إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأحد، 24 نوفمبر 2024

سلسلة مقالات: وَقَدْ يَجْمَعُ اللهُ الشَّتِيْتَيْنِ (7) يَا ليلَ الصَّبِّ مَتَى غَدُهُ؟!

 

سلسلة مقالات: وَقَدْ يَجْمَعُ اللهُ الشَّتِيْتَيْنِ

(7)

يَا ليلَ الصَّبِّ مَتَى غَدُهُ؟!

 

    كانت النار بيننا تضطرم بشعاع بديعٌ, ولها خلف صاحبي أشباح تتراقص كأنها جِنيّاتٌ سَكْرَى, وقد تعمّد صاحبي أن تكون النار أكبر من المعتاد ليرمي قرصه في مَلَّتِهَا, والملّة هي التراب الحار الذي يلي النار مباشرة, ثم لم يلبث أن يُيَبِّسَ أطراف العجين بعودٍ يمرّره عليه, ثم برّح له في الملّة, ثم ألقاه مثيراً بعض الرماد, بعد ذلك دفنه ببقية الملّة دفناً رقيقاً, ثم أعاد شيئاً من الجمر فوقها حتى تأتي الحرارة من أسفل القرص وأعلاه. فَعَلَ ذلك وهو ينقل بقية جمرات ناره الأولى وخشبها لطرف المجلس الآخر, وقد قرّب للنار إبريقاً قد انتصف من حليب النّوق, وقد ذرَّ عليه القليل من الزنجبيل والفلفل الأسود الذي تسميه البادية الطبيب الأبكم .. ثم قال وهو ينفخ النار التي تفرّقت عن لحيته: حدّثني عن توبة وصاحبته.

    قلت _وفي علمي أنّه أدرى بخبرهما مني, لكن طِيْبَ المعشر وحبَّ سماع الأخبار من غيره هيّجاه على ذلك_: على الرحب يا محب, فحديث المحبين تميل النفوس بأعماقها إليه، وتلقي القلوب بأزمّتها عليه, وقد ذكروا أن توبة بن الحميِّر الخفاجي العامري, وهو أحد مشاهير عشاق العرب وفرسانهم وشجعانهم، وصاحبته هي ليلى الأخيلية العامرية الشاعرة.

    وقد أحب ليلى وبادلته حباً, وشبّب بها, ولم يظفر بها بل زوجوها من غيره, فضعف حاله وسقم حتى هلك قتيلاً على نهاب إبل! ومما قال فيها:

ولو أنَّ ليلى الأخيلية سلَّمتْ   ...   عليَّ ودوني جندلٌ وصفائحُ

لسلَّمْتُ تسليمَ البشاشةِ أو زَقَا   ...   إليها طائرٌ من جانب القبر صائحُ

   ويزعم ظرفاء القصاص أن ليلى الأخيلية مرّت وزوجها بقبره, فقال زوجها متهكّماً: سلِّمِي عليه حتى أرى كذبه, فسلّمت فطار طير من جانب قبره وصاح, فاضطربت الناقة فسقطت ليلى واندق عنها فدفنت بجانبه! وفي توبة تقول ليلى:

أقسمتُ أبكي بعدَ توبةَ هالكاً ... وأحفلُ من دارتْ عليهِ الدوائرُ

لَعَمْرُكَ ما بالمَوْتِ عارٌ على الفَتَى ... إذا لَمْ تُصِبْهُ في الحَياةِ المَعايِرُ

وما أَحَدٌ حَيٌّ وإِنْ كان سالماً ... بأَخْلَدَ مِمَّنْ غَيَّبَتْهُ المَقابِرُ

ومَن كان مِمَّا يُحْدِثُ الدَّهْرُ جازِعاً ... فلا بُدَّ يوماً أَنْ يُرَى وهُوَ صابِرُ

وليس لِذي عَيْشٍ من المَوْتِ مَهْرَبٌ ... ولَيْسَ على الأَيَّامِ والدَّهرِ غابِرُ

وكُلُّ جَدِيدٍ أو شَبابٍ إلى بِلىً ... وكُلُّ امْرِئٍ يوماً إلى الله صائِرُ

فأُقْسِمُ لا أَنْفَكُّ أَبْكِيكَ ما دَعَتْ ... على فَنَنٍ وَرْقاءُ أو طارَ طائِرُ

    وذكروا أن توبة رحل إلى الشام، فمر ببني عذرة فرأته بثينةُ جميل، فجعلت تنظر إليه، فشق ذلك على جميل، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا توبة بن الحميّر، فقال: هل لك في الصراع؟ فقال: ذلك إليك، فنبذت إليه بثينة ملحفة مورَّسة، فاتزر بها، ثمَّ صارعه فصرعه جميل، ثمَّ سابقه فسبقه جميل، فقال: يا هذا، إنما تفعل هذا بريح هذه، ولكن اهبط بنا الوادي، فهبطا فصرعه توبة وسبقه, وهذا من كريم شمائله, فلم يرد أن يكسره أمام محبوبته. وأمير شعر توبة قصيدته التي يقول فيها:

نأتكَ بليلى دارُها لا تزورُها ... وشطَّتْ نواها واستمرَّ مريرُها

وقالَ رجالٌ لا يضيركَ نأيُها ... بلى كلُّ ما شفَّ النّفوسَ يضيرُها

أليسَ يضيرُ العينَ أن تردَ البُكى ... ويمنعَ منها نومُها وسرورُها

أرى اليومَ يأتي دونَ ليلى كأنَّما ... أتى دونَ ليلى حِجَّةٌ وشهورُها

خليليَّ روحَا راشدينَ فقد أتتْ ... ضريَّةُ من دونِ الحبيبِ ونِيْرُها

وقد تذهبُ الحاجاتُ يطلبُها الفتى ... شعاعاً وتخشى النَّفسُ ما لا يضيرُها

وكنتُ إذا ما زرتُ ليلى تبرقعتْ ... فقد رابَني منها الغداةَ سفورُها

وقد رابَني منها صدودٌ رأيتهُ ... وإعراضُها عن حاجتي وبسورُها

ولو أنَّ ليلى في ذُرى متمنّعٍ ... بنجرانَ لا التفَّتْ عليَّ قصورُها

يقرُّ بعيني أن أرى العيسَ تغْتَلي ... بنا نحو ليلى وهي تجري ضفورُها

أرتْنا حياضَ الموتِ ليلى وراقَنا ... عيونٌ نقيَّاتُ الحواشي تديرُها

ألا يا صفيَّ النَّفسِ كيفَ تقولُها ... لوَ انَّ طريداً خائفاً يستجيرُها

أظنُّ بها خيراً وأعلمُ أنَّها ... ستنعمُ يوماً أو يُفادى أسيرُها

وقالتْ أراكَ اليومَ أسودَ شاحبا ... وأنَّى بياضُ الوجهِ جرَّتْ حَرورُها

حمامةَ بطنِ الواديينِ ترنَّمي ... سقاكِ من الغرِّ الغوادي مطيرُها

أبيني لنا لا أزالَ ريشكِ ناعماً ... ولا زلتِ في خضراءَ جمٍّ نضيرُها

وقد زعمتْ ليلى بأنِّيَ فاجرٌ ... لنفسي تُقاها أو عليَّ فجورُها

فقلْ لعقيلٍ ما حديثُ عصابةٍ ... تكنَّفها الأعداءُ ناءٍ نصيرُها

فإلاّ تناهَوا تركب الخيلُ بيننا ... وتُركُضْ برجلٍ أو جناحٍ يطيرُها

لعلَّك يا تيساً نزَا في مريرةٍ ... معاقبُ ليلى أن تراني أزورُها

وأدماءَ من سرِّ المهارى كأنّها ... مهاةُ صوارٍ غيرَ ما مُسَّ كورُها

قطعتُ بها أجوازَ كلِّ تنوفةٍ ... مخوفٍ رداها حينَ يستنُّ مورُها

يرى ضعفاءُ القومِ فيها كأنَّهمْ ... دعاميصُ ماءٍ نشَّ عنها غديرُها

وقَسورةُ اللَّيلِ التي بينَ نصفهِ ... وبينَ العشا قد ريبَ منها أسيرُها

أبتْ كثرةُ الأعداءِ أنْ يتجنَّبوا ... كلابي حتَّى يُستثارُ عقورُها

وما يشتكي جهلي ولكنَّ عدَّتي ... تراها بأعدائي بطيئاً طرورُها

    ثم قال وهو يتمايل مع أبيات توبة: لقد كان توبة معاصراً لأصحاب المربد, ولقد فاقهم في النسيب وفاقوه في الهجاء. قلت: أتعني أهل النقائض جريراً والفرزدق والأخطل؟ قال: هُم أردت. والذي شهرهم هو الهجاء, قلت فمن قدّمت منهم؟ قال: جريراً الخطفي بلا ريب, فهو النخلة السحوق, والفحل القطم, والسيل العرم, وقد كان أبوه مضعوفاً, لذا فقد كان يرتفع لبطنه بني يربوع ثم لتميم فيقوم ويعلو, إلا أن الفرزدق يردُّه لأبيه فيفقره, أما الفرزدق فقد كان يفخر بمجد أُسرته ووالده وجدّه, ثم يرتفع لبطنه بني دارم ثم يعلو إلى تميم. مع ذلك فقد كان جرير يعرف كيف يبري نبال الهجاء المصمِيَّة, ويدلع لسانه في هجو أبي فراس, وإن كان كلاهما من قبيلة واحدة!

    وقد كان صُلبُ هجائه للفرزدق, ولم يكن أحدهما يزوَرُّ عن صاحبه, بل يصادمه بأعتى الهجاء, وأمضى رماح الكلِم. ولم يقم لجرير من الشعراء سواه والأخطل, وقد ساعد الأخطل قوّةُ وصفِهِ, وحظوته عند الملوك, وإلا فليس بقوّة الفحلين.

