إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الثلاثاء، 4 فبراير 2014

خالد الدخيل.. ومتلازمة العلمنة السياسية!

خالد الدخيل.. ومتلازمة العلمنة السياسية!
الحمد لله على كل حال, والشكر له في كل حين.. وبعد: فإن المحدّد الأول لضمان الوصول لأي هدف بإذن الله هو صحة اتجاه السير, أما مع انحراف المسير فكل خطوة يخطوها فهي لا تقربه لهدفه قط, بل تبعده عنه بقدر ميل الاتجاه وانحرافه!
ولدى الدكتور خالد الدخيل - وهو الكاتب المتميز الخلوق - متلازمة غريبة في مكابرة الفهم والطرح لثلاثة مواضيع: السياسة الشرعية, وصلاحية الدين لكل زمان ومكان, وأن الدين الواجب الاتباع هو الوحي المنزل لا أقوال الفقهاء.. وقد أفرز القصور عن فهم هذه الثلاثية الحيرة في فك رموز الصيرورة التاريخية في الطرفين الماضي والحاضر المعروف شرعًا بسنن الله الكونية.
فالملاحظ على د. خالد - وفقه الله وأخذ بيدي ويده لهداه ومرضاته – تكراره ودورانه في مدوناته على مسألة فصل الدين عن السياسة عبر محاور تبعد وتقرب من مركز هذه المتلازمة الجائرة, ولعله قد خط ذلك بحسن نية وسلامة طوية ورغبة خير للوطن, ولكن متى كان الجهل عذرًا في مسائل نسف مسلمات الدين وزحزحة سلطان الوحي الإلهي أمام ترهات البشر وأكاذيب السياسة وأضاليل الفكر؟!
 وهذه العلمنة السياسية المنادَى بها بهلعٍ من لدن كتّاب وساسة كثُر في الداخل والخارج لتجعل المراقب الغيور يضع يده على قلبه متسائلًا: ماذا يراد بمهبط الوحي وماذا يكاد لمهوى الأفئدة وماذا يعدُّ لمأرز الإيمان؟! فاللهم سلم سلم.
د. خالد أنموذج لقياس تقريبي لعمق الأزمة الفكرية التي يعانيها من تشرّب كتب الفلسفة دونما رِيٍّ كاف من ينبوع السلامة والعافية والتحصين, وهل هو إلا الوحي لا غير؟!  وسأقف مع مقاله الأخير المعنون بـ" إدمان الخطاب الديني" المنشور في صحيفة الحياة يوم الأحد الثاني من ربيع الآخر. وهذا المقال بمسمّاه غير اللائق يعتبر واجهة ثقافية لمشروع كتّاب السياسة العلمانية إجمالًا؛ إذ كرّر كثيرًا من موضوعاتها ومفرداتها بضغطها في مقال واحد. وياليت د. خالد مع هذا الجهد والترتيب قد أعاد النظر مليّا في جذور تلك الهرولة الفكرية للوراء! نعم للوراء فكل ما أخرجته جماجم البشر الفانية من محاولات القفز على حدود الله والانحراف الفج عن صراطه المستقيم لا تعدو أن تكون طفوليات جالبة للشفقة والأسى مهما تدثر أصحابها بدعوى الموضوعية وتواروا خلف ألقابها!
لا أريد تشتيت الحديث – ذي الشُّعب المترامية - عن محوره ألا وهو وقفات مختصرة مع ذلك المقال, لعل الله ينفع به أخي الكريم الدكتور خالد ومن خدعتهم ظواهر لبوس الفلسفة عن حشوها النكد المسموم. وسيكون كلام د. خالد بين معقوفين وبلون مغاير, قال:
"في كل مرة تُفرض قضية اجتماعية أو سياسية مهمة نفسها علينا، غالباً ما نلجأ إلى مناقشتها، انطلاقاً من مفاهيم الخطاب الديني ومرئياته، وفي شكل يكاد أن يكون حصرياً وهذا ما حصل مع موضوع «الجهاد» في برنامج «الثامنة مع داود الشريان» الأسبوع الماضي، وفي الردود التي تتالت عليه في بعض الفضائيات والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي ما المشكلة في ذلك؟ ألسنا مجتمعاً مسلماً؟ تأخذ الإجابة عن ذلك صيغة سؤال أيضاً: هل هو محكوم على المجتمع المسلم من دون غيره من المجتمعات أن يتنكر لتعدديته، وأن يبقى أسيراً لخطاب واحد أحد، على رغم القرون كلها، وتغير الزمن والتاريخ والمعطيات؟ المشكلة مركبة، ولها أوجه عدة"
قلت: هذا التصدير الاحتجاجي فيه مغالطات ثلاث:
 الأولى: عدم صحة هذه الدعوى عبر كثير من منابر الإعلام الرسمي, بل الواقع المرّ بخلافه, فالصحافة والفضائيات والنت تعج بخلاف ما ذكر, ويديرها الليبراليون المتأمركون, ولهم حظوة من قديم عند بعض أصحاب القرار, فأفرز ذلك قوة ونماء التيار العلماني التغريبي في الوسط الإعلامي الرسمي بكل أسف! فتبيّن إذن أن "حصريّا" ما هي إلا كذبة صلعاء, ولولا بعض التنفيس لكادت "الحصرية" أن تكون بعكس من ذكر الكاتب. ولله وسائل التواصل الاجتماعي - التي أقلقت الكاتب - إذ أظهرت حجم التديّن الفطري وحب العلم وأهله والغيرة على ثوابته وحدوده من لدن غالب الشعب والسواد الأعظم بحمد الله صالحهم ومقصّرهم, عدا قلّة منتفخة بالباطل تزعم أنها نخبة الناس بينما بعضهم لا يحسن فاتحة الكتاب!
وما هذا الركض المحموم من الكاتب وغيره سوى محاولة لرفع معنويات الإعلامي المحترق داود الشريان, الذي أبى إلا أن يظهر وجهه في الشمس الساطعة التي أذابت ما بقي من شمع التزييف الإعلامي والحذلقة الخدميّة والتشدق الوطني! وليت الدكتور خالد لم يربط قاربه بمركب ذلك المخاتل!
المغالطة الثانية: مساواة المجتمع المسلم ببقية المجتمعات, فكثير من الكتاب يقيسون الإسلام الكامل بنصرانية بولس وكنائس الخرافة والظلم, وهنا ينعى الكاتب عدم قبول المؤمنين للتعدّدية, وهذا العبارة الهلامية - وهي من إفرازات عصر التنوير الأوروبي - يراد بها تعدّدية الأديان, فحينما يقول الله تعالى: يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم" يريد هؤلاء للمؤمنين أن يقبلوا أولئك الكفرة وأن تتسع صدورهم لحرية كفرهم وعهرهم. وحينما يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها: "لا يترك بجزيرة العرب دينان" يأتينا من يدعو لمحادّة ذلك, وتأمل  - عزيزي - كلام نبيك صلوات الله وسلامه الذي رواه الشيخان: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" فهذا أمر بإخراج "وطرد" من كان فيها, فما بالك بقبول من أتى من خارجها. أما الاستثناء لوجودهم فهو الحاجة لهم كتجارة وصناعة ونقل خبرة ونحو ذلك بدون استيطان.
والموقف من التعددية الدينية له جذور لا بد من فقهها جيدًا: منها أن الأمر كما قال الطحاوي رحمه الله: لا تثبت قدم الإسلام إلا على الظهر التسليم والاستسلام. فنحن عبيدٌ نمتثل أمر سيدنا وهو رب العالمين لا شريك له, فعلام التلكؤ والتحيّر؟!
ومنها: العلم بتكريم الله للإنسان المؤمن المطيع الذي انشرحت نفسه للدين الخاتم واتسع صدره للإسلام كافة, وصح تصوّره عن حقيقتي الدنيا والآخرة, فكيف يُقاس هذا الكريم بمن كفر وطغى وتجبّر؟! اللهم غُفْرًا.
ومنها: ما لجزيرة العرب من خاصيّة ليست لغيرها من البقاع فلا يصح أن تقاس بغيرها.
وقد يريد الكاتب بالتعددية: تعددية المذاهب المنسبة للإسلام - على ما فيها من هنات, كذلك حَمَلة الفكر المخالف لمنهج أهل السنة والجماعة - وفي هذا من الضلال وفتح ذرائع الشر ما يعلمه كل عاقل مدقّق, وهل تأخرت الأمة إلا حينما فتحت فنائها لعاديات الضلالات ومغيرات الفرق؟!
المغالطة الثالثة قوله: " وأن يبقى أسيراً لخطاب واحد أحد، على رغم القرون كلها، وتغير الزمن والتاريخ والمعطيات؟"
