إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الاثنين، 16 سبتمبر 2013

من فضائل أُمَّة الإسلام

من فضائل أُمَّة الإسلام
   الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيد ولد آدم أجمعين, أما بعد:
   فهذه الأمة هي أكرم الأمم على ربها عز وجل, ولها من الفضائل والكرامات ما ليس لغيرها من أبناء آدم عليه السلام, وهو فضل جملةٍ لا تعيين.
    ومن ذلك: كمال شريعتهم وتمامها وجمعها للمحاسن. قال شيخ الإسلام في وصف الشريعة التي جاء بها نبينا صلوات الله وسلامه وبركاته عليه: «وهو في كل وقت يظهر على يديه من عجائب الآيات وفنون الكرامات ما يطول وصفه، ويخبرهم بخبر ما كان وما يكون، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويشرّع الشريعة شيئًا بعد شيء، حتى أكمل الله دينه الذي بُعث به، وجاءت شريعته أكمل شريعة، لم يبق معروف تعرفه العقول أنه معروف إلا أمر به، ولا منكر تعرف العقول أنه منكر إلا نهى عنه، لم يأمر بشيء فقيل: ليته لم يأمر به، ولم ينه عن شيء فقيل: ليته لم ينه عنه، وأحل الطيبات ولم يحرّم شيئًا منها كما حُرّم في شرع غيره، وحرّم الخبائث ولم يحل شيئًا منها كما استحله غيره، وجمع محاسن ما عليه الأمم، فلا يُذكر في التوراة والإنجيل والزبور نوع من الخبر عن الله وعن ملائكته وعن اليوم الآخر، إلا وقد جاء به على أكمل وجه، وأخبر بأشياء ليست في الكتب، فليس في الكتب إيجاب لعدل وقضاء بفضل وندب إلى الفضائل وترغيب في الحسنات إلا وقد جاء به وبما هو أحسن منه.
   وإذا نظر اللبيب في العبادات التي شرعها، وعبادات غيره من الأمم؛ ظهر فضلها ورجحانها، وكذلك في الحدود والأحكام وسائر الشرائع» الجواب الصحيح (5/ 441)
    ودينه (الإسلام) محفوظ بكل تفاصيله بحفظ الله تعالى له، وقد تعرض لهجمات من شتى الأمم لم يتعرض لها دين أهل الكتاب ولا غيرهم، فشنّوا عليه هجمات عسكرية واقتصادية وفكرية وأخلاقية وعقدية على جميع محاور الغزو التي لا يستطيع البشر ــ مهما كانت إمكاناتهم ــ التصدي لها والحفاظ على دينهم من التبديل والضياع, لولا تولّي الله تعالى حفظه والعناية به، فهو الدين الذي بقي رغم تتابع القرون، وتغير الأحوال، وتوارد الأهوال شامخًا ظاهرًا شاهدًا على الأمم، قارعًا لنواميسهم وعقولهم وقلوبهم، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: «والله ليتمن الله هذا الأمر" وقال فيما رواه أحمد وصحّحه الألباني: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر» وقد قال تعالى: "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد"[غافر: 51].
    فهم _بحمد الله_ ظاهرون على غيرهم بالحجة والبيان وبالسيف والسنان، ولا تزال لهم بقية يفيئون إليها، يحفظ الله بها دينه، وإن تنقلوا من مكان لآخر كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة» متفق عليه، فنسأل الله أن يجعلنا منهم وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هداها.
   وذكر ابن كثير بسنده أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يثبت لهم العدو فُواقَ ناقة عند اللقاء، فقال هرقل وهو على أنطاكية لما قدمت الروم منهزمة: ويلكم! أخبروني عن هؤلاء الذين يقاتلونكم؟ أليسوا بشرًا مثلكم؟ قالوا: بلى. قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: نحن أكثر منهم أضعافًا في كل موطن. قال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونظلم، ونفسد في الأرض. قال: أنت صدقتني.
    وقال شيخ الإسلام رحمه الله: «وأمته أكمل الأمم في كل فضيلة، فإذا قيس علمهم بعلم سائر الأمم ظهر فضل علمهم، وإن قيس دينهم وعباداتهم وطاعتهم لله بغيرهم؛ ظهر أنهم أدين من غيرهم، وإذا قيست شجاعتهم وجهادهم في سبيل الله، وصبرهم على المكاره في ذات الله؛ ظهر أنهم أعظم جهادًا وأشجع قلوبًا، وإذا قيس سخاؤهم وبذلهم وسماحة نفوسهم بغيرهم؛ تبين أنهم أسخى وأكرم من غيرهم، وهذه الفضائل بنبيهم  صلى الله عليه وسلم نالوها ومنه تعلّموها، وهو الذي أمرهم بها، لم يكونوا قبله متبعين لكتاب جاء هو بتكميله كما جاء المسيح بتكميل التوراة، فكانت فضائل أتباع المسيح عليه السلام وعلومهم بعضها من التوراة، وبعضها من الزبور _ قلت: وهو كتاب داود عليه السلام ويسمى في العهد القديم (المزامير) وإن كان كثير منها مكذوبًا عليه_، وبعضها من النبوات_ قلت: كالأسفار المنسوبة لسائر الأنبياء في العهد القديم، أما التوراة فهي الأسفار الخمسة الأولى المنسوبة إلى موسى عليه السلام وقد دخلها تحريف وتبديل كبيرين _، وبعضها من المسيح _قلت: كما ينسب إليه في الأناجيل الأربعة الأولى من العهد الجديد ومن غيرها كإنجيل برنابا وتوما ويهوذا ومريم وغيرها _ وبعضها ممن بعده كالحواريين _قلت: كسفر أعمال الرسل ورسائل بولس علمًا بأن بولس ليس من الحواريين _ ويعقوب وبطرس ويوحنا ويهوذا، وقد استعانوا بكلام الفلاسفة وغيرهم _قلت: كما هو ظاهر في إنجيل يوحنا ورسائل بولس وغيرها خاصة في شروح الكتاب المقدس_ حتى أدخلوا لما غيّروا دين المسيح في دين المسيح أمورًا من أمور الكفار المناقضة لدين المسيح عليه السلام _قلت: كتأليه المسيح وغيره، والتثليث، وتحليل الخمر والخنزير، وإبطال الختان، وإبطال الناموس وغير ذلك _.
   وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يكونوا قبله يقرؤون كتابًا، بل عامتهم ما آمنوا بموسى وعيسى وداود والتوراة والإنجيل والزبور إلا من جهته، فهو الذي أمرهم أن يؤمنوا بجميع الأنبياء ويقرّوا بجميع الكتب المنزلة من عند الله، ونهاهم أن يفرقوا بين أحد من الرسل، فقال تعالى في الكتاب الذي جاء به: "قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" [البقرة : 136 ، 137]
    وأمته لا يستحلون أن يأخذوا شيئًا من الدين من غير ما جاء به، ولا يبتدعون بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، فلا يشرعون في الدين ما لم يأذن به الله.
    فكل علم نافع وعمل صالح عليه أمة محمد صلى الله عليه وسلم أخذوه عن نبيهم مع ما يظهر لكل عاقل أن أمته أكمل الأمم في جميع الفضائل العلمية والعملية، ومعلوم أن كل كمال في الفرع المتعلم هو من الأصل المعلم. وهذا يقتضي أنه كان أكمل الناس علمًا ودينًا، وهذه الأمور توجب العلم الضروري بأنه كان صادقًا في قوله: "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" [الأعراف : 158] الجواب الصحيح (5/ 428- 441)، وانظر: (6/ 1ــ 46).
    قلت: حتى صار حملة هذا الدين القويم نبراسًا منيرًا للبشرية في الخير والهدى. قال المستشرق بودلي: «كان المسلمون كالغيث يخصب المكان الذي يسقيه، وإن عصر الإحياء في أوروبا ليرجع إلى أحفاد صحابة محمد الذين حملوا مشعل الثقافة».
