إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الجمعة، 15 نوفمبر 2013

جمالٌ تشربه العيونُ صِرْفًا


جمالٌ تشربه العيونُ صِرْفًا

محمد وعبد العزيز: سلام الله عليكما..
 يا من لنجدٍ سريتما.. ولجرحِ سالٍ نكأتُما.
أبا أسامة وليغفر لك الله: قد علمتَ ما قلمي إلا ابن لبون, فعلامَ تُقْحِمهُ سبْقَ البُزْلِ القَنَاعِيسِ؟! ثم لم تقنعْ حتى أتيتني بفحلِ البيان ابن مسعود!
أبا أسامة, ويحك! هلّا أقلت العثار, أو هل نسأت الخيار..
 فلي فؤادٌ جريح.. بل بالمآسي ذبيح..
 يرى بمقلتيه شؤونًا..
 سَحَّتْ شؤونًا لديه..

تمسي الكُماةُ وتُصبح..
 تروي قناها وتنضح.. 
كيما ضباها تُطوّح..
فقد ملكت فأسجح..

أعبدَ العزيز, مالَكَ ولِي؟! دعني ففي الأحشاء من وجع السنين ما يكفي..
مات قيسٌ ونَبِيهٌ والمرقّشُ وعروةُ بعد أن شرب الحب نَقِيِّ عظامهم..
 وأسلَمَهُم لنائبات المنايا..

فدع السَّالي يمرُّ رويدًا, يركب الطيف بأحلام الزمن.
أما علمتَ يا بن الأكرمين أن خيرًا للمُدنِفِ أن يسلو..
 ففي السلوان عن ذكر المنازل نصفُ راحة..
 أرأيتَ عينًا للبكاء تُعارُ؟!

لك الله يا عبد العزيز! لا تعد لمثلها فقد أوجعتني..
 وأقولها صادقًا؛ فإني كلما قصدت لذيّاك السبيل: تهيج في صدري أمورٌ لا أطيقُ لها دفعًا, تضطرم وتفور.. كالقدر استجمعت غليانًا..
 فتمور بي المشاعر كأني قاربُ صيّادٍ غشيته أمواجٌ كالجبال..
 قد درّتِ عليه السماء ُكأفواهِ القرب برعود واجفة, وبروق قاصفة..
فلا يملك رُبَّانُهُ حينها إلا الدعاء بالسلامة, وانتظار الفرج..
 هذا مع شوبٍ من نصولٍ وقَنًا وأَسَلٍ تدقُّ معاليق الفؤاد.. وتهشم عُوجَ الحنايا..
 فتثور من ذلك المحتدم سحابةٌ بيضاء تُعْتِمُ البصر والبصيرة..
فلا تنجلي الغمامة حتى تنبجسَ المقطوعةُ أيًّا كانت..
 بعد أن تطرح أباها صريعًا!..
وكلُّ حيٍّ هالك!

يا صاحبي: إن في رقيق الأدب شعرًا ونثرًا أيًّا تَوَجَّهت ركائبه خيطَ إبرَيْسم..
 أَرَقُّ من شُعاعٍ في عينِ طفلٍ فرح بقدوم والده من غربة..
 وأصفى من دمعة عاشقٍ على جَدَثِ صاحبته..
 بيد أن ذلك الخيط يجرُّ معه عُجَرَ الذكرى وبُجَرَ الآهات الماضيات..
وقد ظنَّ الملوّعُ وكَذَبَ الظنُّ طَمَّهنَّ في قعر الأطلسي..
 فإذ بها تعود شابّةً لعوبًا ضحوكًا.. غادرة!
بينا يسير القلبُ في ستارةً من تيسير، قَنِعًا بخفقةٍ من فؤادٍ رغيبٍ، قد تجلّد للغِيَر، وتلفّع بالرِّضا، وهجَرَ الكواعبَ رقيقاتِ الحواشي، من ربات حجال الأدب..
 أَعْنِي بهنَّ الخواطرَ شعرًا ونثرًا..
 اللاتي يشغلكَ جمالُ نثرِهِنَّ عن حسن نظْمِهِنَّ..
 ويُنسيك لطف شِعْرِهن عن شهد نثرهن..
فتُمسي من شُغْلٍ بهنّ ونسيانٍ لغيرهن خارجَ المعقول!
 غِيَابًا لا كالجنون, ونشوةً لا من قهوة ابن كلثوم..
 فتغيب عما حولك زمانًا ومكانًا..
يودُّ خليلُك لو رآك حينها: فناءَ العاذِلِ, وبُعْدَ الكاشح..
كيما يسرقُ معك رقيقةً من رقائق أحلام أهل الهناء..