قلت: وهذه الجملة هي الوحل الذي ساخت فيه قوائم الفهم العلماني "المقولب والمؤدلج" فوقع بعض أبناء أمتنا في أُحبولة "تاريخية النص الديني" الذي قضى الضال محمد أركون عمره في محاولة تقريرها, ولو علم أن مَثَلَهُ كمن يمرّ بأَسَلَةِ قلمه على صفحة الماء لما فعل, وهو الساعة عند ربه بعدما صار إمامًا للمفتونين, فهل بيّضت صحائفُه صحائفَه؟! "ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه" فالقرآن وحي الله وكلامه, وسنة نبيه هي الوحي الثاني "وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى" فكيف يجرؤ من انتسب للمسلمين – المستسلمين لربهم – "قل إن هذى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين" ثم يهرف بخَطَلِهِ: تغير الزمن والتاريخ والمعطيات؟! يا عجبًا! أفي الله شك يا دكتور؟! إنّ كل ما تراه من هذا العالم الفسيح هو ذرّة لا تكاد أن تكون بجانب مخلوقات الله العظمى, هل تأمّلت الأزل السحيق الذي لا ابتداء له, والأبد البعيد الذي لا انتهاء له, إن العقل ليدهش ويكاد يصعق حينما يتأمل تلك القدرة الإلهية وذلك الجلال والملك والخلق والجبروت لله رب العالمين.. أين أنا وأنت من جملة الخلائق زمانًا ومكانًا؟! أخي د. خالد: إني أهتف بالإيمان المشعّ في فؤادك وبالفطرة الصافية في صدرك - قبل كشف الغطاء في ساعة لا يغني فيها الندم - قف وتأمّل وتذكّر أن عدم التسليم بعلم الله المحيط وبقدرته التامة وبحكمته الشاملة خرقٌ بشع في ثوب الإيمان وقنطرةٌ آيلةٌ لحوبة النفاق - أجارك الله وأعاذك – قد قال ربك سبحانه وبحمده: "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" هل تعتقد أن الله قد خلقنا عبثًا, أو تركنا سدى؟! إن المسألة لا تحتمل سوى إجابتين: فإما التسليم التام بشمول الوحي وصدقية خطابه وتمام عدله وحكمته, وإما الحيرة والتكذيب.
 فالحيرة أن يؤمن بعض الناس ببعض الكتاب ويكفرون ببعض, فيقرأ القرآن ويصلي ويصوم, ولكن في نفسه شيء من صلاحية الدين لكل زمان ومكان, كأن الدين الذي ارتضاه الله ليس تامًا كاملًا بل إن نظريات ديكارت ودوركايم وروسو وفولتير وكانط وأشباههم هي أَوْلى بالتقديم والمراعاة والتسليم من قول الله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا"
 وقد يحاول المرء دهرًا أن يجمع بين ما تلحّ عليه الضرورة الشرعية والعقلية والفطرية وبين ما يهواه من ورمٍ ظنه شحمًا, إنما هو رسائل أذهان لفّها الجهل بالحقائق فاتخذوا سوى منهج الله سبلًا أردتهم وأردت بهم, فليس هناك بدّ من الإقرار بمناقضة جملة مذاهبهم العقلية لبدهيات العقل الإنساني في صورته النقية الصافية عبر نور العلم والإيمان. فإن أبى المغترّ بتلك الجهليات إلا إعناقًا في شبهاتها ومتاهاتها؛ فلا بد أن تأتيه ساعة ينفجر فيها عقله بجنون أو إلحاد, إلا أن يشاء الله, فكيف يجمع بين الماء والنار, والظلام والنور "فما ذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون"
 أخي خالد: هل تأمّلت تلطّف الله وتكرّمه ورحمته وفضله حينما امتنّ علينا بإنزال كلامه وبعث رسوله ووعده بالرضى والجنة؟! إن ساعة تأمّل للآيات الشرعية والكونية لتبخّر الألوف من شبه الشيطان وشهوات النفس. جعلني الله وإياك من المهتدين.
ثم يقول: "المشكلة مركبة، ولها أوجه عدة فإلى جانب أن التسليم بهيمنة خطاب واحد يقمع التعددية في المجتمع، إلا أنه ينسف كل مكتسبات التنمية والتعليم، ويلغي قدرة المجتمع بعد كل ذلك على التعبير عن نفسه خارج هذا الإطار، كأن شيئاً لم يستجد في تاريخه الطويل"
وأقول: لماذا القفز على الحقائق يا دكتور؟ فهل أنت حقًّا مسلّم بهيمنة الخطاب الديني في المجتمع؟ أم أنك قد قصدتها كوميديا سوداء؟! إن كان ثمّة خطاب إعلاميّ قمعي فمعلوم أصحابه من التغريبيين, وليس بنا حاجة لعرض قائمة عددية بذلك. إلا إن كنت تقصد خُطب الجمع فهذه سابقة وكارثة, فهل تريد لمن يعتقد الشريك مع الله وعباد القبور وسبّابة الصحابة والطرقية وأهل الخرافة أن يمسكوا زمام توجيه الناس في دينهم؟! لا إخالك تقصد ذلك – رعاك الله –
أم أنك تريد فتح باب تلويث أديان الناس على مصراعيه عن طريق المناداة بحرية الفكر وحرية "الكفر" فيتلقف أفراخ المستشرقين شباب الإسلام الذين لم يتحصلوا الرصيد العلمي والفكري والإيماني الكافي للتمييز بين الجيد والرديء من تجارب وأفكار وأخلاق أممٍ اللهُ وحده العالم بمقدار ما فيها من ضلال! وهل تريد من مجتمعنا المؤمن أن يقرّ مسبة الله ورسوله ودينه؟! فهل تقرّ أحدًا على سبّك وسبّ والديك؟ وهل بين الأمرين من مجال للمقارنة أصلًا؟! وكم من مقعّد لأمر خفيت عليه مآلاته ولو بعد حين!
وكل كسرٍ فإن الدين يجبره   ...   وما لكسر قناة الدين جبران
لا تظننّ أنك بدعوتك للانطلاق في فضاءات الفكر وغيره بلا قيود أنك لهم ناصح أمين, كلا وربي, فما هذا إلا كآمر العمي أن يسيروا فوق طريق الألغام. وليست القضية بمنع الأخذ مما عند الأمم من تجارب وأفكار وأسباب تمدّن, فالحكمة ضالة المؤمن, بل الفرق فقط في اشتراطنا أن يُنخل ذلك الركام وينقى من أسباب الفساد في الدين والدنيا على يد الثقات الأمناء, لا من يغير مع الذئاب ويبكي مع الراعي! 
 ثم قال: "الجانب الآخر للمشكلة أن فرض الخطاب الديني ولّد حالاً متجذرة من الازدواجية. في الفضاء العام يتحدث الجميع بلغة الخطاب الديني، أو بما يراعي حساسيات هذا الخطاب، أما في الفضاءات الخاصة حيث الرقابة أضعف ومجال الحرية أوسع، تختلف زاوية الحديث، وأحياناً ما تكون مناقضة لما يقال في الفضاء العام"
قلت: لعل هذا يحدث في نوادٍ ومجالس من شرقوا بدين الله, أو من كذبوا على أنفسهم وعلى الناس, فهل نلوم الحقيقة لأن الجبان خذلها؟ّ!
ثم قال: "هناك جانب أكثر خطورة، وهو تضخم التناقض بين مواقف الدولة وحساباتها السياسية ومصالحها، وبين خطاب ديني لا يرى دائماً الموضوع من الزاوية نفسها. تصور في هذه الحال نتيجة ضخ مفردات الخطاب في ثقافة المجتمع، وأن المسلمين إخوة يجب أن ينصر بعضهم بعضاً، ثم في الوقت نفسه لا تستطيع الدولة الالتزام بمقتضيات هذا الطرح. الحال السورية كبّرت صورة هذا التناقض في شكل غير مسبوق، ليس بالنسبة إلى السعودية، بل بالنسبة إلى العرب كلهم تحول الصراع هناك بفعل سياسات النظام السوري وحلفائه إلى صراع طائفي، وفي شكل أساس بين السنّة والشيعة. إيران تدعم النظام بكل ما يحتاج إليه من مال وسلاح ومقاتلين، بينما الدول العربية لا تستطيع، أو لا تملك، أو لا تريد، كل بحسب ظروفه، أن تفعل الشيء نفسه بالنسبة إلى معارضي النظام. كأن الشبان بذهابهم إلى مناطق الحروب والقتال بشعار «الجهاد»، وبالنقاشات التي تفرضها هذه الظاهرة، ينوبون عن الدولة في الاستجابة لما يحدث حولهم في أعقاب ثورات الربيع العربي. وهذه حال تضع سياسة الدولة أمام اختبار لم تعهده من قبل"
قلت: هذه أزمة سوء فهم لدى عامّة من يكتب بنّفّس علماني, فيحبس مفهوم السياسة الشرعية في أمور ضيقة ونصوص مفردة عن مثيلاتها في القضية الواحدة, وسبب ذلك المفهوم عدم استيعابهم لمفهوم السياسة الشرعية العام, وهي بالمجمل فرع عن صلاحية دين الله زمانًا ومكانًا. ثم نشأ عن قصور فهم تلك المسألة ازدواجية فهم السياستين الواقعية والشرعية, وضيق عطنهم عن قبول حلول شرعية سياسية باهرة بسبب الفصام النكد السابق في خلفيتهم الثقافية, وإنك لا تجني من الشوك العنب, والناس أعداء لما جهلوا.
وقد مثّل الكاتب ضيق أفقه بالسياسة الشرعية عبر هذا المثال الفاتر فظن أن قول الله تعالى: "إنما المؤمنون إخوة" وحديث النبي صلوات الله وسلامه عليه الرائق الجميل المتفق على صحته: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" متعارض مع عجز الدولة عن النصرة الكاملة للشعب السوري ورفع المظلمة عنه, ونسي أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها, "فاتقوا الله ما استطعتم" والجميع يعلم أن سوريا الآن هي حرب استنزاف عالمية بالوكالة بين أقطاب الأرض الكبار, وأن السعودية والدول العربية جزء من تلك الحرب التي تكشف كل يوم حجم التآمر العالمي على أهل السنة والجماعة عبر تطويقهم بالحلف الصفوي الصهيوصليبي, فإيران التي أكلت العراق وجزءًا كبيرًا من لبنان وأجزاء من اليمن والخليج لها مصالح مشتركة – وإن كانت غير متفقة – مع الغرب والشرق, فوحَّدهم عِداءُ الإسلام المتمثل في أهل السنة, لذا فالسعودية تعلم أن ثورة سوريا عبارة عن منعطف تاريخي وتحوّل كبير في البعد الإقليمي والدولي, وعليه فدورها في سوريا لا بد أن يكون محوريًا رئيسًا, لا هامشيًا تابعًا, فلا عجب أن تلقي بثقلها خلف أحرار السنة الذين يشاركونها رفع وإنهاك كاهل المنجل المزدكي الصفوي عن المنطقة بأسرها. والمراقب العادي يرى صدق ذلك وثمرته على الأرض حتى مع كثافة غبار فتن الشقاق والتكفير التي تتحمل طهران كثيرًا من وزر صنعها وتفخيخها. ومن ظن أن إيران ليست اقل خطرًا وعداءً من اليهود فليس يبصر ما تحت قدميه!
ثم قال: "وهنا يبرز التناقض الحاد بين الخطاب من ناحية، والسياسة من ناحية أخرى. مصدر هذا التناقض أن منطق الدولة وحساباتها لا تتطابق غالباً مع منطق الخطاب. بعبارة أخرى، تبدو السياسة من دون خطاب يعبّر عنها ويستند إلى حد أدنى من الإجماع. الخطاب الديني لم يعد كافياً للتعبير عن سياسة الدولة. هي في حاجة إلى خطاب آخر يتسع لمقتضيات الدين ومتطلبات الدولة معاً."
قلت: وهذا مجانب للصواب, إنما أراد الكاتب مخاتلة القارئ بالإيحاء أن الخطاب الديني ليس فيه رؤية ولا رويّة ولا حسابات للمصالح والمفاسد على مستوى الدول والأفراد, وأن كل حال يقدّر بقدره, وإنما المخرج – كما يراه – ابتداع خطاب علماني لا علاقة له بالشريعة, بل يكتفي بدملوماسية الخداع والكذب الخذلان والماكيافيلية والبراجماتية على أنها هي المنقذ من هذه الأزمة الخانقة, ولا أملك ألا أن أقول: وهل مصيبة الدين إلا من كلام من يتكلم فيه دون فقه ولا ورع!
ثم قال: "من هذه الزاوية يبرز إشكال آخر: هل الجهاد قضية دينية، أم قضية سياسية؟ مسار الأحداث، كما مسار التاريخ من قبل، يقول إنها قضية سياسية كل طرف معني أو مهموم بها يبحث لها عن مشروعية دينية، أو قل أيديولوجية. وعصرنا عصر المعلومة، وعصر السياسة، وعصر تسييس المجتمعات. وفي هذا السياق لم يعد خافياً أن درجة التسييس في المجتمع السعودي تتصاعد في شكل لافت. والاقتصار أمام ذلك على خطاب ديني لا يتماهى مع متطلبات الرحلة، يضمر هوة كبيرة بين الطرفين"
وأقول: هنا برهان ما ذكرته بعاليه من جهل الكاتب بالسياسة الشرعية, وهل يشك مسلم في ذروة سنام الإسلام, وهل سقطت الأمة في حضيض هذا الهوان إلا حينما تركته؟!
يا دكتور خالد: الجهاد قضية شرعية, والسياسة قضية شرعية كذلك, وكما قال العلامة السعدي رحمه الله: لا إله إلا الله من أولها لآخرها سياسة.
تبرز للسطح مشكلة بعض المفكرين حينما يصِلون لمرحلة قبول الأفكار المتناقضة عن طريق مزجها في قالب النسبية, فلا معنى لديهم أن يكون الحق واحدًا, بل كلٌّ محتمل للصواب, وليس عابد البقرة بأقل مرتبة وفكرًا و"ديانة" من عابد رب العالمين.
والقضية هنا ليست في مسالمة الآخر أو محاورته أو الإحسان إليه, بل هي هتك حصوننا الداخلية وزعزة ركائزنا الإيمانية في سبيل "قبوله" لنا! لقد هزلت حتى بدا من هزالها كُلاها!
أما عصر تسييس المجتمعات فليس بجديد, وليس أهل الإسلام ببدع من غيرهم, والأرض بأممها تتجه اليوم إلى تسييس أيدلوجياتها, فما بال عطنك قد ضاق عن أهلك واتسع لغيرهم؟!
أما إسقاط الكاتب بتسييس المجتمع السعودي فهو من قبيل تأكيد وتكرار ما ابتدأ به مقاله, وسيكرره مرات ومرات في الأسطر القادمة في متلازمة حقيقة بالرثاء.
ثم قال: "القضية التي تمحور حولها الجدل، ولا يزال، هي: هل حرّض بعض الدعاة والمشايخ الشبان على الذهاب إلى محارق الحروب والقتال في المنطقة بدعوى «الجهاد»؟ هل يجوز ذلك شرعاً؟ ولماذا لا يذهب هؤلاء الدعاة وأولادهم إلى تلك المحارق قبل غيرهم؟ القضية ليست جديدة ومشروعة تماماً، بل ملحة، إلا أنها تتم مناقشتها وكأنها في العراء من دون إطار اجتماعي وسياسي. طرح الموضوع بهذا المفهوم ينسجم تماماً مع المنطلقات الدينية التي يستخدمها بعض الدعاة للتغرير بالشبان. وهؤلاء المغرر بهم -كما قال أحد ضيوف البرنامج- نتاج تربية أممية تعتمد التجييش العاطفي، وتصب في إضعاف الانتماء الوطني. المذهل هذا التناقض الصارخ بين الرغبة في تعزيز الانتماء الوطني من ناحية، والاتكاء من ناحية أخرى على خطاب يرفض من حيث المبدأ فكرة الانتماء هذه"
وأقول: نعم إن مناقشة مثل هذه المواضيع في العراء والإشادة بالمصيب وتخطئة المخطئ وحساب المذنب لهي ظاهرة صحية جديرة بالاحتفاء, فالهواء النقي لا يضر الأصحاء, شريطة أن تُناقش من قبل أهلها الذين يحيطون بأبعادها الشرعية تنظيرًا وواقعًا, وليس ممن يمتطونها لتصفية حسابات شخصية أو فكرية أو سياسية. أما زعمه بتضاد الانتماء الديني مع الوطني فهي زلة كبيرة أحرى بالكاتب المخضرم أن لا يُستجرّ لها, فليست موضوعية ولا منصفة بحال.
ثم قال: "يشترط الخطاب الديني موافقة الوالدين وموافقة ولي الأمر. كلا الشرطين صحيح من الناحيتين الشرعية والسياسية. لكن يتم التركيز على الناحية الشرعية وتهميش الناحية السياسية. وكما أشرت، هل الجهاد قضية دينية، أم سياسية، أم كلتاهما معاً؟ وما مسؤولية الدولة في كل هذه الأوجه الثلاثة؟ هناك جانب الفرد. هناك فرد قابل لأن يغرَّر به لصغر سنه، وآخر غير قابل لذلك، لكبر سنه وخبرته وتعليمه. ماذا عن الأخير عندما يذهب للقتال بقناعته واختياره ومن دون أن يغرر به أحد؟ هل يملك وحده حق تقرير موقفه من قضية بحجم الانتصار لثورة في سورية مثلاً؟ وما حدود موقف هذا الفرد؟ هل هي موافقة الوالدين وولي الأمر، أم قوانين وأنظمة الدولة التي ينتمي إليها؟"
وأقول: أليس ولي الأمر هو من وضع أو أقرّ أنظمة الدولة؟ فلماذا تفصل بين ذينك الأمرين ومؤداهما واحد؟ وهل النظام سوى قيد مصلحي يسنّه ولي الأمر في وقت, ويغير بعض بنوده في وقت آخر, وقد يلغيه تمامًا بعد ذلك. فلعل الكاتب الكريم فيما يستقبل أن ينبذ اللعب بالمصطلحات, وأن يكون واضحًا صادقًا.
ثم قال: "في ما يتعلق بشرط موافقة الوالدين وولي الأمر تبرز ملاحظة لافتة. في حرب أفغانستان كانت هناك موافقة ولي الأمر، وعلى الأقل موافقة بعض الوالدين، ومع ذلك لم تختلف النتيجة. ترتب على تلك المشاركة إرهاب كان ولا يزال معنا، ما يعني أن المشكلة ليست مرتبطة فقط بموافقة الوالدين وولي الأمر. المشكلة في مكان آخر."
وأقول: كَبُرَتْ كلمة يا خالد! ألهذه الدرجة بلغ لك الحنق على الخطاب الديني؟! قد تهرب بقولك: إني أعني كلام العلماء الذين يفتون الدولة ويجيزون سياستها ويبررون خطابها, أو حتى أولئك الذين لا تستمع لهم الدولة وتضرب صفحًا عن خطابهم وتغضي عن كلامهم. ولكن أينك من هذا السؤال: أتريد أن تقول إن الشريعة التي يتكلم بلسانها أهل العلم تحوي في باطنها المشكلة والداء؟! أتعقل ما تقول حقًا؟!
إن كلام فقيه أو أكثر لا يعني بالضرورة أنه موافق للشرع المنزل, ولكن كلام الطرف المخالف غير المتدثر بالعلم والفقه والملقب لهم بأصحاب الخطاب الديني لا يُفهم من كلامه إلا الإسقاط على الوحي ذاته والشريعة عينها, وهنا مكمن الفجور!
ثم أكّد الكاتب إشكالية الخطاب الديني "الذي لا يحتمل في سياقه هنا سوى شريعة الله لأنه أطلق ولم يقيد وعمّم ولم يستثن" فقال: "خطاب ديني يتجاوز بحدوده وتطلعاته سياسات الدولة وقدراتها، وأحياناً يتناقض معها."
قلت: وهذا الكلام الخطير بإقرار الكاتب بتناقض الخطاب الديني مع سياسة الدولة يلزم منه واحد من ثلاثة:
 إما بطلان الخطاب الشرعي - وهو محال في الجملة – وإما فجور الدولة بسياسة مخالفة لشرع الله – وهو مبرر بقائها وشرعيتها عند رعيتها – وإما كذب الكاتب.
ثم قال: "هل مصطلح ولي الأمر بدلالته الآن هو نفسه الذي كان عليه في زمن المأمون وأبو جعفر المنصور ومعاوية بن أبي سفيان، أم أن ولاية الأمر أخذت تنصرف بدلالتها إلى مفهوم الدولة بمؤسساتها وتعقيداتها في هذا العصر؟ لماذا الإصرار على مصطلح ولاية الأمر، في حين أن هذا الأمر أصبح علاقة مركبة بين المجتمع والدولة ولم يعد مجرد تجسيد في مؤسسة أو فرد؟ تشير هذه الأسئلة إلى أنه لم يعد من الممكن حصر معاني كل المصطلحات الشرعية بدلالاتها الدينية، وتجاهل مضامينها وتبعاتها السياسية والاجتماعية في كل مرحلة"
قلت: هل تؤمن بالديمقراطية التي تدعوا لها حقَا؟ هل تناسيت ما فيها من كذب وتدليس ومظالم باسم الشعب؟ هل تعتقد أنها أعدل وأصدق من شرع الله؟ المشكلة يا دكتور ليست في الإسلام بل في تطبيقه, فليس في الإسلام هذا الاستبداد الخانق, ولا الفساد المستشري, ولا الظلم المقنن, ولا الارتجالية التائهة. مشكلتنا – يا صاحبي – في التطبيق, نعم في التطبيق, ولو تمسكنا بأهداب شرع الله ما آل حالنا لما نراه, ولكن أُعيد لك النصح: لا تغتر بمكياج الديمقراطية والليبرالية, وابحث من جديد في دفائن كنوزك, وستجد فيها بغية كل توّاق للحق الأبلج والحرية المنضبطة والعدل الحكيم "ولكن أكثر الناس لا يعلمون"
ثم قال: "لا بد من الاعتراف بأنه عندما يتكرر الجدل بسخونة لافتة حول موضوع خطر مثل الجهاد، يتداخل فيه الديني مع السياسي، في لحظة تاريخية مفصلية، وفي مجتمع محافظ دينياً. فهذا علامة على حيوية ثقافية. لكن عندما يبقى هذا الجدل في غالبه وعلى مدى عقود، داخل دائرة الخطاب الديني، فهذا علامة أخرى لا تنسجم تماماً مع تلك. لماذا؟ لأنه ينم عن تناقض بين الطرح في الفضاء العام، والطرح في الفضاء الخاص، والقضية المطروحة قضية عامة"
قلت: وهذا من مكرور كلامه, عفا الله عنه وهداه.
ثم قال: "ثانياً، أن الحيوية الظاهرة تُبطن شيئاً من الوجل والتردد، وربما عدم الثقة وعدم الوضوح. وأن هذا الوجل والتردد يفرض حصر القضية بحجمها وخطورتها، في إطار خطاب، انفعالي، إقصائي، منفصل عن العصر، ويتناقض رأساً مع الهدف المعلن لطرح القضية من أصلها، ما يحصر خيارات المجتمع داخل الخطاب التقليدي نفسه، ويعيده إلى المربع الأول: ما هو الجهاد؟ هل ذهاب الشبان السعوديين للقتال في الخارج جهاد دفع، أم جهاد طلب؟ ما شروط كل منهما؟ هل يجوز الجهاد من دون موافقة الوالدين، وموافقة ولي الأمر؟ كأنك تناقش الموضوع في إحدى حواضر الأمويين أو العباسيين، وليس في حواضر السعودية في اللحظة الراهنة"
قلت: هذه الأسئلة الوجيهة لو أنك أحسنت إدارتها لرفعتها لمن أمرك ربك بسؤالهم بقوله جل وعز: "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم" وقوله: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" ولكن سياق سؤال الكتاب ومكانه يدلان على أنه سؤال جوابي لا استفهامي, وهذا من ثمار التعالم والانتفاخ بإهاب ليس له! ثم خَلَطَ القضية بما يسمى بالظاهرة التاريخية وإسقاط أحكام الجهاد في الإسلام وأقوال السلف على دولتي بني أمية والعباس في سخرية وهزل, وهذا يردنا بالكاتب إلى السؤال المصحح للإيمان: هل دين الله كامل صالح؟! وليخط الجواب بأكفانه حين رحيله وحيدًا إلى من لا يرجى ولا يخاف ولا يحب على الإطلاق سواه!
ثم قال: "ينطوي ذلك كله على ملاحظة يجب أن تأخذ حقها من الاهتمام، وهي أن العلاقة بين الديني والسياسي في الحال السعودية لم تواكب في تطورها التغيرات التي أصابت المجتمع والمنطقة، بما يجعلها قادرة على الجمع بين الهوية الإسلامية للدولة والمجتمع، والانسجام في الوقت نفسه مع الانتماء الوطني، ومع حقيقة أن السعودية دولة وطنية، وأن طبيعتها دولة مدنية. وهذا لن يتحقق إلا على أساس من نصوص دستورية تعيد صياغة هذه العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتأخذ صفة التعاقد والتكامل بينهما. الدولة الوطنية في حاجة إلى خطاب وطني، ما يتطلب مرجعية دستورية، تعكس خصوصيتها وتستجيب لظروفها وطموحاتها"
أقول: السعودية دولة إسلامية, ولسنا في شيء من تسمياتك وألقابك لها وتمحلك باستبطان مضامين الخطاب المدني بخلفيته الغربية ومرجعيته العلمانية, فقولك إن طبيعتها مدنية – في مقابل الدينية والعسكرية كذلك – باطل, بل دستورها بتفاصيله قائم على مرجعيتها الدينية البحتة, وإن جانَبَتْ بعض تطبيقاتها ذلك الدستور الشرعي الذي لحمته وسداه محكمات الكتاب والسنة. وليس لك بشافع أن تدعي الجمع بين خصوصية المجتمع الإسلامية وظروف وطموحات الدولة, فكما سبق وقلنا: إن كان ثمة ازدواجية فالخلل في معايير بعض الساسة وتطبيقات بعض التنفيذيين وفهوم بعض المتحذلقين, وليس في شريعة رب العالمين, فخذ معك هذا الأصل فإنه نفيس لكل من يكتب في السياسة الشرعية.
ثم قال خاتمًا مقاله: أن"أما حين تبقى هذه المرجعية متناثرة بين نصوص فقهية يعود أحدثها إلى القرن الثامن الهجري (14 م)، وأقدمها إلى القرن الثاني الهجري (8 م)، فلا بد أن تتناثر تبعاً لذلك هوية الانتماء الوطني لهذه الدولة في القرن الخامس عشر الهجري (21 م)."
قلت: وهذا السطر هو شمّاعة هروبه من المسائلة الشرعية, وما هو إلا كنافقاء اليربوع, يضربه بأنفه إذا خاف حمّ القضاء. مع صبغه بمتلازمته التي صدّر وثنّى وثلّث بها كلامه في العلمنة السياسية وتاريخية الوحي المفضية لعدم صلاحيته!
وإنى أرى للدكتور خالد فطنةً وعقلًا وأدبًا خليق بهن أن يفضين به إلى الحق والهدى. "من يهدي اللهُ فهو المهتدي ومن يضلل فؤلئك هم الخاسرون"
اللهم اهدنا سبلنا وألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا, وصل وسلم وبارك على نبيك محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
إبراهيم الدميجي
3/ 4/ 1435

