُ القائد الجواد أن يلوم أخاه، وهذي فائدة اخلاقية عاليه للانسان في نفسه فخذها قاعد لا تفرح باللوم ولا بالعذل، والشي اذا فات فات، فلا تكثر الحلطمة واللوم فان كان فيه نفع فبه والا فريح نفسك عن الملامة))

فَيَا رَاكِبًا إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ … نَدَامَايَ مِنْ نَجْرَانَ أَلا تَلاقِيَا (((النَّدِيم: المصاحبُ على الشَّراب المسامرُ)))

أبَا كَرِبٍ والأيْهَمَيْنِ كَلِيْهِمَا … وَقَيْسًا بِأَعْلَى حَضْرَمَوْتَ اليَمَانِيَا((ويُروى أنَّه لما أنشد قومه هذا الشعر قال قيس: لبَّيك، وإن كنتَ أخَّرتني. وقيس هذاهو ابن معدي كرب، وهو والد الأشعث بن قيس الكندي.))

أَقُولُ وَقَدْ شَدُّوا لِسَانِي بِنِسْعَةٍ: … مَعَاشِرَ تَيْمٍ أَطْلِقُوا مِنْ لِسَانِيَا

كَأنِّيَ لَمْ أَرْكَبْ جَوَادًا وَلَمْ أَقُلْ … لخَيْلِيَ كُرِّيْ كَرَّةً مِنْ وَرَاِئِيَا

وَلَمْ أَسْبَإِ الزِّقَّ الرَّويَّ وَلَمْ أَقُلْ … لأَيْسَارِ صِدْقٍ عَظِّمُوا ضَوْءَ نَارِيَا

وَقَدْ عَلِمَتْ عِرْسِيْ ((والعِرس الزوجة)) مُلَيْكَةُ أَنَّنِي

… أَنَا اللَّيْثُ مَعْدُوّا عَلَيْهِ وَعَادِيَا

أَقولُ وَقَد شَدّوا لِساني بِنِسعَةٍ      أَمَعشَرَ تَيمٍ أَطلِقوا عَن لِسانِيا

أَمَعشَرَ تَيمٍ قَد مَلَكتُم فَأَسجِحوا  ((ومنه قول أم المؤمنين عائشة: قد ملكت فأسجح)))فَإِنَّ أَخاكُم لَم يَكُن مِن بَوائِيا

فَإِن تَقتُلوني تَقتُلوا بِيَ سَيِّداً    وَإِن تُطلِقوني تَحرُبوني بِمالِيا

جَزَى اللهُ قَوْمِي بالكُلاَبِ مَلاَمَـةً… صَمِيْمَهُمُ والتَّابِعينَ المَوَالِيَا  ((أي يلوم قومه لما فروا  ولم يأتوا ليفادوه أو يفتكّوه))

وَلَوْ شِئْتُ نَجَّتْنِي مِنَ القَوْم نَهدَةٌ  … تَرَى خَلْفَهَا الكُمْتُ العِتَاقُ تَوَالِيَا

وَلَكِنّني أَحمي ذِمارَ أَبيكُم       وكانَ الرِّماحُ يَخْتَطِفْنَ المُحَامِيَا

وَكُنْتُ إِذَا مَا الخَيْلُ شَمَّصَهَا القَنَا … لَبِيْقًا بِتَصْرِيْفِ القَنَاةِ بَنَانِيَا

وَتَضحَكُ مِنّي شَيخَةٌ عَبشَمِيَّةٌ      كَأَن لَم تَرَي قَبلي أَسيراً يَمانِيا

أَحَقّاً عِبادَ اللَهِ أَن لَستُ سامِعاً    نَشيدَ الرُعاءِ المُعزِبينَ المَتالِيا

وَقَد كُنتُ نَحّارَ الجَزورِ وَمُعمِلَ ال     مُطِيِّ وأمضي حيث لاحيَّ ماضيا

وَأَنحَرُ لِلشَّربِ الكِرامِ مِطِيَّتي    وَأَصدَعُ بَينَ القَينَتَينِ رِدائِيا

وَعادِيَةٍ سَومَ الجَرادِ وَزَعتُها   بِكَفِّيْ وَقَد أَنحَوا إِلَيَّ العَوالِيا

كَأَنِّيَ لَم أَركَب جَواداً وَلَم أَقُل     لِخَيلِيَ كُرُّي نَفِّسي عَن رِجالِيا

وَلَم أَسبَإِ الزِقَّ الرَوِيَّ وَلَم أَقُل   لِأَيسارِ صِدقٍ أَعظِموا ضَوءَ نارِيا

فَيَا عَاصِ فُكَّ القَيْد عَنِّي فَإنَّنِي … صَبُورٌ عَلَى مَرِّ الحَوَادِثِ نَاكِيَا

فَإِنْ تَقْتُلُونِي تَقْتُلُوا بِيَ سَيِّدَا … وَإِنْ تُطلِقُونِي تُحْرِبُونِيَ مَالِيَا

 

 

 

 

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق