إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الاثنين، 3 يناير 2022

الرِّضا بالله ربًّا وإلهًا

 

الرِّضا بالله ربًّا وإلهًا

 

الحمد لله، وبعد؛ فللإيمان بالله خُلِقنا، ولأجل تحقيق عبادته أُوجِدْنا، ومعيار الفوز والخسار يوم الدين على وفق ذلك، (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). والرضا بالله متأكد أكثر من الرضا عن الله؛ لأنه مُصحِّحُ الإيمان ولا يصدر إلا من مؤمن، فقد يرضى الكافر بالقضاء، ولكن لا يرضى بالله إلا مؤمن موحد، ومن رضي بالله لزم أن يرضى عن الله، فاستحقّ أن يرضى عنه الله.

وإنّ للإيمان حلاوة وطلاوة ونعيمًا ولذة لا تشبه سواها من لذائذ العقل ومشتهيات الجسد ومتع الروح، يجدها من ذاقها، فنهل وعبّ من بحر الرضا بالله وبدينه وبرسوله صلى الله عليه وسلم.

وإنّ رضا العبد بربّه موصل لرضا ربه عنه سبحانه، فمن رضي بالله ربًّا أذاقه الله تعالى إيمانًا يجد حلاوته في قلبه. قال رسول صلى الله عليه وسلم: "ذَاقَ طَعمَ الْإِيمَانِ مَن رَضِيَ بِالله رَبًّا، وَبِالإِسلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا". (1) قال ابن القيم رحمه الله: "فالرضا بإلهيته: يتضمن الرضا بمحبته وحده وخوفه ورجائه والإنابة إليه والتبتل إليه وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه فعل الراضي بمحبوبه كل الرضا، وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له.

والرضا بربوبيته: يتضمن الرضا بتدبيره لعبده، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه والاستعانة به والثقة به والاعتماد عليه، وأن يكون راضيًا بكل ما يفعل به. فالأول: يتضمن رضاه بما يُؤمر به، والثاني: يتضمن رضاه بما يُقدِّر عليه.

 وأما الرضا بنبيّه رسولًا: فيتضمن كمال الانقياد له والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه، فلا يتلقّى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يحاكِمُ إلا إليه، ولا يُحَكِّمُ عليه غيرَه، ولا يرضى بحكم غيره البتة، لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله، ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته، ولا في شيء من أحكام ظاهره وباطنه. لا يرضى في ذلك بحكم غيره، ولا يرضى إلا بحكمه، فإن عجز عنه كان تحكيمه غيره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقيته إلا من الميتة والدم، وأحسن أحواله أن يكون من باب التراب الذي إنما يتيمم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور.

 وأما الرضا بدينه: فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهى: رضي كل الرضا ولم يبق في قلبه حرج من حكمه وسلّم له تسليمًا، ولو كان مخالفًا لمراد نفسه أو هواها أو قول مقلّده وشيخه وطائفته.

 وههنا يوحشك الناس كلهم إلا الغرباء في العالم، فإيّاك أن تستوحش من الاغتراب والتفرّد، فإنّه والله عينُ العزّة والصحبة مع الله ورسوله وروح الأنس به والرضا به ربًّا وبمحمد رسولًا وبالإسلام دينًا.

 بل الصادق كلّما وجد مسّ الاغتراب وذاق حلاوته وتنسّم روحه قال: اللهم زدني اغترابًا ووحشة من العالم وأنسًا بك. وكلّما ذاق حلاوة هذا الاغتراب وهذا التفرّد؛ رأى الوحشةَ عينَ الأنسِ بالناس، والذلَّ عين العزّ بهم، والجهلَ عين الوقوف مع آرائهم وزبالة أذهانهم، والانقطاع عين التقيد برسومهم وأوضاعهم.

 فلم يؤثر بنصيبه من الله أحدًا من الخلق، ولم يبع حظه من الله بموافقتهم فيما لا يجدي عليه إلا الحرمان، وغايته: مودة بينهم في الحياة الدنيا، فإذا انقطعت الأسباب وحقّت الحقائق وبُعثر ما في القبور وحصّل ما في الصدور وبليت السرائر ولم يجد من دون مولاه الحق من قوة ولا ناصر؛ تبيّن له حينئذ مواقع الربح والخسران، وما الذي يخف أو يرجح به الميزان، والله المستعان وعليه التكلان.

والرّضا بالله ربًّا: أن لا يتّخذ ربًّا غير الله تعالى يسكن إلى تدبيره وينزل به حوائجه، قال الله تعالى: (قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء) الأنعام : 164 قال ابن عباس رضى الله عنهما: "سيدًا وإلهًا". يعني فكيف أطلب ربًّا غيره وهو ربّ كل شيء. وقال في أول السورة: (قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السموات والأرض) الأنعام : 14 يعني معبودًا وناصرًا ومعينًا وملجأً، وهو من الموالاة التي تتضمن الحب والطاعة. وقال في وسطها: (أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا) الأنعام : 114 أي أفَغيرَ الله أبتغي من يحكم بيني وبينكم فنتحاكم إليه فيما اختلفنا فيه وهذا كتابه سيد الحُكّام، فكيف نتحاكم إلى غير كتابه وقد أنزله مفصلًا مبيّنًا كافيًا شافيًا؟!

 وأنت إذا تأملت هذه الآيات الثلاث حقّ التأمل؛ رأيتها هي نفس الرضا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا، ورأيت الحديث يترجم عنها ومشتق منها، فكثير من الناس يرضى بالله ربًّا ولا يبغي ربًّا سواه لكنه لا يرضى به وحده وليًّا وناصرًا، بل يوالي مِن دونه أولياء ظنًّا منه أنهم يقرّبونه إلى الله، وأنّ موالاتهم كموالاة خواص الملك، وهذا عين الشرك! بل التوحيد ألا يتخذ من دونه أولياء.

 والقرآن مملوء من وصف المشركين بأنهم اتخذوا من دونه أولياء. وهذا غير موالاة أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين فيه، فإنّ هذا من تمام الإيمان، ومن تمام موالاته. فموالاة أوليائه لونٌ واتخاذ الوليّ من دونه لون. ومن لم يفهم الفرقان بينهما فليطلب التوحيد من أساسه، فإنّ هذه المسألة أصل التوحيد وأساسه.

 وكثير من الناس يبتغي غيره حكمًا يتحاكم إليه ويخاصم إليه ويرضى بحكمه، وهذه المقامات الثلاث هي أركان التوحيد: ألا يتخذ سواه ربًّا ولا إلهًا ولا غيره حكمًا.

 وتفسير الرضا بالله ربًّا: أن يسخط عبادة ما دونه. (2) هذا هو الرضا بالله إلهًا، وهو من تمام الرضا بالله ربًّا، فمن أعطى الرضا به ربًّا حَقُّه سُخْطُ عبادةَ ما دونه قطعًا؛ لأن الرضا بتجريد ربوبيته يستلزم تجريد عبادته، كما أن العلم بتوحيد الربوبية يستلزم العلم بتوحيد الإلهية.

ولا بدّ أن يكون الله عز وجل أحبَّ شيء إلى العبد. وهذه تُعرف بثلاثة أشياء:

 أحدها: أن تسبق محبته إلى القلب كل محبة، فتتقدم محبته المحابَّ كلها.

 الثاني: أن تقهر محبته كل محبة فتكون محبته إلى القلب سابقة قاهرة، ومحبة غيره متخلفة مقهورة مغلوبة منطوية في محبته.

 الثالث: أن تكون محبة غيره تابعة لمحبته، فيكون هو المحبوب بالذات والقصد الأول، وغيره محبوبًا تبعًا لحبه، كما يطاع تبعًا لطاعته، فهو في الحقيقة المطاع المحبوب. وهذه الثلاثة في كونه أولى الأشياء بالتعظيم والطاعة أيضًا.

 فالحاصل: أن يكون الله وحده المحبوب المُعظَّم المطاع، فمن لم يحبه ولم يطعه ولم يعظمه فهو متكبر عليه. ومتى أحبّ معه سواه وعظم معه سواه وأطاع معه سواه فهو مشرك، ومتى أفرده وحده بالحب والتعظيم والطاعة فهو عبد موحد.

والرضا بالله آكدُ من الرضا عن الله؛ فإن الرضا بالقضاء يصحّ من المؤمن والكافر، وغايته التسليم لقضاء الله وقدره، فأين هذا من الرضا به ربًّا وإلهًا ومعبودًا؟!

 وأيضًا فالرضا به ربًّا فرض، بل هو من آكد الفروض باتفاق الأمة، فمن لم يرض به ربًّا لم يصح له إسلام ولا عمل ولا حال، وأما الرضا بقضائه فأكثر الناس على أنه مستحب وليس بواجب، وقيل: بل هو واجب، وهما قولان في مذهب أحمد.

 فالفرق بين الدرجتين فرقُ ما بين الفرض والندب، وفي الحديث الإلهي (3) الصحيح: "يقول الله عز وجل: "ما تقرّبَ إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه". (4) فدل على أن التقرب إليه سبحانه بأداء فرائضه أفضل وأعلى من التقرب إليه بالنوافل.