aldumaiji@gmail.com

الاثنين، 3 فبراير 2014

احذروا كسر الباب!

احذروا كسر الباب!
الحمد لله وبعد: فلم يكن الله سبحانه ليختار لنبيه سوى صفوة أمته وخلاصتهم ممن سيحيطون به ويحملون رسالته ويصونون شريعته فهم صحابته الذين مات وهو راض عنهم واثق بهم محب لهم. فلهم عند ربه مكارم خاصة بهم لا يدانيهم لها أيًّا من الأمة مهما علا كعب فضلهم, فقنطرتهم بعيدة المنال بل مستحيلة النوال؛ لأن سبب فضلهم قد انقطع عما بعدهم. ومن تأمل سيرتهم أيقن صدقيّة تفضيلهم.
والطعن فيهم يتعدى بالتضمّن للطعن في رسالتهم وهي الإسلام الخالص, وهذا من أهم ملاحظ الدفاع عنهم. وجملة ما روي مما يغض منهم لا يخرج عن أن يكون مختلقًا أو مزيدًا أو منقوصًا مع قليلٍ صحيح ينغمر في بحر فضلهم. فمما يؤسف له أن بعض المكثرين من الإخباريين فيهم تحامل وكذب كأبي مخنف والواقدي وابن الكلبي وغيرهم.
ومن تأمل طبيعة الطاعنين واللامزين وتدرجهم في النيل من الصحابة وجد أن القاعدة الابتدائية المضطردة له تبدأ بالقدح في كاتب الوحي معاوية رضي الله عنه. لذا فعِرضه هو البوابة التي تدخل منها عاديات الروافض وأشباههم. وقنطرة سب الصحابة هي استباحة عرض معاوية رضي الله عنه وعنهم, وتأمل قول ابن المبارك رحمه الله: معاوية عندنا محنة ، فمن رأيناه ينظر إليه شزراً اتهمناه على القوم، يعني الصحابة. وقال الربيع بن نافع الحلبي رحمه الله: معاوية ستر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه.
وفوق ذلك فلمعاوية مناقب خاصة منها كتابته الوحي ودعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له, فعند الترمذي وحسَّنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاوية: "اللهم اجعله هاديا مهديا" وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم علمه الكتاب والحساب، وقِهِ العذاب" وعند ابن أبي شيبة وغيره عن معاوية رضي الله عنه: ما زلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معاوية، إذا ملكت فأحسن". وأخرج البخاري من طريق أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا"  قالت أم حرام: قلت: يا رسول الله أنا فيهم؟ قال: "أنت فيهم" ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر - أي القسطنطينية - مغفور لهم" فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: "لا" ومعاوية هو قائد الجيش الأول وابنه يزيد هو قائد التالي. قال ابن حجر معنى أوجبوا: أي فعلوا فعلاً وجبت لهم به الجنة.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تذكروا معاوية إلا بخير. وعن علي رضي الله عنه أنه قال بعد رجوعه من صفين: أيها الناس لا تكرهوا إمارة معاوية، فإنكم لو فقدتموها، رأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها كأنها الحنظل. وقيل لابن عباس: هل لك في أمير معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة، قال: إنه فقيه.
وسأل رجلٌ المعافى بن عمران فقال: يا أبا مسعود؛ أين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان؟! فغضب غضباً شديداً وقال: لا يقاس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحد، معاوية رضي الله عنه كاتبه وصاحبه وصهره وأمينه على وحي الله عز وجل . وعن الأعمش أنه ذكر عنده عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال: فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: يا أبا محمد تعني في حلمه؟ قال: لا والله بل في عدله. وعن قتادة قال : لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم هذا المهدي.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك، كان ملكه ملكاً ورحمة. وقال: فلم يكن من ملوك المسلمين خير من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيراً منهم في زمان معاوية. وقال ابن خلدون: إن دولة معاوية و أخباره كان ينبغي أن تلحق بدول الخلفاء الراشدين وأخبارهم، فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة.
إن معاوية من سادة الصحابة رضي الله عنهم, فلا بد إذن من النظر لما روي عنه بعدل, نظرة شمولية كلية لا مجرد صور مجتزأة من سياقاتها, أو روايات مفردة من مجمل الأحداث المؤثرة فيها. فما ورد مما شجر في فتنة الاقتتال له محامل يجدها سليم الطوية على الأصحاب كلهم, كتأخير المبايعة للاقتصاص من القتلة دون طلب الخلافة, ثم دخول أهل الفتنة بين الفريقين, ولله في ذلك حُكْم وحِكَم, ونحو ذلك مما أورده الأئمة من معاذير له ولأصحابه ترفعهم فوق مستوى شبهات حب السلطة ونحوها, إنما هي أولويات رأوا تقديمها مع عدم علمهم بما سيترتب على ذلك من مآسي, فمعلوم أن ثّوَران وتسارع الأحداث الكبار تجعل حليم القوم حيرانًا, مع التسليم بأن أَولى الطائفتين بالحق هو عليّ رضي الله عنه.
 كذلك ما ذُكِر من تولية ابنه يزيد لما ظنّه يؤول لحفظ بيضة الأمة من التصدع ووحدتها من الانشقاق بعدما رأى أنهار الدماء من قبل, هذا وقد نتفق أو نختلف مع رؤيته ولكن لا بد من أخذ هذه الغاية الجليلة في الاعتبار. فابنه يزيد ليس كما رواه الإخباريون واتهمه أعداؤه به من الفسق واللهو والفجور, فهو من جملة التابعين وله سياسته وحزمه لولا تساهله مع قتلة السبط الشهيد الحسين رضي الله عنه, وعدم اقتصاصه منهم, فقد اكتفى بسبهم ولعنهم, ولم يثبت أنه أمر بذلك أو فرح به أو أهان أهل الحسين بل أكرمهم, وأشنع من ذلك فعله بأهل الحرة, وهو الجرم الذي لا يُمحى, مع ذلك فهو من جملة المسلمين وهو قائد الجيش الذي قال صلى الله عليه وسلم فيهم إنهم قد أوجبوا. فالعدل أن نَكِلَ أمره إلى الله وقد أفضى إلى ما قدّم.
و يروي ابن كثير أن عبد الله بن مطيع مشى من المدينة هو وأصحابه إلى محمد بن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد فأبى عليهم، فقال ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب. فقال محمد: ما رأيت منه ما تذكرون، قد حضرته وأقمت عنده, فرأيته مواظباً على الصلاة متحرّياً للخير يسأل عن الفقه ملازماً للسنة. قالوا: ذلك كان منه تصنعاً لك، فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إليّ الخشوع؟ ثُمَّ أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك فإنكم لشركاؤه، و إن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا. قالوا: إنه عندنا لحق وإن لم نكن رأيناه، فقال لهم: أبى الله ذلك على أهل الشهادة، ولست من أمركم في شيء.
قلت: ولا شك أن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة, فمظالم العباد شأنها عظيم, وكم لدماء الموتى من لاعق!
 وقال شيخ الإسلام: افترق الناس في يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثلاث فرق طرفان ووسط.. والقول الثالث: أنه كان ملكاً من ملوك المسلمين, له حسنات وسيئات, ولم يولد إلا في خلافة عثمان, ولم يكن كافراً, ولكن جرى بسببه ما جرى من مصرع الحسين وفعل ما فعل بأهل الحرة، ولم يكن صحابياً ولا من أولياء الله الصالحين. وهذا قول عامة أهل العقل والعلم والسنة والجماعة. ثم افترقوا ثلاث فرق: فرقة لعنته, وفرقة أحبته, وفرقة لا تسبه ولا تحبه, و هذا هو المنصوص عن الأمام أحمد وعليه المقتصدون من أصحابه وغيرهم من جميع المسلمين.
قلت: فأمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه رأى أنه إن مات ولم يستخلف فستعود الفتنة جذعة, وهذا ما لا يطيقه مؤمن, فاستشار أهل الشام، فاقترحوا أن يكون الخليفة من بعده من بني أمية، فرشح ابنه يزيد, فأجابه أهل الشام ومصر وغيرهم, ثم أرسل إلى المدينة يستشيرها فخالفه الحسين وابن الزبير وابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عباس رضي الله عنهم وكلهم أفضل من ابنه, ولعله خاف الافتراق والاختلاف فألزمهم بيعته, خاصة وأن مع ابنه مزيّة الجند والكثرة والخؤولة, فظن أن سيُحسم الأمر قبل التفاقم.
وبالجملة فمن انطلق من قلب سليم وفرح بوجود العذر؛ فسوف يجد لمعاوية أعذارًا فهو من جملة المجتهدين, ومن اجتهد بعدل كان بين الأجر والأجرين, وأما من بدأ بسريرة غشٍّ ودغل؛ فسوف يجد من المرويات المرسلة ما يُطعم حقده, والله الموعد. ثم يأتينا اليوم مِنْ فَجَرة الفَسَقة من يحكم عليه بالنفاق والردة! ألا شُلَّ لسانُ من لَحِقَ الآل أو الأصحاب بسوء.
شاهد المقال أمران:
أحدهما: أن معاوية رضي الله عنه بابٌ للصحابة, فمن رام كَسْره استباح سبهم ولو بعد حين. والثاني: أن من نظر لسيرته بعدل وسلامة سريرة فسيجد له محامل حسنة في اجتهاداته التي قد يختلف معه فيها, فباب اجتهاد أمثاله من  الكبار واسع. وبخاصة في مسألتي قتال علي رضي الله عنهما, وتولية ابنه يزيد من بعده.
ومضة: إذا أردت رؤية الجمال الحقيقي للوفاء؛ فتأمّل فقط.. قبح الخيانة