أيها الخاطِر الخَطِر, ما دهاك حتى تَحُلَّ عِقَالَ عقلي؟!
بينا فؤادي قد سَلَا عن رُعودِ خفْقِ الأفئدةِ؛ إذ بك يا غفر الله لك, ترمي سويداءه بسهم قد عَجَمَ عودَهُ بيانُ الصاحبِ وابنِ العميد، وراشَ نبلَهُ ابنُ معمرٍ ولبيد، وَحَدَّ نصلَهُ المسعود، فرميتني وقصدت السويداء..
 فليهنك صيدك، ولك العزاء فقد استسمنتَ ذا وَرَمٍ، ولو وفّرت سهمَك لغيرِ فؤادي لأوشكت أن تحظى بِفَرَا، ولكن هيهات هيهات! فقد نفذ نصلُكَ الفتَّاك لقلب المُضنى العليل، وسبق سيفُك عَذْلي، وصولُك هَرَبي، فمرحبًا بكما على شطء الأدب، وحياكما في بستان المحبين, وخُذَاهَا تحفة النزول:
‏لهفي على شدوٍ قديمٍ قد أفلْ
يحكي بِلُبِّي سهمَ ناعِسَةِ المُقَلْ
هلّا تَرَفَّقَ فالجوى بلغ المحلْ
بُح أو فَمُتْ متشحّطًا والدمّ طَلْ

خذاني معكما لنركب زورق الأمل, تسوقنا أطراف أنامل هبّات الصَّبَا.. فلها أسرارٌ لا تبوحها لسوى أهلِ ذيَّاك السبيل..
 أعني النسيبَ الرقيق المحتشم.. والأدبَ العالي المحتدم..
 أحيانًا كرموز الأحباب, لا يفهمها سوى من تجرّعَ العذابَ العذْبَ من المِقَةِ..
 أو مَلَكَ "شيفرة" البديع تذوقًا أو إنشاءً..
وأخرى نراها جزْلَةً سهلةً ممتنعة، يرومُ بَدْعَها من شاء..
حتى إذا مَدَّ يمينَه لتناول كَفِّها ابتعدت كهالة البدر في ليلة إضحيان..
تتماوجُ بين عينيه كمُحَيا صبيّةٍ تنظر في غديرٍ أترعَهُ صوبُ غادية..
وثالثةً كغرامِ رسائل كنفاني لغادة..
 أو ابن زيدون لولّادة..
 صادقةً باكيةً آسيةً..

يا صاحباي: ألا يُذِيبنَّ بالجَوَى فؤاديكما مشهدُ ذاك القمريُّ ينوحُ لقمريّته وهي ترنو اليه بخَجَلٍ وجَذَل.. وتُسارِقُ مقلتيه بعينين كادتا أن تذبلا حنانًا وحبًّا ولهفًا..
ويكأنَّه ينشدها قول الأول وهو يهتزّ لنشوة الذكرى الرغيبة:
عيناكِ شاهدتان أنَّكِ من ... حَرِّ الهوى تجدين ما أَجِدُ
بِكِ ما بِنَا لكن على مَضَضٍ ... تتجلّدينَ وما بنا جَلَدُ

وَلِمَنْ يفتلِ عند ذكر الأدب شِدقه, ويلوي عن محاسنه كشحه: دعْ قارب أفئدتنا يُبحر رخاءً ويسير هوناً، كمشوق إلى لقاء مشوقة، وأنثارُ وبل إلى كبد يبابٍ صادي..

ألا وإن بعض من بَسَطَ المداد في تيك السابلة, قد جاوز الغاية في التّهتّك وخلع العِذار, لكني من خطل ذلك على حذر..
 فإن لم يكن الأدب رافدَ عفاف, وموقد شرف فلا كان..
 وجملة الكلام: لعل قُصارى هذه الكلمات أن تُذهب عن نفس المُعَنَّى قتامَهَا..