    واسمه جرير بن عطية من بني كليب بن يربوعٍ, وكان يكنى أبا حزرة. وهو من فحول شعراء الإسلام، ويشبه من شعراء الجاهلية بصناجة العرب الأعشى. وقد كان خاملاً في موطنه بالمروت من البادية _ويقال إنها بلدة أُثيثية في إقليم الوشم حالياً_ ويتهاجى مع الفرزدق, ويتراسلان المغلغلات, فأرسل بنو يربوع إلىه فقالوا: إنك مقيم بالمروت ليس عندك أحدٌ يروي عنك, والفرزدق بالعراق قد ملأها عليك منذ سبع حججٍ، قد حمّل الركبان قصائده فينا, وأنت هنا لا يحملها عنك إلا الواحد بعد الواحد, , فانحدر من فوره إلى العراق فأشعل مربد البصرة بأهاجيه! ولذلك يقول:

وإِذا شَهدْتُ لثَغْرِ قَوْمي مَشْهَداً ... آثَرْتُ ذاكَ على بَنِىَّ ومالى

    وفوّق أسهمه النافذة, فلم يقم لها أحد سوى من ذكرت. وقيل إن جريراً قد أسقط في الهجاء أكثر من ثمانين شاعراً، كلهم يرميهم خلف ظهره متشحطين في نِبَالِ هجائه! وقد تهاجى والفرزدق خمسة وأربعين عاماً, مع ذلك فقد كانا صاحبين متصافيين, على ما بينهما من ضربِ قَنَا القريض. والحقّ أن كثيراً من هجاءهما دعابات وإن لم تخل من مقاتل!

    وبالجملة, فجرير أهجى الثلاثة, وهو القائل, وتأمل قعقعة السلاح فيهما مع فخامة المعاني وجزالة المباني:

وَعاوٍ عَوَى من غيرِ شيءٍ رمَيتُه ... بقافيةٍ أَنْفاذُهَا تَقْطُر الدَّمَا

خروج بأَفْوَاهِ الرِّجالِ كأَنَّها ... قَرَى هُنْدُوانّيٍ إذا هُزَّ صَمَّما

    لقد لان للخطفي عَصِيُّ القريض, واستقام لقريحته معوجُّه, وقد مر راكب بالرَّاعي يتغنى بهما, فقال الراعي: لمن البيتين؟ قال: جرير، قال: قاتله الله، لو اجتمعت الجن والإنس ما أغنوا فيه شيئاً. ثم قال: أُلَامُ أن يغلبني مثل هذا؟ وهذا إقرار من الراعي بأسبقية جرير. وقال كذلك:

وقُلتُ نَصَاحةً لبني عَدِيٍّ ... ثِيابَكُم وَنَضْحَ دَمِ القَتِيلِ

فقال الفرزدق: قاتله الله، إذا أخذ هذا المأخذ فما يقام له, يعني هذا الروي.

    وسئل الأخطل عن نفسه وعن جرير والفرزدق فقال: أنا أمدحهم للملوك، وأوصفهم للخمر، والفرزدق أفخرنا، وجرير أهجانا وأنسبنا.

   وسئل مرّة عن جرير، فقال: دعوه، فإنه كان بلاء على من صُبَّ عليه، وما أخشن ناحيته، واشرد قافيته، والله لو تركوه لأبكى العجوز على شبابها، والشابة على أحبابها، ولقد هزوه فوجدوه عند الهراش نابحاً، ولقد قال بيتاً لأن أكون قلته أحب إلي مما طلعت عليه، وهو قوله:

إذا غضبت عليك بنو تميمٍ ... حسبت الناس، كلهمُ غضابا

    ومن ذائع قولهم: الفرزدق ينحت من صخر، وجرير يغرف من بحر.

وانظر إلى تفوقه في بيته إذ يقول:

لَمَّا وَضَعْتُ عَلَى الْفَرَزْدَقِ مِيسَمِي ... وَعَلَى الْبعِيثِ جَدَعْتُ أَنْفَ الأَخْطَلِ

 فجمع بين هجاء هؤلاء الثلاثة في بيت واحد.

    وقيل لمسلم: أي الشاعرين أفضل، جرير أم الفرزدق؟ فقال: الفرزدق يبني، وجرير يهدم. وقال: بيوت الشعر أربعة: فخر، ومدح، وهجاء، ونسيب. وجرير غلب في هذه كلها. يريد بالفخر قوله:

إذا غضبت عليك بنو تميمٍ ... حسبتَ الناس كلهمُ غضابا

ويريد بالمدح قوله:

ألستمْ خيرَ من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطونَ راحِ

ويريد بالهجاء قوله:

فغضَّ الطرفَ إنكَ من نميرٍ ... فلا كعباً بلغتَ ولا كلابا

ويريد بالنسيب قوله:

إنَّ العيونَ التي في طرفها مرضٌ ... قتلننا ثمَّ لم يحيينَ قتلانا

يصرعن ذا اللبِ حتى لا حراكَ به ... وهنَّ أضعفُ خلق اللهِ أركانا

    وقيل لبشار: من أشعر الثلاثة؟ فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصّبت له وأفرطت فيه, وكان لجرير ضروب من الشعر لا يحسنها الفرزدق, ولقد ماتت النّوار _طليقة الفرزدق_ فكانوا ينوحون عليها بشعر جرير، الذي رثى به أم حرزة امرأته, وأولها :

لَوْلاَ الحَيَاءُ لَعادَني اسِتْعبارُ ... وَلَزُرْتُ قَبْرَك والحَبيِبُ يُزَارُ

ولَّهْت قَلبي إِذْ عَلَتْنى كَبْرَةٌ ... وذَوُو التَّمائمِ من بَنيك صغارُ

لا يُلْبِثُ الأَحبابَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا ... لَيْلٌ يَكُرُّ عَليهمُ ونَهارُ

صَلَّى المَلاَئكَةُ الذينَ تُخَّيرُوا ... والطَّيِّبُونَ عليك والأَبْرَارُ

فلقد أَراكِ كُسيت أَحْسَنَ مَنْظَر ... ومَعَ الجَمَالِ سَكينَةٌ ووَقارُ

كانَتْ إِذا هَجرَ الحَبيِبُ فرَاشَها ... خُزِنَ الحَديثُ وعَفَّتِ الأَسْرارُ

    ومن قول جرير في الأخطل والنصارى:

رجسٌ يكون إذا صلّوا أذانهم   ...   قرعُ النواقيس لا يدرون ما السّوَرُ

والمُقرعين على الخنزير شهوتَهُ   ...   بئس الجزورُ وبئس القرم إذ يسَروا

جاء الرسول بدين الحق فانتكثوا   ...   وهل يضير رسول الله أن كفروا

    وكان من أحسن الناس تشبيباً، وقد بلغ ودق السحائب بقوله:

يا أُمَّ عمروٍ جزاكِ الله مغفرة   ...   رُدِّي عليّ فؤادي كالذي كانا

يا حبَّذا جبل الريان من جبل   ...   وحبذا ساكن الريان من كانا

    قال الأصمعي: سمعت الحي يتحدثون أن جريراً قال: لولا ما شغلني من هذه الكلاب, لشببت تشبيباً تحن منه العجوز إلى شبابها كما تحن الناب إلى سقبها.

    وقال عمرو بن العلاء: كنت قاعداً عند جريرٍ وهو يملى:

ودِّعْ أَمامَةَ حان منْكَ رحِيلُ ... إِنَّ الوَدَاعَ لمَنْ تُحبُّ قَلِيلُ

    فمرّت به جنازةٌ، فترك الإنشاد وقال: شيبتني هذه الجنائز، قلت: فلأي شيءٍ تشتم الناس؟ قال: يبدؤونني ثم لا أعفو. وقال: لست بمُبتدئ ولكنني مُعتدٍ. يريد أنه يُسْرفِ في القِصاص. ومثله قول الشاعر:

بني عمّنا لا تَنْطقوا الشعرَ بعدما ... دَفنتم بأفناء العُذَيب القَوافِيا

فَلَسنا كَمن قد كنتمُ تَظْلِمونه ... فيَقْبَل ضَيماً أو يحكِّم قاضيا

ولكنّ حُكْم السيفِ فيكم مُسلَّط ... فنرضى إذا ما أصبح السيفُ راضيا

فإن قلتُم إنّا ظَلمنا فلم نكُن ... ظَلمنا ولكنّا أسأنا التقاضيا

    وقال مروان بن أبي حفصة مبيّناً سبقه لأهل زمانه, وغلبته أهل ميدانه:

ذَهَبَ الفَرَزْدَقُ بالفخَارِ وإِنما ... حُلْوُ القَرِيض ومُرُّهُ لِجَرِيرِ

    وحينما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة انصبّت عليه الشعراء لتمدح وتُمنح, فلم يأذن لهم بالدخول, فاستشفعوا بعدي بن أرطأة فكلّمه لهم, فسأله عنهم فقال: فمن بالباب من الشعراء؟ قال عدي: يا أمير المؤمنين، عمر بن أبي ربيعة القرشي المخزومي، فقال_وتأمل نقده الديني, وهو الفيصل بلا تردّد_: لا قرَبه اللّه ولا حياه، أليس هو القائل:

أَلاَ لَيْتَ أَنِّي حينَ تدنُو منيتي ... شَمَمْتُ الذي ما بَين عينيكِ والفَمِ

وباتَت سُلَيمَى في المنامِ ضجيعَتِي ... هنالكَ أو في جَنَّةٍ أو جَهَنمِ

    فليته عدوَّ اللّه تمناها في الدنيا، ثم رجع إلى العمل الصالح، واللّه لا يدخل عليّ. فمن بالباب غيره؟ فقال: كثيّر عزة، قال: أو ليس هو القائل:

