إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الاثنين، 1 أغسطس 2016

"إذ نادى ربه نداءً خفيًّا"

"إذ نادى ربه نداءً خفيًّا"
هل الأولى في دعاء الله تعالى أن يجهر أو يسرّ، ولماذا قرن الله تعالى الذكر بالخِيفة والدعاء بالخُفية؟
أجاب عن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فقال: "قول الله تعالى: { ادعوا ربكم تضرعا وخُفية } يتناول نوعي الدعاء؛ لكنه ظاهر في دعاء المسألة متضمن دعاء العبادة، ولهذا أمر بإخفائه وإسراره.
 قال الحسن: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت. أي ما كانت إلا همسًا بينهم وبين ربهم عز وجل؛ وذلك أن الله عز وجل يقول: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } وأنه ذكر عبدًا صالحًا ورضي بفعله فقال: { إذ نادى ربه نداء خفيًّا }.
 وفي إخفاء الدعاء فوائد عديدة:
 أحدها: أنه أعظم إيمانًا؛ لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع الدعاء الخفي.
 ثانيها: أنه أعظم في الأدب والتعظيم، لأن الملوك لا تُرفع الأصوات عندهم، ومن رفع صوته لديهم مقتوه، ولله المثل الأعلى.
 فإذا كان يسمع الدعاء الخفي فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت به.
ثالثها: أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده. فإن الخاشع الذليل إنما يسأل مسألة مسكين ذليل، قد انكسر قلبه وذلت جوارحه وخشع صوته؛ حتى إنه ليكاد تبلغ ذلته وسكينته وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوعه بالنطق. وقلبُه يسأل طالبًا مبتهلًا، ولسانُه لشدة ذلته ساكتًا. وهذه الحال لا تأتي مع رفع الصوت بالدعاء أصلًا.
رابعها: أنه أبلغ في الإخلاص.
 خامسها: أنه أبلغ في جمعية القلب على الذلة في الدعاء، فإن رفع الصوت يفرّقه، فكلما خفض صوته كان أبلغ في تجريد همته وقصده للمدعو سبحانه.
 سادسها: - وهو من النكت البديعة جدًّا - أنه دال على قرب صاحبه للقريب، لا مسألةَ نداءِ البعيد للبعيد؛ ولهذا أثنى الله على عبده زكريا بقوله عز وجل: { إذ نادى ربه نداء خفيا } فلما استحضر القلب قرب الله عز وجل وأنه أقرب إليه من كل قريب أخفى دعاءه ما أمكنه.
 وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى المعنى بعينه بقوله في الحديث الصحيح لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير وهم معه في السفر فقال: "أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبَا، إنكم تدعون سميعَا قريبَا، إن الذي تدعونه أقربُ إلى أحدكم من عنق راحلته".
وقد قال تعالى: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } وهذا القرب من الداعي هو قرب خاصُّ ليس قربًا عامًّا من كل أحد، فهو قريب من داعيه وقريب من عابديه، وأقربُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. وقوله تعالى: { ادعوا ربكم تضرعا وخُفية } فيه الإرشاد والإعلام بهذا القرب.
سابعها: أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال، فإن اللسان لا يملّ، والجوارح لا تتعب، بخلاف ما إذا رفع صوته فإنه قد يملّ اللسان وتضعف قواه. وهذا نظير من يقرأ ويكرر فإذا رفع صوته فإنه لا يطول له؛ بخلاف من خفض صوته.
 ثامنها: أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات، فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدرِ به أحدٌ فلا يحصل على هذا تشويشٌ ولا غيرُه، وإذا جهر به فَرَطَتْ له الأرواح البشرية ولا بد، ومانَعَتْه وعارضته، ولو لم يكن إلا أنَّ تعلَّقها به يفرّق عليه همته؛ فيضعف أثر الدعاء. ومن له تجربة يعرف هذا، فإذا أسر الدعاء أمن هذه المفسدة.
 تاسعها: أن أعظم النعمةِ الإقبالُ والتعبد، ولكل نعمةِ حاسد على قدرها دقّت أو جلّت، ولا نعمةَ أعظمَ من هذه النعمة، فإن أنفُسَ الحاسدين متعلقةٌ بها، وليس للمحسود أسلمَ من إخفاء نعمته عن الحاسد.
 وقد قال يعقوب ليوسف عليهما السلام: { لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا } الآية. وكم من صاحب قلبٍ وجمعيةٍ وحالٍ مع الله تعالى قد تحدّث بها وأخبر بها فسلبه إياها الأغيارُ؛ ولهذا يوصي العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله تعالى، ولا يطلعُ عليه أحدٌ.
 والقومُ أعظم شيئًا كتمانًا لأحوالهم مع الله عز وجل وما وهب الله من محبته والأنسِ به وجمعيةِ القلب، ولا سيما فعله للمبتدئ السالك، فإذا تمكن أحدهم وقويَ وثبّت أصولَ تلك الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء في قلبه - بحيث لا يخشى عليه من العواصف فإنه إذا أبدى حالَه مع الله تعالى ليُقتدى به ويؤتمَّ به - لم يبال. وهذا باب عظيم النفع إنما يعرفه أهله.
وإذا كان الدعاء المأمور بإخفائه يتضمن دعاء الطلب والثناء والمحبة والإقبالِ على الله تعالى فهو من عظيم الكنوز التي هي أحق بالإخفاء عن أعين الحاسدين وهذه فائدة شريفة نافعة.
 عاشرها: أن الدعاءَ هو ذكرٌ للمدعوِّ سبحانه وتعالى، متضمنٌ للطلب والثناء عليه بأوصافه وأسمائه، فهو ذكر وزيادة، كما أن الذكرَ سُمّيَ دعاءً لتضمنه للطلب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أفضل الدعاء الحمد لله" فسمَّى الحمدَ لله دعاءً وهو ثناء محض؛ لأن الحمدَ متضمنٌ الحبَّ والثناء، والحبُّ أعلى أنواع الطلب؛ فالحامد طالبٌ للمحبوب فهو أحق أن يُسمَّى داعيًا من السائل الطالب؛ فنفس الحمد والثناء متضمن لأعظم الطلب فهو دعاء حقيقة، بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب الذي هو دونه.
 والمقصود أن كلَّ واحد من الدعاء والذكر يتضمن الآخر ويدخل فيه وقد قال تعالى : { واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة } فأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكره في نفسه.
 قال مجاهد وابن جريج: أُمروا أن يذكروه في الصدور بالتضرع والاستكانة دون رفع الصوت والصياح. وتأمل كيف قال في آية الذكر: { واذكر ربك } الآية. وفي آية الدعاء: { ادعوا ربكم تضرعًا وخُفية } فذكر التضرعَ فيهما معًا وهو التذلل والتمسكن والانكسار، وهو روح الذكر والدعاء.
وخَصَّ الدعاء بالخُفية لما ذكرنا من الحكم وغيرها، وخص الذكر بالخِيفة لحاجة الذاكر إلى الخوف، فإن الذكر يستلزم المحبة ويثمرها؛ ولا بد لمن أكثر من ذكر الله أن يثمر له ذلك محبته، والمحبةُ ما لم تقترن بالخوف فإنها لا تنفع صاحبها بل تضرُّه؛ لأنها توجب التوانيَ والانبساط، وربما آلت بكثير من الجهال المغرورين إلى أن استغنوا بها عن الواجبات، وسبب هذا عدمُ اقتران الخوف من الله بحبه وإرادته؛ ولهذا قال بعض السلف: من عبدَ الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن.
 والمقصود أن تجريدَ الحب والذكر عن الخوف يوقع في هذه المعاطب، فإذا اقترن بالخوف جَمَعَهُ على الطريق ورده إليه، كالخائف الذي معه سوط يضرب به مطيته؛ لئلا تخرج عن الطريق. والرجاءُ حادٍ يحدوها يطلب لها السير، والحبُّ قائدُها وزمامها الذي يشوِّقها، فإذا لم يكن للمطية سوطٌ ولا عصا يردها إذا حادت عن الطريق خرجت عن الطريق وظلت عنه.
فما حُفظت حدودُ الله ومحارمُه ووصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبته، فمتى خلا القلب من هذه الثلاث فسد فسادًا لا يُرجى صلاحه أبدًا، ومتى ضعف فيه شيء من هذه ضعف إيمانه بحسَبه.
 فتأمل أسرارَ القرآن وحكمتَه في اقتران الخِيفة بالذكر والخُفية بالدعاء مع دلالته على اقتران الخُفية بالدعاء والخِيفة بالذكر أيضًا، وذكرِ الطمع الذي هو الرجاء في آية الدعاء؛ لأن الدعاء مبنيٌّ عليه، فإن الداعي ما لم يطمع في سؤاله ومطلوبه لم تتحرك نفسه لطلبه؛ إذ طلبُ ما لا طمعَ له فيه ممتنعٌ، وذكرُ الخوفِ في آية الذكر لشدة حاجة الخائف إليه.
 فذكر في كل آيةٍ ما هو اللائق بها من الخوف والطمع، فتبارك من أنزل كلامه شفاءً لما في الصدور".  عن: مجموع الفتاوى 15 (15 -22) مختصرًا.
إبراهيم الدميجي