 وأيضًا فإن الرضا به ربًّا يتضمن الرضا عنه ويستلزمه، فإن الرضا بربوبيته هو رضا العبد بما يأمره به وينهاه عنه ويقسمه له ويقدّره عليه ويعطيه إياه ويمنعه منه، فمتى لم يرض بذلك كله لم يكن قد رضي به ربًّا من جميع الوجوه وإن كان راضيًا به ربًّا من بعضها، فالرضا به ربًّا من كل وجه يستلزم الرضا عنه ويتضمّنه بلا ريب.

 وأيضًا فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم علّق ذوق طعم الإيمان بمن رضي بالله ربًّا، ولم يعلقه بمن رضي عنه، كما قال: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولًا".(5) فجعل الرضا به قرين الرضا بدينه ونبيّه، وهذه الثلاثة هي أصول الإسلام التي لا يقوم إلا بها وعليها.

 وأيضًا فالرضا به ربًّا يتضمّن توحيده وعبادته والإنابة إليه والتوكل عليه وخوفه ورجاءه ومحبته والصبر له وبه، والشكر على نعمه يتضمّن رؤيةَ كلّ ما منه نعمة وإحسانًا وإن ساء عبده، فالرضا به يتضمن شهادة أن لا إله إلا الله والرضا بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولًا يتضمّن شهادة أن محمدًا رسول الله، والرضا بالإسلام دينًا يتضمن التزام عبوديته وطاعته وطاعة رسوله، فجمعت هذه الثلاثة الدين كله.

 وأيضًا فالرضا به ربًّا يتضمّن اتخاذه معبودًا دون ما سواه واتخاذه وليًّا ومعبودًا وإبطال عبادة كل ما سواه، وقد قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: (أفغير الله أبتغي حكما) وقال: (أغير الله اتخذ وليا) وقال: (قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء) فهذا هو عين الرضا به ربًّا.

 وأيضًا فإنه جعل حقيقة الرضا به ربًّا أن يسخط عبادة ما دونه، فمتى سخط العبد عبادة ما سوى الله من الآلهة الباطلة حبًّا وخوفًا ورجاء وتعظيمًا وإجلالًا فقد تحقق بالرضا به ربًّا الذي هو قطب رحى الإسلام.

 وإنما كان قطب رحى الدين لأن جميع العقائد والأعمال والأحوال إنّما تُبني على توحيد الله عز وجل في العبادة وسخط عبادة ما سواه، فمن لم يكن له هذا القطب لم يكن له رحى تدور عليه، ومن حصل له هذا القطب ثبتت له الرحى ودارت على ذلك القطب، فيخرج حينئذ من دائرة الشرك إلى دائرة الإسلام، فتدور رحى إسلامه وإيمانه على قطبها الثابت اللازم.

 وأيضًا فإنه جعل حصول هذه الدرجة من الرضا موقوفًا على كون المرضيِّ به ربًّا سبحانه أحبّ إلى العبد من كل شيء وأَولى الأشياء بالتعظيم وأحق الأشياء بالطاعة، ومعلوم أن هذا يجمع قواعد العبودية وينتظم فروعها وشعبها.

 ولما كانت المحبة التامة ميل القلب بكليته إلى المحبوب؛ كان ذلك الميل حاملًا على طاعته وتعظيمه، وكلما كان الميل أقوى كانت الطاعة أتمّ والتعظيم أوفر، وهذا الميل يلازم الإيمان، بل هو روح الإيمان ولُبُّه، فأيّ شيء يكون أعلى من أمر يتضمن أن يكون الله سبحانه أحب الأشياء إلى العبد وأولى الأشياء بالتعظيم وأحق الأشياء بالطاعة.

 وبهذا يجد العبد حلاوة الإيمان كما في الصحيح عنه أنه قال: "ثلاثٌ من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان؛ أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار". (6) فعلّق ذوق الإيمان بالرضا بالله ربًّا، وعلّق وجود حلاوته بما هو موقوف عليه ولا يتمّ إلا به، وهو كونه سبحانه أحبّ الأشياء إلى العبد هو ورسوله صلى الله عليه وسلم.

 ولما كان هذا الحبّ التام والإخلاص الذي هو ثمرته أعلى من مجرد الرضا بربوبيته سبحانه؛ كانت ثمرته أعلى وهي وجد حلاوة الإيمان، وثمرة الرضا ذوق طعم الإيمان، فهذا وجد حلاوة، وذلك ذوق طعم، والله المستعان.

 وإنما ترتب هذا وهذا على الرضا به وحده ربًّا والبراءة من عبودية ما سواه وميل القلب بكليته إليه وانجذاب قوى المحب كلها إليه، ورضاه عن ربه تابع لهذا الرضا به، فمن رضي بالله ربًّا رضيه الله له عبدًا، ومن رضي عنه في عطائه ومنعه وبلائه وعافيته لم ينل بذلك درجة رضا الرب عنه إن لم يرض به ربًّا وبنبيّه رسولًا وبالإسلام دينًا، فإن العبد قد يرضى عن الله ربه فيما أعطاه وفيما منعه، ولكن لا يرضى به وحده معبودًا وإلهًا، ولهذا إنّما ضمن رضا العبد يوم القيامة لمن رضيَ به ربًّا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قالَ إذا أصبَحَ وإِذَا أمسى: رَضِينَا باللهِ رَبًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمُحَمَّدٍ رسولا، كانَ حَقًّا على اللهِ أنْ يُرْضِيَهُ يومَ القِيَامَةِ». (7)

وقال الله تعالى: (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم) وقال تعالى في آخر سورة المجادلة: (ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضى الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) وقال في آخر سورة لم يكن: (خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه).

 فتضمّنت هذه الآيات جزاءهم على صدقهم وإيمانهم وأعمالهم الصالحة ومجاهدة أعدائه وعدم ولايتهم؛ بأن رضي الله عنهم فأرضاهم فرضوا عنه، وإنما حصل لهم هذا بعد الرضا به ربًّا وبمحمد نبيًّا وبالإسلام دينًا". (8)

ومن أراد الغنى فليرض عن قسمة ربّه له مهما تصرّفت به الأحوال، وكم من عاقبة حميدة اجتلبها بلاء شاقّ، وإنّ العبد إذا اتّخذ اللهَ ربًّا له ومعبودًا لا شريك له؛ فإنّ ربّه يشكره ويغنيه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يأخذ عنّي هؤلاء الكلمات، فيعمل بهن، أو يُعلّم من يعمل بهن». فقال أبو هريرة: فقلت: أنا يا رسول الله. فأخذ بيدي فعدّ خمسًا، وقال: «اتق المحارم تكن أعبدَ الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحبَّ للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب». (9)

وإنّ الرضا بالله ربًّا يقتضي التسليم لأمره، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين (10) وكان ظئرًا (11) لإبراهيم عليه السلام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبّله وشمّه. ثم دخلنا عليه بعد ذلك- وإبراهيم يجود بنفسه- فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان. فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله. فقال: «يا ابن عوف إنّها رحمة». ثم أتبعها بأخرى. فقال صلى الله عليه وسلم: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون». (12)

وليس الذي يجري من العين ماؤُها  ...   ولكنّها روحٌ تذوب فتقطرُ

والرضا بالله تعالى حقيقته تسليمُ مطمئنٍّ له ساكن إليه واثق به مستسلم له فرح به مهما تصرّفت أحواله، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "القلب الصحيح: هو الذي همُّه كله في الله، وحبُّه كله له، وقصده له، وبدنه له، وأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابِّه، والخلوة به اَثرُ عنده من الخلطة؛ إلا حيث تكون الخلطة أحبَّ إليه وأرضى له، قُرّةُ عينه به، وطمأنينته وسكونه إليه، فهو كما وجد من نفسه التفاتًا إلى غيره تلا عليها: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر ٢٧، ٢٨]، فهو يُردِّد عليها الخطاب بذلك ليسمعه من ربه يوم لقائه؛ فينصبغ القلب بين يدي إلهه ومعبوده الحق بصبغة العبودية، فتصير العبودية صفة وذوقًا لا تكلّفًا، فيأتي بها تودُّدًا وتحببًا وتقربًا، كما يأتي المحب المتيَّم في محبة محبوبه بخدمته وقضاء أشغاله.

فكلما عَرَضَ له أمر من ربه أو نهْي أحسَّ من قلبه ناطقًا ينطق: لبيْكَ وسَعْديْك، إني سامع مطيع ممتثل، ولك عليّ المِنّة في ذلك، والحمد فيه عائد إليك.

وإذا أصابه قَدَر وجد من قلبه ناطقًا يقول: أنا عبدك ومسكينك وفقيرك، وأنا عبدك الفقير العاجز الضعيف المسكين، وأنت ربي العزيز الرحيم، لا صبر لي إن لم تُصبِّرني، ولا قوة لي إن لم تحَمِلنْي وتُقَوِّني، لا ملجأ لي منك إلا إليك، ولا مستعان لي إلا بك، ولا انصرافَ لي عن بابك، ولا مذهب لي عنك.