    هذا, وكل نقص مادي ومعنوي في المسلمين ــ وقد ظهر جليًا في هذا الزمن المتأخر ــ فسببه بُعد المسلمين عن علوم وأعمال دينهم الأصلية، فظهورهم وعزهم ونصرهم مرتبط طردًا وعكسًا بمسافتهم من هذا الدين الخاتم القويم.
    وقال تقي الدين رحمه الله: «والمسلمون وسط بين اليهود والنصارى، فمن تدبر حال اليهود والنصارى مع المسلمين وجد اليهود والنصارى متقابلين، هؤلاء في طرف ضلال، وهؤلاء في طرف يقابله، والمسلمون هم الوسط.
    وذلك في التوحيد والأنبياء والشرائع والحلال والحرام والأخلاق وغير ذلك، فاليهود يشبّهون الخالق بالمخلوق في صفات النقص المختصة بالمخلوق التي يجب تنزيه الرب سبحانه عنها كقول من قال منهم: إنه فقير وبخيل وتعب لما خلق السماوات والأرض، والنصارى يشبّهون المخلوق بالخالق في صفات الكمال المختصة بالخالق التي ليس له فيها مثل، كقولهم: إن المسيح هو الله، أو ابن الله، وكل من القولين يستلزم الآخر، والنصارى أيضًا يصفون اللاهوت بصفات النقص التي يجب تنزيه الرب عنها، ويسبون الله سبًا ما سبه أحد من البشر. _قلت: ويكفي في ذلك وصفهم لله باتـخاذ الصاحبة والولد، وبعضهم يذكر أمورًا لا تذكر لإيغالها في البشاعة والشناعة_.
    واليهود تزعم أن الله يمتنع منه أن ينسخ ما شرعه، والنصارى يجوزون لأكابرهم أن ينسخوا شرع الله.
   أما المسلمون فوصفوا الرب بما يستحقه من صفات الكمال ونزهوه عن النقص، وأن يكون له مثل، فوصفوه بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، مع علمهم أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصر فلا شيء مثله لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وهو ينسخ ما نسخ من شرعه وفق حكمته، وليس لغيره أن ينسخ شرعه.
   واليهود بالغوا في اجتناب النجاسات وتحريم الطيبات، والنصارى استحلوا الخبائث وملابسة النجاسات، والمسلمون أحل الله لهم الطيبات خلافًا لليهود، وحرم عليهم الخبائث خلافًا للنصارى.
    واليهود إذا حاضت المرأة عندهم لا يؤاكلونها ولا يشاربونها ولا يقعدون معها في بيت واحد، والنصارى يستحلون وطئها وهي حائض. والمسلمون يرون طهارة جسدها ويحرمون الوطء فقط.
   قلت: ذكر الدكتور رؤوف حبيب يمتدح القديس أنطونيوس ويعدد مناقبه: «لم يغتسل طوال حياته الرهبانية أبدًا، كما لم يدهن جسده بالزيت...» تاريخ الرهبنة والديرية (ص39).
   وقال الأستاذ ساجد مير: «ظل ملوك أوروبا الكبار وزعماء المسيحية العظماء قرونًا طويلة لا يعرفون أهمية الاغتسال، وكانت القصور الكبيرة بدون حمامات، وحين تعلم العالَمُ المسيحي التحضّر من العرب والمسلمين الإسبان، وبعد النهضة العلمية؛ عرفوا كيف تكون النظافة في المدن والمساكن والبيوت وكيف تُطهّر الأجساد وتزيّن، وإلا فكانوا قبل ذلك يعدّون النظافة ضد التدين وحب الإله!، وكان مما يشتهر بين بعض الطبقات: أن لا يغسل الإنسان وجهه ولا يديه أبدًا!» المسيحية (ص322، 323).
   وقال الطبيب الفرنسي علي بنوا: «مما أبعدني عن الكاثوليكية؛ التغافل التام عن النظافة قبل الصلاة!» موسوعة مقدمات العلوم والمناهج، أنور الجندي (8/ 172).
   وقال الدكتور حسان شمسي باشا: «إن الكاثوليك كانوا يعتقدون أن ماء المعمودية الذي يغتسلون به عند ولادتهم يغنيهم عن الاغتسال طوال الحياة!» هكذا كانوا يوم كنا، د. حسان شمسي باشا (ص92)
   ثم تابع شيخ الإسلام قوله: والنصارى لهم عبادات وأخلاق بلا علم ولا معرفة، واليهود لهم علم ومعرفة بلا عبادات ولا أخلاق حسنة، والمسلمون جمعوا بين العلم النافع والعمل الصالح.
واليهود قتلوا النبيين، والنصارى اتـخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم. والمسلمون اعتدلوا فآمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولم يفرقوا بين أحد من رسله فلم يكذبوا الأنبياء، ولا سبّوهم، ولا غلوا فيهم، ولا عبدوهم، فهم يعتقدونهم عبيد لله فلا يعبدون، ورسل لله فيجلّون ويتبعون» الجواب الصحيح (1/ 59ــ 71، 2/ 133ــ 136، 3/ 100ــ 125).
   وهذه الأمة المحمدية هي أفضل الأمم وأكرمها على الله، وثلثي أهل الجنة منها، وهي أول الأمم دخولاً الجنة، وتضاعف لأهلها الحسنات أكثر مما تضاعف للأمم الأخرى، وخصائصها كثيرة. وينظر لتفصيل فضائلها: حادي الأرواح لابن القيم رحمه الله.
وفي المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ وتأمل احتفاءه بالمسيح ــ: «الأنبياء إخوة لعلّات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجلاً مربوعًا إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصّران _أي مصبوغان بالصفرة _كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، وتقع الأمنة على الأرض، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون» رواه أحمد (2/ 406)، أبو داود (4/ 499)  وصححه الألباني في الصحيحة: (5 / 214)
   وفي أحاديث آخر الزمان: أن الملاحم الكبار بين أهل الإسلام ومخالفيهم ستكون أولاً بين المسلمين والصليبيين على عدو من خلفهم، فيُنصرون، ثم يغدر الصليبيون بالمسلمين، فيقتتلون في مرج دابق (في شمال سوريا بين حلب وأنطاكية) فينتصر المسلمون، ثم يخرج الدجال الأعور فيكون أول خروجه من جزيرة في البحر، ثم يذهب للمشرق فيتبعه من أهل خراسان أقوام وجوههم كالمجان المطرقة، ويتبعه من يهود أصبهان (في إيران حاليًا ويهودها كُثُر) سبعون ألفًا، ثم يدخل جزيرة العرب من شمالها بين العراق والشام، ويفتن الناس، ويطأ كل قرية ومدينة إلا مكة والمدينة، ثم ينزل المسيح ابن مريم عليه السلام من السماء بين ملكين على المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيقود المسلمين لقتال يهود، ويذهبون للقدس ويتحصنون بها، ويحاصرهم اليهود بقيادة ملكهم الدجال، فيأمر المسيح ابن مريم بفتح الأبواب، فإذا رآه الدجال هرب وانماع كالملح في الماء لكن المسيح عليه السلام يدركه عند قرية (باب لد) في فلسطين فيقتله بحربته ويري المسلمين دمه، ثم تكون القتلة في اليهود، ويعمّ الإسلام الأرض بقيادة المسيح ابن مريم عليه السلام فيحكم بالقرآن ويبطل سائر الأديان. (وانظر: عقيدة اليهود في الوعد بفلسطين، محمد آل عمر، الباب الثالث، وملاحم آخر الزمان، د. ياسر الأحمدي)
   هذا, والكاثوليك والأرثوذكس يحيلون ملاحم العهد القديم على الماضي ويجعلون عودة المسيح للحساب لا للقتال، أما غالب البروتستانت _ ومنهم رؤساء أمريكا وقادتها من الإنجيليين_ فمع اليهود الفرّيسيين فيرون أنها ستكون في المستقبل. والحق: أن ما صحّ منها فبعضه قد وقع, وبعضه سيقع في آخر الزمان, لكن ليس على تفسيراتهم وتـخرّصاتهم, وقد صحّ من السنّة شيء كثير من ذلك, والله المستعان, وعليه التكلان, ولا حول ولا قوة إلا بالله, وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين
إبراهيم الدميجي