25/10/1437

السبت، 23 يوليو 2016

إنه القلب.. السليم!

إنه القلب.. السليم!

‏"الله خير حافظًا.. وهو أرحم الراحمين"
‏:
‏هنا.. دفء الأمان
‏وهدوءالسكينة
‏وجلال الثقة
‏وبرد اليقين.. وحلاوة الانتظار.

‏في كل عثرة في حياتك
‏ومنعطف في عمرك
‏وخيبة أمل في من حولك
‏اهتف بنفسك: هذا ابتلاء من ربك (لننظر كيف تعملون)
‏تأملها جيدًا.

‏تفقّد دومًا طهارة قلبك، وسلامة صدرك.. فإنها من نفيس رأس مالك في الدار الآخرة.

‏اغز قلوب العالمين بالإحساس الصادق والإحسان الحنون..
‏فلقلوبهم مسامّ دقيقة ينفذ من خلالها جميلك فيثمر حبهم لك، ويخرج ما عداه من سيئات المشاعر.

نِعَمّا ذخيرتك بين يديك غدًا..
وأكرم بها قربانًا وزلفى إلى مولاك أبدًا..
أن تكون من أهل: (من أتى الله بقلب سليم).

إبراهيم الدميجي 
١٧/ ١٠/ ١٤٣٧


الجمعة، 22 يوليو 2016

الأُنْسُ بالله تعالى



 الأُنْسُ بالله تعالى
إن كان في الدنيا جنةٌ فهي جنةُ الأُنْسِ بالله تعالى، وحلاوةُ قربه، ولذةُ مناجاته، وعلى هذه الثمرة كانت قلوب السابقين تغتذي، وهي ما عُبّر عنها بحلاوة الإيمان.
أن الإقبالَ على الله تعالى، والإنابةَ إليه، والرضى به وعنه، وامتلاءَ القلب من محبته، واللَّهجَ بذكره، والفرحَ والسرورَ بمعرفته، ودوام ذكره، والسكون إليه، والطمأنينة إليه، ثوابٌ عاجل، وجَنَّةٌ حاضرة، فهو جنة الدنيا، والنعيم الذي لا يشبهه نعيم، وهو قرّة عين المحبين، وعيشٌ لا نسبة لعيش الملوك إليه البتة.
وإنما تقرّ أعينُ الناسِ على حسَب قرةِ أعينهم بالله عز وجل؛ فمن قرَّت عينه بالله قَرَّت به كلُّ عين، ومن لم تقَرَّ عينه بالله تقطّعت نفسه على الدنيا حسرات.
ألا إن للأنسِ بالله ثمارًا حلوة، وينابيعَ عذبة، يتذوقها المؤمن بلسان قلبه، ويُشبعُ بها بطنَ روحه، فلا كانت الدنيا إذا لم يكن أُنسٌ بالله تعالى.
قال أويسٌ القَرَني رحمه الله: ما كنت أرى أن أحدًا يعرف ربه فيأنسَ بغيره. وقال بعض السلف: مساكينُ أهلُ الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا ألذَّ ما فيها، قيل: ما ألذُّ ما فيها؟ قال: الأنسُ بالله، والتلذذُ بخطابه والوقوف بين يديه. وقيل: الأُنسُ بالله نورٌ ساطعٌ، والأنس بالناس غمّ واقع.
إن حلاوة الأنس بالله لا تحصل إلا بالاشتغالِ بذكره ودوامِ عبادته، والبعدِ عن القواطع والشواغلِ التي تُقسّي القلب وتحول بينه وبين التفكر في آلاء الله، والتذكرِ لنعمائه، وقد أخبر النبي ﷺ أن للإيمان حلاوةً وطعمًا كما في قوله: «ثلاث من كُنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكرهُ أن يُقذف في النار». وقال ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ رسولاً ونبيًا».
 وأخبر أن عينَه تقرُّ بالعبادة ويرتاحُ بها بدنُه فقال عليه الصلاة والسلام: «وجُعلت قرة عيني في الصلاة» وقال: «أرحنا يا بلال بالصلاة». فرسول الله صلوات الله وسلامه عليه يجدُ في الصلاة لذةَ قلبه وسرورَه وابتهاجَه وغايةَ فرحه وراحةَ بدنه، فهو في الصلاة ينقطع عن الخلائق ويُقبل بقلبه وقالبه على ربه، ويلتذ بذكره ومناجاته، ويتقلّب بنعيم جميل في أنواع العبادات من حال إلى حال، من روضة قرآن لبستان صلاة لحلاوة مناجاة إلى غير ذلك، يجد في كلٍّ منها الأُنس بالعبادة.
فمن وسائل تحصيل الأنس بالله تعالى الذكرُ الدائم، ورطوبةُ اللسان بذلك، ولهَجُهُ لربه بدعاء الثناء والمسألة، وصرفُ طاقات الجوارح في مراضي ربه الكريم الوهاب، بالصلاة بعد الصلاة، وبالقرآنِ تلاوة وتدبرًا، وبالصدقة، وبالصيام، وبما أطاق من الباقيات الصالحات، وتحصيل العلم النافع والعمل به. فوَلاية الله مهرُها عسفُ النفوس على مراضيه.
وما من رجلٍ حسنت صلاته إلا واستأنس به كلُّ شيء، والرجلُ يكون نائمًا فيحرُّكُه من نومه لطفٌ من ربه فيقوم للصلاة منتبهًا من غير تنبيه من الخلائق.
فيا عبد الله: إذا رُمت الأنسَ بالله تعالى والإحساس بقربه ولطفه فصلّ صلاة خاشعة، وأطل سجودك، فكلما أطلته فتحت عليك من الألطاف والنعم ما تود معها ألا ترفع رأسك، خاصة إذا صليت تلك الصلاة وأنت مستعدٌ لها بقلبك وقالبك. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.