فينطرح بمجموعه بين يديه، ويعتمد بكلِّيَّته عليه، فإن أصابه بما يكره قال: رحمة أُهدِيَتْ إليّ، ودواء نافع من طبيب مشفق، وإن صُرِفَ عنه ما يحب قال: شرٌّ صُرف عني:

وكَمْ رُمْتُ أمْرًا خِرْتَ ليِ في انصِرافِهِ … وما زِلتَ بي مِنِّي أبَرَّ وأرْحَما

فكل ما مسّه به من السراء والضراء اهتدى بها طريقًا إليه، وانفتح له منه باب يدخل منه عليه، كما قيل:

ما مَسّنِي قدَرٌ بِكُرْهٍ أوْ رِضًا … إلّا اهْتَدَيْتُ بِهِ إليكَ طَرِيقا

أمْضِ القَضاءَ على الرِّضا مِنِّي بِهِ … إنِّي وجَدْتُكَ في البَلاءِ رَفِيقا

فلله هاتيك القلوبُ وما انطوت عليه من الضمائر، وماذا أُودِعَتْهُ من الكنوز والذخائر! ولله طِيبُ أسرارها، ولا سيما يوم تُبْلىَ السرائر!

سَيَبْدُو لهًا طِيبٌ ونُورٌ وبَهْجَةٌ … وحُسْنُ ثَناءٍ يَوْمَ تُبْلىَ السَّرائرُ

تالله لقد رُفع لها عَلَمٌ عظيم فشمَّرتْ إليه، واستبان لها صراط مستقيم فاستقامت عليه، ودعاها ما دون مطلوبها الأعلى؛ فلم تستجب له، واختارته على ما سواه وآثرت ما لديه". (13)

وإن من تمام الرضا تمام التسليم وحسن التعبّد، وثمرة العلم العمل، والعلم بالله يقرب البعيد ويزهد في الدنيا ويوصل إلى الله، قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: "قال أحمد بن حنبل: "وهل يراد بالعلم إلا ما وصل إليه معروف؟".

تأملت حالًا عجيبة، وهي أن الله سبحانه وتعالى قد بنى هذه الأجسام متقنة على قانون الحكمة. فدل بذلك المصنوع على كمال قدرته، ولطيف حكمته. ثم عاد فنقضها فتحيّرت العقول بعد إذعانها له بالحكمة، في سرّ ذلك الفعل. فأُعلمت أنها ستُعاد للمعاد، وأن هذه البنية لم تُخلق إلا لتجوز في مجاز المعرفة، وتتّجِر في موسم المعاملة، فسكنت العقول لذلك.

ثم رأت أشياء من هذا الجنس أظرف منه، مثل اخترام شاب ما بلغ بعض المقصود بنيانه. وأعجب من ذلك أخذ طفل من أكف أبويه يتململان. ولا يظهر سرُّ سلْبِه، والله الغني عن أخذه، وهما أشد الخلق فقرًا إلى بقائه. وأظرف منه إبقاء هَرِمٍ لا يدري معنى البقاء، وليس له فيه إلا مجرد أذى. ومن هذا الجنس تقتير الرزق على المؤمن الحكيم، وتوسعته على الكافر الأحمق. وفي نظائر لهذه المذكورات يتحيّر العقل في تعليلها، فيبقى مبهوتًا! (14)

فلم أزل أتلمّح جُملة التكاليف، فإذا عجزت قُوى العقل عن الاطّلاع على حكمة ذلك وقد ثبت لها حكمة الفاعل، علمَتْ قصورها عن درك جميع المطلوب، فأذعنت مقرّة بالعجز. وبذلك تؤدّي مفروض تكليفها.

ثمّ هتف بي هاتف من باطني: دعني من شرح الصبر على الأقدار، فإني قد اكتفيت بأنموذج ما شرحْتَ، وصِفْ حال الرضا، فإني أجد نسيمًا من ذكره فيه روح للروح.

فقلت: أيها الهاتف اسمع الجواب، وافهم الصواب. إن الرضا من جملة ثمرات المعرفة، فإذا عرفته رضيت بقضائه، وقد يجري في ضمن القضاء مرارات يجد بعض طعمها الراضي. أما العارف فتقلّ عنده المرارات لقوّة حلاوة المعرفة. فإذا ترقّى بالمعرفة إلى المحبة، صارت مرارة الأقدار حلاوة، كما قال القائل:

عذابُهُ فيك عَذْبٌ ... وبُعْدُهُ فيك قربٌ

وأنتَ عندي كروحي ... بل أنتَ منها أَحبُّ

حسبي من الحب أنِّي ... لما تُحبُّ أحِبُّ

وقال بعض المحبين في هذا المعنى:

ويقبحُ مِن سواكَ الفعلُ عندي ... فتفعله فيحسنُ منكَ ذاكَ

فصاح بي الهاتف: حدثني بماذا أرضى؟ هب أني أرضى في أقداره بالمرض والفقر، أفأرضى بالكسل عن عبادته، والبعد عن أهل محبته؟ فبيّن لي ما الذي يدخل تحت الرضا مما لا يدخل.

فقلت له: نِعْمَ ما سألت، فاسمع الفرق سماع من ألقى السمع وهو شهيد: ارضَ بما كان منه، فأما الكسل والتخلّف فذاك منسوب إليك، فلا ترض به من فعلك. وكن مستوفيًا حقّه عليك، مناقشًا نفسك فيما يقرّبك منه، غير راض منها بالتواني في المجاهدة.

فأما ما يصدر من أقضيته المجردة التي لا كسب لك فيها؛ فكن راضيًا بها، كما قالت رابعة رحمة الله عليها (15) وقد ذكر عندها رجل من العُبّاد يلتقط من مزبلة فيأكل، فقيل: هلّا سأل الله تعالى أن يجعل رزقه من غير هذا؟ فقالت: "إن الراضي لا يتخيّر". ومن ذاق طعم المعرفة؛ وجد فيه طعم المحبة، فوقع الرضا عنده ضرورة.

فينبغي الاجتهاد في طلب المعرفة بالأدلة، ثم العمل بمقتضى المعرفة بالجد في العبادة، لعل ذلك يورث المحبة. فقد قال سبحانه وتعالى: "وما تقرّب إلى عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أُحبّه، فإذا أحببته؛ كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به". (16) فذلك الغنى الأكبر.. ووافقراه!". (17)

ولشيخنا الشيخ محمد المختار الشنقيطي وصايا نافعة في الرضا عن الله تعالى عند نزول المصائب، قال حفظه الله تعالى: "الوصية الأولى: الرضا عن الله.

أول وصية أوصيك بها إذا فُجعت في نفسك أو أهلك وولدك أن ترضى عن الله، فوالله ما رضي عبد عن الله إلا أرضاه الله، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّ عِظَم الجزاء مع عظم البلاء، وإنّ الله تعالى إذا أحبّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السَّخط". (18) فمن رضي عن الله أرضاه الله في دنياه وأخراه.

كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، يوصيه ويذكر له تلك الوصية النافعة؛ فاستفتح كتابه رضي الله عنه بقوله: "أما بعد: فاعلم أن الخير كله في الرضا عن الله"، إن الخير كله أن ترضى عن الله.

اعلم أخي في الله! أنه إذا أصابك البلاء فرضيت عن الله أرضاك الله في الدنيا والآخرة، وأقرّ الله عينك وأثلج صدرك، فكم من مصيبة عادت نعمة على العبد إذا رضي عن الله تبارك وتعالى، وكم من بلايا رضي أصحابها فزادتهم من الله قربًا ومن الله رضًا وحبًّا.

أول وصية: أن ترضى عن الله تبارك وتعالى، ولهذا الرضا دلائل: أولها: طيب الكلام، وحسن الظن بالله تبارك وتعالى، ومن ثمّ قال العلماء: "إن العبد إذا رضي عن الله وهبه اليقين في مصيبته"، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } [التغابن:11] قال رضي الله عنه: "يهدي قلبه: أن يهبه اليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه". فإذا كان الإنسان راضيًا عن الله تبارك وتعالى، وعنده الإيمان واليقين الذي ربّى النبي صلى الله عليه وسلم عليه أصحابه، ثبّت الله جنانه، ولذلك كان بعض السلف إذا أصيب بالمصيبة أظهر الرضا لله.

قام أحدهم بين أناس فجالت يده فقطعت فضحك، قالوا: سبحان الله! تصاب في يدك فتضحك، قال: "إني ذكرت ثوابي عند الله عز وجل فضحكت". وسار الفضيل رضي الله عنه في جنازة ابنه، فلما سار معهم تبسّم رحمه الله، قالوا: لم تبسمت رحمك الله؟! قال: احتسبت مصيبتي عند الله، فذكرت ما لي عند الله فسلوت وضحكت. (19)

فكلما كان اليقين في قلب العبد وجدته أثبت جنانًا، وأشرح لله عز وجل صدرًا، والله ما رضي عبد عن الله إلا جعل له من كل همٍ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا.