10/11/1434

 حمّل مجّانًا مجموعة من الكتب في النصرانية واليهودية

 

حمل مجّانًا كتاب العقائد النصرانية في الميزان

العقائد النصرانية في الميزان  


حمل مجّانًا كتاب ربحتُ محمدًا ولم أخسر المسيح عليهما الصلاة والسلام

ربحتُ محمدًا ولم أخسر المسيح عليهما الصلاة والسلام

 

حمل مجّانًا كتاب نظرة فاحصة في الكتاب المقدس the holy bible

نظرة فاحصة في الكتاب المقدس the holy bible

 

حمل مجّانًا كتاب أشهر بشارات العهد الجديد بنبيّنا صلى الله عليه وسلم

أشهر بشارات العهد الجديد بنبيّنا صلى الله عليه وسلم

 

حمل مجّانًا كتاب سبع بشارات توراتية برسول الله صلى الله عليه وسلم

سبع بشارات توراتية برسول الله صلى الله عليه وسلم

 

حمل مجّانًا كتاب المسجد الحرام والحج في صحف أهل الكتاب

المسجد الحرام في صحف أهل الكتاب

 

حمل مجّانًا كتاب يا سائلًا عن بني إسرائيل!

يا سائلًا عن بني إسرائيل!

 

حمل مجّانًا كتاب أخلاق الكنيسة وأخلاق الإسلام

أخلاق الكنيسة وأخلاق الإسلام

 

حمل مجّانًا كتاب النصرانية من التوحيد إلى الوثنية

النصرانية من التوحيد إلى الوثنية

 

حمل مجّانًا كتاب كشف شبه أهل الكتاب (13) شبهة

كشف شبه أهل الكتاب (13) شبهة

 

حمل مجّانًا كتاب هل انتشر الإسلام بالسيف؟ 

هل انتشر الإسلام بالسيف؟

 

حمل كتاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجّانًا

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم 


من أسباب عمارة القلب بالإيمان وبالثقة برب العالمين:

من أسباب عمارة القلب بالإيمان وبالثقة برب العالمين:

 طولُ القنوت والعبادة, وإنك لتعجب من حال بعض الدعاة إذا رأيته قد أنفق من عمره سنين عددًا, ثم ترى حظَّه من قيام الليل ثلاث ركعات, أما التهجد فلا وجود له إلا في رمضان! ثم تراه يشتكي قسوة قلبه وضعف إرادته وصعوبة كبح نفسه التي لا زالت مراوحة بين الأمارة واللوامة, أما المطمئنة فلا يحس لها بساكن!
أين طول القيام حتى يراوح بين قدميه, ويلتذ بصفهما لربه في جوف الليل الأوسط والآخر؟!

 أين ترديد الآي أثناء التهجد والتدبر فيها والتفكر في مراميها والتسبيح عندها والتحميد والاستغفار والتأثر.. والحياة بها؟!

 أين طول السجود والبكاء والضراعة والانكسار, وذوق اللحظات اللذيذة لروحه التي هي كما قيل: من أمتع لذائذ الأنفس في هذا الوجود؟!
وكما قال الإمام أحمد متأوهًا لمن نام عن تهجده من تلاميذه: يا عجبًا لطالب علم لا يقوم الليل! فنقول كذلك: يا عجبًا لداعية لا يقومه!

 ثم أين الصدقة العظيمة الخفيّة التي يحس بانفساح صدره لها, وقد أخذها من حِلّها وأنفقها في مرضاة ربه حتى لا تعلم شماله ما أنفقته يمينه؟!

ثم أين صيام الهواجر, ومكابدة الجوع والظمأ للشكور سبحانه في يوم بعيدِ ما بين الطرفين, شديد حرّه حتى  تذوب شهوة النفس في ذيّاك الأصيل من آصال الملك العلّام؟!

 كذلك أين الذكر الطويل المأثور المتدبر في الأوقات الفاضلة بقلب حاضر منتبه لما يجري على لسانه من ذكر ربه بديمومة عمريّة تكون لروحه وجبة غذائية لا غنى لها عنها مهما اختلجت مشاغله واشتبكت قواطعه.

إبراهيم الدميجي

الذنوب جراحات ورب جرح وقع في مقتل!

الذنوب جراحات ورب جرح وقع في مقتل!

إزالة وَضَرِ الخطيئة وأثرِ العصيان يحتاج لوقت طويل وليس كما يُظن أن التوبة تعيد القلب كما كان، فالقلب وهو وعاء الإيمان قد خُدش أو طُعن بحسب نوع وقدر الخطيئة، فبعض الخطايا يحتاج ترميم إيمان القلب بعدها لزمن طويل..

ومعنى التوبة تجب ما قبلها: أي يمحى الإثم من الصحيفة، ولكن هذا لا يعني بقاء القساوة والظلمة في القلب وقتًا قد يمتد العمر كله..
 فاحذر الخطيئة مهما صغرت، وسارع للإقلاع عنها قبل أن تطول جذورها في قلبك، فكلما طالت جذورها صعب اقتلاعها بالتوبة أولًا، ثم صعب التخلص من آثارها السيئة آخرًا حتى بعد رحيلها.

وقد يوفق العبد لتوبة خاصة عظيمة تبني القلب بناءً كليًا جديدًا كأنه لم يقارف معصية قط! كحال كثير من الصحابة وعظيم إيمانهم الذي لن يلحق به من بعدهم، وكتوفيق الله لبعض التائبين الذين حفر الندم في قلوبهم أخاديد عميقة، وأجرى من عيونهم جداول غزيرة.. وهم يتمنّون بصدق لعظيم ندمهم أنهم لم يخلقوا حتى لا يزلّوا تلك الزلة التي كوت قلوبهم وأحرقت وجوههم حياء من ذي الجلال والإكرام سبحانه، ولكن من يوفق لمثل هذا؟!

إبراهيم الدميجي

الجمعة، 6 سبتمبر 2013

لولا الابتلاء لارتبنا الطريق!