هذا وأعظمُ طُرُقِ تحصيلِ الأنسِ بالله تعالى هو حسنُ المعتقدِ أولاً ودوامُ الذكر ثانيًا، وأعظمُ الذكر القرآنُ تلاوة وسماعًا وتدبرًا، ثم الأذكار المادحة لله تعالى كالتهليل والتسبيح والتحميد ونحوها، ثم الأدعية والأوراد.
 ومن أسباب حصوله كذلك: تعظيمُ قدرِ الصلاة، حتى تكونَ صلاةُ المرء كصلاة المقربين، فتكونُ رَوْحُه وريحانه، ويجتمع للعبد فيها ما لا يجتمع في ما سواها من العبادات. فإذا سجى الليل ودجى، خلا العابد الصالح بوليه وربه وسيده يناجيه ويضرع إليه، وقد يستثقل التهجدّ في بداية أمره ثم يكونُ عينُ سعادته، كما قيل: إن قيام الليل من أثقل شيء على النفس، ولاسيما بعد النوم، وإنما يصير خفيفًا بالاعتياد والمداومة والصبرِ على المشقة والمجاهدةِ في أول الأمر، ثم بعد ذلك ينفتحُ بابُ الأنسِ بالله تعالى وحلاوةِ المناجاة له، ولذة الخلوة به عز وجل، وعند ذلك لا يشبع الإنسان من القيام فضلاً عن أن يستثقله أو يكسلَ عنه، كما وقع ذلك للصالحين من عباد الله حتى قال قائلهم: إن كان أهل الجنة في مثل ما نحن فيه بالليل إنهم لفي عيشٍ طيّب. وقال آخر: منذ أربعين سنة ما غمّني إلا طلوع الفجر، وقال آخر: أهل الليل في ليلهم ألذّ من أهل اللهو في لهوهم.
وإنما يُصدّق بهذه الأمور من في قلبه حياة، وأما ميت القلب فيوحشك، فاستأنِسْ بغَيبته ما أمكنك، فإنه لا يوحشك إلا حضوره عندك، فإذا ابتليت به فأعطه ظاهرك، وترحّل عنه بقلبك وفارقه بسرّك، ولا تشتغل به عما هو أولى بك.
واعلم أن الحسرة كلَّ الحسرة الاشتغالُ بمن لا يُجدي عليك الاشتغال به إلا فوت نصيبك وحظّك من الله عز وجل، وانقطاعك عنه، وضياع وقتك عليك، وشتات قلبك عليك، وضعف عزيمتك، وتفرّق همك.
ألا وإن من أوسع أبواب الدخول للأنس بالله تعالى: سماعَ القرآن بيقين وتدبر وتلذذ.
وقد ذكر الإمامُ ابنُ القيم رحمه الله أنَّ للسماعِ أمرًا عجيبًا في راحة الروح، وقد يكون المسموع شديد التأثير في القلب ولا يشعر به القلب لاشتغاله بغيره، فإذا حصل له نوع تجرّد ورياضة ظهرت قوته، وكلّما تجرّدت الروح والقلب وانقطعتا عن علائق البدن كان حظهما من ذلك السماع أوفر، وتأثرهما به أقوى وتأمل برهان ذلك في الصيام والاعتكاف.
فإن كان المسموعُ معنىً شريفًا بصوت لذيذ؛ حصل للقلب حظُّه ونصيبه من إدراك المعنى، وابتهج به أتم ابتهاج على حسب إدراكه له، وللروحِ حظُّها ونصيبُها من لذة الصوت ونغمته وحسنه، فابتهجت به، فتتضاعفُ اللذة، ويتمُّ الابتهاج، ويحصل الارتياح، حتى ربما فاض على البدن والجوارح، وعلى الجليس.
وهذا لا يحصل على الكمال في هذا العالم إلا عند سماع كلام الله؛ فإذا تجردت الروح وكانت مستعدة، وباشر القلب روح المعنى، وأقبل بكليته على المسموع، فألقى السمع وهو شهيد، وساعده طيبُ صوت القارئ، كاد القلب يُفارق هذا العالم، ويلج عالمًا آخر، ويجد له لذة وحالة لا يعهدها في شيء غيره البتة، وذلك رقيقةٌ من حال أهل الجنة، فيا له من غذاء ما أصلحه وأنفعه!
وهل أعظمُ من الأنس بصحبة القرآن الكريم وهي الصحبة التي تدخلك باب الملك سبحانه، فعن أنس بن مالك ؓ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله أهلينَ من الناس» قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: «هم أهل القرآن أهل الله وخاصته» وعلى مقدار تحقيق مقومات أهل القرآن الكريم تلاوة وتدبرًا وتأدبًا وتعلمًا وتعليمًا وعملاً يكون مقدار دخول العبد في أهلية الله وخاصته.
قال مالك بن دينار: من لم يأنس بمحادثة الله عن محادثة المخلوقين، فقد قلّ عملُه وعمي قلبُه وضيّع عمره.
واعلم أن الأنس بالله تعالى ذخيرةُ المؤمن عند احتدام الصعاب عليه واعتراك المحن لديه، وتأمل سير الأنبياء والمرسلين والمصلحين، ومن تيكَ المحن الشديدةَ محنةُ شيخ الإسلام ابنِ تيمية رحمه الله تعالى حينما تحزّبَ أعداؤه عليه، من علماءِ السوء وأمراءِ السوء في مصر والشام حتى حبس السنين الطويلة ومات في سجنه وهو في أتمّ سرور وأبهجَ حبور!