إبراهيم الدميجي

الجمعة، 3 يناير 2014

قبل الرحيل الأخير

قبل الرحيل الأخير
يا صاحبي: أوصي نفسي وإياك بالاهتمام الشديد بغذاء الروح, فغذاءُ الروح أهم وأخطر من غذاء الجسد, والروح تطيبُ وتخبث بحسَب غذائها كالجسد بل أشد.
ولتنتبه _ يا محب _ لمسألة في غاية الأهمية, وهي مسألة الحرص البالغ على زيادة منسوب الإيمان في القلب, فالإيمان ينقص - تلقائيًا - مع مضي الوقت فليس مستواه ثابتًا, ولو كان كذلك لاقتربنا من أحوال الملائكة, فإن لم يرفع المؤمن منسوب الإيمان في قلبه بتوالي الطاعات كيفًا وكمّا لخُشِيَ على الفؤاد أن يمسي جافًّا بلقعًا.. والمرضُ يسبق الوفاة!
وبعض الناس يظن أن المعصية المباشرة هي ما ينقص الإيمان فقط, وهذا خطأ ترتب عليه زهد بعض الصالحين في رفع مستوى إيمانهم عبر قنواته المعلومة المشروعة, وهي الطاعات تلو الطاعات, من قراءة وصلاة ودعاء وذكر وتفكّر وصدقة وبر وصِلةٍ وحسن خُلُقٍ وغير ذلك.. كما قال جلّ في علاه: "ويزداد الذين آمنوا إيمانًا"
وقد صار لسان حال بعض الأخيار: بما أني لم أقع في كبيرة، ولم أُصرّ على صغيرة؛ فإيماني جيّد وحالي مطَمْئِن! وكأنه لم يعلم أن الغفلة تأكل هذا المخزون الإيماني في القلب, بل إن الانكباب على الشهوات المباحة وكثرة ملابستها هو مما يُخْلِقُ الإيمان في القلب ويُنقص منسوبه، فضلًا عن الموبقات! ولولا ذلك لصافحتنا الملائكة في الطرقات, وهذه سنّة ربانية جعلها الحكيم سبحانه من موارد ابتلاء عباده.
 فعلى الناصح لنفسه أن يراعي ذلك المخزون من الإيمان في قلبه، وأن يستمر ويداوم على تغذيته باستمرار, فهو كالخزّان الذي ينزف الماء من أسفل، ولا حيلة في إغلاقه, فتردُّدُ النّفَسِ في الصدر في هذه الدار هو ذلك الخرق اليسير في أسفله, فإن صاحَبَهُ توسُّعٌ في مباح, أو ركون لمكروه, أو طول غفلة عن ذكر, أو ملابسة خطيئة؛ فتلك خروقٌ أخرى في جدار خزان الإيمان, وعلى قدر خطرها يكون نزفُه!
 فخروق الخطايا يمكن سدّها بالتوبة الصادقة النصوح, أما ذلك الخرق الأول اليسير فلا حيلة في سدّه بسبب ثقْلةِ الطين وجذب الغريزة وتحتّم مخالطة المادة, ولكن الحيلة في تعويض ما ذهب بمنسوب جديد من الإيمان, وموارده بحمد ربنا في متناول كل مؤمن مهما كان حاله, وعلى قدر كيفية وكمّية إحسان الطاعة إخلاصًا واتّباعًا؛ يكون المنسوب أغزر وأصفى وأضوَأُ, والشأن في من يملأ ذلك المخزون حتى يفيض على أركان روحه فتطمئن للقاء ربها وتنتظر موعوده وأجله الذي أخفى وقته وحتّم وقوعه.
وتأمل الحكم السامية في فريضة الصلوات الخمس بديمومةٍ لا يقطعها إلا الرحيل الأخير، وما فيها من ذكر وابتهال وتعلّق، بل وأعظم منه الخشوع في الصلاة وما يترتب عليه من نعيم أنفُسٍ لا يصفها إلا من ذاقها من الموفقين. وتفكّر في مشروعية الاعتكاف كل سنة وما يصاحبه من جمعيّة قلب على الله. وتأمل قول نبينا صلى الله عليه وسلم: "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم" رواه الحاكم وصححه الألباني في صحيح الجامع.
ومما يلحق بذلك - وهو من أعظم تسويلات الشيطان - من سوّفَ التوبة إلى أن تقوى إرادته في المستقبل حتى يستطيع كبح جماح الأمّارة! وهذا مستحيل في العادة إلا بمحض اللطف الربّاني، لأن العزيمة القوية للتوبة والحملة الصادقة للأوبة لا تكون في القلب إلا بعد وصول الإيمان لدرجة عالية من شأنها حرق شهوة العصيان. فحال هذا كمن يستوقد من الماء أو يمتح من النار! وما أجمل ما كتبه الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز رحمهما الله: كأنك بالدنيا ولم تكن, وبالآخرة ولم تزل. والسلام.
وبالجملة: فالإصرار على الذنب - أيًّا كان - ينقص مخزون الإيمان الذي بدوره يذيب الشهوة ويحرقها، لذا فإن ضعُفْتَ عن الإقلاع الفوري عن الخطيئة، فلا تترك التزوّدَ من الطاعات ونوافل القربات بحجّة أنك لستَ أهلٌ لها لإصرارك، بل أمدّ الخزّان بالإيمانيات - حتى وأنت مقيم على الذنب - ومن أعظمها تلاوة القران بتدبر، والضراعة بين يدي مولاك، حتى إذا وصل منسوب الإيمان لمستوىً معيَّنٍ كفاك مؤنة ضعفك وأحرق شهوة العصيان, فدخلت التوبة من أوسع أبوابها. اللهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
خفقة قلم: كل قبحٍ يتلاشى مع التعوّد.. حتى قبح المعصية!
إبراهيم الدميجي
الاقتصادية


الجمعة، 20 ديسمبر 2013

فإنَّ أباكُم كان راميًا!

فإنَّ أباكُم كان راميًا!
   قديما قيل: العادة تسبق القانون, ويعنون بالعادة المستقرة او المُلحّة.. وقد وجدت نفسي يومًا وجهًا لوجه مع إحدى تلك المتناقضات السريالية, والمفارقات الفوضوية!
اشتريت قطع سلاح في زمن أيام عصيبة من السوق السوداء بدافع الحاجة المعنوية أكثر من الحسية للزمان أو المكان أو الحال.. ثم قطعتُ أكثر من مئتي كيلٍ لأجل استخراج التصريح في مهلته المعلن عنها, كأنما يقال لنا: لا بأس أن تشتروه, لكن مروا عليّ يا كرام.