لولا الابتلاء لارتبنا الطريق!
الحمد لله وبعد:
فعلى قدر إيمانك ويقينك بالقرآن يكون انتفاعك به, وعلى قدر تسليمك وانقيادك لهداياته يكون فلاحك في الدارين. ذلك أن القرآن العظيم حق مطلق لا مرية في حرف منه, فحروفه ومعانيه هي من لدن حكيم خبير, قد حَفِظَهُ من تكلّم به, وكَتَبَ أن السلامة والعافية مع من دار مع أمره مهما حَرَنَتِ نفسه, ووقف معه مهما جمحت, "فمن اتّبع هداي فلا يضل ولا يشقى" لا يضل في الدنيا, ولا يشقى في الآخرة.
   في هذا الزمان المتلاطمة أمواج فتنه, أضحى الحليم حيرانًا, والشجاع جبانًا, والعليم جاهلًا.. إلا من رحم ربي, لقد كان لزامًا على كل حازمٍ مراجعة سجلات عمره, ومنهج حياته فالفرصة يتيمة, والمهلة لا تحتمل العَوْد والرُّجعى!
   لقد خلقنا الله ليبتلينا ويبتلي بنا, "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا" فالأمر حاسم جدًّا كما قال سبحانه: "ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم" إذن فالمسألة مسألة فتنة وابتلاء, فحقيقة الابتلاء هي الفتنة التي تبلو حقيقة معدن المرء أَمِنْ ذهب قلبُهُ فيفلح, أم من نحاس فيخسر نفسه؟!
   يا صاحبي! الأمرُ أقرب مما نتصوّر, وخَطْبُ نفوسنا أجلُّ من أن يوصف, والعلاج كلّه بين أيدينا فهل من معتبرٍ مِدَّكِرٍ!
    لقد وصف الله تعالى كتابه الكريم بالشفاء والهدى والبيان والرحمة, فهو الشفاء التام لكل الأدواء, وبخاصة ما كان متعلقًا بالأرواح والأفكار والتصوّرات, فضلًا عن الأجساد "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربّكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين"
   هَهُنَا أحدى عشرة آية من صدر سورة العنكبوت, وددت لو أن كل مؤمن يتلوها في هذا الزمان مرارًا, ويكررها ويحفظها ويجعل معانيها نصب عينيه, ويا حبذا ترديدها من لدن الأئمة في الصلوات, ففي القلوب حاجة لمثلها, إذ وصفت الداء كما هو, وعرّت زيف الشبهة والشهوة, وأقامت عمود الضياء الهادي من الضلالة العاصم من الغواية, حتى عاد الأمر جليًّا واضحًا لا تحجبة سوى أهوية النفوس الخاسرة!
دعونا يا محبين نقف قليلًا مع شيء من هداياتها:
قال سبحانه: "ألم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون" فمن آمن فلا بد له من الفتنةِ حتى يُثبِتَ صدقُه, لذا فلا بد له من علمٍ بالحق يدفع به عن قلبه الشبهات, وإيمانٍ راسخ يذودُ عنه معاصي الشهوات, لذلك أَتْبَعَ سبحانه ذلك بقوله: "ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين" أي يظهر علمُه في عالم الشهادة, وإلا فهو علّام الغيوب. "أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون" أي لن يفوتونا.
 "من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم" الله أكبر! فيا أيها المحب: هذا ربك قد قطع لك الوعد, فتزيّن له بالصالحات تلقه راضيًا "ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغنى عن العالمين" فالله ليس في حاجة أحد بل العبد هو المضطر إلى مَدَدِ ربه وقبوله وتوفيقه, ودينُ الله منصور, ولكن السعيد من وُفِّقَ لمعيه أنصاره. قال الحسن: إن الرجل ليجاهد وما ضرب يومًا من الدهر بسيف.
 "والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لنكفّرنّ عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذى كانوا يعملون" أي بأحسن أعمالهم وهي الطاعات, ومنه برّ الوالدين حتى وإن أَمَرَا بأعظم خطيئة! فكيف بالمؤمِنَين؟! فقال سبحانه: "ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون" مع هذا فقد بشّره ووعده بأن يجعله في زمرة المفلحين يوم القيامة, وليس مع والديه المشركَين, فكيف إذا كانا من المؤمنين؟! فقال: "والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين"
ثم ذكر سبحانه حال بعض المخذولين ممن لم يدخل الإيمان بشاشة أفئدتهم, إنما هو الرياء والنفاق فقال سبحانه: "ومن الناس من يقول ءامنا بالله فإذآ أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين" بلى وعزة ربنا, كما قال تعالى: "أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور . وحُصِّلَ ما في الصدور" ففتش قلبك الآن يا صاحبي قبل أن يُحَصَّل ما فيه. ثم ختمها العزيز سبحانه بقوله الجليل: "وليعلمن الله الذين ءامنوا وليعلمن المنافقين" فالفتن العامة والخاصة تفرز الناس لفسطاطين, وفي الحديث الصحيح عند أحمد وغيره: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة".
فاصلة: قال بعض السالفين: لو كانت الدنيا ذهبًا يفنى والآخرة خزفًا يبقى؛ لكان على الحازم العاقل إيثار الخزف الباقي على الذهب الفاني, كيف والدنيا خزفًا يفنى والآخرة ذهبًا يبقى!
إبراهيم الدميجي
30/ 10/ 1434
صحيفة الاقتصادية

السبت، 24 أغسطس 2013

خواطر في مدارس تحفيظ القرآن الكريم

 خواطر في مدارس تحفيظ القرآن الكريم
الحمد لله, وبعد:
فمن جليل فضل الله تعالى على بلادنا رعايتها القرآن المجيد، وبذل الغالي والنفيس لتعبيد الناس لرب العالمين عن طريق تعليمهم كتاب ربهم وتربيتهم على محكماته، وذلك عبر نشر المدارس القرآنية النظامية، كذلك الحلقات الخيرية في بيوت الله لإحاطة المشروع كمًّا وكيفًا، فافتتحت مدارس خاصة بتعليم كتاب الله بخط متواز مع المواد العلمية والأدبية الاعتيادية، كما رصدت مكافات شهرية محفزة لكل طالب تزيد حسب المرحلة الدراسية، وقد آتت طيب أُكلها بحمد الله، فلا تكاد ترى إمام مسجد إلا وقد مرّ بتلك الرياض ورتع، فضلًا عن جموع لا تحصى من المسلمين، ولستُ بمعرض تفصيل الثمرات سواء للمدارس النظامية أو حلقات التحفيظ، فمقصدي بهذا المقال إسداء بعض الاقتراحات الخاصة بمدارس التحفيظ علّ الله ينفع بها، وقبلها أهمس في أذن كل أبٍ شفيق أن يحرص قدر طاقته على تعليم فلذات كبده كتاب الله، فعلِّمْهُ القرآنَ والقرآنَ سيعلمه كلَّ خير، ولْتعلم أن القرآن يحفظه بقدر ما يحفظ القرآن، وكفى بكلام الله في جوف ابنك وبنتك فضلًا وفوزًا. ولا تظنّ أن القرآن يضيّع عليه دراسته ففي تكرار كلام الله سرّ عجيب في توسيع المدارك وتقوية الملكات العقلية وتنمية قدرات الاستيعاب بشقّيه في الحفظ والاستنباط، ولك أن تعلم أن ثمانية من أصل عشرة طلاب من العشرة الأوائل في الثانوية العامة في الرياض في إحدى السنوات هم من طلاب تحفيظ القرآن، قال عز وجل: "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" وقال سبحانه: "فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى" وبعد: فمن المقترحات:
١- استبدال مسمى تحفيظ القرآن بتعليم القرآن، فالتعليم أشمل من مجرد التحفيط، فهو يحوي كذلك التفسير وعلوم القرآن وأحكامه ونحو ذلك.
٢- محاولة حل مشكلة طمع بعض الآباء في المكافأة الدنيوية دون الأخروية، مما نشأ عنه وجود نماذج سيئة جدًا من الطلاب الذين لوّثوا بسوء أخلاقهم الجوّ القرآني العاطر، وحلُّها بأن تكون المكافأة مربوطة بالتفوق في القران ودائرة معه وليس بمجرد الانتساب للمدرسة، وهذا كفيل بإذن الله بطرد ذباب الطمع عن أجواء القرآن الشذيّة.
٣- النظر في مشكلة التسرب الشديد وبخاصة في المرحلة الثانوية فهي تقارب ثلاثة من كل أربعة طلاب تقريبًا، وسبب ذلك عدم قبولهم في كثير من الجهات بعد الثانوية مع أنها تقبل القسم الشرعي ففرقت بين المتماثلات.
٤- محاولة حلّ مشكلة معلمي القرآن من متخصصي القراءات في قضية مسار تعييناتهم مما أثّر سلبًا على نفسياتهم، وهي باختصار: أن تعييناتهم وتنقّلاتهم يشاركهم فيها معلمو مسار التربية الإسلامية العام في مدارس تحفيظ القرآن الكريم، بينما هم لا يشاركون إخوتهم في التربية الإسلامية إلا في مدارس تحفيظ القرآن، والعدل يكون بأحد أمرين: إما بجعل أولوية تدريس القرآن لهم في مدارس تحفيظ القرآن وكذلك مدارس التعليم العام، أو بجعل أولوية تدريس مواد التربية في مدارس التحفيظ لهم مع إكمال العجز بغيرهم، أما حصرهم في مقرر القرآن والقراءات فقط ففيه مشقة عليهم وحصر لهم على حساب التوسعة لغيرهم، ولعل الوزارة تستعجل في حل هذه القضية.
٥- وهذا الاقتراح كنت قد طرحته بنصه في مقال سابق وليس هو خاص بمدارس التحفيظ بل هو عام بسياسة التعليم العامة للدولة، والمبرر لإعادتها ما ذكر في الصحافة من طرحه للدراسة من قبل الوزارة ونص المقترح:
إلغاء إجازة منتصف الفصل الثاني, وإضافتها لإجازة الربيع, بحيث يكون أسبوعين بدلًا من أسبوع. وهو الأسبوع الذي أثبت بالفعل ما رآه غالب المُربّين بالقول, فقد قضى على أسبوعين أحدهما قبله والآخر بعده, واستنطق المدارس في ثلاثةِ أسابيعِهَا البائسة! وليت شِعري ما المُخرجات المفيدة, والثمار السعيدة من ذلك؟! إن هي إلّا ضياع المعلومات التي يرتبط أولُها بآخرِها, ويحدث فيها الخللُ عند فكّ ارتباط بعضها ببعض؟! وهو ما فعلته بجدارة تلك الإجازة!
ولا أظنّ من الحصافة في شيء تقديمُ مصلحة السياحة المتوهّمة على ضرر التربية والتعليم المتيقن, في أعزِّ موارد البلاد على الإطلاق _بعد دينها_ فلذات أكبادهاو ولبنات بنائها, وبُناة مستقبلها بإذن مولاهم الحقّ.
والله ولي التوفيق.
إبراهيم الدميجي
16/ 10/ 1434