 قال الغياني في محنته في مصر: فلما صلينا المغرب والوالي يريد إرساله لجهة هلاكٍ، بقيَ يدعو بدعاء الكرب، فأنزل الله عليه من النور والبهاء والحال شيئًا عظيمًا، وأشرتُ إلى المحبوسين لينظروا ذلك، كأن وجهَهُ شمعٌ يجلوه مثلُ العروس، حتى إذا راق الليلُ جاء نائبُ الوالي فقال: باسم الله. فبقوا يودّعونه ويبكون.. وركب على باب الحبس فقال له إنسان: يا سيدي هذا مقام الصبر. فقال: بل هذا مقام الحمد والشكر، والله إنه نازلٌ على قلبي من الفرح والسرور شيءٌ لو قُسِمَ على أهل الشامِ ومصرَ لفضُلَ منهم. ولو أن معي في هذا الموضع ذهبًا وأنفقتُه ما أدّيت عُشْرَ هذه النعمة التي أنا فيها!
 وقال ابنُ القيم رحمهما الله: سمعت شيخنا شيخَ الإسلام ابنَ تيمية قدّس الله روحَه ونوّر ضريحه يقول: إن في الدنيا جنةً من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
وقال لي مرة: ما يصنعُ أعدائي بي؟ أنا جنّتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان في حبسه في القلعة يقول: لو بذلتُ ملءَ هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة. أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ما شاء الله أي يكثرُ من الإلحاح على الله تعالى بهذا الدعاء الجامع.
وقال مرة: المحبوسُ من حُبس قلبه عن ربّه، والمأسورُ من أسره هواه. ولما دخل إلى القلعة، وصار داخل سورها نظر إليه وتلا: (فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب).
واعلم أنه لا يمنعُ الأنسُ بالله وحلاوةُ مناجاته من مخالطة الناس في الخير والإحسان، فأعظمُ الناس أُنسًا بالله تعالى هو نبينا محمد ﷺ، مع ذلك فلم يمنعه ذلك من مخالطة الناس واستصلاحهم والإحسان إليهم، بل قال: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم».
ومن وسائل تحقيقِ الأنسِ بالله تعالى: التوبةُ النصوح وإكثارُ الصالحات وتذكرُ الآخرة، فيا مشغولاً بتلفيق ماله عن تحقيق أعماله، مَنْ خَطَر ذكرُ الرحيل بباله قنع بالبُلَغِ ولم يُباله. لابد والله من العبور إلى منزل القبور، يَسفي عليك الصَّبا والدَّبور، وأنت تحت الأرض تبور، آهٍ من طول الثبور بعد طيب الحبور.
قال يحيى بنُ معاذ: إذا أحب القلب الخلوة، أوصله حبُّ الخلوة إلى الأنسِ بالله، ومن أَنِسَ بالله استوحش من غيره.
قلت: ولا شكَّ أن الخلوةَ والعزلة مما يُعين على السير الصحيح؛ لذلك شُرع الله للمؤمن عزلةٌ كلَّ ليلةِ يناجي فيها ربه في قيام الليل، بل وفي الصلوات الخمس حين ينعزل بروحه مناجيًا ربه في صلواته، ثم شَرع الله له في كل سنة عشرة أيام يعتكف فيها منعزلاً عن الخلائق متعلقًا بربه لَهِجًا بذكره مُلِظًا بدعائه، مُلِحًّا باستغاثته واسترحامه واستغفاره واستلطافه.
ولا يزال العبد في حاجة لمثل هذه حتى يُحصّلَ الأنسَ بربه تعالى فيزهد عما سواه. كما قال ابن القيم: إن في القلب وحشةٌ لا يذهبها إلا الأنسُ بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وفيه فاقة ــ وهي غاية الفقر ــ لا يُذهبها إلا صدقُ اللجوء إليه، ولو أُعطي الدنيا وما فيها لم تذهبْ تلك الفاقةُ أبدًا.
أما العزلة التامة عن الخلق فهي ليست من الإسلام في شيء إلا في أزمنةِ الفتن، وعند خوف المرء على دينه أو نفسه أو أهله، فرهبانيةُ الإسلام هي الجهاد في سبيل الله، فعن أبي سعيد الخدري ؓ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: أوصني، فقال: «أوصيك بتقوى الله فإنه رأسُ كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانيةُ الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن؛ فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض».
أما من انفرد عن الخلق بالكلية وانحاز إلى قُلَلِ الجبال وآثر التوحشَ عن الخلق لطلب الأنس بالله عز وجل دون سببٍ آخرَ مُلجئ فقد سلك هديًا ليس بهدي النبي ﷺ، بل هو هدي الرهبان الذين ابتدعوا الرهبانية في دين المسيح عليه السلام (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) وخيرُ الهديِ هديُ رسول الله ﷺ.
ومن سبلِ الأنسِ بالله تعالى الإحسانُ إلى الخلق، ولو لم يكن إلا ما يُجازى به المحسن من انشراح صدره، وانفساحِ قلبه، وسروره، ولذته بمعاملة ربه عز وجل، وطاعته، وذكره، ونعيم روحه بمحبته وذكره، وفرحه بربه سبحانه لكفاه فكيف والأمر أكبر من ذلك إذ هو سببٌ لتحصيلِ وَلاية الله تعالى ومحبته لعبده، (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان). وبالله وحده التوفيق ومنه المنّة وله الحمد وعليه كل الثناء. 
إبراهيم الدميجي
16/10/1437