وهل تسير قوافل الأدب إلّا على رواحل الخيال؟
 وخلف سجف الحقيقة يكمن أبداع الذائقة..
 فدعني أُعْنِقُ في خيالي بلا طِوَلٍ.. فما استروحَ أهلُ النبل والرهافة إلا بعد أن كرعوا في ذلك المشرب؟ ومن رام رقَّة الطبع فليأخذ بسبيل ذلك المرتع, وليتجول بخاطره في ذلك المنتجع، فما لذة اللبانات إلا وصل ما هنالك..
إن طيف الخيال يا عبل يَشفي..

وكأني بفقيه أهل المدينة عبيد الله بن عتبة بن مسعود, وهو يخاطب نفسه بجلال وصبابة:
ألا مَنْ لنفسٍ ما تموتُ فينقضي   ...   عَناها ولا تحيا حياةً لها طعمُ
أَأَتْرُكُ إتيان الحبيب تأثُّماً   ...   ألا إنَّ هُجران الحبيب هو الإثمُ
فذُقْ هجرَها قد كنت تزعم أنه   ...   رشادٌ ألا يا ربَّما كذب الزعمُ
ووقفت امرأة على عُروة بن أذينة، وهو من فقهاء المدينة وعُبّادها، وكان من أرقّ الناس تشبيباً، وأحلاهم منطقًا, فقالت له: أنت الذي يقال فيك الرجل الصالح وأنت تقول:
إذا وجدتُ أُوارَ الحُبّ في كَبِدي  ...  غدوتُ نحو سِقاء الماء أَبتَرِدُ
هبني بردتُ ببرَد الماء ظاهرَه  ...  فَمن لنارٍ على الأحشاء تَتّقِدُ
والله ما قال هذا رجل صالح!
وكذَبَتْ, فلم يكن مُرائياً, ولكنه كان مَصْدوراً فنَفث..

وقيل لابن المسيب: إن قوماً من أهل العراق لا يرون إنشاد الشعر!
 فقال: لقد نسكوا نسكاً أعجمياً!

عَلِّلَاني بمُقْلَةِ الخِشْفِ إنّي
من هواها يذوب مني وريدي
عللاني بنظرةٍ منه تشفي
عللاني بطارفي وتليدي
من مُحيّا سقى عيوني بشربٍ
عللاني.. ثم ازحفا بالبنودِ

يا صاحبي: ثَمَّ مستوى من الكَلِمِ يحوي شرايين يتدفَّقُ فيها نوعٌ عزيزٌ من متعةِ الأنْفُسِ..
لا يُشَمُّ ولا يُمَسُّ ولا يُرَى..
لكنه يسمو بعطفيك للأعلى برفقٍ يَبُزُّ الوالدةَ الحنون..
 وشذىً يحكى أرجَ الربيع..
 ولطفٍ يربو على رَخْصِ كَفِّ الرضيع..
 ونعومةِ نهدِ المُعْصِر..
تقرأها ويقرؤنها في "زمكان" متّحد، ولكن..
 ويكأنك تقرأ من بينهم لغةً أخرى!
فتهتف بنفسك الظمأى: أنِ اجرَعي راح البيان المترع بمعاني السحر الحلال..
 قد نُسجت من سندس اللفظ البليغ..
 فانبجسَ من عين صفائها سلسللُ نثرٍ برَّاق..
 وانفجر من معدن حكمتها جلجلُ نظمٍ دفّاق..
 فغدا مزيجُها لونٌ لا نظير في عين الأديب لجماله..
 وَدَّ هنيهةً لو اسطاعَ حبسَ الزمن..
أو فليكُنْ بسجنهما دهرًا يرتشفُ حلاوته شيئًا بعد شيءٍ، ومعنًى بعد لفظٍ، وصورةً تلو نبضٍ.. وأَجْمِلْ بأبكار الزمان!

إن توافقا أمست بناظره وأذنه كألذّ ما سجعت به بلابل الأقلام..
 وصدحت خلاله خرائدُ الأفهام..
 فترتشِفُهُ رقائق الأسماع..
 وتطربُ لرحيقِ سُلَافِهِ هشاشاتُ القلوب..
 إذا جرت نفثاته في الأفهام؛ قالت: أهذه بنت فكرة, أم بنت كرْمة..
 كيف إن كانت من شفتَيْ من هجم خيالها على قلبك الآن..
أيدري الدمعُ أي دمٍ أراقا؟!