الوصية الثانية: العلم بأنه لا يدفع البلاء إلا الله. فإذا حصل الرضا فإن بعد الرضا أمرٌ مهم لا بد من وجوده؛ وهو علمك بأنه لا يدفع البلاء إلا الله، وأنه لا يدفع هذا العناء الذي تجده إلا الله.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه؛ فأوصى البراء بن عازب رضي الله عنه إذا أوى إلى فراشه أن يقول: "إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجّهت وجهي إليك، وفوّضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيّك الذي أرسلت. فإنك إن متّ من ليلتك متّ على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيرًا".  (20) أول ما يحسّ الإنسان بالبلاء إذا أراد أن يفرج الله كربه وهمه، أن يحسّ من أعماق قلبه أنه لا ينجيه أحد من هذا البلاء إلا الله عز وجل.

الوصية الثالثة: تذكّر جزاء الضارعين إلى الله عند البلاء.

قال بعض العلماء: ما أصاب الكرب والخطب عبدًا فضرع إلى الله تبارك وتعالى إلّا أعطاه تفريج الكرب، ومع تفريج الكرب زيادة فضلٍ من الله؛ ولذلك تجد بعض الناس يُفجع بأهله ويفجع بولده، فيعوّضه الله حلاوة إيمانٍ تبقى معه إلى لقاء الله عز وجل.

أصيب رجل بولده، وكان ذلك الرجل من أفجر خلق الله والعياذ بالله، تاركًا للصلاة منتهكًا للحدود والمحارم، أقسى ما يكون قلبًا والعياذ بالله، فشاء الله يومًا من الأيام بعد صلاة العشاء، جاءه ابنه يضحك ويسلو، وشاء الله تبارك وتعالى أن يودّعه ذلك الابن فتكون آخر عهده بذلك الابن، فخرج الابن وما هي إلا لحظات حتى جاءه الخبر بأن ذلك الابن انتقل إلى جوار الله.

وهذه حال الدنيا، تتمتع بالنظر إلى الابن في الصباح فإذا بك تفجع به في المساء، وتتمتع بالنظر إلى الأب في المساء فإذا بك تفجع به مع بزوغ الصباح، وسبحان من هذا ملكه! وسبحان من هذا أمره! فلما فجع بذلك الابن طاش عنه عقله وعزب عنه رشده، فشاء الله تبارك وتعالى أن يقيّض له طالب علم موفق، فذكّره بالله بالكلمة تلو الكلمة حتى شرح الله صدره، وآنس الله قلبه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم شاء الله تبارك وتعالى أن يخشع يومًا فيومًا، حتى سمعتُه ذات يوم يقول: والله إني أصبت بابني وإنها نعمة من الله عليَّ إذ ابتلاني بذلك الابن، عرفت الله وكنت له منكرًا، واقتربت من الله وكنت منه بعيدًا، وآويت إلى الله وكنت منه طريدًا، في كلام هذا معناه، مصيبةٌ قربتني من الله تبارك وتعالى.

فالله منه العوض، ما رجاه أحد فخاب، ولا أيقن عبد بربه فخسف الله به الأرض من تحت قدمه أبدًا. ولذلك قال بعض العلماء: "إذا أراد الله أن يجمع للعبد بين المصيبتين؛ ابتلاه وسلبه اليقين فيه" والعياذ بالله، إذا ابتلى الله العبد ولم يلتجئ إلى الله بعد البلاء فاعلم أنه والعياذ بالله مُستدرَج، ولذلك البلاء كل البلاء على الكافر الذي إذا أصابته المصيبة لا يدري أين يذهب، ولا يدري أين يتجه، ولكن المؤمن له باب يقرعه ورب لا يخيب من يرجوه. فلذلك أحبتي؛ كان من لوازم البلاء اليقين في الله عز وجل.

 أصيب بعض السلف بمصيبة وعظمت عليه هذه المصيبة وكانت آفةً في جسده، وما زال يعرض نفسه على الناس رجلًا بعد رجل حتى يأس من علاج هذا الداء، وقنط أن يشفى من ذلك البلاء، فدخل يومًا من الأيام فإذا رجل يتلو كتاب الله فسمعه يتلو قول الله عز وجل: { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ } [النمل:62] فقال: اللهم إني مضطر وأنت مجيب، فما قام من ساعته إلا وهو معافى!

 إذا دخل اليقين إلى قلب العبد لا يمكن أن يبرح وحاجته في قلبه، بل إن بعض الناس يمسي المساء وحاجته تضايقه، وكربته تؤلمه فيتضرع إلى الله بالدعوة الصادقة حتى يعز على الله أن يصبح وحاجته في قلبه فيفرج عليه قبل أن يصبح؛ وهذا من عظيم لطف الله بالعباد.

الوصية الرابعة: حسن الظن بالله أهمّ باعث لليقين بالله.

ومن الأمور التي تبعث باليقين (21) حسن الظن بالله تبارك وتعالى، والله ما أحسن عبد ظنه بربه إلا كان الله عند حسن ظنه، إذا أصابتك المصيبة فأحسن الظن بالله، وقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار، من قالها فقد أوجب الرضا من الله تبارك وتعالى، ولذلك أَحرصُ ما يكون الشيطانُ في بداية المصيبة أن يسيء ظنك بالله عز وجل، ولذلك إذا جاءت المصيبة في النفس، أو جاءت في المال، أو جاءت في الولد، جاءك الشيطان فقال لك: لو كان الله يحبك ما ابتلاك! ولو كان الله يحبك ما أصابك بابنك فلذة كبدك! ولو كان الله يحبك ما أفقدك مالك على كبر سنك! ولو كان الله ولو كان الله.. فهو أحرص ما يكون على أن تكون على سوء ظن بالله عز وجل.

فالله الله! أن يسوء ظنك بالله عز وجل، بل قل: الحمد الله، وليكن قلبك مطمئنًا بالفرج من الله تبارك وتعالى، فمن اتقى الله جعل له من كل همٍّ فرجًا ومن كل ضيقٍ مخرجًا.

أخي! المُلْك لمن؟ والكون لمن؟ والتدبير لمن؟ من الذي يجير ولا يجار عليه؟ ومن الذي يغيث ولا مغيث سواه؟ والله لو علم المكروب سعة رحمة الله عز وجل ما تألّم من كربه، ولو أيقن المكروب بحلم الله به لا يمكن أن يصيبه بلاء في نفسه، وأضرب لك مثلًا يسيرًا: لو أنك يومًا من الأيام سئلت عن أرحم الناس بك وأحلمهم عليك؟! لقلت: أبي وأمي، ولكان في قلبك يقين أن لا أرحم في الناس من أبيك وأمك، والله ثم والله لرحمة والديك بك لا تأتي مثقال ذرة في رحمة الله عز وجل بك، ولَلُطف الله عز وجل وحنانه وحلمه ورحمته وأنت تقاسي الآلام وتكابد الأسقام، أشدّ من رحمة والديك بك، ولكن يريد أن يرفع درجتك، ويحط عنك خطيئتك، ويريد أن تخرج من هذه الدنيا وأنت صفر اليدين من السيئات والخطايا، حتى إذا وافيته وافيته بوجه أبيض مشرقٍ من تلك البلايا، وإنَّ من عباد الله من هو والله حبيب لله، لا يبتليه الله عز وجل إلا لكي يدنو منه، يبتليه لكي يسمع صوته: يا رب! يا رب! إلهي سيدي مولاي، يسمع إخباته وإنابته، فتكون أصدق شاهدٍ على توحيده لله تبارك وتعالى.

الوصية الخامسة: تفكّر في سرّ ابتلاء الله تعالى لعباده.

هذه البلايا وهذه الفتن والرزايا بسطت لك لكي تكون سلّمًا إلى رحمة الله عز وجل، شعرت أو لم تشعر، وكان بعض السلف إذا نزلت به المصيبة ووهبه الله اليقين عليها والصبر عليها تسلّى بالدعاء، حتى أُثر عن بعضهم أنه كان يكثر الدعاء ويلحّ في المسألة حتى يقول: يا ليت أن الله لا يفرج عني كربي حتى تستديم هذه الحلاوة لمناجاته ومناداته.

فإذا دخل اليقين إلى القلوب هانت عليها البلايا والخطوب، إذا دخل اليقين إلى الأفئدة تعلقت بالله وحده لا شريك له، ما ابتلاك الله لكي تفزع إلى زيد وعمرو لا والله، وما ابتلاك بالأسقام حتى تتعلق بغيره سبحانه وتعالى، فوالله لو صُبّت البلايا على العبد لا يمكن أن يجد الفرج والمخرج إلا بالله سبحانه وتعالى، فلذلك يكون الإنسان على يقين بالله تعالى، فلا ملجأ ولا منجى من الله تبارك وتعالى إلا إليه.