رُهبَانُ مَديَنَ والذين عَهِدتهُمْ ... يَبْكُونَ من حَرِّ العذابِ قُعُودا

لو يسمَعُونَ كما سَمِعتُ كلامَهَا ... خَرُوا لعزةَ رُكَعاً وسُجُودا

   من بالباب غيره؟ قال: الأحوص الأنصاري، قال: أبعده اللّه وأسحقه، أليس هو القائل، وقد أفسد على رجل جاريته، حتى أَبَقَتْ من سيدها:

أللهُ بَينِي وَبَين سَيّدِهَا ... يَفِرُّ مِني بِهَا وَأَتْبَعُهُ

   لا يدخل علي، من بالباب غيره؟ قال: الفرزدق همام بن غالب التميمي، قال: أليس هو القائل يفتخر بالزنى:

هُمَا دَلَّيَانِي مِن ثمانينَ قَامَة ... كَمَا انْقض باز أَقتَمُ الريشِ كاسِرُهْ

فلما استَوَت رِجلايَ في الأرضِ قالتا ... أَحَي يُرَجَّى أم قتيل نُحَاذِرُهْ

   لا يدخل علي، من بالباب غيره؟ قال عدي: الأخطل التغلبي، قال: هو الكافر والقائل:

وَلَستُ بصائم رمَضَانَ عمري ... ولَستُ بآكِل لَحمَ الأضاحي

ولست بزَاجِرٍ جَمَلا بكوراً ... إلى بطحاءِ مكة للنجاحِ

ولستُ بِقَائِمٍ كَالعَيرِ يدعُو ... قُبَيل الصبْحِ حَي عَلَى الفَلاحِ

ولكني سأشرَبُهَا شمولاَ ... وأسجُدُ عند مبتلجِ الصباحِ

   والله لا وطئ لي بساطاً، من بالباب غيره؟ قال عدي: جرير بن عطية الخطفي، قال: هو القائل:

لولا مراقبَةُ العيونِ أَرَيْنَنَا ... حِدَقَ المَهَا وَسَوالِفَ الآرامِ

طَرَقَتْكَ صائدَةُ القلوبِ ولَيسَ ذا ... وَقْتُ الزيارة فارْجِعِي بسَلامِ

  فإن كان ولا بد، فائذن لجرير، فخرج عدي فأذن له، فدخل وهو يقول:

وَسِعَ الخلائِقَ عَدْلُهُ ووقارُهُ ... حتَى ارعَوَى وأقامَ مَيْلَ المائِلِ

إِني لأَرجُو مِنْكَ خَيراً عاجلا ... فالنفْسُ مُولَعَةٌ بحُب العاجِلِ

فلما حضر بين يديه، قال له: اتق اللّه ولا تقل إلا حقاً، فقال:

كَم باليمامة مِن شعثاءَ أرملةٍ ... ومِنْ ضعيفٍ سقيمِ الصوتِ والنَظَرِ

مِمنْ يَعُدُّكَ تكفي فَقْدَ والدِهِ ... كالفَرْخِ في العُشِّ لم يدرجْ ولم يَطِرِ

إنا لنَرْجُو إذا ما الغيْثُ أخلَفَنَا ... مِنَ الخليفةِ ما نَرْجُو من المَطَرِ

نَالَ الخلافَةَ إذْ كانَتْ له قَدَرَاً ... كما أتى رَبَّهُ موسَى على قَدَرِ

هذي الأرامِلُ قد قضَّيْتَ حاجتها ... فَمَنْ لحاجةِ هذا الأَرْمَلِ الذَّكَرِ

   وهي طويلة، فقال: واللّه يا جرير، ما يملِكُ عمر سوى مائة درهم، يا غلام، ادفعها له، ودَفَعَ له حليَّ سيفه، فخرج جرير إلى الشعراء، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما يسوءكم، رجل يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض، وأنشأ يقول:

رَأَيْتُ رُقَى الشيْطَانِ لا تستفزّهُ ... وقد كَانَ شَيْطَانِي مِنَ الجِن رَاقيا

    ومما يدل على حسن ديباجته, وصحّةِ سبكه, ورقة لفظه هذه القصيدة الماتعة, الواعرة الباهية,  وقد خَبَرتُ ذلك:

بَانَ الخَليطُ وَلَوْ طُوِّعْتُ ما بَنَا  ... وقطَّعُوا منْ حبالِ الوصلِ أقرانا

حَيِّ المَنَازِلَ إذْ لا نَبْتَغي بَدَلاً ...  بِالدارِ داراً وَلا الجِيرَانِ جِيرَانَا

قَدْ كنْتُ في أثَرِ الأظْعانِ ذا طَرَبٍ ... مروعاً منْ حذارِ البينِ محزانا

يا ربَّ مكتئبٍ لوْ قدْ نعيتُ لهُ   ...  بَاكٍ وآخَرَ مَسْرُورٍ بِمَنْعَانَا

لوْ تعلمينَ الذي نلقى أويتِ لنا   ...  أوْ تَسْمَعِينَ إلى ذي العرْشِ شكوَانَا

كصاحبِ الموجِ إذْ مالتْ سفينتهُ  ...  يدعو إلى اللهِ أسراراً وإعلانا

يا أيّهَا الرّاكِبُ المُزْجي مَطيّتَهُ  ...   بَلِّغْ تَحِيّتَنَا لُقّيتَ حُمْلانَا

بلغْ رسائلَ عنا خفَّ محملها  ...  عَلى قَلائِصَ لمْ يَحْمِلْنَ حِيرَانَا

كيما نقولَ إذا بلَّغتَ حاجتا  ...  أنْتَ الأمِينُ إذا مُستَأمَنٌ خَانَا

تُهدي السّلامَ لأهلِ الغَوْرِ من مَلَحٍ  ...  هَيْهَاتَ مِنْ مَلَحٍ بالغَوْرِ مُهْدانَا

أحببْ إلى َّ بذاكَ الجزعِ منزلةً  ...   بالطلحِ طلحاً وبالأعطانِ أعطانا

يا ليتَ ذا القلبَ لاقى منْ يعللهُ   ...    أو ساقياً فسقاهُ اليومَ سلوانا

أوْ لَيْتَهَا لمْ تُعَلِّقْنَا عُلاقَتَهَا  ...  غدْرَ الخَلِيلِ إذا ما كانَ ألْوَانَا

هَلا تَحَرّجْتِ مِمّا تَفْعَلينَ بِنَا   ...   يا أطيَبَ النّاسِ يَوْمَ الدَّجنِ أرَدَانَا

قالَتْ أَلِمَّ بِنا إنْ كنتَ مُنْطَلِقاً   ...  وَلا إخالُكَ بَعدَ اليَوْمِ  تَلقانَا

يا طَيْبَ  هَل من مَتاعٍ تمتِعينَ به   ...  ضيفاً لكمْ باكراً يا طيبَ عجلانا

ما كنتُ أولَ مشتاقٍ أخي طربٍ   ...   هَاجَتْ لَهُ غَدَوَاتُ البَينِ أحْزَانَا

يا أمَّ عمروٍ جزاكَ اللهُ مغفرةً   ...    رُدّي عَلَيّ فُؤادي كالّذي كانَا

ألستِ أحسنَ منْ يمشي على قدمٍ   ...   يا أملحَ الناسِ كلَّ الناسِ إنساناً

يلقى غريمكمُ منْ غيرِ عسرتكمْ   ...   بالبَذْلِ بُخْلاً وَبالإحْسَانِ حِرْمانَا

لا تأمننَّ فانيَّ غيرُ آمنهِ   ...   غدوَ الخليلِ إذا ما كانَ ألوانا

قد خنتِ منْ لمْ يكنْ يخشى خيانتك   ...   ما كنتِ أولَ موثوقٍ به خانا

لقدْ كتمتُ الهوى حتى تهيَّمَنِى   ...  لا أستطيعُ لهذا الحبَّ كتمانا

كادَ الهوى يومَ سلمانينَ يقتلني   ...   وَكَادَ يَقْتُلُني يَوْماً بِبَيْدَانَا

وَكَادَ يَوْمَ لِوَى حَوّاء يَقْتُلُني   ...   لوْ كُنتُ من زَفَرَاتِ البَينِ قُرْحانَا

لا بَارَكَ الله فيمَنْ كانَ يَحْسِبُكُمْ  ...  إلاّ عَلى العَهْدِ حتى كانَ مَا كانَا

من حُبّكُمْ فاعلَمي للحبّ منزِلةً   ...   نَهْوَى أمِيرَكُمُ لَوْ كَانَ يَهوَانَا

لا بَارَكَ الله في الدّنْيَا إذا انقَطَعَتْ  ...   أسبابُ دنياكِ منْ أسبابِ دنيانا

يا أمَّ عثمانَ إنَّ الحبَّ عنْ عرضٍ   ...  يُصبي الحَليمَ ويُبكي العَينَ أحيانا

ضَنّتْ بِمَوْرِدَةٍ كانَتْ لَنَا شَرَعاً    ...   تَشفي صَدَى مُستَهامِ القلبِ صَديانَا

كيفَ التّلاقي وَلا بالقَيظِ مَحضَرُكُم   ...   مِنّا قَرِيبٌ وَلا مَبْداكِ مَبْدَانَا

نَهوَى ثرَى العِرْقِ إذ لم نَلقَ بَعدَكُمُ  ...  كالعِرْقِ عِرْقاً وَلا السُّلاّنِ سُلاّنَا

ما أحْدَثَ الدّهْرُ ممّا تَعلَمينَ لكُمْ   ...  للحَبْلِ صُرْماً وَلا للعَهْدِ نِسْيَانَا