وزادني كلفًا في الحبّ أن منعت .. وحَبَّ شيء إلى الإنسانِ ما مُنِعَا
    في طريقك إلى دائرة ترخيص السلاح فأنت على خطر, فإن قُبض عليك أثناء الذهاب فأنت مذنب بجريرة حيازة السلاح غير المرخص, وإن كان بعد الترخيص فليس عليك شيء! والسؤال:  لماذا القفز على تلك المسافة بين شراء السلاح وترخيصه؟! لماذا لا تُكمل المنظومة بتوفيرٍ ورقابةٍ ورقابةٍ؟ فلا لحيازة السلاح عشوائيًا بأيّ نوعٍ أو كمية, ولا لمنعه مطلقًا. الحلّ – يا سادة - يكمن في التنظيم.
    لا شك أن بعض الشرّ أهون من بعض, ولكن العلاج ليس بهذا الشكل المكبِّل, إنّما بأمرٍ سابق لهذا, ألا وهو ترسيخ الثقة في المواطنة عبر السماح بهامشٍ حرٍّ منضبط, وذلك عن طريق السماح ببيع السلاح من نقاط بيع آمنة, مع تحمّل المشتري للمسؤولية, فتملّك السلاح ليس عيبًا, بل العيب ضده, ومتى كان السلاح يعيب العربي؟! فهَلاَّ سأَلْتِ الخَيـلَ يا ابنةَ مالِـكٍ؟!
    الإشكاليّة أن غالبيّة أهل الشرّ مسلحون, خلاف كثير من المسالمين الذين لا يتقنون حشو بندقية الهواء فضلًا عن مسدس أو رشاش! والأمر في القرى والأرياف أشدّ منه حاجة من المدن والحواضر الكبرى.
    وكم من عائلِ أسرةٍ احتاج في مضائق الأزمنة والأمكنة في الحواضر والبيد إلى سلاحِ نارٍ يردّ به عن حريمه, والسلطان والشُّرَطُ ليسوا بشمس شارقة على كل بقعة في كل حين, بل لابد من تأخرٍ هنا أو نقصٍ هناك, وما ثَمَّ بعد حفظ الله إلا الدفع باليد في زمنٍ قلّ وازع الأديان ورادع السلطان! هذا, وليس المراد بتملك السلاح استخدامه بقدر ما هو ردع من تسوّل له نفسه الاعتداء, فالأفراد كالدول, إنما الفرق في القدر والكميّة! 
   ثم إن تقنية الكشف الجنائي قد تقدّمت في كشف وتحديد السلاح بنوعية مقذوفه, وبهذا يندفع إشكال فوضى إطلاق النار.
    وبعد؛ فلماذا لا يُسمح ببيع الأسلحة وتنظيمها ككثير من دول العالم, ونزيد أَمَدَ المُنى فنقول: ما المانع من السماح بأندية للتدريب على السلاح أسوة بدول كثيرة لها تجاربها الأمنية الفذة؟
    والرمي خير مربّ للرجال, وقد قال تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم" وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ على المنبر هذه الآية فقال: "ألا إن القوة الرمي, ألا إن القوة الرمي, ألا إن القوة الرمي" وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم أنه قال: "ارموا واركبوا, وأن ترموا أحبّ إلي من أن تركبوا, ومن تعلّم الرمي ثم نسيه فليس منا" وفي البخاري: "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا".
    كنا ننعى على المتخنفسين, واليوم عليهم نترحّم! إذ جاءنا مالا طاقة لاحتمال فِطَرِنا به, من أجيال لبسَتِ التخنُّث والتأنث ثم رَبَتْ في مستنقع الانحطاط حتى كرعت في مباءة الجندر!
رب يوم بكيت منه فلما  ..  صرت في غيره بكيت عليه
    أَلَا إنّ في الخامة الشبابية والغريزة الرجولية للعرب حنين لا ينضب لمزاولة حمل السلاح ورمي النيران, فأفرغوا تلك الطاقة الإيجابية في نوادٍ منظّمة, وإلا فحال كثيرهم مزاولة تلك الهواية بفخر وابتهاج في الجبال والهضاب والشعاب!
وحبّذا إيجاب التجنيد الإجباري لمدة سنة على كل من بلغ ٢١ سنة, مع المرونة في تقديمه أو تأخيره بحدّ أقصى ثلاث سنوات. ولذلك فوائد كثيرة, منها تخريج الجيل الصاعد على معاني العزة والرجولية والخشونة والشهامة, فالتجنيد من أعظم أسباب إنضاجهم, وليس لنا بدٌّ من بناء جيل شبابي رجوليّ خشن, وليس بناعم رقيق يؤلمه حرّ الهجير وتخدشه نسمات الهبوب! فمثل هذا الجيل المتنعّم عبء لا عمق, ونذير خذلان لا نُجْع. والشاب لُحْمَةُ الوطنِ وسُداه.. فأحكموا نَسْجَهُ بمعالي الأمور, ولا تنقضوه بسفسافها, وإلا فلنخرط القتاد!
     وحتى أفلاطون في جمهوريته قد أكّد على ضرورة ذلك للشاب والدولة. فبُعدُ اليافع عن مدرج عشّهِ ينمّي فيه الإحساس برجوليته المبكرة, بقيامه على نفسه دون أبيه, ومخالطة أجناس لم يحتكّ بهم في سابق عمره, والتعوّد على الانضباط, وتعظيم أواصر الاجتماع وغير ذلك.
     ومن ثمرات ذلك جاهزيتهم عند النزال مع القوى الخارجية إقليميًّا ودوليًّا, بتكوين خطّ حماية شعبي, وعمق دفاعي تكتيكي واستراتيجي, فقد يكون له الحسمُ يومًا!
وجملة القول: إن من أمارات فناء الدول انغماس سوادها في الترف, فأَخْشِنُوا سواعِد حُماتِكم.
يُنادُونني في السِّلم يا بْنَ زَبيبة ٍ ..  وعندَ صدامِ الخيلِ يا ابنَ الأطايبِ
وخليقٌ بنا إعداد شبابنا, فليس هناك أمّة في الأرض حرّة بدون استعداد حربي وروح قتالية, مهما لبست من جوخ الوهم ومروط الكبرياء!
إطلالة:
 يعزُّ علي أن أرى:
 قمّةً ذابت في بركان غضب!
وقُلّةً غرقت في بحر طمع!
وشعلةً أطفأها طولُ مدى!
وكنزًا أضاعَهُ رَهجُ عجلة!
"ولولا أن ثبّتناك.."
إبراهيم الدميجي