آهٍ من دبيبِ راحِ الفِكَرِ في تجاويف الفؤاد..
ليهنِكَ يا من تذوّقت الجمال..
قد ذاب شهدُهُ في حرارة جوى الصَّبِّ الملهوفِ لعناق أبكار المعاني..
 وضمِّ خرائد المباني..
 ونجوى خودِ الأَخيلَةِ..
فاستوى أمامه السطرُ النوراني على سابلةِ العاشق المتيّم..
 يهديه قصدًا للثمِ الشفةِ العطشى له..
قد ذبلت لترويه..
 وازدانت لتسقيه..
 ولا تذهب بعيدًا يا رفيق فؤادي, فما ثَمَّ منها سوى المعاني!
 أما الحقائق فدونها ضرب يدمي النواصيا!

ألا ما أشدّ ما يقاسيه القلم إن هفَتْ رئته لنوع من المعاني لا يتأتّى إلا كمجيء نوعٍ نادر من طيرٍ مهاجرٍ, كأن ريشه من نسج شمسِ الأصيل..
 وصدرَهُ كندف غيمِ الصباح..
 وعينَهُ كطلِّ قطرات النَّدى على وجنةِ زهرةِ خزامى على كثيب الدهناء..
إن المعاني تارة تكون أقرب لأَسَلَةِ اليراعِ من قطرةِ مِدَاده..
وأخرى تكون أبعدَ من السِّمَاكِ الرَّامح..

ثمّة نفوسٌ رهيفة, إن استقبلت روحك ملأتها انشراحًا وبِشرًا..
 ووجوهٌ جميلةٌ, إن تذكَّرْتَ قسماتها ارتمت ذاكرة الجمال خجْلَى على أهدابها..
 وأحاديث حِبٍّ يجتني التذكار منها ما تمنّى..
ويا من مَرَّ على روضتنا ولم يفهم المعنى..
يا من لم يمضغ الشيح والقيصوم, إليك عنّا..
جُزْ بخيرٍ.. جُدْ بسترٍ.. وامض لشأنك عنّا..
لا تلمنا إن خلعنا جبة القاضي وبحنا..
بعفافٍ قد سَمَرْنا.. وصيانٍ قد حَرَسْنا..
يا كثيف الطبع عنا.. عن جَنَانَا لا تسلنا..
أحسن الظن ودعنا..

ليس هذا يا مُنانا نوحُ باك في يتامى..
تلق أرجًا يجتنيه.. ضوع أزهار الخزاما..

يا صاحبي: قديمًا كُتبَ الأشخاصُ برموزٍ لأغراض شتى, رَهَبًا أو تحليةً في ذهن المنسجم.. تأمل ما كتب الهنود على لسان الحيوان "كَليلة ودِمْنَة" وفي ذا التلميح غنًى عن التصريح..
لا تقل: كلا, لا ولا تقل: لم هذا وكيف؟!
فالقصور يلحقه التقصير عن إدراك ما تتكلّس المعاني بجوهَرِهِ! فيضربها بمعول الفكر وكرّ النظر.. فلا تسمع لماء عين المعاني رِكزًا!..
فمثلُ تيِك المعاني تحتاج لقهوة سوداء كالحٌ لونها, مُرّةٍ كالحنظل, عذبةٍ كَسَحِّ الدِّيَمِ, في مكان خال من الإنس والجانّ..

 فما هي إلا هنيهات حتى يصْفُوَ الذهن بانقشاع سحائب شُعَبِ الهموم..
 ويعفو الخاطر بجودٍ غزير..
 فينحدر إليها سيلٌ جرّارٌ من مشاعر الفؤاد المُضْنَى بأثقال الأشباح..
 المفعم بطيب أرواح الإصباح..
 قد صَرَعَ خيالاتها بشبيبةِ روحه, وكهولة تجاربه..
يمدُّهُ هاطلٌ مدرارٌ وغيث صدوقٌ من دموعٍ كانت حبيسة الأجفان!
 قد أَبَتْ عِزَّةُ أنفِهِ قبلها إلا تيك القَسوةِ الممضَّةَ بخنجر الأسر العذب المعذب.. هذا حينًا..