أبُدّلَ اللّيلُ لا تسرِي كَوَاكبُهُ   ...   أمْ طالَ حتى حسبتُ النجمَ حيرانا

يا رُبّ عائِذَةٍ بالغَوْرِ لَوْ شَهدَتْ  ...   عزّتْ عليها بِدَيْرِ اللُّجّ شَكْوَانَا

إنّ العُيُونَ التي في طَرْفِها حَوَرٌ   ...   قتلننا ثمَّ لمْ يحيينَ قتلانا

يَصرَعنَ ذا اللُّبّ حتى لا حَرَاكَ بهِ   ...  و هنَّ أضعفُ خلقْ اللهِ أركانا

يا رُبّ غابِطِنَا  لَوْ كانَ يطلُبُكُم   ...   لاقَى مُباعَدَةً مِنْكمْ وَحِرْمَانَا

أرَيْنَهُ المَوْتَ  حتى لا حَيَاةَ بِهِ ...   قَدْ كُنّ دِنّكَ قَبلَ اليَوْمِ أدْيَانَا

طارَ الفؤادُ معَ الخودِ التي طرقتْ  ....   في النومِ طيّبةَ الأعطافِ مبدانا

مثلوجةَ الريقِ بعدَ النومِ واضعةً  ...   عنْ ذي مثانٍ تمجُ المسكَ والبانا

بتنا نرانا كأنا مالكونَ لنا   ...   يا لَيْتَها صَدّقَتْ بالحَقّ رؤيَانَا

قالتْ تَعَزَّفإنَّ القومَ قدْ جعلوا   ...  دونَ الزيارةِ أبواباً وخزانا

لَمّا تَبَيّنْتُ أنْ قَد حِيلَ دُونَهُمُ   ...  ظلتْ عساكرُ مثلُ الموتِ تغشانا

ماذا لقيتُ منَ الأظعانِ يومَ قنىً   ...   يتبعنَ مغترباً بالبينِ ظعانا

أتبعتهمْ مقلةٌ إنسانها غرقٌ   ...   هلْ ما ترى تاركٌ للعينْ انسانا

يا حبذا جبلُ الريانِ منْ جبلٍ   ...   وَحَبّذا ساكِنُ الرّيّانِ مَنْ كَانَا

وَحَبّذا نَفَحَاتٌ مِنْ يَمَانِيةٍ   ...   تأتيكَ من قبلَ الريانِ أحيانا

هبتْ شمالاً فذكرى ما ذكرتكمْ   ...   عندَ الصفاةِ التي شرقيَّ حورانا

هلَ يرجعنَّ وليسَ الدهرُ مرتجعاً   ...   عيشٌ بها طالما احلولى وما لانا

    أما الفخم الفاخر, الذي حفظ لنا كثيراً من لغة العرب إذ لم توجد عند غيره فهو الفرزدق, وقصائده في الشعر بموضع العذار من خد الفرس, وقريضه هو الأنف المقدّم والسنام الأكبر, والفخم الباذخ والجزل الباهر, واسم الفرزدق همام بن غالب بن صعصة بن ناجية بن مجاشع بن دارمٍ، وكان جدّه صعصعة بن ناجية عظيم القدر في الجاهلية، واشترى ثلاثين موؤودةً إلى أن جاء الله عز وجل بالإسلام، فأسلم.

    قال أبو عمرو بن العلاء: كان الفرزدق يُشبَّهُ من شعراء الجاهلية بزهيرٍ. وأما النّوار امرأة الفرزدق فهي ابنة أعين بن ضبيعة المجاشعي، وكان علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه وَجَّهَ أباها إلى البصرة أيام الحكمين، فقتله الخوارج غيلةً، فخطب النوارَ رجلٌ من قريش، وأهلها بالشأم، فبعثت إلى الفرزدق تسأله أن يكون وليها إذ كان ابن عمها، وكان أقرب من هناك إليها، فقال: إن بالشأم من هو أقرب إليك منِّي، ولا آمن أن يقدم قادمٌ منهم فينكر ذلك عليّ، فأشهدي أنك قد جعلت أمرك إليّ، ففعلت فخرج بالشهود وقال لهم: قد أشهدتكم أنها قد جعلت أمرها إلي، وإني أشهدكم أني قد تزوجتها على مائة ناقةٍ حمراء سوداء الحدق! فذئرت من ذلك، واستعدت عليه، وخرجت إلى عبد الله بن الزبير، والحجاز والعراق يومئذٍ إليه، وخرج خلفها الفرزدق, فأما النوار فنزلت على خولة ابنة منظور بن زبان الفزاري امرأة عبد الله بن الزبير، فرقَّقَتْهَا وسألتها الشفاعة لها، وأما الفرزدق فنزل على حمزة بن عبد الله بن الزبير ومدحه, فوعده الشفاعة له، فتكلمت خولة في النوار، وتكلم حمزة في الفرزدق، فأنجحت خولة وخاب حمزة، وأمرَ عبد الله ابن الزبير أن لا يقربها حتى يصيرا إلى البصرة، فيحتكما إلى عامله _وهو الحقّ, فهو وكّلته بتزويجها من غيره لا من نفسه_ فخرج الفرزدق فقال ساخراً:

أَمَّا بَنُوهُ فلم تُنْجِحْ شفاعتُهم ... وشُفِّعَتْ بِنْتُ مَنْظُورِ بنِ زَبَّانَا

لَيْسَ الشَّفِيعُ الذي يأْتيكَ مُؤْتَزراً ... مِثْلَ الشَّفيعِ الذي يَأتيكَ عُرْيَانَا

وكان آخر أمره أن طلّقها وندم, وأنشد:

ندمت ندامة الكُسَعِيِّ لمّا  ...   غدت مني مطلقة نوارُ

وكانت جنَّةً فخرجتُ منها   ...   كآدم حين أخرجه الضَّرارُ

والضرار هو العصيان. وخال الفرزدق هو العلاء بن قرظة الضبي، وكان شاعراً، وكان الفرزدق يقول: إنما أتاني الشعر من قبل خالي، وخالي الذي يقول:

إِذَا ما الدَّهْرُ جَرَّ على أُناسِ ... حَوَادثَهُ أَناخَ بآخَرينا

فقُلْ للشامتينَ بنا أَفيقُوا ... سَيَلْقَى الشامتُونَ كما لَقينَا

     ويُروى أن الفرزدق كان حسن التديّن محمود السيرة، ولعلّ هذا كان بِأَخَرَةٍ, وأنه كان إذا ضحك فاستُغرب في الضحك التفت كأنه يخاطب ملَكَيْه، فقال: أما والله لأُسمعنّكما خيراً: لا إله إلا الله, والحمد لله, وأستغفرُ الله. واجتمع هو والحسن البصري في جنازة, فقال الفرزدق للحسن: يا أبا سعيد، أتدري ما يقول الناس؟ قال: لا، قال: يقولون اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشر الناس، فقال الحسن: كلا لستُ بخيرهم ولستَ بشرهم، ولكن ما أعددتَ لهذا الموضع؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة، فقال الحسن: خذوها والله من غير فقيه، وإياك وقذف المحصنات, ثم أنشأ الفرزدق يقول:

أخاف وراء القبر إن لم يُعافِني ... أشدّ من القبر التهاباً وأضيقا

إن قادني نحو القيامة قائدٌ ... عنيفٌ وسَوّاقٌ يسوق الفرزدقا

لقد خاب من أولاد آدمَ من مشى ... إلى النار مغلولَ القِلادة أزرقا

يُقادُ إلى نار الجحيم مُسَربلاً ... سرابيلَ قَطْرانٍ لباساً مُمزّقا

إذا شربوا فيها الصديدَ رأيتَهم ... يذوبون من حرِّ الجحيم تحرّقا

    فلما مات الفرزدق رُؤي في المنام فقيل: ما صنع بك ربُّك؟ فقال: غفر لي، فقيل: بماذا؟ قال: بالكلمة التي نازعنيها الحسن على شفير القبر. ويروى أن أبا هريرة قال له: إني أرى لك قدمين لطيفين فانظر أن تجعل لهما موضعاً لطيفاً يوم القيامة، ومهما صنعت من شيء فلا تقنط من رحمة الله. ولما بلغ جريراً موته قال:

هَلَكَ الفَرَزْدَقُ بَعْدَما جَدَّعْتُهُ ... لَيْتَ الفَرَزْدقَ كان عاشَ قَلِيلاَ

    ثم أطرق طويلاً وبكى، فقيل له: يا أبا حرزة ما أبكاك؟ قال: بكيت لنفسي، إنه والله قل ما كان اثنان مثلنا أو مصطحبان أو زوجان إلا كان أمد ما بينهما قريباً، ثم أنشأ يقول راثياً الفرزدق:

فُجِعْنا بحَمَّالِ الدَّيَاتِ ابْنِ غالِبٍ ... وحامِى تَمِيمٍ عِرْضَها والبَرَاجِمِ

بَكَيْنَاكَ حِدْثانَ الفِراق وإِنَّما ... بَكَيْناك إِذ نابَتْ أُمُورُ العظائِم

فلا حَملَتْ بَعْدَ ابْنِ لَيْلَى مَهِيرةٌ ... ولا شُدَّ أَنْسَاعُ المَطِىِّ الرَّواسِمِ

    أما ثالثهم فهو جَبَلُ شعر وجَمَلُ قريض وفحلُ قصائد وأمير وصف, وهو الأخطل واسمه غياث بن غوثٍ التغلبي الرّبَعي. ويكنى أبا مالكٍ.