الأحد، 17 يوليو 2016

(وبطل ماكانوا يعملون)

)وبطل ما كانوا يعملون(
بخصوص انقلاب تركيا الفاشل..
إن أول متهم في كل جريمة هو المستفيد الأكبر منها.
 ومن قرأ الكليات لم تستغرقه الجزئيات..

باختصار أقول: إن العالم الغربي على حافة الهاوية اقتصاديا.
 فقط هي المانيا ( من دولهم الكبار) لا زالت متعافية لكنها ضجرة مما حولها.
أما البقية فإنهم سيرون في نفق يضيق بهم مع كل سنة.
كذلك هم يعانون من بدايات التفكك سواء من أقاليم وعرقيات في نفس الدولة أو ابتعاد عن مظلات مشتركة من دول المبدأ الواحد!

إضافة لارتفاع أصوات وأعداد اليمين المتطرف لديهم وعكسه مما يهدد بالكسر القريب في جسدهم المتداعي.

أما المد الإسلامي في عقر دارهم فقد أخافهم جدا حتى صرحوا بتلك المخاوف وسعوا حقيقة لحسر أو إيقاف ذلك المد الهادر. (ولك أن تتصور بعض الأحداث الدرامية في فرنسا وبريطانيا التي لا تخلو من علامات استفهام سواء من جهة التنفيذ أو من جهة النتيجة )

لكن جارهم التركي الغني الرزين اللدود ليس كذلك. بل إن تركيا في صعود اقتصادي سريع والتئام نسبي بين مكونات الشعب بكافة أطيافهم ونحت المحورية للتكتل الإسلامي ثم السني.

تركيا بالنسبة للعالم النصراني الغربي (من موسكو حتى واشنطن) هي العدو الأول لأمور:

أولًا: التاريخ القريب المخيف للعثمانيين.. فعلى مدار تاريخ القارة العجوز لم يكتسحهم من خارج القارة أحد كما اكتسحهم العثمانيون، فأصبح التركي لديهم هو ذلك الغازي الذي لا يقهر.. ولا زال هذا يتردد في ذاكرتهم بحيث أصبح نمطية تتحكم في كثير من توجهاتهم.