السبت، 10 أغسطس 2013

أزمة الفكر المادي

أزمة الفكر المادي
الحمد لله, وبعد:
لا يطيب مزاجه إلا بتغييبه عن واقعه, بسكرةِ شراٍب أو نشوةِ خيالٍ, إذ أن إفاقته بالرجوع للواقع الصادق, المشعِّ ببراهين الفطرة واتساق العقل السليم مع حركة الكون العامة, بامتدادها في الأطراف زمانًا ومكانًا يصيبه بدهشة كئيبة لا تطيقها نفسه النزاعة للعلو والاستكبار ضد كل ما يحول بينه وبين عبوديته لنفسه دون غيرها ولو كان رب العالمين!
الفكر المادي المنكِر لكل ما وراء المادة والطبيعة يصطدم كل لحظة بجبال اليقين الحسية والعقلية وأشد منها الروحية, ذلك أن الجاحد لهذه اليقينيات الغيبية لا ينفك عن الارتباط بها ومناداتها ومناغاتها والاستماع لها, بل والابتهال والدعاء والاستغاثة لمن وراءها عند الكروب والشدائد, حتى وهو يعبّ كأس الإنكار الظاهر ويكرع في تكرار زيف مشاعره! وأكثر من رام تلمّس طريق الغيب صرعه الجهل دون عتباته, إنه السَّفَرُ الدؤوب للروح لإشباع حاجتها للإحساس بربوبية ربها وعبادته والأمن تحت كنفه. إذ أن المفتاح الأول لعالم الغيب _ وأعني به العلم بأن للكون ربًّا معبودًا هو الله وحده _لم يؤته ربُّ الغيب والشهادة سبحانه إلا الموفقين من عباده, نعم لقد نقش رسمه في الفطرة الأولى لكل إنسان, فإن ساعد على ذلك سقيا رحمة أزهرت وأثمرت النافع الجميل من علوم الوحي الشريف النقي, أما إن انتهبها قُطّاعُ طريق فلاح الأرواح إما بغيب مشوّه أو بشهادة ماديّة صمّاء؛ فإن السعادة حينها تعود شقاءً والنعيم يرتدّ بؤسًا, وينقلب العلم جهلًا! وللحكيم سبحانه في ذلك حكم لا يدرك البشر إلا بعض أطرافها بتوفيق الله لهم.
 هذا وللفكر المادي أزمة ملازمة, فكل إنسان مهما تطرّف في فكره وإلحاده؛ لا بد أن يؤمن بقدر مشترك من علم الغيب, وأن هناك عوالم موجودة غير محسوسة بحواسه الخمس, وإن اختلف الناس اختلافًا عظيمًا في الإقرار بأفرادها وتفاصيلها, قال الله تعالى في بيان إقرار ضمائر أشدّ الجاحدين بربوبيته سبحانه: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًّا" وقال في وصف حال المكذبين في الدنيا إذا شاهدوا ما كانوا ينكرونه ظاهرًا مع إقرارهم به في الباطن: "بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل" ولا يعني هذا بحال أن كل من آمن بالغيب فهو على سبيل نجاة, بالطبع لا, فكلّ أمم الأوثان _بلا استثناء_ هي مؤمنة بعوالم غيبية, لكنها عوالم شوهها الجهل والتكذيب وبعدُهم عن آثار المرسلين، فلا صلاح للعالَم على التحقيق إلا بسيره على قبس من هدي النبوة.
وكلما تقدّم العلم التجريبي بفروعه الفلكي والتطبيقي والطبي والتشريحي وغيرها فإنه يجد في نفسه ضرورة للسجود في محراب الإيمان بأن وراء هذا العالم المتناسق البديع خالقًا حكيمًا مدبّرًا رحيمًا, وعلى قدر تجرده لنداء المنطق وإلحاح الفطرة الأولى يكون قربه من الاستسلام لرب العالمين, وما أقربه للإسلام حينها إن وُفّق لمن يأخذ بيده الحيرى ونفسه القلقة.
وهناك خيط فاصل بين الحقيقة والخرافة, بين العلم والأسطورة, ومن أبصر الخيط بنور الوحي انتظم أمره واستقامت محجّته.
وليس ببدع من القول أن كل إنسان لا بد أن يؤمن بقدر من الغيب يلقي إليه أشلاء حيرته من سر الوجود وعلّة الخليقة, وما يلحق ذلك من تحميل ذلك الغيب أموره المحيّرة التي يحس بإلحاحها عليه وضغطها الشديد على عقله ونفسه, كروحه التي بين جنبيه, فنفسه العاقلة المتصرّفة في جسده هي أقرب سرّ وأغمضه وأحلكه مع إحساسه الدائب بها, فكيف هذا؟! "قل الروح من أمر ربي" "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" لذا فالعلم في كثير من أحيانه إنّما يكون بالإقرار بالجهل الإيجابي, وهو الإقرار بالحقيقة مع التسليم بعدم معرفة التفاصيل, مع الاستسلام والتفويض لمن بيده مقاليد الأمور ومفاتيح حقائق العلوم, وهو الجهل البسيط الذي لا ينفك عنه إنسان مهما بلغ في مراتب العلوم "وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا" فحينئذ يعرف المرء قدره, وأنه لم يُعط من العلم إلا على قدر ما يحتاجه لإقامة العبودية لرب العالمين, واستخلافه في الأرض ليعمرها ثم يعبرها للدار الآخرة.
لهذا فأساس الدين هو الإيمان بالغيب, وللإيمان بالغيب طرفان: الأول العلم واليقين والإقرار بحقائق ما أخبر عنه الوحي في القرآن والسنة من صفات الله تعالى والجنة والنار والبعث والملائكة والجن وغير ذلك من الغيوب المذكورة في الكتاب والسنة. الثاني: الوقوف عند هذا الحدّ, وعدم الخوض في الكيفيّات بدون دليل وبرهان, فصفات الله تعالى معلومة مثبتة مؤكَّدة, ولكن كيفياتها لا نعلمها ولا نخوض فيها, فالقول في الصفات كالقول في الذات يُحذى فيه حذوه ويجرى فيه بمثاله, كذلك أمور الغيب التي جعل الله دونها سجفًا من الحجب التي أحالتها للغيب المطلق دون عالم الشهادة المحسوسة.
لذلك فأولُ وصفٍ في القرآن وصَفَ الله تعالى به عباده المؤمنين هو إيمانهم بالغيب, فقال سبحانه في أول سورة البقرة: "الذين يؤمنون بالغيب" فلا إيمان لمن لا يؤمن بالغيب, بل كل أركان الإيمان الستة هي من أمور الغيب, وكفى بذلك تعظيمًا لهذا الجانب.
 وبالجملة فمن أنكر الغيوب واستمسك في النزاع بالمحسوسات دون الغيبيات فهو مناقض لنفسه, مكذّب لفطرته, مناوئ لصادق إحساسه, وليس له عند الله من خلاق.
فاصلة:
 يا صاحبي: اكتب بمداد سواد الليل على أديم بياض النهار منشور خلاصك, وأنّى ذلك إلا بالباقيات الصالحات, فاغتنم جمعيّتك قبل الشتات, وبقيّتك قبل الفوات.
إبراهيم الدميجي
2/10/1434
@aldumaiji