    وحتى ترى قدر الشعر في إثارة النعرات, وأنه الوقود الجزل للعصبيات, فانظر ما أشعل بين قيس ويمن إبَّانَ دولة بني أمية. وإن كثيرها لمسبّةٌ وعار في المسلمين, إذ لا زال الإسلام جذعاً طرياً, وكَدَرُ الجماعة خير من صفوِ الفرقة, ولكنها العرب العرباء! قال نهار بن توْسعة:

أبي الإسلام لا أب لي سواه   ...   إذا هتفوا ببكر أو تميمِ

    ثم اسمع ما جناه الأخطل على قومه ببيتِ شعر كارثيّ! ففي سنة ثلاث وسبعين بعد مقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما؛ هدأ الناس واجتمعوا على عبد الملك بن مروان, وتكافَّتْ قيسٌ وتغلب عن المغازي والإغارات الهمجية بينهما بالشام والجزيرة, وظنَّ كل واحد من الفريقين أن عنده فضلاً لصاحبه, وتكلم عبد الملك في ذلك ولم يحكم الصلح فيه, وليته فعل, فبينا هم على تلك الحال إذ أنشد الأخطل عبد الملك بن مروان وعنده وجوه قيس وفيهم الجحَّاف بن حكيم قوله المشؤوم:

ألا سائِل الجحّافَ هل هو ثائرٌ ... بِقَتْلَى أصِيبتْ مِنْ سُلَيْمٍ وعامرِ

أجحافُ إنْ نهبِط عليك فتلتقي ... عليك بُحُورٌ طامِياتُ الزواخِرِ

تكن مثل أبداءِ الحباب الذي جرى ... البحرُ تزهاهُ رياحُ الصراصِرِ

     فتساقطت تمرات كُنّ في يد الجحَّاف فوثب يجر مطرفه, والشرر يتطاير من عينيه, والغضب يفور من أردانه, وقبض وجهه في وجه الأخطل ثم قال:

نعم سوف نبكيهم بكل مهنَّدٍ  ...  وننعى عميراً بالرَّماح الشواجرِ

    يعني عمير بن الحباب السلمى. ثم قال: لقد ظننت يا بن النصرانية أنك لم تكن لتجترئ عليّ ولو رأيتني مأسوراً. وأوعده. فمازال الأخطل من موضعه حتى حُمَّ, ورب قول أنفذُ من صول. فقال عبد الملك للأخطل: ما أحسبك إلا قد كسبت قومك شراً!

    فصاح الجحَّافُ في قومه ولم يخبرهم بنيّته, فصحبه ألف فارس, فثار بهم حتى بلغ الرَّصافة في العراق, ثم كشف لهم أمره وأنشدهم شعر الأخطل, وقال: لهم إنما هي النار أو العار فمن صبر فليُقدم ومن كره فليرجع! _عياذاً بالله من تقحُّمِ حفائر النار على بصيرة_ فقالوا بكل حميّة جاهلية: ما بأنفسنا عن نفسك رغبة, ونحن معك فيما كنت فيه من خير وشر. فأغاروا على بني تغلب ليلاً فقتلوهم وبقروا من النساء من كانت حاملاً, ومن كانت غير حامل قتلوها! وزعموا أن الجحّاف _وله من اسمه نصيبٌ كَدِرٌ_ صعد الجبل وجعل ينادي: من كانت حاملاً فإليّ, فصعدن إليه فجعل يبقر بطونهن! _عائذاً بربي من الغدر, ومن قلب لا يرحم, ويُنصبُ لكل غادرٍ لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان_. وقالت امرأة من بني تغلب للجحاف: فضّ الله عمادك، وأكبى زنادك، وأطال سهادك، وأقل زادك، فوالله إن قتلت إلا نساء أسافلهن دمي وأعاليهن ثدي! فقال لمن حوله: لولا أن تلد مثلها لاستبقيتها وأمر بقتلها. فبلغ ذلك الحسن البصري فقال: إنما الجحاف جذوة من نار جهنم.     

    والعرب لم تعهد مثل جريمته, بل كانت تأنف منها وتعيب وتعيِّر من فعلها مهما كان حال عدوِّه. فجريمته سُبَّةٌ فيه وفي قومه الذين كرعوا في حمأته! وقد ضربتْ به المثل في الفتك فقالت: أفتك من الجحاف!

    وأُسِرَ الأخطلُ وعليه عباءة وسخة، فظنّ الذي أسره أنه عبد، فسأله عن نفسه، فقال: عبد, فأطلقه, فرمى بنفسه في جُبٍّ مخافة أن يراه من يعرفه فيقتله. وقد قتلوا ابنه.

    ثم إن الجحاف هرب بعد فعله وفرّق عنه أصحابه ولحق بالروم, وقال في ذلك:

فإن تَطْرُدوني تطردوني وقد مضى ... من الوِرْدِ يومٌ في دماء الأراقمِ

لدن ذَرَّ قرنُ الشمس حتى تَلَبَّسَتْ ... ظلاماً بركض الْمُقْرَبَات الصلادِمِ

وطلبه عبد الملك والأخطل يستثيره باكياً قومه في البِشْرِ _وهو موضع ماء_ بقوله:

لقد أوقع الجحّاف بالبِشْرِ وقعةً ... إلى الله منها المُشْتَكَي والمُعَوَّلُ

فسائلْ بني مروان ما بالُ ذِمَّةٍ ... وحبلٍ ضعيفٍ لا يزال يُوصَّلُ

فإلاّ تُغَيِّرها قريشٌ بملكها ... يكن عن قريشٍ مسترادٌ ومَزْحَل

     فقال عبد الملك حين أنشده هذا: فإلى أين يا بن النصرانية؟ قال: إلى النار! قال: أولى لك لو قلت غيرها. ولعل الأخطل أراد إحفاظ عبد الملك بالتلميح برحيلهم عن مملكته لضعفه وعجزه عن حماية رعاياه.

    فلبث الجحاف زمناً حتى سكن غضب عبد الملك, وكلمته القيسية في أن يؤمنه فأمّنه, فأقبل فلما قدم على عبد الملك لقيه الأخطل فقال له الجَحّاف بكلّ صلفٍ وإثم:

أبا مالكٍ هل لمتني إذ حضضتَني ... على القتل أَمْ هل لامني لك لائمي

أبا مالكٍ إني أطعتُك في التي ... حضضتَ عليها فعلَ حَرّان حازمِ

فإن تدعُني أخرى أُجِبْك بمثلها ... وإني لَطَبٌّ بالوغَى جِدُّ عالِم

  فزعموا أن الأخطل قال له: أراك والله شيخ سوء. واقنصها جرير فقال:

فإنّك والجحافَ يوم تَحُضُّه ... أردتَ بذاك المُكثَ والوِرْدُ أعجلُ

بكى دَوْبَلٌ لا يُرقئُ اللهُ دمعَهُ ... ألا إنما يبكي مِنَ الذُّلِّ دوبلُ

وما زالتِ القتلى تَمورُ دماؤُهم ... بدَجلةَ حتى ماءُ دجلةَ أَشْكَلُ

 فقال الأخطل: ما لجرير لعنه الله؟! والله ما سمتني أمي دوبلا إلا وأنا صبي صغير, ثم ذهب ذلك عني لما كبرت.

    ورأى عبد الملك أنه إن تركهم على حالهم لم يُحْكِمِ الأمر, فأمر الوليد بن عبد الملك فحمل الدماء التي كانت قبل ذلك بين قيس وتغلب, وضمَّنَ الجحَّافَ قتلى البِشْرِ, وألزمه إياها عقوبة له, فأدّى الوليد الحمالات, ولم يكن عند الجحاف ما تحمَّل, فلحق بالحجاج في العراق يسأله ما حمل لأنه من هوازن, فسأل الإذن على الحجاج فمنعه. فلقي أسماء بن خارجة فعصب حاجته به فقال: إني لا أقدر لك على منفعة, قد علم الأمير بمكانك وأبى أن يأذن لك. فقال: لا والله لا أُلْزِمُهَا غيرَك, أَنْجَحَتْ أو أَكْدَتْ. فلما بلغ ذلك الحجاج قال: ما له عندي شيء, فأبلِغْهُ ذلك. فقال: وما عليك أن تكون أنت الذي تؤنسه فإنه قد أبى, فأذن له, فلما رآه قال: أعهدتني خائناً لا أبا لك؟! فأجابه وقد اصطاد سويداء إعجابه بنفخ فخره بمدحه: أنت سيِّدُ هوازن, وقد بدأنا بك, وأنت أمير العراقين, وابن عظيم القريتين, وعمالتك في كل سنة خمسمائة ألف درهم, وما بك بعدها حاجة إلى خيانة. فقال: أشهدُ أن الله تعالى وفّقَك, وأنك نظرت بنور الله, فإذا صدقت فلك نصفها العام فأعطاه, وأدّوا البقية.

     ثم تَأَلَّهَ الجحاف بعد ذلك وتاب, وقصد البِشْرَ وبه بقيَّةُ الحيِّ من تغلب, وقد لبس أكفانه وقال: قد جئت إليكم أُعطي القَوَدَ من نفسي! فأراد شبابهم قتله، فنهاهم شيوخهم، وعفوا عنه. ثم استأذن في الحج فأذن له, فخرج في المشيخة الذين شهدوا معه, وأحرموا, ومشوا إلى مكة, فلما قدموا المدينة ومكة جعل الناس يخرجون فينظرون إليهم ويعجبون منهم.

     وسمع ابن عمر الجحاف وقد تعلق بأستار الكعبة وهو يقول: اللهم اغفر لي, وما أراك تفعل! فقال له ابن عمر: يا هذا لو كنت الجحاف ما زدت على هذا القول! قال: فأنا الجحاف. وسمعه محمد بن علي بن أبي طالب _ابن الحنفيّة_ وهو يقول ذلك فقال: يا عبد الله, قنوطك من عفو الله أعظم من ذنبك.