 وحينًا آخر تطول تلك الزفرات فتسري في اللجَّةِ ليلةً بتمامها..
بعدها تجري الرياح اللقاح بفكرِهِ مع الغيوم السابحات حتى يأذن الله بأمره..
فبينا ذهنه يسبَحُ في بحر ساكن؛ إلا ورنت مقلته لضياء أدفأَ جوانحه التي لحقها بردٌ من نسيم السَّحَرِ..
 إنه برد له خصوصية لدى أهيلِ الأدب..
لا يحس بلذيذ لذعه أهلُ الكثافة.. فإن صادفوا مثله انقلب جليدًا مُحْرِقًا..
أما هنا فهو لذع يدب رويدًا على أطراف الجوانح..
 ثم يفيض شذًى وعبقًا حتى يُرى ثَمِلٌ وما ثمّ شرابُ جسد..
 لكنه شراب نفس لم تملك أن غرقت في لجة نشوتِهِ..
 فنطقت بعد عِيِّها بحروفٍ لم يزُرْهَا سحبانُ وائل..
 ولم يحملها فؤادُ ابن الملوّح..

إيهٍ يا بن مسعود.. يا سليل البديع يا باسق البيان: إني مُنبيك عن عينٍ ماؤُها أحلى من عذب المطر..
 وشذاها أرقُّ من فتيت المسك والعنبر..
 تنساب بنعومةٍ على رَضْرَاضٍ كياقوت عُمَان..
 قد حفّتها أزاهير الأقحوان..
 وخلطتها ورود العرار وشقائق النعمان..
تجري بجوارِ كثيبٍ كأنّه خَدُّ عذراء..
 قد جرَفَ الماء أسفله فنحت على ذراعه خَتْمَ الحسن..
 وضَوَّعَ من عَذِيِّ رَمْلِهِ عَبَقَ النقاء..
 ثم جرى ماء الحياة حتى هوى من عليائه بوهج شلالِ نورٍ يشعُّ جمالًا وألقًا وبهاءً..

لقد كاد من فرط جماله أن تشربه العيون صرفًا!..
لِصوتِه نَغمات يتصاغر لجرسها بيتهوفن وموزار..
 وقَسَماتٍ وألوانٍ تمنَّى لو رآها دافنشي وأنجلو..

إن رمت ذيّاك المكان فأرعني فؤادك أفتّش لك في زواياه عن مكان لتلك الرغيبة التي لا تُرى سوى بعينِ أديبٍ.. وما أُراكَ إلا هو..
فلقد تذوّقت من عذب تغريدِ يراعتك ما قد علمت أنك من أهل ذيّاك المنزل..

 فلِقُطّانِهِ لغة لا يتناولُ عقيقها وزمردها من لم يذق من نِيلِها وفُراتها..
يَرِدُ الجُموعُ حوضَها فيصدُرون رُواءً لحظة شربهم منها..
لكنّ مَنْ أَعْمَقَ دلوَهُ حتّى لامَسَ عينَها؛ فإنه يصدُرُ منها أشدّ عطشًا منه قبل الورود..
 فيعودُ كيما يكرعُ فيزداد لها ومنها وبها ولعًا..
 فلا يسلو عن حبها..
 ولا يروى من رشفها..
 حتى يُسلِمَ الروح!
وواهًا ثم واهًا لغربة الأديب في صحراء الجفاء..

إبراهيم الدميجي
@aldumaiji
aldumaiji@gmail.com

الجمعة، 8 نوفمبر 2013

الشمس.. تلك البديعة المستديرة!

الشمس.. تلك البديعة المستديرة!