الجمعة، 12 يوليو 2013

"وإن تطيعوه تهتدوا"

"وإن تطيعوه تهتدوا"
الحمد لله وبعد:
لقد ذكر أهل السير أمثلة ناطقة ببركة طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وشؤم مخالفته, منها ما حدّث به جابرُ بن عبد الله رضي الله عنهما قال:
 كنت رفيق عبد الله بن رواحة في غزوة المريسيع، فأقبلنا حتى انتهينا إلى وادي العقيق في وسَط الليل, فإذا الناس نازلون للمبيت. قلنا: فأين رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: في مُقدّم الناس قد نام. فقال لي عبد الله بنُ رواحة: يا جابر, هل لك بنا في التقدّم والدخول على أهلنا؟ فقلت: يا أبا محمد, لا أحب أن أخالف الناس, لا أرى أحدًا تقدّم. قال ابن رواحة: والله ما نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تقدُّمٍ. قال جابر: أما أنا فلست ببارح _وفي هذا بركة الحزم وعدم التقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم_. قال: فودّعني وانطلق إلى المدينة، فأنظرُ إليه على ظهر الطريق ليس معه أحد، فطرق أهله بلحارثَ بنَ الخزرج، فإذا مصباحٌ في وسَط بيته, وإذا مع امرأته إنسان طويل _أي نائمٌ قريبٌ منها_ فظنّ أنه رجل, وسُقِطَ في يديه, وندم على تقدمه. وجعل يقول: الشيطانُ مع الغِرِّ! فاقتحم البيتَ رافعًا سيفه قد جرّده من غمده يريد أن يضربهما. ثم فكّر وادّكر _وفي هذا فضيلةُ التأني والتثبت_, فغمزَ امرأته برجله, فاستيقظت فصاحت وهي توسن _من الوسن وهو النعاس, أي قامت من نومها فجأة_ فقال: أنا عبد الله, فمن هذا؟ قالت: فلانة ماشِطتي، سمعنا بمقدمكم فدعوتُها تمشِطُني فباتت عندي!
 فبات, فلمّا أصبح خرج معترضًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فلقيه ببئر أبي عتبة, ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يسير بين أبي بكر وبشير بن سعد, فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بشير فقال: "يا أبا النعمان" فقال: لبيك . قال: "إن وجه عبد الله ليخبرك أنه قد كره طروقَ أهله" _وفيه عظيمُ فراسةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم_ فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَبَرُك يا ابن رواحة؟" فأخبره كيف كان تقدَّمَ, وما كان من ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تطرقوا النساء ليلًا" قال جابر: فكان ذلك أولُ ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال جابر _وتأمل حكمته_: فلم أر مثلَ العسكر ولزومه والجماعة, لقد أقبلنا من خيبر، وكنا مررنا على وادي القُرى فانتهينا إلى الجُرفِ  _موضعٌ قرب المدينة_ ليلًا، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تطرقوا النساء ليلًا, قال جابر: فانطلق رجلان فعصيا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فرأيا جميعًا ما يكرهان! . المغازي: (1 / 441_442)
 نعم, فالله تبارك وتعالى يقول :"وإن تطيعوه تهتدوا" فالهدى بحذافيره والسعادةُ بتفاصيلها في اتباعه وطاعته, والشؤم والشر في مخالفته, وتأملّوا عقوبة جيش المسلمين بكسرهم في معركة أحد بسبب عصيان الرماة, ولربّما أُديلَ على الجيش بعصيان بعضه.
ومن رام الفلاح فليتعلّق بأهداب متابعة أهدى الناس, وأعلمهم وأنصحهم وأتقاهم, أنه محمد بن عبد الله, عبدُ اللّه ورسولُه وخيرتُه من خلقه. وأفضلُ الخلق على الإطلاق. وهو رسول اللّه إلى الناس كافة، وإلى جميع الثقلين الجنِّ والإنس. وهو أفضل الرسل، وخاتمُ النبيين لا نبي بعده، قد شرح اللّه له صدره، ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، وهو صاحب المقام المحمود الذي قال اللّه تعالى فيه: "عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا" أي المقامَ الذي يقيمُه اللّه فيه للشفاعة للناس يوم القيامة ليريحهم ربهم من شدة الموقف، وهو مقام خاص به صلى الله عليه وسلم دون غيره من النبيين، وهو أخشى الخلق للّه وأتقاهم له وأعلمهم به.
 وقد كرّر اللّه الأمر بطاعة الرسول واتّباعه في نحو أربعين موضعًا من القرآن، فالنفوسُ أحوجُ إلى معرفة ما جاء به واتّباعه منها إلى الطعام والشراب، فإن الطعام والشراب إذا فات الحصول عليهما حصل الموت في الدنيا، وطاعة الرسول واتباعه إذا فاتا حصل العذاب والشقاء الدائم.
ومن اتّباعه وإجلاله تعظيمُ سنته صلى الله عليه وسلم, واعتقادُ وجوب العمل بها, والذبّ عنها, لأنها وحي من اللّه تعالى. كما قال تعالى: "وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" فلا يجوز التشكيكُ فيها, ولا التقليل من شأنها بالحال أو المقال. وقد كثر في هذا الزمان تطاولُ الجهالِ على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم, بل واستطالَ استهزاءُ السفهاءِ بها، وهذا من غربة الإسلام, والله المستعان, "ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض".
أن المثل البشري الأعلى لكل موفّق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم, إذ جعل الله له الكمال البشري في أجلى صوره, فيستحيل أن يُوجَدَ في سجلّه أدنى نقيصة أو أقل وأخبر سبحانه وتعالى أن فيه القدوةَ الحسنة لأمته، فقال تعالى: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا" قال ابن كثير رحمه اللّه: هذه الآية الكريمة أصلٌ كبير في التأسِّي برسول اللّه صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله.
إبراهيم الدميجي
2/9/1434

@aldumaiji

الأحد، 23 يونيو 2013

مسافة اختلاف الرأي بين الراعي والرعية.