وقع أحد الناس في ضائقة واشتدت عليه هذه الضائقة، كان مبتلى بمسّ، وكان هذا المس يقلقه ويزعجه ويؤلمه واشتد عليه ذلك الخطب، وفي يوم من الأيام جاء إلى أحد طلاب العلم واشتكى إليه مما يجده، وقال: والله يا شيخ قد عظم علي البلاء وإني أصبحت مضطرًا أفلا يجوز لي أن أذهب إلى إنسان يفكّ عني هذا البلاءَ الذي أجدُه؟! ألا تُرخّص لي في ساحرٍ أو كاهنٍ يعلم ما أصابني فيكشف عني ما أصابني؟! يقول ذلك وهو في حرقة وألم وشدة وشجن لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، فوفّق الله طالب العلم فقال له كلمات ثبّتَ الله بها جَنان ذلك المؤمن، وقال له كلمات شرح بها صدر ذلك العبد المبتلى فقال له في آخر الكلام: إني لأرجو من الله عز وجل إن استعنت بأمرين أن يفرج عنك الكرب والبلاء: أحدهما الصبر والثاني الصلاة.

يقول الرجل -وهو أيضًا من طلاب العلم-: فقمت من عنده بيقين قوي في الله عز وجل فصليت ركعتين أحسست أني مكروب، وأنه قد أحاطت بي الخطوب، فاستعذت بالله واستجرت، وإذا بي في سجودي أحس بحرارة شديدة في قدمي ما إن سلمت إلا وكأنه لم يك بي من بأس.

أحبتي في الله! هل الساحر يغيثك من دون الله؟! هل الكاهن يجيرك من دون الله؟! الأمر أمره، والقدر قدره، خطّ عليك هذا البلاء قبل أن تكون وقبل أن توجد { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ } [القمر:49-50].

كتب الله البلايا قبل أن يخلق العباد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أوّل ما خلق الله القلم قال: اكتب! قال: يا رب! ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن وما يكون إلى قيام الساعة، فجرى القلم بما هو كائن وما يكون إلى قيام الساعة". (22) ولذلك ركب عبد الله بن عباس مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يهديه هدية، وأن يمنحه تلك العطية فقال عليه الصلاة والسلام: "يا غلام؛ ألا أعلمك كلمات؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجَاهَك، إذا استعنت فاستعن بالله، وإذا سألت فاسأل الله، واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف". (23)

فمَن هذا الساحر ومن هذا الكاهن الذي يستطيع أن يتخطى أمر الله عز وجل؟ ومن هذا العبد الذي يستطيع أن يقضي الوطر لنفسه قبل أن يقضيه لغيره من خلق الله عز وجل؟ فاللهَ الله! أن ينظر الله عز وجل عليك في البلاء، وقد رفعت كفك إلى غير الله.

الله الله! أن ينظر الله إليك في البلاء وقد تعلقت بغيره جل في علاه.

الله الله! أن ينظر الله إليك في البلاء وقد صرفت شعبةً من شعب قلبك تعتقد فيها في أحدٍ سواه.

الله الله! أن ينظر الله إليك في البلاء وقد تعلّقت بغيره وعُذت بأحد سواه. وكم من أقوام استعاذوا واستجاروا بغير الله ففرّج الله عنهم الكربات امتحانًا واختبارًا، واستدرجهم منه علمًا وحكمةً واقتدارًا، ثم ابتلاهم بالبلاء الذي هو نهايتهم من حيث لا يحتسبون!

ذكروا عن رجل أنه كان يقرِّبُ ساحرًا، وكان يثق بهذا الساحر ثقةً عمياء، وكان هذا الساحر بزعم ذلك المبتلى يفرّج همه، وينفّس كربه، واللهُ يستدرجه اليومَ تلو اليوم، حتى قوي اعتقاد ذلك الرجل في ذلك الساحر -والعياذ بالله- وقوي اعتقاده في ذلك الكاهن من دون الله -نسأل الله السلامة والعافية- فشاء الله عز وجل لمّا عظُم يقينُ هذا العبد أن يسلّط عليه الساحر فيؤذيه والعياذ بالله بسحره.

فلذلك -أحبتي في الله!- من وثق بالله، وأيقن بالله تبارك وتعالى، أحسّ في قرارة قلبه أن لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، إن فقدت الأموال فإنك لم تفقد ربَّها، وإن فقدت الأبناء والبنات فإنك لم تفقد من أوجدها ومن خلقها، وإن فقدت الآباء والأمهات، فإنك لم تفقد من جَبَل قلوبهم إلى الحنان فأحسنوا إليك ووهبوا يد المعروف إليك.

فالله الله! أن يَخِيب ظنُّك في رجائه، أو تكون من عباده الذين ضلّ سعيهم بالرجاء في غيره". (24)

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

.....................................

1.    رواه مسلم (34)، والترمذي (2623)

2.    دونه: أي غيره وسواه.

3.    يسمّى حديث إلهي وقدسي وربَّاني لإضافته إلى الله تبارك وتعالى.

4.    البخاري 8/131 ( 6502 ) وهو حديث الولي المشهور، وللحافظ ابن رجب فيه رسالة لطيفة.

5.    مسلم (34)، والترمذي (2623)

6.    البخاري 1/10 ( 16 ) ومسلم 1/48 ( 43 ) ( 67 )

7.    أحمد (18967) (4/337) من حديث أنس، وفيه سابق بن ناجية لم يوثقه غير ابن حبان. وقال محققو المسند: صحيح لغيره. وجود سنده النووي في الأذكار، وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد (11102) وهو حديث صحيح.

8.    مدارج السالكين (2 / 172-242) مختصرًا.

9.    أحمد في المسند (2/ 310)، والترمذي (2305) واللفظ له وحسنه الألباني. وقال محقق جامع الأصول (11/ 687): حديث حسن.

10.                    القين: الحداد.

11.                    الظئر: المرضعة ولد غيرها واللفظ له. وزوجها ظئر لذلك الرضيع.

12.                    البخاري، الفتح 3 (1303) واللفظ له، ومسلم (2315)

13.                    إغاثة اللهفان (١/‏١٢٢)

14.                    وتأمل قول الله تعالى في الحض على الرضا بالمعاش والرزق والحظ: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما)، فقرة العيون وشفاء المحزون في الرضا بقضاء الحكيم العليم البر الرحيم.

15.                    أم عمرو رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية، الزاهدة، العابدة، الخاشعة. ولاؤها للعتكيين. ولها سيرة في جزء لابن الجوزي.

قال خالد بن خداش: سمعَت رابعة صالحًا المرّي يذكر الدنيا في قصصه، فنادته: "يا صالح، من أحب شيئًا أكثر من ذكره". وعن حماد، قال: دخلت أنا وسلام بن أبي مطيع على رابعة، فأخذ سلام في ذكر الدنيا، فقالت: "إنما يذكر شيء هو شيء، أما شيء ليس بشيء فلا". ومن كلامها: "اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم". وعن جعفر بن سليمان قال: سمعت رابعة تقول لسفيان الثوري: "إنما أنت أيام معدودة، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل وأنت تعلم، فاعمل". وعن عبدة بنت أبي شوال، وكانت تخدم رابعة العدوية، قالت: كانت رابعة تصلي الليل كله، فإذا طلع الفجر، هجعت هجعة حتى يسفر الفجر، فكنت أسمعها تقول: "يا نفس كم تنامين، وإلى كم تقومين، يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا ليوم النشور".

وقد اشتهرت بالصلاح والزهد والعبادة ونطق الحكمة على لسانها. كما نقل عنها شطحات لا توافق عليها، وقد لا تصح نسبتها إليها. قال أبو سعيد بن الأعرابي: أما رابعة، فقد حمل الناس عنها حكمة كثيرة، وحكى عنها سفيان وشعبة وغيرهما ما يدل على بطلان ما قيل عنها. قيل: عاشت ثمانين سنة. وتوفيت سنة ثمانين ومئة. وانظر: (سير أعلام النبلاء (8 / 243) وفيات الأعيان (٣ / ٢١٥)، شذرات الذهب (١ / ١٩٣)

وقال ابن مهرويه:  دخلت على عبد الرحمن بن أبي حاتم، وهو يقرأ على الناس كتاب "الجرح والتعديل" فحدثته بقول يحيى بن معين: إنا لنطعن على أقوام، لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة من أكثر من مئة سنة. فبكى، وارتعدت يداه، حتى سقط الكتاب، وجعل يبكي، ويستعيدني الحكاية. وقال الذهبي معلقًا: أصابه على طريق الوجل وخوف العاقبة، وإلا فكلام الناقد الورع في الضعفاء من النصح لدين الله، والذب عن السنة. سير أعلام النبلاء (١٣/‏٢٦٨).

16.                    البخاري 8/131(6502)

17.                    صيد الخاطر (1 / 12، 30) بتصرف يسير.