ثانيا: لا خوف عليهم من تركيا العلمانية الطورانية، فهم قد سبروها وجربوها وعلموا انكفاءها الضعيف على ذاتها، لكنهم يخافون من تركيا الإسلامية السنية (بالمعنى العام).

"الإسلامية" أولًا ليقينهم بأن الصدام الذي لا يمكن أن يقبلون خسارته هو الصدام مع الإسلام بالأسلحة المعنوية حضارة وفكرا وسياسة وبالأسلحة المادية كذلك.. وهم يرون تركيا قد قطعت عليهم شوطًا لا بأس به في ذلك.
و"السنية" ثانيا لعلمهم بأن الطرف الشيعي مسالم لهم مقتسم معهم أطماعه وأطماعهم، ومن سبر التاريخ الماضي والحاضر وقرأ القوم بتصريحهم وتلميحهم عرف ذلك..

تركيا باختصار صداع نصفي لجماجم القيادات الغربية، فهم يرونها قد بدأت تشق طريقها عبر ثلاث محاور:

الأول: استغناؤها عنهم واستقلالها الحقيقي سياسيا واقتصاديا وعقدها لتحالفات خارج المنظومة وبصيغة ليست مألوفة لديهم.

الثاني: اتجاهها للبناء الداخلي على مختلف الأصعدة.

الثالثة: سعيها لأخذ زمام المبادرات الإسلامية عمومًا والسنية على وجه الخصوص، ومتى ما اكتمل التقارب التركي السعودي المصري فإن ميزان القوى لديهم سيتغير تمامًا.

بعد هذا فلا تعجب إن رأيت سعيهم المحموم الدؤوب لهدم ذلك الكيان بكل وسيلة.. فالصليبي والصهيوني والرافضي ومن تنفس هواهم هم أول المصفقين لذلك الانقلاب الخائب بحمد الله.
ولا يعني هذا الرضى عن أداء الحكومة الحالية لكنها بالمجمل ساعية نحو الإصلاح الممكن والله أعلم.
والله غالب على أمره..