    قصدتُ وصاحبي وجهةً رغيبةً في عمق صحرائنا الفريدة، استئناسًا بطيب هوائها وعذيّ ترابها وبكارة نبتها وخلوها من بني الإنسان.. فضربنا البيداء ولإطارات السيارة أنينٌ من حيوفِ الأحجار الطاعنة, تطردنا سحابة من غبار أحمر وأصفر كأنها ذئب أغبر منعطف على طريدته الشاردة.
ومع إعناقنا في تلك التنوفةٍ الجرداء التي لا نهاية لها على مرأى العين؛ تذكرت بهذه الصحاصح الأماليس وشجرها العاري مُؤْيِسَةَ معروف الرصافي:
وما المرءُ إلا دَوْحةٌ في تَنُوفَةٍ   ...  مُلَوَّحةُ أغصانها بالسمائمِ
لها ورَقٌ قد جفّ إلا أقلّه   ...   وعيدانها بين النُّيوب العواجمِ
ولا بد أن تُجْتَثَّ يوما جُذورُها ...   وتَقلعها إحدى الرياح الهواجمِ
 وفي مسارب الصحراء قالت العرباء: قَتَلَتْ أرضٌ جاهلَها وقتلَ أرْضاً عالِمُهَا. ولقد قد كان صاحبي كما قيل: لا يَضِلّ حتى يضل النجم, ولا يهاب حتى يهاب السيل, وكان خير ما يكون حين لا تظن نفس بنفس خيراً!
وأصبرُ من عودٍ وأهدى إذا سرى  ...  من النجم في داجٍ من الأرض غيهبُ
      وبينا نحن مُجِدّان في ضرب ظهر الأرض بسياط الإطارات؛ لاحت لناظرينا واحةٌ خلّابة، لأهل الذوق جذابة, فما أن أَمْعَنَّا البصر، وأنعمنا من بعده النظر؛ إلا وقد أزمعنا النزول, فملنا يسبقنا شوقنا إلى شجرات سرحٍ وطلحاتٍ, كأنهن الأبكار بالزينة متبرجات, قد نشرن الغدائر, وسرّحن الضفائر, على شاطئ ماءٍ يحكي سلاسل الفضة واللؤلؤ, كأنه مرآة السماء وسط أرج الربيع,  وأَجْمِلْ بالربيع إذا تفتّق في ظهر البيداء! فنزل صاحبي وهو يشدو مع إسحاق الموصلي:
يا حبَّذا ريحُ الجنوبِ إذا جَرَتْ   ...   في الصبحِ وهي ضعيفةُ الأنفاسِ
قدْ حُمِّلتْ بَرْدَ الندى وتحمَّلتْ   ...   عَبَقاً من الجَثْجاث والبَسْباسِ
ماذا يَهيج من الصَّبابةِ والهوى   ...   للصَّبِّ بعد ذهولهِ والياسِ
    نزلنا إلى ظلِّ دوحة راكع طرفها إلى الماء, قد أرسلت فوقنا غصنين كأنهما جديلي حسناء. قعدنا على حجر نصفه في الماء نلقي صغار الحصا على صفحته البهيجة اللطيفة.
    أوّاه, ما أجمل ذلك الماء للمتأمل الساكن, خاصة مع لذعٍ لطيفٍ من برد الصباح النوفمبري, ماءٌ إذا مسّته يد النسيم حكى سلاسل الفضة, وإذا صافحته راحة الريح تماوج كارتعاش القلب الرهيف إذا مسه خيال خلّه، يسقيه جدول يمشي على الرضراض، كأنه دموع من عيونٍ مراض، قد ترقرقت فيه دموع السحائب التي لا تجف جفونها ولا يخف أنينها.
    بادرْتُ القهوة, فجئت بثلاث أثافٍ هيئتها موقدًا, وتخيّرت رقيق العيدان, وجعلت تحتها الإذخر, وهو ما تسميه العامّة "السّاف" وهو حشيش سريع الاشتعال, طيب النكهة, عبق الريح, فيه من نَفَس العطور المشرقيّة, ولربما جعله بعض الهواة بديلاً عن النعناع في الشاي. حتى إذا نفخْتُ الرّمث بعد إيقاد الإذخر علقت النار بها ولها أرجٌ لذيذ جمع بين خشونة الرمث الكلاسيكية ونعومة الإذخر الرومنسية! فأصبح المزيج مضاهياً لعود كمبوديا ودهن خشب مليبار.. فانهلي يارئة الصبّ منها ضوع خلّ كان بالأمس  قرينًا.