18.                    البخاري 7/109 ( 5470 ) ، ومسلم 6/174 ( 2144 ) ( 23 )

19.                    وعلق على ذلك شيخ الإسلام بما مؤداه: أن حال النبي صلى الله عليه وسلم حينما دمعت عيناه عند موت ابن ابنته بالكمال، لأن قلبه اتّسع للرضا عن الله تعالى مع الرحمة والإشفاق على الصبي.

20.                    البخاري 1/71 ( 247 ) و9/174 ( 7488 ) ، ومسلم 8/78 (2710 ) ( 57 ) و( 58 ) وفي رواية في الصحيحين: "واجعلهنّ آخرَ ما تقول". قال النووي:  "في الحديث ثلاث سنن مهمة مستحبة، ليست بواجبة: الوضوء عند إرادة النوم، والنوم على الشق الأيمن، وذكر الله تعالى؛ ليكون خاتمة عمله". شرح صحيح مسلم 9/31 ( 2710 )

21.                    ولليقين كتاب سابق مستقل.

22.                    أبو داود (4700) وصححه الألباني.

23.                    الترمذي ( 2516 )  وصححه الألباني. ومعنى "رفعت الأقلام وجفّت الصحف": أي فُرغ من الأمر وجفّت كتابته، كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها والفراغ منها من أمد بعيد. ذكره في دليل الفالحين (1/288)

24.                    دروس للشيخ محمد المختار الشنقيطي (49 / 4،9) باختصار وتصرف يسير.

 

العزمُ على الرِّضا لا يستلزم الرِّضا

 

العزمُ على الرِّضا لا يستلزم الرِّضا

 

الحمد لله، وبعد؛ فزمن العزم متقدم على زمن الرضا، فالعزم سابق ماضٍ والرضا آنٍ حاضر، لذا  فقد يعزم الإنسان على أمر من الأمور كالرضا أو غيره فيعرض له عارضُ عجزٍ أو ملال أو تغيّر قناعة أو نسيان أو استغناء أو طروء أمر جدَّ له فتنفسخ عزيمته وتبرد إرادته خاصة مع طول المدى وامتداد الزمن، لذلك كان القليل الدائم خير من الكثير المنقطع، والثبات والاستمرارية على العمل الصالح محض توفيق الرب الرحيم سبحانه، فأنت تريد والله يفعل ما يريد.

فقد يعزم المرء على الرضا حتى إذا نزلت به النازلة عجز عن احتمال ورودها فخارت عزيمته ونقض ما كان أبرمه من عزمه على الرضا، والله المستعان. قال ابن تيمية رحمه الله: " الرضا والتوكل يكتنفان المقدور، فالتوكل قبل وقوعه والرضاء بعد وقوعه، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الصلاة: "اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق؛ أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك بَرْدَ العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، من غير ضراء مضرّة، ولا فتنة مضلة، اللهم زيّنّا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين".  (1)

وأما ما يكون قبل القضاء فهو عزم على الرضا لا حقيقة الرضا، ولهذا كان طائفة من المشايخ يعزمون على الرضا قبل وقوع البلاء، فإذا وقع انفسخت عزائمهم، كما يقع نحو ذلك في الصبر وغيره، كما قال تعالى: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) نزلت هذه الآية لمّا قالوا: "لو علمنا أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه"، فأنزل الله آية الجهاد، فكرهه من كرهه.

 ولهذا كُره للمرء أن يتعرّض للبلاء بأن يوجب على نفسه مالا يوجبه الشارع عليه بالعهد والنذر ونحو ذلك، أو يطلب ولاية، أو يقدم على بلد فيه طاعون، كما ثبت في الصحيحين من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: "نهى عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل".(2) وثبت عنه في الصحيحين أنه قال لعبد الرحمن بن سمرة: "لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأت الذي هو خير وكفّر عن يمينك". (3) وثبت عنه في الصحيحين أنه قال في الطاعون: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها".  (4) وثبت في الصحيحين أنه قال: "لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، ولكن إذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف". (5) وأمثال ذلك مما يقتضي أن الإنسان لا ينبغي له أن يسعى فيما يوجب عليه أشياء فيبخل بالوفاء، كما يفعل كثير ممن يعاهد الله عهودًا على أمور، وغالب هؤلاء يُبتلون بنقض العهود. وينبغي أن الإنسان إذا ابتُلي فعليه أن يصبر ويثبت، ولا يكلّ، حتى يكون من الرجال المُوفين القائمين بالواجبات". (6) "وما أكثر انفساخ العزائم، خصوصًا عزائم الصوفية، ولهذا قيل لبعضهم: بماذا عرفت ربك؟ قال: بفسخ العزائم ونقض الهمم". (7)

ومن حسنت نيته وعظمت همته وصدق حاله فإن الله لا يخيبه في إراداته وعزائمه، ولكن خبث المعدن وسوء الطوية وضَعَة الهمة أسباب لرفع المعونة الربانية عنه. والله المستعان.

مَن ظَنَّ بِاللَهِ خَيرًا جادَ مُبتَدِئًا  ...   وَالبُخلُ مِن سوءِ ظَنِّ المَرءِ بِاللَهِ

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

.................................................

1.    أحمد (18351) والنسائي (1305) وصححه الألباني في الكلم الطيب (106)

2.    البخاري (8/176) مسلم (5/77 و 78)

3.    البخاري 9/79 ( 7146 ) ، ومسلم 5/86 ( 1652 ) ( 19 )

4.    البخاري 4/212 (3473) ومسلم 7/26 (2218) (92) قال العثيمين رحمه الله: "قال بعض أهل العلم: إنه نوع خاص من الوباء، وإنه عبارة عن تقرحات في البدن تصيب الإنسان وتجري جريان السيل حتى تقضي عليه، وقيل: إن الطاعون وخزٌ في البطن يصيب الإنسان فيموت، وقيل: إن الطاعون اسم لكل وباء عام ينتشر بسرعة، كالكوليرا وغيرها، وهذا أقرب". شرح رياض الصالحين (4/355)

5.    تمامه: ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم". رواه البخاري 4/62 ( 2966 ) ومسلم 5/143 ( 1742 ) قال العثيمين: "في الحديث: ألا يتمنى الإنسان لقاء العدو، وهذا غير تمنّي الشهادة، تمني الشهادة جائز بل قد يكون مأمورًا به. وفيه أن يسأل الله العافية والسلامة، وإذا لقيت العدو فاصبر، وينبغي لأمير الجيش أن يرفق بهم ويختار الوقت المناسب من الناحية اليومية والفصلية، وفيه الدعاء على الأعداء بالهزيمة". شرح رياض الصالحين (1/131)

6.    أمراض القلوب (1 / 53-54) مجموع الفتاوى (10/  37-39)

7.    مجموع الفتاوى (10 / 689)

 

 

هل كلُّ القضاء خيرٌ للمؤمن؟

 

هل كلُّ القضاء خيرٌ للمؤمن؟

 

الحمد لله، وبعد؛ فأقضية الله تعالى كلها حكمة، وكلها خير من جهة الله تعالى، والله لا يخلق شرًّا محضًا (1)، أما من جهة العبد فكلها خير إلا ما كان معصيةً لله تعالى إلا إن أفضت في ثاني الحال لمصالح في دينه كالتوبة والإنابة والانكسار والاستغفار وكسر العجب وإكثار الحسنات الماحية ونحو ذلك (2)، وقد وصل الحال ببعضهم إلى دهاليز جهلٍ وضلال لا تخطر على بال موحّد، ومن ذلك ما ذكره ابن القيم رحمه الله فقال واصفًا بعض أحوالهم الشنيعة، التي تنبو عنها فطر المؤمنين، وتستقذرها نفوس الشرفاء الحنفاء: "صعد رجل يومًا على سطح دار له فأشرف على غلام له يفجر بجاريته، فنزل وأخذهما ليعاقبهما، فقال الغلام: إن القضاء والقدر لم يدعانا حتى فعلنا ذلك! فقال: لَعلمُك بالقضاء والقدر أحبّ إلي من كل شيء، أنت حر لوجه الله!

 ورأى آخر يفجر بامرأته؛ فبادر ليأخذه فهرب، فأقبل يضرب المرأة وهي تقول: القضاء والقدر! فقال: يا عدوة الله؛ أتزنين، وتعتذرين بمثل هذا؟ فقالت: أوَ تركت السنة وأخذت بمذهب ابن عباس؟! فتنبّه ورمى بالسوط من يده، واعتذر إليها وقال: لولاك لضللت! ورأى آخر رجلًا آخر يفجر بامرأته، فقال: ما هذا؟ فقالت: هذا قضاء الله وقدره. فقال: الخيرة فيما قضى الله!