 

 

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

 

الأحد، 10 نوفمبر 2024

سلسلة مقالات: وَقَدْ يَجْمَعُ اللهُ الشَّتِيْتَيْنِ (6) وَباكيةٌ أخرى تُهِيجُ البَوَاكِيَا

 

سلسلة مقالات: وَقَدْ يَجْمَعُ اللهُ الشَّتِيْتَيْنِ

(6)

وَباكيةٌ أخرى تُهِيجُ البَوَاكِيَا

    هل يتسع القلب لحبيبتين؟ هذا سؤال وجده صاحبي مكتوباً في ورقة صفراء باهته, قد بلتها الشمس والريح والماء وأكلت أطرافَهَا, وتحت هذا السؤال رُسِمَتْ يمامتان وادعتان, والذَّكرُ منهما يفتلُ ريش الأنثى من أعلى رأسها, وقد رَنَتْ لصدره في مشهدٍ غاية في الرقة, وكأن السائل أجاب حروفه بريشته لا بقلمه!

    ناولني صاحبي الورقةَ قائلاً ما تقول؟ فقلت: على مذهب اليمام لا يجوز, لكن على بني الإنسان نعم! فقد عرفنا كثيراً من الرجال أحبوا أكثر من امرأة في وقت واحد, وهو غير ممتنع لا شرعاً ولا عقلاً ولاحساً, لكن تأبى ذلك الغواني اللطيفات والخرائد المرهفات, فيقلن: القلب مسكنُ واحدة, فإن شُوركت فَسَدَ الحب.

   والتحقيق: أن حب العشير التام يستغرق القلب, فلا يتسع في العادة لغيره, أما الوداد العادي والمحبة الطبيعية فلا تمنعان الشركة بين اثنتين بل أربع! فإن كان ثمّت واحدة غالبة على القلب؛ فنصيب الأخريات ينقص بحسب ما سلبت من نصيبهن من الوداد. كما أن كُرورَ الأيام وتتابع الليالي مُغرٍ بإعماق المحبة والوداد, وإحياءِ جذوة جمرة الحب الأولى مرة بعدَ مرات, وقد تذكو حيناً وتخمد أُخَر. ومناطُنَا هنا هو المحبة النفسانية, أما الشهوانية فلا حدّ لها. قال البحتري الطائي:

وكنت امرأً بالغورِ مني صريمة   ...   وأخرى بنجدٍ ما تعيدُ ولا تُبدي

فطوراً أكرّ الطرْفَ نحو تهامةٍ   ...   وطوراً أكرّ الطرف كراً إلى نجدِ

وأبكي إذا فارقت هنداً صبابةً   ...   وأبكي إذا فارقت دعداً على دعدِ

      وقبله قال جرير الخطفي اليربوعي:

أخالدَ قد عَلِقتُكِ بعد هندٍ   ...   فشيَّبَتْنِي الخوالدُ والهنودُ

هوىً بتهامةٍ وهوى بنجدٍ   ...   فقتّلَنِي التهائم والنجودُ

      وقال جرير كذلك:

إلى الله أشكو أن بالغورِ حاجةً   ...   وأُخرى إذا أبصرتُ نجداً بداليا

      ثم أخذنا العُصيَّ فتجوَّلْنا على الأقدام, فقلت له: هل من أبيات غائرة في الجزالة, عاليةٍ في الحسن, تكون مثنى أو فرادى, أين نفاضة جرابك؟

     ولما كان صاحبي لوذعيّاً ألمعياً أحوذيّاً, حاذقاً حسن التأمل في دقائق المحاسن ولطائف الشمائل, فهو من ذلك في أرفع المراتب؛ لم أعجب من حُسْنِ ردِّه الوافي إذ قال: خُذْهَا تقطرُ فتيتَ المسك وخالص العنبر, فمن ذلك قول لبيد:

وجلا السيولَ عن الطُّلول كأنّها   ...   زُبُرٌ تَجِدُّ متونَها أقلامُها

    فالسيل حين كشف عن الأطلال؛ صارت كأنها كتاب قد انمحى بعضه فأُعيد عليه وترك ما تبيّن منه, فالسيل هو القلم والأطلال هي الكتاب الباهت. وهذا البيت من بيت عجائب الشعر, وقد كان الفرزدق يسجد إذا أنشده, ويقول: إنا لنعرف مكان السجود من الشعر كما تعرفونه في القرآن! وهذا من رِقَّةِ دينه, فالقرآن لا يُضاهى, لاهُمَّ إن قصد السجود لله شكراً على ما أفرح وأسعد بإلهام المعاني الفائقة, وتسهيلها بالألفاظ الرائقة, وهذا من أعظم نعيم الدنيا عند أولئك القوم!

    وكان أبو بكر الخوارزمي يقول: أمير الشعراء العصريين أبو الطيب, وأميرُ شعره قصيدته التي مطلعها:

مَنِ الجآذِرُ في زِيّ الأعَارِيبِ  ...  حُمْرَ الحِلَى وَالمَطَايَا وَالجَلابيبِ

      وأميرُ هذه القصيدة قوله :

أَزُورُهمْ وسوادُ الليلِ يشفعُ لي  ...   وَأَنْثَنِي وَبَيَاضُ الصُّبْحِ يُغري بِي

       وقال الخوارزمي كذلك: أغزلُ بيت للعصريين قولُ أبي الطيّب :

قد كنتُ أُشفقُ من دمعي على بصري  ...   فاليومَ كلّ عزيزٍ بعدكم هَانا

      ومن غرر أبياته اليتيمات قوله :

وَمِنْ نَكَدِ الدُّنيا على الحُرِّ أَنْ يَرَى...  عدوّاً له ما من صداقتهِ بُدُّ

      وأنشد أبو الشيص الخزاعي, في معنًى فخم مبتكر:

وَقَفَ الهوى بي حيثُ أنْتَ فليسَ لي   ...   متأخَّرٌ عنه ولا مُتَقَدَّمُ

أَجِدُ الملامةَ في هواكَ لذيذةً   ...   حُبَّاً لذكركَ فليَلُمْنِي اللُّوَمُ

      وقال عبد الله بن علقمة:

أَثيبي بِودٍّ قبلَ أن يَشْحَطَ النَّوى   ...   وَتَنْأَى الليالي بالحبيبِ المفارقِ

      أما عروة بن الورد فهو أمير الصعاليك, وكان لا يُغِيرُ إلا على البخلاء الأشحّاء دون الكرماء الأسخياء, ثم يفرّقُ سَلَبَهُ على الفقراء, فسُمّي عروة الصعاليك وهم الفقراء, لذلك فعروة سابق لروبن هود اللص النبيل, ومن أحسن شعره المعبّر عن ذلك:

إني امرؤٌ عافى إنائيَ شرْكَةٌ   ...   وأنت امرؤٌ عافى إناؤكَ واحدُ

أَتهزأُ مِنِّي أَنْ سَمِنْتَ وأن تَرَى   ...   بجسمي شحوبٌ الحقِّ والحقُّ جاهدُ

أُفَرِّقُ جِسْمِي في جسومٍ كثيرةٍ   ...   وَأَحْسُو قَراحَ الماءِ والماء باردُ

    كذلك تأمل حكمة عنترة في لاميته في عبلة ابنة عمّه فهي قريبة من هذا السبيل:

بَكَرَتْ تُخَوِّفُنِي الحتوفَ كأنَّني   ...   أصبحتُ عن غَرَضِ الحتوفِ بمعزلِ

فأجبْتُهَا إن المنيةَ منهلٌ   ...   لا بد أن أُسقى بكأسِ المنهلِ

فَاقْنِي حياءكِ لا أبالك واعلمي   ...   أَنِّي امرؤ سأموتُ إن لم أقتلِ

    فعنترة قد جمع إلى المروءة الفروسية الحسية والمعنوية, وانظر لوصفه عفته:

وأغضُّ طرْفي إن بدتْ ليَ جارتي  ...  حتَّى يوارِي جارتي مأواها

إني امرؤٌ سمْحُ الخليقة ماجدٌ   ...   لا أتبعُ النَّفس اللجوجَ هواها   

    أما الأعشى فهو أحد أشعر العرب العرباء, وهو أحد أصحاب المعلّقات, وتسمّى المُذهبات, ويزعمون أنها كتبت بماء الذهب ثم عُلّقت في جوف الكعبة ولا يصح هذا الزعم البتة, فكتاب العرب لسانهم وقريحة محفوظهم, كما ليسوا بأهل ثراء حتى ينهجوا بها كظرفاء الملوك. ومن غُرَر قريضه:

قالوا الركوبَ فقلنا تلك عادتنا   ...   أو تنزلون فإنا معشر نُزُلُ

    وذكروا أن بيته هذا هو أشجع بيت قالته العرب, فهم يحسنون الطعان فرساناً وراجلة, وقد نشأوا عليه. والأعشى وُصف بقولهم: كان إذا مدح رفع, وإذا هجا وضع! وقال يسخر ويتوعد كسرى قبل يوم ذي قار:

واقعُدْ عليكَ التاجُ معتصباً به   ...   لا تطلبنّ سوامَنا فتُعَبَّدَا

    والسوام هي الإبل الراعية ويقال لها سائمة, والمقصود ديار العرب.