مسافة اختلاف الرأي بين الراعي والرعية

الحمد لله وبعد:
 لا بد من التسليم أوّلًا بمقدمتين:
الأولى: أن الله خلق عباده المؤمنين أحرارًا, ليس لهم عبودية إلا لربهم, ولا يملكهم غيره, _حتى الرقيق الأقنان فملكية الأسياد لهم جزئية, ومقيّدة بالمعروف_ ولكلِّ مؤمنٍ رأيُه المستقل الذي به يختار طريقه, راكبًا صهوة إرادته التي سيحاسبه الله عنها بقدر ما أعطاه من ملكة وفقه وعقل, وهو مُطالبٌ باتباع شرع الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, وفي النهاية فهو ميسّرٌ لما خلق له "وهديناه النجدين".
الثانية: أن من ضرورات اجتماع الناس وعمارتهم الأرض التي اختارها الله وسخرها لهم, وجعلها ميدانًا لابتلائهم واختبار مدى عبوديتهم له سبحانه, ليقيموا بها دينه, أن يكون لهم قادة يسوسونهم وينقادون لهم ليختاروا لهم أفضلَ الأمور وأرفقَها بهم, ويفصلون بينهم النزاع والخصومة, ويتعاونوا جميعًا لتحقيق ما خُلقوا له, إذ لو لم يكن لهم قائد مُطاع لتسلّط قويهم على ضعيفهم, ولتفرّق أمرهم, وضعف شأنهم, واستطالت عليهم العاديات. إذن فلا بد لهم من أمير ينقادون لأمره, لذا شُرعت الإمامة وجُعلت طاعة الأمير من لوازم الجماعة, وصارت طاعته في المعروف من طاعة الله, وشدّد في نكث البيعة أو الخروج إلا لمبرّر من الشريعة.
 ولمّا كانت تبعية الناس لساستهم أمرًا لازمًا كان من محاذير تلك القضية أن تتحول الوسيلة لغاية, بمعنى أن يَنزع الذي قد جُعِلَ لتعبيد الناس لربهم إلى مشاركة الرب في ذلك الأمر بتعبيدهم له ولإرادته, وقد يصل بعضهم للتعبيد المطلق كفرعون, وقد يقصُر بعضهم دونه, ومدار الأمر على منازعة العبودية في أي شُعبة من شعبها, ولمّا كان الأمر بهذه المثابة من الخطر على أصل الغاية من الخليقة ضُبط الرؤساء _أيًّا كانت رئاستهم_ بأمرين
الأول: أن طاعة الأمير تابعةٌ مقودةٌ لطاعة الله تعالى, "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" وتأمّل كيف لم يفرد ولي الأمر بطاعة مستقلة, بل جعلها تابعة لما سبقها من طاعة الله ورسوله, لذا فعند التعارض فليس هناك إلا تقديم طاعة الله _ومنها طاعة رسوله_ دون ما سواه. ومن تشديد الله تعالى في هذا الأمر العظيم قوله تبارك وتعالى في بيعة النساء: "ولا يعصينك في معروف" تنبيهًا على أنه لا طاعة لمخلوق مهما علا شأنه في معصية الخالق, وهو التشديد المؤكد في قضيةِ إفراد الطاعة لله وحده لا شريك له. قال شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى (7 / 61): "ولفظ الآية عام, أنهن لا يعصينه في معروف. ومعصيته لا تكون إلا في معروف؛ فإنه لا يأمر بمنكر, لكن هذا كما قيل: فيه دلالة على أن طاعة أولي الأمر إنما تلزم في المعروف, كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنما الطاعة في المعروف" ونظير هذا قوله: "استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم" وهو لا يدعو إلا إلى ذلك. والتقييد هنا لا مفهوم له؛ فإنه لا يقع دعاء لغير ذلك, ولا أمر بغير معروف"
قلت:  لذلك فقد قرر العلماء أن من أنواع الشرك؛ شركُ الطاعة. ومن دلائله قوله تعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله" وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رضي الله عنه بأنهم أحلوا الحرام فأطاعوهم, وحرموا عليهم الحلال فاتّبعوهم. فهم إذن لم يعبدوهم بالقرابين, ولكنهم أعطوهم حق التشريع لهم من دون الله, فحرموا عليهم وأحلوا لهم, فاتبعوهم في هذا.
الثانية:  أن الله أمر الأمير بالشورى. فرأي الجماعة خير من رأي الواحد.
وقال الإنجليزي إدوارد دنيسون في وصفه للهالك أتاتورك: إن أتاتورك إذا أراد إدخال إصلاح يجعله قانونًا مفروضًا على الناس, خذ مثلًا مسألة الحروف, لو ألفت لجنة لبحثها لقضت سنوات.. وأما كمال باشا _أي أتاتورك_ فإنه جلس مع آخر, أظنه وزير المعارف, ووضع معه الحروف التركية اللاتينية ثم قال: غدًا تكون هذه حروف البلاد, وفي الغداة فرض على الناس تعلمها!    
مع التنبيه إلى أنّ معيار الشورى في الإسلام: أن تكون لأهل العلم والرأي والمعرفة ممن فُحِصَ علمهم وفقهم ودُربتهم وخبرتهم وتجربتهم.
وبعدُ؛ فلا يعني اختلاف رأي المرعيّ عن الراعي وإظهاره أن يكون لفساد ذات بينٍ, أو لغرض شقِّ العصا, إنّما هو رأي يقترحه المؤمنُ لغيرته على بيضة أمته وجمعيتها على الهدى والصواب, فإن أصاب فقد حاز الفضل, وإن أخطأ فالله بغفرُ له, شريطة أن يأتيَ البيوتَ من أبوابها, وأن يُخلص النيّة من آفاتها, مع مراعاة الرفق والحكمة, وأن يتّبعَ ولا يبتدع. وحال سلف الأمة ناطق بهذا, شاهدٌ به, مع الأخذ في الاعتبار أن حكم الحاكم في المسألة التي ساغ فيها خلاف أهل العلم يرفع الخلاف والنزاع التطبيقي, شريطة أن يكون رائده ابتغاء مرضاة الله دون سواه, وليس على الرعيّة التنقيب في النيّات, لكن على العلماء مقايسة الأمور بأشباهها, وإلحاق الفروع بأصولها, وقراءة المشاهد الكلية للوقائع المحكومة بالنظر للمصلحتين العظيمتين: عدم تبديل الدين بنسبة الباطل لهم وتشريعهم له, والحرص على حفظ الجماعة من التشقق والتصدّع والفرقة وذهاب الريح, بمراعاة القاعدة الفاذّة الجامعة المانعة: المصالح والمفاسد, فعليها أُقيمتْ السياسة الشرعية للراعي والرعية, وما أكثر المتسلقين لحظوظهم عبرها عن علمٍ أو جهل, وإن كان هذا لا يعني بحالٍ اطّراحها, بل تنقية مشربها من كيزان الحظوظ
وبعدَ إبداء المؤمن رأيه الذي تحتاجه أمّته؛ يكون قد أدّى الذي عليه, فكلٌّ مُطالبٌ على قدرِ مِنحةِ الله له, فمن بسط الله له العلم فسيُسأل غدًا عن علمه, ومن بسط الله له السلطان فسيُسأل غدًا عن رعيته, وعلى قدر العلم والقدرة يكون السؤال للجميع, ورُبَّ مُبارَكٍ قد أسقط الله به عن الأمة العذاب بعدما حمَّ, وفروض الكفايات تنقلب للأعيان عند عدم الكفاية كلٌّ بحسب ما أوتي, وعلى قدرِ ما بُسِطَ له, وعلى قدر استحكام غربة الإسلام تعظم مواطن الطلب لمواقف الأخيار.
 وخيرُ عباد الله من استعمله ربّه في طاعته, واستغرسه في عبادته, وكان في المكان والزمان والحال الذي ينبغي أن يكون فيه المرضيّون. اللهم اسلكنا في سبيلهم يا حي يا قيوم, يا ذا الجلال والإكرام.
إبراهيم الدميجي
14/ 8/ 1434
aldumaiji@