إبراهيم الدميجي


الخميس، 14 يوليو 2016

الشوق إلى الله تعالى

الشوق إلى الله تعالى
الجنة دار المحبين، وأمنية المشتاقين، وموعد المؤمنين.
اشتاقت قلوب الصالحين إليها للقاء ربهم فيها، وقد وعدهم الكريم سبحانه: (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت) نعم آت فهل استعددت له؟ (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا).
الشوق هو تَوَقان النفس إلى الشيء، فكلما أحبّت تحصيلَه كلما ازداد شوقُها إليه. والشوق قد يكون لمتع الحس وقد يكون للروح، وقد يكون لهما معًا، وأعلى الشوق هو الشوقُ إلى لقاء الله تعالى. ومن دعاء النبي ﷺ: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلّة».
وكلما كان الشيء أحب، كانت اللذة بنيله أعظم، كما رُوي عن الحسن البصري أنه قال: لو علم العابدون بأنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت نفوسهم في الدنيا شوقًا إليه.
وقال ابن القيم رحمه الله: "ومن منازل: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ منزلة الشوق. قال الله تعال: (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت) وفي هذا تعزية للمشتاقين، وتسلية لهم، أي أنا أعلم أنّ من كان يرجو لقائي فهو مشتاق إلي، فقد أجَّلْتُ له أجلاً يكون عن قريب، فإنه آتٍ لا محالة، وكل آت قريب. وفيه لطيفة أخرى، وهي تعليل المشتاقين برجاء اللقاء.
لولا التعلُّلُ بالرجاء لقُطِّعَتْ ...  نفْسُ المحب صبابةً وتشوّقًا
ولقد يكاد يذوب منه قلبُهُ  ... مما يقاسي حسرةً وتحرُّقًا
حتى إذا رَوْحُ الرجاءِ أصابه ... سَكَنَ الحريقُ إذا تعلَّلَ باللقا
ولقد كان النبي ﷺ دائمَ الشوقِ إلى لقاء الله. والشوقُ أثر من آثار المحبة، وحكم من أحكامها، فإنه سَفَرُ القلب إلى المحبوب في كل حال.
وللشوق علامات، قال أبو عثمان: علامته حب الموت، مع الراحة والعافية، كحال يوسف لما أُلقي في الجُبّ لم يقل «توفني»، ولما أُدخل السجن لم يقل «توفني»، ولما تمَّ له الأمر والأمن والنعمة قال: «توفني مسلمًا».
والشوقُ إلى الله عز وجل لا ينافي الشوقَ إلى الجنة، فإن أطيب ما في الجنة قربُه تعالى، ورؤيتُه وسماع كلامه ورضاه.
وقد يقوى الشوق ويتجرد عن الصبر فيسمّى قلقًا، وقد يكره خلطة الخلق لما في ذلك من التنافر بين حاله وخلطتهم، وحدثني بعض أقارب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: كان في بداية أمره يخرج أحيانًا إلى الصحراء يخلو عن الناس، لقوّة ما يَرِدُ عليه، فتبعتُهُ يومًا فلما أصحر تنفّس الصعداء، ثم جعل يتمثل بقول الشاعر:
وأخرجُ من بين البيوت لعلَّني  ... أُحَدِّثُ عنك النفس بالسرِّ خاليًا
وصاحب هذا الحال إن لم يردّه الله سبحانه إلى الخلق بتثبيت وقوّة، وإلا فإنه لا صبر له على مخالطتهم، وربما التذّ بالموت لرجاء اللقاء بربه كما يلتذ المسافر بتذكر قدومه على أهله وأحبابه.
وليس عند القلوبِ السليمة والأرواحِ الطيبة والعقول الزاكية أحلى ولا ألذَّ ولا أطيبَ ولا أسرَّ ولا أنعم من محبّته والأنسِ به والشوقِ إلى لقائه.
والحلاوةُ التي يجدها المؤمن في قلبه بذلك فوق كل حلاوة، والنعيم الذي يحصل له بذلك أتمّ من كل نعيم، واللذة التي تناله أعلى من كل لذّة، كما أخبر بعضهم عن حاله بقوله: إنه ليمرّ بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا؛ إنهم لفي عيشٍ طيّب. وقال آخر: إنه ليمر بالقلب أوقات يهتز فيها طربًا بأنسه بالله وحبه له. وقال آخر: مساكين أهل الغفلة! خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها. وقال آخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه، لجالدونا عليه بالسيوف.
وَوَجْدُ هذه الأمور وذوقُها هو بحسب قوة المحبة وضعفها، وبحسَب إدراك جمال المحبوب والقرب منه، وكلما كانت المحبة أكمل وإدراك المحبوب أتمَّ، والقرب منه أوفرَ؛ كانت الحلاوة واللذة والسرور والنعيم أقوى.
فمن كان بالله سبحانه وأسمائه وصفاته أعرف، وفيه أرغب، وله أحب، وإليه أقرب، وجد من هذه الحلاوة في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه، ولا يُعرف بالذوق والوجد، ومتى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدّم عليه حبًّا لغيره، ولا أُنسًا به، وكلما ازداد حبًا؛ ازداد عبودية وذلاً وخضوعًا ورقًّا له، وحريّة عن رق غيره.
فالقلب لا يفلح ولا يصلح ولا يتنعم ولا يبتهج ولا يلتذ ولا يطمئن ولا يسكن، إلا بعبادة ربه، وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له جميعَ ما يلتذ به من المخلوقات، لم يطمئنَّ إليها، ولم يسكنْ إليها، بل لا تزيده إلا فاقةً وقلقًا، حتى يظفرَ بما خُلق له وهُيّئ له، من كون اللهِ وحدَه نهايةَ مراده، وغايةَ مطالبه، فإن فيه فقرًا ذاتيًا إلى ربه وإلهه من حيث هو معبودُه، ومحبوبه وإلهه ومطلوبه، كما أن فيه فقرًا ذاتيًا إليه من حيث هو ربُّه وخالقه ورازقه ومدبّره، وكلّما تمكّنت محبة الله من القلب وقويت فيه؛ خرج منه تألُّههُ لما سواه، وعبوديته له:
فأصبحَ حُرًّا عِزَّةً وصيانةً  ... على وجهه أنوارُه وضياءُهُ
وما من مؤمن إلا وفي قلبه محبةٌ لله تعالى وطمأنينة بذكره، وتنعّم بمعرفته، ولذة وسرور بذكره، وشوق إلى لقائه، وأنسٌ بقربه، وإن لم يُحسّ به، لاشتغال قلبه بغيره، وانصرافِه إلى ما هو مشغولٌ به، فوجودُ الشيء غيرُ الإحساسِ والشعورِ به، وقوة ذلك وضعفه وزيادته ونقصه، هو بحسب قوة الإيمان وضعفه، وزيادته ونقصانه.
والعبد في حال معصيته واشتغاله عنه بشهوته، تكون تلك اللذة والحلاوة الإيمانية مستترةً عنه متواريةً، أو ناقصة، أو ذاهبة، فإنها لو كانت موجودةً كاملة لما قدّم عليها لذّة وشهوة، لا نسبة بينها وبينها بوجهٍ ما، بل هي أدنى من حبةِ خردل بالنسبة إلى الدنيا وما فيها. ولهذا قال النبي ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» لهذا تجد العبدَ إذا كان مخلصًا لله منيبًا مطمئنًا بذكره مشتاقًا إلى لقائه؛ قلبه منصرفًا عن هذه المحرمات، لا يلتفت إليها، ولا يعوّل عليها.
وقيل: الشوقُ أعلى الدرجات وأعلى المقامات، فإذا بلغها الإنسان استبطأ الموتَ، شوقًا إلى ربه، ورجاءً للقائه والنظرِ إليه".
وقال عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلَها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل..﴾: "هذه حالةُ المُنفقين أهلُ النفقات الكثيرة والقليلة كلّ على حسب حاله، وكل يُنمَّى له ما أنفق أتم تنمية وأكملها، والمُنَمّي لها هو الذي أرحم بك من نفسك، الذي يريد مصلحتك حيث لا تريدها.