وجرى عند بعض هؤلاء ذكر إبليس وإبائه وامتناعه من السجود لآدم، فأخذ الجماعة يلعنونه ويذمونه، فقال: إلى متى هذا اللوم، ولو خلّي لسجد، ولكن مُنع. وأخذ يقيم عذره. فقال بعض الحاضرين: تبًّا لك سائر اليوم؛ أتذب عن الشيطان وتلوم الرحمن؟! قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تائيته:

ويُدعى خصوم اللهِ يوم معادهم ... إلى النار طُرًّا معشر القدريةِ

سواء نفوه، أو سعوا ليخاصموا ... به الله، أو مارَوا به للشريعةِ

 وسمعته يقول: القدرية المذمومون في السنة على لسان السلف هم هؤلاء الفرق الثلاث: نفاته، وهم القدرية المجوسية، والمعارضون به للشريعة، الذين قالوا: (لو شاء الله ما أشركنا)، وهم القدرية المشركية، والمخاصمون به الرب سبحانه، وهم أعداء الله وخصومه، وهم القدرية الإبليسية، وشيخهم إبليس، وهو أول من احتج على الله بالقدر، فقال: (بما أغويتني)، ولم يعترف بالذنب ويبوء به كما اعترف به آدم. فمن أقر بالذنب وباء به ونزّه ربه فقد أشبه أباه آدم، ومن أشبه أباه فما ظلم، ومن برّأ نفسه واحتج على ربه بالقدر فقد أشبه إبليس" (3).

فالمعصية في ذاتها شرٌّ، ولكن قد يترتب على ارتكابها حسنات أكبر منها، وتأمل حال أبينا آدم عليه السلام فقد كان حاله بعد التوبة من الخطيئة أفضل من حاله قبل الخطيئة وذلك لأن حسنة التوبة وما بعدها قد رجحت على الخطيئة. وكما قال الحسن رحمه الله: "إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار، وإن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة؛ وذلك أنه يعمل الحسنة فتكون نصب عينه ويعجب بها، ويعمل السيئة فتكون نصب عينه فيستغفر الله ويتوب إليه منها".

وعلى ذلك؛ فقضاء الله لعبده كله خير من جهة الله تعالى، وكلها خير من جهة أقضيته الشرعية، وكله خير من جهة أقضيته الكونية القدرية إن أفضى بالعبد إلى خير، أما إن أفضى لشر؛ فشرّه من ذات العبد لا من جهة فعل ربه، لأنه الله تعالى إنما قطع عنه مدد توفيقه ووكله إلى نفسه الظالمة الجاهلة. والله تعالى محمودًا في كل أقضيته وأقداره، فهي من جهته تبارك وتعالى خير موافق لحِكمه سبحانه، والشر ليس إلى الله تعالى. أما من جهة العبد؛ فالعاقبة الحسنة هي ميزان الخيرية له. بيان ذلك: أن قضاء الله تعالى قسمين:

 الأول: قضاء شرعيّ أمْرِيّ، وهي الأوامر والنواهي التي جاءت بها الشريعة ونطق بها الوحي؛ فهذا خير كله، وأمره واضح.

الثاني: قضاء كونيّ قدريّ، وهي ما تسمى بالأقدار، حسنة كانت أو غير ذلك، فالعبرة في خيريتها ليست في ملذوذ النفوس ومستراح الأرواح منها، بل العبرة بحقيقتها في ذاتها -أوّلًا - من حيث أنها محبوبة لله تعالى، ومن أمثلتها: طاعات العبد لربه، فهي جارية على القدر وموافقة للشرع؛ فهذا خير محض، فهي نعمة في حقيقتها.

ثم العبرة -ثانيًا - بما أفضت إليه وآلت، فقد يبارك الله تعالى في النعمة فيثبتّها لعبده ويزيدها له ويتقبلها منه فتكون نعمة مفضية إلى نعمة أخرى؛ فهذا خير محض أيضًا. أما إن أفضت لعُجب أو كبر أو تعاظم أو تألٍّ على الله تعالى أو رؤية العمل أو الإزراء بالناس، أو لحقها محبط من محبطات الأعمال، أو كانت عاقبتها ومآلها مكروهة لله تعالى، فهذه ليست بخير غائيّ، أي ليست بخير من جهة غايتها وعاقبتها. هذا في جانب الأقضية المسمّاة بالنعم الدينية.

أما النعم الدنيوية: كالمال أو المنصب أو القوة في الجسد أو برِّ الولد به أو التوفيق لزوجٍ صالحٍ ومسكن واسع ومركب هنيءٍ ونحو ذلك؛ فهذه لا يحكم بخيريتها في ذاتها – وإن كانت نعمة من الله تستحق الشكر له ويستحق عليها الحمد – وإنما يحكم بخيرتها بحسب ما آلت إليه؛ فإن أفضت إلى شكر وأعانت على طاعة فهي خير، أما إن آلت لطغيان ومعصية وركون للدنيا ونسيان الآخرة واستغناءٍ عن المغني سبحانه؛ فهي ليست بخير في عاقبتها.

وكذلك الحال في مصائب الدين والدنيا، فإن أفضت مصيبة الدين – كعجز عن القيام بالعبادة كالصيام أو صلاة الجماعة أو تلاوة القرآن ونحو ذلك – إلى طاعة كزيادة في العبادة أو إحسان لما استطاع منها أو عوّض نقصها بذكر ودعاء وانكسار لله وافتقار وتعلق ونحو ذلك فهي خير، أما إن أفضت لجزع وتسخّط أو قنوط أو فتور عن الذكر والعبادة ونحو ذلك فهي ليست كذلك – من جهة العبد لا جهة الرب-.

وإن أفضت مصيبة الدنيا؛ كموت حبيب أو جائحة في المال أو مرض في البدن أو ظلم من الناس له ونحو ذلك؛ فإن أفضت لخير كصبر وتسليم وتفويض وتوكل ورضًا وشكر وحمد ومزيد عبادة وذكر وإنابة وتوبة فهي خير، والله تعالى يقول: { وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون }.

قَد يُنعِمُ اللهُ بِالبَلوَى وَإن عَظُمَتْ ... وَيَبتَلِى اللهُ بعضَ القَومِ بالنِّعَمِ

أما إن أفضت المصيبة لجزع وتسخّط وتلوّم وترك عبادة ونحو هذا من أمور يكرهها الله تعالى فهي ليست كذلك -كما سبق.

وبالجملة؛ فأمر المؤمن كله خير، لأن باستطاعته توجيه أموره كلها لأن تكون خيرًا له، وذلك بتوجيهها على ضوء الشرع ونور الوحي وطاعة الحي القيوم تبارك وتعالى والدوران بها مع أمر الله، فهنا نقول: إن أمره كله خير -بلا مثنوية- لأنها تفضي به لساحل إرضاء المولى عز وجل الذي كل أسمائه وصفاته وأفعاله خير.

واختيار الله تعالى لعبده خير من اختيار العبد لنفسه الظالمة الجاهلة. والنعمُ والمصائب كلاهما خير للمؤمن؛ فعن أبي يحيى صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سرّاءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له". (4) وأكثر النعم مستورة بخِمَارِ جهلنا بها، حتى إذا فقدناها رأيناها، كما قال الكاساني رحمه الله: "النِّعَمُ مَجهُولة، فإذا فُقِدَتْ عُرِفَتْ".

قال ابن تيمية رحمه الله: "أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن كل قضاء يقضيه الله للمؤمن الذي يصبر على البلاء ويشكر على السراء فهو خير له. قال تعالى: { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور }، وذكرهما في أربعة مواضع من كتابه. فأما من لا يصبر على البلاء ولا يشكر على الرخاء فلا يلزم أن يكون القضاء خيرًا له. ولهذا أجيب من أورد هذا على ما يُقضَى على المؤمن من المعاصي بجوابين:

أحدهما: أن هذا إنما يتناول ما أصاب العبد، لا ما فعله العبد، كما في قوله تعالى: { ما أصابك من حسنة فمن الله } أي من سراء { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } أي من ضراء. وكقوله تعالى: { وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون } أي بالسراء والضراء، كما قال تعالى: { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } وقال تعالى: { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها } فالحسنات والسيئات يراد بها المسارّ والمضارّ، ويراد بها الطاعات والمعاصي.

 والجواب الثاني: أن هذا في حق المؤمن الصبّار الشكور. والذنوب تنقص الإيمان، فإذا تاب العبد أحبه الله، وقد ترتفع درجته بالتوبة. قال بعض السلف: كان داود بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة (5). فمن قُضي له بالتوبة كان كما قال سعيد بن جبير (6): إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار، وإن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة؛ وذلك أنه يعمل الحسنة فتكون نصب عينه ويعجب بها، ويعمل السيئة فتكون نصب عينه فيستغفر الله ويتوب إليه منها.

 وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الأعمال بالخواتيم" (7). والمؤمن إذا فعل سيئة فإن عقوبتها تندفع عنه بعشرة أسباب:

 أن يتوب فيتوب الله عليه، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. أو يستغفر فيغفر له، أو يعمل حسنات تمحوها، فإنّ الحسنات يذهبن السيئات. أو يدعو له إخوانه المؤمنون ويستغفرون له حيًّا وميتًا. أو يهدون له من ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به، أو يشفع فيه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (8). أو يبتليه الله تعالى في الدنيا بمصائب تكفر عنه، أو يبتليه في البرزخ بالصعقة (9) فيكفر بها عنه. أو يبتليه في عرصات القيامة من أهوالها بما يكفر عنه. أو يرحمه أرحم الراحمين (10). فمن أخطأته هذه العشرة فلا يلومن إلا نفسه كما قال تعالى فيما يروي عنه رسوله صلى الله عليه وسلم: "يا عبادي؛ إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إيّاها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" (11).