    أما زهير بن أبي سلمى فهو شاعر الحكمة والتأملات ومدح الفضائل, وله أبيات في الحكمة يحفظها العامّة إلى هذا الزمان. وهو والد كعب صاحب البردة, وهو مُعلّم الحطيئة الشعر, وقد كانت له في الشعر مدرسة خاصّة ولعله أخذها عن أستاذه أَوْس بنَ حَجَر التَّمِيمي القائل:

أَيَّتُها النَّفْسُ أَجْمِلي جَزَعاً ... إِنَّ الذي تَحْذَرِينَ قد وَقَعا

إنّ الذي جَمَّعَ السَّماحَةَ والنَّ ... جَدَةَ والبَأْسَ والنَّدَى جُمَعا

الأَلْمَعِيُّ الذي يَظُنُّ بِكَ الظَّ ... نَّ كأنْ قد رَأَى وقَدْ سَمِعا

    وزهير هو صاحب الحوليات, إذ ينظم القصيدة في أربعة أشهر, ثم يُدَقِّقُها أربعة أشهر, ثم يعرضها على شعراء قومه أربعة أشهر, فإذا كان رأس الحول صدح بها في عكاظ, فطارت بها العرب. وكان الحطيئة يقول: خير الشعر الحولي المحكّك. ومن حسين شعر زهير:

تداركْتُمَا عبْساً وذُبيانَ بعدما   ...   تفانوا ودقوا بينهم عطرَ منشمِ

وما الحرب إلا ما عرفْتُمْ وذقتُمُ   ...   وما هوَ عنها بالحديثِ المرجَّمِ

متى تبعثوها تبعثُوها ذميمة   ...   وتَضْرَ اذا أضريتموها فتضرمِ

     وقال في هَرِم بن سنان:

ولأَنت تفري ما خلقت وبعض   ...   القوم يخلق ثم لايفري

     ومعنى يخلق يقدّر. ومعنى يفري يقطع. فهو إذا عَزَمَ فَعَلَ ولم ينثنِ.  وقال زهير في  حصن بن حذيفة:

وأبيضَ فيَّاضٍ يداهُ غمامةٌ   ...   على معتَفِيهِ ماتُغبّ فواضلُه

تراهُ اذا ما جئتَهُ متهَلِّلاً   ...   كأنَّك تعطيهِ الذي أنتَ سائلُه

    والمُعتف هو السائل. ومعنى تغب أي تنقطع. وقال أيضاً:

وهل يُنبتُ الخطّيَّ إلا وشيجَهُ   ...   وتغرسُ إلا في منابتها النخلُ

      وقال أبوالطيب:

ومن ينفق الساعاتِ في جمعِ مالِهِ   ...   مخافةَ فقرٍ فالذي فعل الفقرُ

        وقال النابغة:

حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبةً   ...   وليس وراءَ الله للمرءِ مذهبُ

وإنَّك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ   ...   إذا طلعتْ لم يبدُ منهن كوكبُ

ألم تر أن الله أعطاك سُورَةً   ...   ترى كلَّ مَلْكٍ دونها يتذبذبُ

ولستَ بمستبق أخاً لا تلمنَهُ   ...   على شعثٍ أيّ الرجال المهذبُ

   والسُّورة هي المنزلة. وإذا أُطلق النابغة فهو الذبياني لأن هناك نوابغ سواه وأطلقوا عليهم ذلك لأنهم نبغوا في الشعر بعد الأربعين, وقال في قصيدته العينيَّة في اعتذاره للنعمان بن المنذر, وهو تشبيه لم يُسبق إليه ولم يُلحق به:

فإنَّكَ كالليلِ الذي هو مُدركِي   ...   وإن خِلْتُ أن المُنْتَأَى عَنْكَ واسعُ

أَبَى اللهُ إلا عدله ووفاءهُ   ...   فلا النكْرُ معروفٌ ولا العرفُ ضائعُ

     وفي مدح الغساسنة ينشد, وقد نقل أخيلته غير واحد من الشعراء:

إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم   ...   عصائبُ طيرٍ تهتدي بعصائبِ

على عارفاتٍ للطعان عوابسٍ   ...   بهن كلومٌ بين دام وجالبِ

ولا عيبَ فيهم غير أن سيوفهم   ...   بهنَّ فلولٌ من قراع الكتائبِ

      ولعامر المحاربي, في معنىً بديع جداً:

وكنا نجوماً كلما انقضَّ كوكبٌ   ...   بدا زاهرٌ منهن ليس بأقتما

      وقال طُفيل الغنوي في نفس معنى المحاربي ولعلّه أجود:

نجومُ ظلامٍ كلما غاب كوكبٌ   ...   بدا ساطعاً في حِندِس الليل كوكبُ

       ولعنترة, وتأمل تشبييهه العجيب للذباب حينما يَحُكُّ يديه في بعضهما بِرَجُلٍ أجذم يحاول قدح الزناد بذراعيه, وهذا من روائع التشبيه:

فترى الذبابَ بها يُغَنِّي وحده   ...   هزِجاً كفعلِ الشَّارب المترنِّمِ

غَرِداً يحكُّ ذراعَهُ بذراعِهِ   ...   فِعْلَ المُكِبِّ على الزِّنادِ الأجذمِ

    ثم قال: هل أُنبئك بخبر ابن عجلان؟ قلت: حيّهلاً بكما!

    فقال: ذكروا أن عبد الله بن عجلان النَّهدي القضاعي, صاحب هند النهدية, وهو أقل العشاق أياماً, خرج يوماً إلى شعب في نجد ينشد ضالَّةً, فشارف على ماء نهر يقال له غسّان, فلما علا ربوة تُشْرِفُ عليه إذ بنات قد خلعن ثيابهن يغتسلن في الماء, فكمن ينظر مستخفياً, فخرجن حتى بقيت هند وكانت طويلة الشعر, فأخذت تمشطه وتسرحه وتسببه على بدنها, وهو يتأمل شفوف بياض جسدها من خلال سواد شعرها, فتمكَّن الهوى من سويدائه, فنهض ليركب راحلته فعجز وأُقْعِدَ ساعةً مبهوتاً مما جرى من عقره، فلم يستطع ركوب ناقته بعدما كانت تصف أمامه ثلاث رواحل فيقفزها ويرتحل الرابعة, فقال وقد عرف ما داخله من الحب الذي اعجزه وعطل حركته:

لقد كنتُ ذا بأسٍ شديدٍ وهمَّةٍ   ...   إذا شئتُ لَمْساً للثُّريا لمستُهَا

أتَتْنِي سهامٌ من لحاظٍ فأرشقتْ   ...    بقلبي ولو استطيعُ رددتُّهَا

    ثم قال: هذه والله الضالة التي لا ترد, فخطبها إلى أبيها فزوَّجه, ومضى عليهما ثمان سنين في أحسن مقام وأهنأ حال, ولما لم تحبل منه أراد والده تزويجه فأبى, فلما ألحَّ عليه عرض عليها أن يأخذ غيرها, فأبت أن تكون مع أخرى, ثم إنه سَكِرَ يوماً فجمع أبوه وجوه الناس وطلبوا إليه فراقها فطلقها في حال سكره, فلما أفاق احتجبت عنه, وزُوّجت بعد لغيره, فذاب حاله كمداً, فمات عشقاً قبل الفيل بأربع سنين.

     وقيل: إنه ذهب إليها في مضارب زوجها, وكان من بني نمير, فرآها جالسة في حوض فدنا منها فتعانقا وسقطا ميتين.

    وبعض أخبار العشاق ومصارعهم هي من نسج أخيلة الرواة, وتمليحات القُصَّاص, ولكن لا علينا لئن كان صدقاً فليس بمستغرب، فلنعش جوهم العطريّ قليلاً, ولنَمْتَع فيه خطانا, ولنُمَتِّع به أرواحنا, فالخيال عند أهل الفن أجدى من الواقع وأمتع, فأحلام اليقظة والمنام تنفيس من كُربات الأيام, وإن كانت الحقائق بخلافها!

وما كُلُّ دارٍ أقفرتْ دارةُ الحِمى   ...   ولا كُلُّ بيضاء الترائبِ زينبُ

     وقد ذكروا أن ابن المولى الشاعر المدني وكان موصوفاً بالعفة وطيب الإزار، فأنشد عبدَ الملك شعراً له من جملته:

وأَبكي فلا ليلى بكتْ من صبابةٍ   ...   لباكٍ ولا ليلى لِذِي البذل تبذلُ

وأخنعُ بالعُتْبَى إذا كنتُ مُذْنباً   ...   وإن أذنبَتْ كنتُ الذي أتنصَّلُ

    فقال عبد الملك: من ليلى هذه؟ إن كانت حرّة لأزوجنّكها، وإن كانت أمة لأشترينها لك بالغة ما بلغت! فقال: يا أمير المؤمنين، ما كنتُ لأصعّر وجه حرٍّ أبداً في حُرّتِه ولا في أمته، وما ليلى التي أَنِسْتُ بها إلا قوسي هذه, سمّيتها ليلى لأن الشاعر لا بد له من النسيب.

    ومن مشاهير العشاق كذلك ذو الرمة التميمي وصاحبته مَيّ، كذلك مالك أخو ذي الرمة وصاحبته جنوب الجعدية, وابن علقمة القحطاني وصاحبته حبيش الخريمية، والمُرَقّشُ الأكبر الضَّبعي وصاحبته أسماء, وهي ابنة عمة ومات من حبها بعد زواجها من غيره, ونصيب الزّنجي وصاحبته زينب الكنانية, وعتبة بن الحباب الأنصاري وصاحبته ريّا بنت الغطريف السللي، وكعب الطائي وصاحبته ميلاء ابنة عمه، والصّمة القشيري التغلبي وصاحبته ريا ابنة عمه, نعوذ بالله من نار الهوى.