الجمعة، 21 يونيو 2013

الإمام محمد رشيد رضا.. فتى القلمون, والهمّ الإصلاحي


الإمام محمد رشيد رضا.. فتى القلمون, والهمّ الإصلاحي
خلق الله تبارك وتعالى بني الإنسان بتمايزٍ في القدرات العقلية والجسدية، وفاوت بينهم في المنح والأرزاق العلمية والإيمانية والمادية، وفرّقهم في أضابير الأزمنة والأمكنة على امتداد التاريخ الإنساني السحيق.. وحسابهم غدًا على قدر النعمة.
من أولئك الأفذاذ النوادر رجل بحجمِ هِمِّ أمة كاملة، يقلقه وجع مسلمٍ في أقصى المشرق، ويفرحه سرور آخر على شاطئ الأطلنطي، ويقَلْقِلُهُ جهل فئام من أمته بحقائق الديانة، ويبكيه بكاء أرملة، ويشجيه دمع يتيم.
نظر إلى حال أمته في ذلك الزمان العصيب، وقد خيّم عليهم الجهلُ، وثارت بينهم العصبيّات والقوميات، واندرس وَشْيُ الإسلام أو كاد، واتخذت البدعُ سُننًا وسَننًا، وانقلبُ المنكرُ معروفًا، وتداعتْ أممُ الكفر على الأمة كما تَدَاعَى الأكَلةُ على قصعتها، وأُلقي الوهنُ على قادتها ساسةً وعلماء.. فصرخَ بلسان حاله: آن للأمة النهوض، بل الوثوب. ولم يكتف بتسطير الأحلام والأماني، بل شدّ صُلبَه، ووجَّهَ هِمته وكفاحه، لتحقيق ما اسطاع من ذلك الهمّ السامي.. همّ الإصلاح الحقيقي للأمة، والنهوض بكل متطلبات حضارتها، في الإيمان والعلم الشرعي والتجريبي، والوعي السياسي، والإصلاح الاجتماعي والصناعي والزراعي وكل ما يلزم من مفاتيح التقدّم دينًا ودنيا.. أما كيف ذلك؟ وما هي نسبة تحقّق مراده؟ لنرى:
ولد الإمام محمد رشيد رضا يوم 27/ 5/ 1282هـ في بلدة القلمون الشاميّة، ونشأ في بيت علم وفضيلة، وحفظ القرآن في صباه، وألحقه أبوه بالمدرسة الوطنية الإسلامية في طرابلس، وقرأ على علماء طرابلس فنون العلم.. وكان المنعطف المهمّ في وجهته الدعوية حينما قرأ عددين من مجلة العروة الوثقى، إذ اتّفق أنه قرأهما أثناء تقليبه لأوراق والده. وهذه المجلة كان يحرّرها الشيخ محمد عبده، فبحث عن أعدادها الأخرى فقرأها بنُهمة، وقد تكوّنت لديه رؤية واسعة لما قد يستطيعه الداعية إلى الله إن وفّقه الله للعلم والعمل والدعوة والصبر والحكمة. فابتدأ مشروعه الكبير من قريته القلمون، فوعظ ودرّس وعلّم الناس حتى ظهرت ثمار دعوته في بلدته وما حولها – ومن المفارقة أَنْ دار الزمان حتى أصدر فيما بعد مجلةً فيقرأُ أحد أعدادها شابٌّ ألبانيٌّ فتكون من أسباب توجُّهِه للحديث، فيتضلع منه حتى يصبح محدّث الدنيا في وقته ذاك هو الإمام الألباني .
ثم أزمع الهجرة لمصر لأمرين: أحدهما: لقاء أستاذه الشيخ محمد عبده، والقرب منه والإفادة من تجاربه وعلمه وتوجيهه، وكان قد التقاه مرتين في طرابلس إبّان زيارة الشيخ للشام. والثاني: البحث عن محضن حرّ لمشروعه الفكري الإعلامي النهضوي عبر إنشاء صحيفة قويّة البناء، صحيحة العلم، سليمة المنهج، صادقة الطرح، وقد كانت مصر خير من يمثّل القالب لتحقيق ذلك الحلم لذلك الشاب الطموح. وفي هذا ملمحٌ لأهل الإصلاح ألا يقبعوا في مكان إن كان غيره أولى، وقد كانت مجلة العروة الوثقى باريسية الصدور، فلم يضرها ذلك، وحاليًّا مجلة البيان اللندنية.
وصل القاهرة في رجب عام 1315 والتقى في اليوم الثاني شيخه وأستاذه محمد عبده، ومن هناك وضع لبنة مشروعه العظيم، فاستشار شيخه بعد مدة في إصدار مجلّة أسبوعية تكون منبرًا للإصلاح فوافقه شيخه، وكان ذا حظوة عنده، وأهداه كتابي التوحيد وكشف الشبهات للإمام المجدد، فأثنى عليهما وعلى صاحبهما وأيَّدَهما - رحمهم الله - جميعًا، وكان مما قال أستاذه له على عصرانيته: إنه لم تُظلم حركة إصلاحية قط كما ظُلمتْ هذه الحركة الصافية.
ثم اختارا اسمًا للمجلة هو المنار، تيمّنًا بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عند الحاكم وغيره بسند صحيح أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: ''إن للإسلام صُوىً، ومنارًا كمنار الطريق'' وصدر العدد الأول في 10/ 1315؛ أي بعد ثلاثة أشهر من وصول الشيخ لمصر، وكان حينها في الثالثة والثلاثين من عمره - وتأمّل اتّقاد الهمّة ومضاء العزم - فكان هو المحرّر لأكثر مقالاتها على تنوّعها، مع استكتابه لقامات كبار كتّاب عصره. وهذا يذكرنا بمجلة العرب وصاحبها العلامة حمد الجاسر رحمه الله، كذلك الرسالة للزيات- وقد كان الشيخ محمد سيّال العلم والبيان. ومع صدور العدد الثاني صودر في الشام من قبل الدولة العثمانية لمقالة فيها بعنوان: القول الفصل في سعادة الأمة. وتلا ذلك اضطهاد والد الشيخ وإخوته ومصادرة أملاكهم في القلمون ولم يستطع زيارتهم إلا بعد أحد عشر عامًا.
وكتب الله تعالى القبول لهذه المجلّة، فسارت في الناس مسير الشمس، وتلقّفوها مستبشرين بما فيها من تحقيق وتحرير وغيرةٍ وصدق ونصح. مع ذلك فقد كانت متنوّعة المواضيع، إلا أن جامعها الرصانة والاستقامة. وهي أعظم آثار الشيخ، وقد استمرت من سنة 1316 إلى سنة 1354 واستغرقت ثلاثة وثلاثين مجلدًا، ضمت 160،000 صفحة. لم يكتف الشيخ بالتوجيه من خلف الأوراق، بل نزل بنفسه لميدان التربية والتعليم وأسّس دار الدعوة والإرشاد لتخريج الدعاة المُؤَصَّلين على منهج السلف الصالح ونشرهم في أقطار المسلمين. فافتتحها عام 1330هـ لكن ضيق ذات يده حال دون استمرارها.
كان حريصًا على وحدة المسلمين واتحادهم ضد عدوهم، فأيد بعض الزعماء العرب محرضًا لهم على خدمة الإسلام، ثم سحب تأييده لهم عندما تحولوا عن ذلك، وأخيرًا وجد ضالته المنشودة في الملك عبد العزيز باستقامته وصدقه والتزامه الكتاب والسنة، ولم يترك الأمر للدعايات المضللة دونه، بل قابله وناقشه وبحثه، مما أثمر تأييده والدفاع عن منهجه، وظل وفيًّا حتى اللحظة الأخيرة.
تميّزَ - رحمه الله - بثلاثة أمور: موسوعية العلم، واتّقاد الغيرة على الدين، والشجاعة الأدبية.
توفي رحمه الله في مصر يوم الخميس 23/ 5/ 1354هـ، وكانت آخر عبارة قالها في تفسيره: ''فنسأله تعالى أن يجعل لنا خير حظ منه بالموت على الإسلام''