    جئتُ صاحبي بالبُنِّ العذب في الرسلانية المربوبة حديثاً, معها تمر خلاص في صفاء الزجاجة, حتى إنك لترى القطمير في النواة من خلاله, كأنه زجاجة عسل السّدر اليماني.. والتفتنا سويّا إلى صوت رعد بعيد، وشِمنا برقه فإذا سحاب ركاميّ مُدبرٌ كأنه الليل جهة الجنوب, ألا ما أجمل البرق وأروعه.. وأهيبه!
    وكانت سماؤنا قد التحفت غيومًا كأنها المحض من البياض، وليست بالثقيلة, ورويداً بدا حاجبُ الشمس الذهبي, بانقشاع ذوائب السحائب, إلا من قزعات يتهادين نحو الأُفُق, فكشفت الجاريةُ _ وهي الشمس _ قناعها, ولمع في أجنحة الطير ضياؤها, وذَهَّبَتْ أطرافَ الماء بسبائكَ مسلسلةٍ متماوجةٍ تتهادى متنافرة متقاربة, في لوحة قشيبةٍ فارهة فاخرة, فَقد سفَرَت ذُكَاءُ _ وهي الشمس _ سابحة بجلالٍ ووقارٍ تحت قبة الفلك الزرقاء.
    أصلحنا شأننا واسترحنا عامة الضحى, وَغَزَالةُ _ وهي شمس الضحى _ترسل شعاعها, حتى إذا مَتَعَ النهار, وانتعل كلُّ شيءٍ ظِلَّهُ, ورمت بَرَاح _ وهي الشمس _ بجمَراتِ الظهر عبر سهام الطَّيف, غير أن النسيم الوسمي البارد كسر حرّها, لكن الجَوْنَةُ _ وهي الشمس _ أبت بعد ذلك إلا رِماحاً ماضية, فملنا إلى ظل دوحتنا نجرجر أذيال الاستسلام..
    إنها الشمس بفخامتها وجلالها وبهائها وحياتها وكبريائها, سخّرها الله تعالى لخلقه، وجعلها من جملة رزقه, لكن أكثر الناس ضلوا فلم يهتدوا, وكفروا حيثُ أُمِروا أن يَشكُرُوا, هي أكثر وثنٍ عُبِد من الله تعالى, وقد تتابعت أمم الأوثان على عبادتها وتعاورت على تأليهها, فلم تكد تخلُ أُمَّةُ من تأليهها, فقد سمّتها العربُ الإلهة وعبدتها, وعبّدوا لها أبناءهم فسمّوا عبد شمس, ونحتت لها الصابئةُ الهياكل وعبدتها, وما من أمة وثنية إلا جعلتها ضمن معبوداتها إن لم تجعلْها الكبرى, وجعلوا لها يوماً وهو الأحد (sun dy) أي: يوم الشمس, وأقاموا احتفالات وقرابين يوم اعتدالها الربيعي..
وهكذا استطالت ضروب الوثنية فيها. وكلما رحل نبي كريم وخَفَتَ نور دعوته ورسالته, استجرت الشياطين فئاماً من بني آدم إلى عبادة الكواكب, وأعظمها الشمس!
     حتى ضرب الخافقين وقرع الأُفُقَيْن ناموس الإسلام ببعثة سيد الأنام عليه الصلوات والبركات والسلام, بأعظم كتاب أوحاه رب العالمين, فأقام للشمس نطاقها الذي لا تتجاوزه, فأظهر الله في القرآن أنها عابدة لا معبودة، ومربوبة لا ربّة، مسبِّحةٌ بحمد ربها، ساجدة له، فقال جل شأنه وعز اسمه: "والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره" وقال سبحانه: "والشمس تجري لمستقرٍّ لها ذلك تقدير العزيز العليم" وقال جل وعز: "هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون" وقال سبحانه: "وسخر الشمس والقمر كلٌّ يجري لأجل مسمّى" وقال جل ذكره: "ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء" وقال سبحانه وبحمده في آية حاسمة: "ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إيّاه تعبدون" ثم بيّن نهاياتها وفناءها وخرابها وموتها بقوله العظيم المزلزل: "إذا الشمس كوّرت" فالحمد لله على نعمة التوحيد, فاثبت عليه حتى تلقى ربك أيها الحنيف..
إطلالة: لا تطيب الحياة إلا بالتقوى, فمهما انغمس المرء في لذائذها, وتثنى بين أعطاف مباهجها؛ فسيبقى في صدره فراغ كبير, لا يسدّه إلا طمأنينته بصحة مساره, وأُنْسُه بقرب خالقه.
إبراهيم الدميجي