 فيالِله لو قدّر وجودُ بستان في هذه الدار بهذه الصفة لأسرعت إليه الهمم، وتزاحم عليه كل أحد، ولحصل الاقتتال عنده، مع انقضاء هذه الدار وفنائها وكثرة آفاتها وشدة نصبها وعنائها، وهذا الثواب الذي ذكره الله كأن المؤمنَ ينظرُ إليه بعين بصيرة الإيمان، دائمٌ مستمر، فيه أنواع المسرات والفرحات، ومع هذا تجد النفوسَ عنه راقدة، والعزائم عن طلبه خامدة، أترى ذلك زهدًا في الآخرة ونعيمِها، أم ضعفَ إيمان بوعد الله ورجاء ثوابه؟!
وإلا فلو تيقّن العبد ذلك حق اليقين، وباشر الإيمانُ به بشاشةَ قلبه؛ لانبعثت من قلبه مزعجات الشوق إليه، وتوجهت هِمَمُ عزائمه إليه، وطوعت نفسه له بكثرة النفقات رجاء المثوبات ولهذا قال تعالى: (والله بما تعملون بصير﴾ فيعلمُ عملَ كلِّ عامل، ومصدَرَ ذلك العمل، فيجازيه عليه أتمّ الجزاء".
ومن نفيس كلام ابن الجوزي رحمه الله: "انتبه لنفسك يا من كلما تحرّك تعرقل، فيك جوهرية السباق، ولكن تحتاج إلى رائض، قلبُك محبوسٌ في سجن طبعك، مقيّد بقيود جهلك، فإن ترنَّمَ حادٍ تنفَّسَ مشتاقٌ إلى الوطن، فالبس لَأمَةَ عزمك، وسر بجند جدك، لعلك تُخلِّصُ هذا المسلمَ من أيدي الفراعنة!
لك الحديثُ يا معرضُ، أنت المراد يا غافل، يا مُسْتلذًّا بَرْدَ العيش تذكّر حُرْقة الفرقة، يا من يُسْلِمُهُ موكَلان إلى موكَلين؛ ما لانبساطك وجهٌ، إنما تُملي عليهما رسالةً إلى ربك، وما أراكَ تمَلُّ قُبْحَ ما تُملي!
أين الذي نصبوا الآخرة بين أعينهم فَنَصَبوا، وندَبوا أنفسهم لمحو السيئات ونَدَبوا.
كان ثابت البُناني يستوحش لفقد التعبُّد بعد موته فيقول: يا رب إن كنتَ أذنت لأحدٍ أن يُصلي في قبره فائذَنْ لي. وكان يزيد الرَّقاشي يقول في بكائه: يا يزيدُ من يبكي بعدك عنك؟ من يترضّى ربَّك لك؟
لما علم المحبّون أن الموت يقطع التعبدات كرهوه لتدوم العبادة.
كانوا يحبّون أماكن الذكر ومواطن الخلوة، والمؤمن أَلُوفٌ للمعاهد".
إن أعظمَ مشوّق لله والدار الآخرة هو تدبرُ القرآنِ العظيم؛ ففيه وصفُ الجليلِ الجميل سبحانه، وذكرُ آلائه ونِعَمِه وآياته، وهو الـمَعينُ الثرُّ لزيادة الإيمان واستقرار اليقين وانشراح الصدر وسعادة القلب وهناء الحياة والممات، ومن داوم على قراءته وتدبره وتفهّمه والعمل به فلا تسل عن سعادته وفلاحه في الدنيا والآخرة. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به.
والشوق للقاء الله عز وجل مِنّة من الله تعالى يمنحها الأبرار من عباده، فحسن الظن الراسخ لا يكون إلا بعلم بالله قرنه عمل صالح قدمه بين يديه قربانًا إليه.
وكان من آخر الدعوات التي لهج بهن والدي رحمه الله وهو على فراش موته: اللهم قد اشتقت للقائك – يرددها عشية الجمعة -.
وتأمل تشويق الحبيب صلوات الله وسلامه عليه للجنة دار السلام، واحْدُ بقلبك إليها لعلك أن تكون من الفائزين بها غدًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة مئةُ درجة أعدّها للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، ومنه تفجّر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن» رواه البخاري.
 وله عن أبي سعيد ؓ أن النبي ﷺ قال: «إن أهل الجنة يتراءون أهل الغُرَفِ فوقهم كما تتراءون الكوكبَ الدُّرِّيَّ الغابر في الأُفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم» قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغُها غيرهم! قال: «بلى، والذي نفسي بيده، رجالٌ آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين».
وعن أبي مالك الأشعري ؓ أن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة غُرَفًا يُرَى ظاهرُها من باطنها، وباطنُها من ظاهرها، أعدّها الله لمن أطعم الطعام وأدام الصيام وصلّى بالليل والناس نيام»، أخرجه الطبراني وأحمد.
 وعن أبي موسى ؓ أن النبي ﷺ قال: «إن للمؤمن في الجنة لخيمةً من لؤلؤة واحدة مجوّفة، طولها في السماء ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم فلا يَرى بعضُهم بعضًا» متفق عليه.
 وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ؓ أن النبي ﷺ قال: «أول زُمْرَةٍ تدخلُ الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءةً، ثم هم بعد ذلك منازلُ، لا يتغوطون، ولا يبولون، ولا يمتخطون، ولا يبصقون، أمشاطُهم الذهب، ومجامِرُهم الأُلوَّة، ورشْحُهُم المسك، أخلاقُهم على خلق رجل واحد، على طول أبيهم آدم؛ ستون ذراعًا»، وفي رواية: «لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبّحون الله بكرة وعشيًّا» وفي رواية: «وأزواجهم الحور العين».
وعن أنسٍ ؓ أن النبي ﷺ قال: «لقاب قوسِ أحدِكم أو موضع قدمٍ في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء الجنة اطّلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحًا، ولنصيفُها (يعني الخمار) خيرٌ من الدنيا وما فيها» رواه البخاري.
 وعن أنس ؓ أن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة لسُوقًا يأتونها كل جمعة، فتهبُّ ريح الشَّمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنًا وجمالاً» رواه مسلم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ؓ أن النبي ﷺ قال: «قال الله عز وجل: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأتْ ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرءوا إن شئتم: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون).
وعن صهيب ؓ أن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى منادٍ: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقّل موازيننا، ويبيّض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويزحزحنا من النار؟ قال: فيكشفُ الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، ولا لأقرَّ لأعينهم منه» رواه مسلم.
وله من حديث أبي سعيد الخدري ؓ أن الله يقول لأهل الجنة: «أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا».
اللهم ارزقنا الخلد في جنانك، وأحِلَّ علينا فيها رضوانك، وارزقنا لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك، من غير ضراءَ مضرَّة، ولا فتنة مضلة..آمين إله الحق. اللهم صل وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه.
إبراهيم الدميجي
10|10|1437