    وقد أحسن  بَشّار ثم أحسن في صيد طريدة حسن التشبيه إذ قال:

أقولُ ولَيْلَتِي تَزْدادُ طُولاً ... أما لِلَّيْلِ بَعْدَهُمُ نَهارُ

جَفَتْ عَيْنِي عن التَغْمِيضِ حتَّى ... كأَنَّ جُفُونَها عَنْها قِصارُ

كأَنَّ جُفُونَها كُحِلَتْ بِشَوْكٍ ... فَليْسَ لِوَسْنَةٍ فِيها قَرارُ

    ومِن فَخَارِ الفرزدق الفاخِرِ:

يختلف الناسُ ما لم نجتمْع لهمُ ... ولا خلافَ إذا ما أجمعتْ مُضرُ

فينا الكواهلُ والأعناقُ تقدُمها ... فيها الرؤوسُ وفيها السَّمعُ والبصرُ

أما الملوكُ فإنا لا نلين لهم ... حتى يلينَ لضرس الماضِغ الحجرُ

    وبينا نسيرُ في الصَّحصحان عَنَّتْ على مَدِّ النظر تَبَّةٌ حمراء مشرفة على قاع مخضرٍّ فيه ألون الربيع فأضحى مرجاً رائقاً, فبلغنا التبّة وجلسنا عليها بين ثمامتين سلِمَتَا من مشافرِ النِّيب, مشرفين على ذلك المرج الذي يشرح الصدر منظره وهواؤه, فقلت: حدّثني عن نبات نجد الذي تغنّت به الأعاريب. فمدَّ يده لثمامة على يساره فكسر منها عوداً ولا كه بين أسنانه كهيئة المُتَطَعِّم المُتذوّق ثم لفظه وقال: نبدأ بهذا الثُّمام, وهو كما ترى نبْت ضعيف قصير لا يَطُول, وخُوصُهُ السَّلَب, يقال: أسلب الثّمام إذا أخرج خوصه. والناصِفَة الأرضُ التي تُنْبِتُ الثُّمَامَ وغيرَه. ويسمى الثمام الجَلِيل, وقد تمثّل بلال رضي الله عنه لما أصابته حمى يثرب:

ألاَ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أبِيتَنَّ لَيْلَة ... بِوَادٍ وحَوْلِي إذْخِرٌ وَجَلِيلُ

وهل أَرِدْنَ يَوْمًا مِياهَ مَجَنَّةٍ ... وهل يَبْدُوَنْ لِى شامةٌ وطَفِيلُ

     وقد ذكر الإذخر, ويسميه بعضهم السّاف, وهو نَبْتٌ طَيِّبُ الرّائِحَةِ؛ أما شامَة، وطَفِيل فهما جَبَلان مُشْرِفان على مَجَنَّة. وعندَ مَجَنَّة كانت تُقامُ سوقٌ للعَرَبِ فى الجاهِلِيّة. وقال الأَصْمَعِىّ: كانت بمَرِّ الظَّهْران, وهو وادي فاطمة حالياً. وكانت سوقُ مَجَنَّة تُقام عَشْرةَ أيّام من آخِر ذى القِعْدَة ، وبعضهم يذكر أنه مجنة جنوب مكة, وقَبْلَها سوق عُكاظ شرقيَّ الطائف مما يلي نجد شمال جبل حضن, بجوار عُشَيرَة والعَرْفَا حالياً.

      ومن نبات أرض العرب النَّصِيُّ وهو نَبْتٌ سَبْطٌ أبيضُ ناعِمٌ من أفضل المَرْعَى. ولا تسل عن جماله إذا تمايل وعكس بقدّه ضياء الشمس عند الأصيل كأنه مرآة صافية تعكس ضوء الشمس.

    ومن نباتها العَرَار, وطالما تغنى به الشعراء: وهو نبات نجديّ واحدته عرارة, ولها وردة ناعمة صفراء طيّبة الرَّائحة, قال الصِّمَة بن عبد الله القُشَيْري:

أقولُ لِصَاحبي والعِيسُ تَهْوِي ... بِنَا بَيْنَ المُنِيفَةِ فالضِّمَار

تمَتعْ مِنْ شِميم عَرَارِ نجْدٍ ... فَمَا بَعْدَ العَشِيَّةِ من عَرَارِ

ألا حَبَّذَا نفحاتُ نجدٍ   ...   ورياً روضه غبَّ القطارِ

    ومن نباتها الأُقْحوان, واحدته أقحوانه والجمع أقاحي, وهو نبت معروفٌ لا يكاد يخلو منه بلد ولا سهل ولا وَهَدٌ, وهو من نبات الربيع, طيب الرائحة خفيفها, أبيض النور, في وسطه دائرة صغيرة صفراء، وأوراق زهره مفلجة صغيرة، ناصعة البياض جداً يشبهون بها الأسنان، وهي زهرة في غاية الحسن والرقة والجمال واللطافة, وتسمّى القُرَّاص والقُحوان, وعند المصريين حوان, أما الفرس فيسمونه البَابُونَج .

وقد أحسن ظافر بن القاسم في قوله:

أنظر فقد أبدى الأقاحي مبسماً ... يفترّ ضحكاً فوق قدٍّ أملدِ

كفصوص درٍّ لطفت أجرامه ... وتنظمت من حول شمسة عَسْجَدِ

    ومن نبات بلاد العرب الأراك, وهو من شجر تهامة, ومن خير المراعي, وهو معدود من شجر الحمض, ويُستاك بقضبانه، واحدته أراكة, والبَرِيرُ ثَمَره, فإذا اسْودّ وبلغ قيل له: الكَبَاث, أما جذوره فهي خير المساويك, واحدها مسواك الأراك. وفي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرِّ الظهران نجني الكَبَاث, فقال: "عليكم بالأسود منه, فإنه أطيب" فقلت: أكنت ترعى الغنم؟ قال: "نعم, وهل من نبيٍّ إلا رعاها" ويروون عن علي رضي الله عنه أنه رأى فاطمة رضي الله عنها تستاك بالأراك, فتناوله منها ثم خاطبه:

حُظيتُ يا عودَ الأراك بثغرِهَا  ... ما خفتَ يا عود الأراك أراكا

لو كنتَ من أهل القتال قتلكَ  ...   لم ينج مني يا سواكُ سواكا

     ومن ظرف الحسن بن سهل ولطفه أنه كان في يده ضغث من أطراف الأراك، فسأله المأمون عنه: ما هذه؟ فقال : محاسنك يا أمير المؤمنين، تجنباً لأن يقول: مساويك. وقال إبراهيم المهدي راثياً ابنه:

سأبكيكَ ما أبقت دموعيَ والبُكَا ... بعينيَّ ماءً يا بنيَّ يُجِيبُ

وما غَارَ نجمٌ أو تغنَّتْ حمامةٌ ... أو اخضر في فرع الأراك قضيبُ

    وأصاب الأبيوردي عين الجمال بقوله:

رمى صاحبي منْ ذي الأراكِ بنظرةٍ  ... إلى الرَّملِ عجلى ثمَّ كرَّرها الوجدُ

وأتبعتُهَا أخرى فبي مثلُ ما بهِ ... أجلْ ما استطعتَ الطَّرفَ أسعدكَ يا سعدُ

متى طرَقَتْنِي نفحةٌ غَضَوِيَّةٌ  ...  يفوحُ بريّاها العَرارُ أوِ الرَّندُ

    والعرب إذا رأوا العرار اشتاقوا لنجد, وإن رأوا الأراك حنوا لتهامة.

     ومن نبات أرضهم الشِّيح, وهو نبت سهلي رائحته طيبة قوية, وهو كثير الأنواع ترعاه الماشية. والقيصومُ قريب من الشيح, وهو نَبْتٌ طيِّبُ الريحِ ومعدود من رياحين البر, وهو خاصٌّ ببلاد العرب. ويقال لمن خلصت بدويته: فلانٌ يمضغ الشيح والقيصوم. قال عمر بن أبي ربيعة:

إحْدَى بُنَيَّاتِ عَمِّي دون منزلها ... أرضٌ بقيعانها القَيْصُومُ والشِّيحُ

    ومن نباتها الأرطى واحدتُهَا أرطأة, تنبتُ عصيّاً من أصل واحد, تطول قدر القامة، وهي مرة تأكلها الإبل غضّةً, ويشبه الأرطى الغضا إلا أن الغضا أعظمهما, ويضرب المثل بحرّ جمره, وذئبُ الغضا من أفتك الذئاب, وسمّته سِيْدَ الغضا, وقالوا في المدح:

إذا سيم ريح الخَسف زَبْدٌ رأيتَه ... كسِيْدِ الغَضَا أرْبىَ لك المُتَظالعُ

    ومن نباتها الأثلُ, وهو شجر عظيم ظليل, وجذوعه سُقُف دورهم إن كانت بقُربه, وتشبهه الطرفاء إلا أنها أصغر, والأثل هو أكبر شجر بلاد العرب مع السِّدر البرِّي. قال ذو الرمّة:

نظرتُ إلى أظعان مَيٍّ كأنَّها  ...  ذرى النخل أو أثل تميل ذوائبُه

فأسبلت العينان والصَّدر كاتمٌ  ...   بمغرورق نمَّتْ عليه سواكبُه

     ومن نباتها الجثْجاث, وهو شجر أصْفَر مُرٌّ طيب الريح, تَسْتطيبُه العرب وتُكْثر ذكره في أشعارها, كذلك البَسْباسُ وهو طَيِّبُ الريح ويُشْبِه طَعْمُه طعم الجزر, وثالثهما الفشفاش.

    كذلك الرّمث, وهو نبات سهلي من أحماض المراعي, وله أنواع عديدة, ويقال: أرض رميثة إذا كانت كثيرة الرمث. ودخان الرمث يخالط سواده بياض, وهذا اللون الرمادي يسمى الأورق, ومنه سموا الذئب أورقاً والذئبة ورقاء, ومن شَمَطَ من الرجال كانت لحيته مقاربة للون الرِّمث يابساً أو لون دخانه.

   ولاحظ أن كل هذه المسميّات لنبات أرضهم قد سمّوا بها أولادهم, فسمّوا رمثة وطلحة وسمرة..وكحال بيئتهم وأدواتهم وبهائمهم فسمّوا غيثاً وحجراً وجبلاً وجملاً وأسداً وليثاً وثعلباً وسبيعًا وكلباً وثوراً وجحشاً وحماراً.. والآن: مطراً ورعداً وذئباً وصقراً وبازاً وشاهيناً وعقاباً وقعوداً ونجراً ومحماساً وفنجالاً.. وفي ما ذكرت لك من النبات مقنع, فهلم فقد شارفت شمس المغيب.

 

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com