فإذا كان المؤمن يعلم أن القضاء خير له إذا كان صبّارًا شكورًا، أو كان قد استخار الله وعلم أن من سعادة ابن آدم استخارته لله ورضاه بما قسم الله له؛ كان قد رضي بما هو خير له. وفى الحديث الصحيح عن علي رضى الله عنه قال: "إن الله يقضي بالقضاء، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السّخط". ففي هذا الحديث الرضا والاستخارة، فالرضا بعد القضاء والاستخارة قبل القضاء، وهذا أكمل من الضراء والصبر، فلهذا ذكر في ذاك الرضا وفى هذا الصبر.

 ثم إذا كان القضاء مع الصبر خيرًا له؛ فكيف مع الرضا؟! ولهذا جاء في الحديث: "المصاب من حرم الثواب" في الأثر الذي رواه الشافعي في مسنده: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات سمعوا قائلًا يقول: "يا آل بيت رسول الله؛ إنّ في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودَرْكا من كل فائت. فبالله فثِقوا، وإياه فارجوا، فإنّ المُصاب من حرم الثواب". ولهذا لم يُؤمر بالحزن المنافي للرضا قط، مع أنه لا فائدة فيه، فقد يكون فيه مضرّة، لكنه عُفي عنه إذا لم يقترن به ما يكرهه الله.

 وقد ظن طائفة من المصنفين في هذا الباب أن الرضا عن الله من توابع المحبة له، وهذا إنما يتوجه على المأخذ الأول وهو: الرضا عنه لاستحقاقه ذلك بنفسه، مع قطع العبد النظر عن حظّه، بخلاف المأخذ الثاني وهو: الرضا لعلمه بأن المقضيّ خير له.

 ثم إن المحبة متعلقة به، والرضا متعلق بقضائه، لكن قد يقال: إن المحبة لله نوعان: محبة له نفسه، ومحبة له لما فيه من الإحسان. وكذلك الحمد له نوعان: حمدٌ له على ما يستحقه نفسه، وحمد على إحسانه الى عبده. فالنوعان للرضا كالنوعين للمحبة.

 وأما الرضا به وبدينه وبرسوله فذلك من حظ المحبة، ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذوق طعم الإيمان كما ذكر في المحبة وجود حلاوة الايمان، وهذان الحديثان الصحيحان هما أصلٌ فيما يُذكر من الوجد والذوق الإيماني الشرعي دون الضلالي البدعي، ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا" (12). وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثلاثٌ من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان؛ أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار" (13). (14)

وبالجملة؛ فكلُّ قضاءِ اللهِ خيرٌ للمؤمن المُسَدَّد، فمن جهة أنه قضاء الله وفعله فهو خير، ومن جهة ما يترتب عليه ويفضي به إلى مراضي الله تعالى من الصبر والرضا والشكر والحمد عند البلاء والتوبة والإنابة من الذنوب ونحو ذلك فهو خير أيضًا، فكل قضاء الله خير. وبالله التوفيق.

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

.........................

1.    ومن هنا بطلت نسبة الشر إليه سبحانه، فالشر ليس إليه، لأن الشر المطلق غير موجود في مخلوقاته، فما من شر إلا فيه خير إما في ذاته أو بما يفضي إليه من حكم غائية خيرية.

وقال شيخنا عبد الرحمن بن ناصر البراك حفظه الله تعالى: "الأشياء المخلوقة فيها خير وشر، والله خالق الخير والشر، أما فعل الرب سبحانه: حكمه وقضاؤه وتقديره؛ فكله خير، ليس فيه شر، والشر لا يضاف إلى الله اسمًا، ولا صفةً ولا فعلا، فالشر لا يكون في أسمائه فكلها حسنى، ولا في صفاته فكلها صفات كمال وحمد، ولا في أفعاله فكلها أفعال عدل وحكمة، وإنما يكون في مفعولاته، أي: مخلوقاته، وهذا ما فُسر به قول النبي صلى الله عليه وسلم: "والشرّ ليس إليك".

فالله تعالى لا يخلق شرًّا محضا؛ بل كل الشر الذي في المخلوقات شرّ نسبيّ ليس شرًّا محضًا، وهذا يرجع إلى الإيمان بحكمته سبحانه وتعالى، وأنه حكيم، ما خلق شيئًا عبثًا، لم يخلق شيئًا إلا لمصالحَ وحكمٍ يعلمها سبحانه، وليس من شرط ذلك أن تكون عائدة للعبد، بل قد يكون فيها شر لبعض الناس، وهو شر جزئي إضافي، فأما شر كلي، أو شر مطلق؛ فالله تعالى منزه عنه". شرح العقيدة الطحاوية (247)

فالمعصية في ذاتها شرّ كلها، ورجس كلها إلا ما أفضت بصاحبها لأمور محمودة شرعًا، والمقصود أن الخير قد يلحق بها إن وفق الله مجترحها لتوبة نصوح، فهنا سرّ المسألة ومقصودها، وليس في هذا تزيين لها أو تسهيل أو تصغير.

2.    ولقد استجرى الشيطان فئامًا من الناس فظنوا أن الإيمان بالقدر يستلزم الرضا بالمعاصي، وهذا ضلال مبين. فلا يجوز الرضا بما يُسخط الله تعالى وينهى عنه إلا من جهة ما يفضي به للعبد لأمور صالحة وأحوال فاضلة – إن كانت- كالتوبة وتوابعها، ومن جهة الشرع لأحكام عادلة أو مراحم إلهية. وقد سأل ابن القيم شيخه رحمهما الله تعال عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذى نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء الا كان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن". رواه مسلم (2999) قال: "فسألت شيخنا -أي ابن تيمية رحمه الله- هل يدخل في ذلك قضاء الذنب؟ فقال: نعم بشرطه. فأجمَلَ في لفظة بشرطه ما يترتب على الذنب من الآثار المحبوبة لله من التوبة والانكسار والندم والخضوع والذل والبكاء وغير ذلك". الفوائد (1 / 94)

3.    طريق الهجرتين (1/153- 157) باختصار.

4.    مسلم 8/227 ( 2999 )

5.    وكذلك آدم عليه السلام، فحاله ودرجته بعد توبته أفضل منهما قبل خطيئته.

6.    وجاءت كذلك عن الحسن البصري رحمه الله تعالى.

7.    البخاري (6493) و (6607) ومسلم (1/74 و 8/49)

8.    كذلك غيره صلى الله عليه وسلم من الشفعاء كالشهداء والأفراط والأصحاب والملائكة وغيرهم مما جاءت به السنة.

9.    لعله قصد عذاب القبر في الجملة، أو أنها مصحّفة عن ضغطة – أي ضغطة القبر-، لأن الصعقة هي نفخة الصور.

10.                    كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وغيره في خبر الجهنّمين الطويل المخرج في الصحيحين، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "... حتى إذا خلص المؤمنون من النار؛ فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشدّ مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار. وفي رواية: فما أنتم بأشد مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار، إذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم -يقولون: ربنا؛ كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون! فيقال لهم: أَخرجوا من عرفتم. فتحرم صورهم على النار، فيُخرجون خلقًا كثيرًا قد أخذت النار إلى نصف ساقية وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا؛ ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به. فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه. فيُخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا؛ لم نذر فيها أحدًا ممن أمرتنا. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه. فيُخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا؛ لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدًا. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه. فيُخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا؛ لم نذر فيها خيرًا". وكان أبو سعيد الخدري يقول إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما)، فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين. فيقبض قبضة من النار فيُخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حُمَمًا، -أي فحمًا من حرق النار لهم عياذًا بالله تعالى- فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحِبَّةُ في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض؟" فقالوا: يا رسول الله، كأنك كنت ترعى بالبادية! قال: "فيخرجون كاللؤلؤ، في رقابهم الخواتم، يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدّموه، -أي بعد التوحيد والإيمان إعمالًا لبقية النصوص- ثم يقول: ادخلوا الجنة، فما رأيتموه فهو لكم. فيقولون: ربنا؛ أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين! فيقول: لكم عندي أفضل من هذا! فيقولون: يا ربنا؛ أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدا". رواه البخاري (7439) ومسلم (183) واللفظ له. نسأل الله الكريم من فضله العظيم، ونسأله رضوانه والجنة، (ورضوان من الله أكبر).

11.                    مسلم 8/17 ( 2577 ) ( 55 )

12.                    مسلم (60)

13.                    البخاري 1/10 ( 16 ) ومسلم 1/48 ( 43 ) ( 67 )

14.                    مجموع الفتاوى (10/ 42 - 48) باختصار.