الأربعاء، 6 نوفمبر 2013

ضرورة معاملة الخطأ بقدره وعدم التجاوز.. للشيخ العلامة يوسف الغفيص


وصية نفيسة لطلبة العلم أملاها الشيخ يوسف الغفيص عضو هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للإفتاء مستلّة من شرحه للطحاوية, بعنوان:
ضرورة معاملة الخطأ بقدره وعدم التجاوز

الفقه مطلوب لمسائل الاختلاف؛ لأننا نجد نزاعاً، لا نقول بين أهل السنة وأهل البدع، فهذا شأن وسنة مضى عليها السلف، وهي سنة فاضلة شرعية- وإنما المقصود أننا نرى كثيراً من الاختلاف بين أهل السنة أنفسهم، وكثير من هذا الاختلاف لا يكون من باب اختلاف الأقوال، فإن اختلاف الأقوال حاصل، ولكن المشكلة هي اختلاف القلوب، ومن اختلاف القلوب الفرح بغلط من يغلط، فإذا غلط غالط تجد من التتبع لهذا الغلط والاستطالة والاستفاضة فيه شيئاً غريباً مع أن الخطأ إذا وجد من بعض العارفين ومن لهم مقام في السنة والجماعة والعلم والديانة فإنه ينبغي الترفق فيه، وأن يبين على قدر من الحكمة. ولا شك أن مثل هذا الذي يقع من الاستطالة هو في كثير من الأحوال فرع عن قلة الفقه، فإن من صريح الفقه عند علماء الإسلام أن الإنكار للخطأ من فروض الكفايات، فإذا تحقق الإنكار وزال الخطأ، فإن الازدياد من الإنكار لا يكون محكماً. ونجد أنه يستفاض في إنكار خطأ غاية إنكاره أن يكون من فروض الكفايات، مع أن ثمة فروضاً من الأعيان وفروضاً من الكفايات ما قام بها قائم، وبقيت معطلة، ومع ذلك لا يتحرك المتحرك إليها، وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله: وكثير من النفوس عند مقام الرد فيها قدر من القوة والعلو، أي: يحصل عندها نوع من الزيادة، لأن الزيادة أحياناً لا يملكها هو.
وهذا الباب من أهم الأبواب التي ينبغي أن يتفقه فيها طلاب العلم خاصة والناس عامة، وقد كان علماء السلف رضي الله تعالى عنهم أصدق الأمة قلوباً وأكثرها ائتلافاً وبهم تجتمع الأمة، وأما أن يكون العلم موجباً للتفريق واختلاف القلوب وتنافر النفوس، فلا شك أن هذا من خلق أهل الكتاب دخل على قوم من هذه الأمة، وهذا هو الذي أفسد ملتهم وشغلهم عن عبادات ربهم. وقد تجد بعض طلاب العلم قد يشتغلون بأمور يصرفون فيها الأوقات الكثيرة، وليست هي من أصول التوحيد، فإن أعظم غلط تقع فيه الأمة اليوم هو الغلط في توحيد العبادة، فإن الشرك والبدع المخالفة لتوحيد العبادة ما أكثرها في بلاد الإسلام، فأين القيام بهذه الأصول المحكمة؟
وكثير من المسلمين مقصرون في الصلاة، ومقصرون في أصول الواجبات، بل حتى العبادة المختصة بالمتكلم نفسه، فلأن يشتغل بمحكم العبادات كذكر الله والصلاة والصيام والطواف بالبيت وغير ذلك من الشرائع المحكمة، خير له من أن يشتغل بكلام قد تزين له نفسه أنه من الانتصار لدين الله، ولا شك أن الرد وبيان الحق سنة مضى عليها السلف، لكن السلف كانوا يفعلونها على قدر من العلم والفقه والورع؛ بل وقدر من العقل، فمقام الرد لا ينتصب له إلا عاقل عالم ورع، فمن تحققت فيه هذه الشروط الثلاثة فليكن كذلك، ومن كان كذلك لم يقع منه غلط غالباً، فمثلاً: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله كان من أكثر الناس تعقباً للأغلاط، فلا يسمع بغلط أو بمنكر إلا ويكتب في هذا المنكر، ومع ذلك ما سبق أن عرف عنه رحمه الله شيء من الاستطالة، ولا حصل برده فتنة وأذية للناس.

 ومن فقه شيخ الإسلام رحمه الله أنه يقول في قوله تعالى: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [يونس:85-86] قال: (من صدق الإيمان أن يتمنى العبد ألا يكون فتنة لقوم ظالمين، فضلاً عن أن يكون فتنة لقوم مؤمنين)، ومن الفتنة أن يقول قولاً لا معنى له أو لا أهمية له أو لا لزوم له، فيشتغل به كثير من العامة الذين يغلب عليهم الاشتغال بذلك، كالمبتدئين في طلب العلم من الشباب الذي هو في أول درجاته، فيصرف الأوقات التي لو صرفها في حفظ كتاب الله أو في حفظ شيء من السنة أو في حفظ كتاب في التوحيد وأصول العلم لكان أهدى وأنفع.