الجمعة، 6 ديسمبر 2013

على ضِفَافِ فولتير


على ضِفَافِ فولتير

   هنا يرقد فولتير. هذا ما كُتب على شاهد قبره في المدفن المخصص لعظماء الأمة في باريس.
   فولتير (1694 - 1778) هذا الاسم البركاني الرنان, واللقب الأدبي المحلّق, الذي استطاع أن يهز أركان أوروبا الفكرية والاجتماعية والسياسية في القرن الثامن عشر؛ حقيق بأن نقف على ضفافه ولو على عجل, ونذكر بعض الفوائد الإنسانية والعبر التاريخية من حياته, وقد قص الله في القرآن قصص الغابرين "فاقصص القصص لعلهم يتفكرون" وأفاد العلامة السعدي رحمه الله من كتاب كارنيجي "دع القلق" ولخص منه في "الوسائل المفيدة"
   إن النظر لمثل هذا الرجل يثري الفكر, شريطة الحصانة بالعلم الدافع للشُّبه التي لا ينفك عنها أمثاله, فإن كان وإلا فالعافية لا يعدلها شيء, وهذا من المُلَحِ النادرة لا العوائد المستمرة, والنافذة قد يأتي منها نسيم عليل, وقد يخالطه الأذى. وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله عن مثل هؤلاء: "كتب المنطق سبب في نفاق من لم يكن خبيرًا بعلوم الأنبياء".
ذكره ديورانت في قصة الحضارة في نحو خمسمئة موضع, بل ولقّب ما يسمى بعصر التنوير عصر فولتير, فجعله على رأس هرم الفكر الأوروبي إذ ذاك. وقال عنه: "ربما كان فولتير أعظم المفكرين حيوية ونشاطًا في كلّ التاريخ!" وقال عنه هيجوك: "لقد كان اسمه يصف القرن الثامن عشر كله, لقد كان لإيطاليا نهضة, ولألمانيا إصلاح، لكن فرنسا كان لها فولتير".
   ولد مريضًا هزيلًا مما حدا ممرضته أن تقول: "إنه لن يعيش أكثر من يوم" فطال عمره فمات عن أربعة وثمانين عامًا, بعدما كتب مئة كتاب إلا كتاب, وملأ زمانه جلجلة فكريّة! وإن غلبه برود المنطق وجفاف الفلسفة على حرارة الروح وطراوة المشاعر.
   قال عنه والده بعد إياسه من تفوّقه في التعليم والعمل: إن ابني لا يصلح لشيء, ولا يرجى منه خير. ولم يعلم أن نصف ملوك وعظماء ومفكري أوروبا سيلقون له أَزِمَّةَ عقولهم وأعنّة تقديرهم! كفردريك الكبير, وكاترين إمبراطورة روسيا, وكتب له كريستيان الرابع ملك الدنمارك معتذرًا عن تأخره في الإصلاحات التي تبنّاها.. وفي مرّة غضب على أحد الباعة فلكمه على أذنه فما كان من سكرتيره إلا أن قال للبائع مواسيًا – وتأمّل -: يا سيدي لقد تلقيت لكمة من أعظم رجل في العالم! وشيّع رفاته عند نقله نحو سبعمئة ألف.
   وقد انتبهت "نينو دي" لملامح النبوغ في هذا الصبي فوهبته ألفي فرنك ليشتري كتبه التي كانت نواة تحصيله الفكري.. وفي هذه لفته لتلمُّحِ الموهوبين بين شبابنا, وإفساح المجال لتفجير عيون الإبداع والابتكار والتميز لديهم, فالنباهة لا تكفي وحدها في التفوق ما لم يصاحبها بيئة صالحة ومحضن لائق.
      نبّه الناس لنبوغه النقدي الساخر في ميعة شبابة بإلقائه الحجر الذي حرّك الراكد المجتمعي, فحينما باع الوصي على عرش فرنسا نصف خيول الاصطبلات الملكية صاح بقلمه الهادر بين الجماهير: كان من الأفضل إطلاق نصف الحمير التي ملأت البلاط الملكي! فانتقم الرجل بإلقائه خلف أسوار الباستيل.. ومن هناك ولد فولتير الجديد, وتحدّد المسار الحادّ المتفجّر لمن بدأ فتل الحبل الذي شنقت به الجماهير لاحقًا الملكية والباباوية, وهزِّه العنيف للباب السامق للسجن الثلاثي "الاستبداد والإقطاع والخرافة" في العصر الأوروبي الوسيط. فابتدأ ذلك الشاب في زنزانته بتبني اسم جديد هو فولتير أما اسمه الحقيقي فكان "فرانسوا أريت".. وفي هذا معتَبَرٌ أن تهذيب الفكر الاجتهادي إنما هو بنقده وتعريته لا بتغطيته, إلا إن كان سامٌّا مخاتلًا, فتُدرأ فتنته, لا سيما القطعيات فالقلوب ضعيفة والشبه خطافة.
   وإني لأعتب أشد العتب على من نظروا للإسلام فقاسوه بالبابوية في العصور المظلمة التي ثار عليها فلاسفة التنوير كفولتير وأصحابه, فشتّان بين هُدى الإسلام وخرافة الكنيسة! قال فولتير: "إن لديّ مئتي مجلد في اللاهوت المسيحي, والأدهى من ذلك أنى قرأتها كلها, فكنت كأنما أقوم بجولة في مستشفى للأمراض العقلية!" ولئن كان سبينوزا قد شرّح البيبل؛ ففولتير قد دفنه خارج أسوار أذهان الفلاسفة.
لقد كان فولتير واسع الاطلاع, شجاعًا صريحًا, يطعن بحرْبَةِ الهزل أشد ما يكون الجد!
    كان رجلًا يقف دون مبادئه, وليس مجرد منظّر عاجز كسول, ولما قال عبارته الشهيرة: "قد أخالفك القول, ولكني سأدافع حتى الموت عن حقك في أن تقوله" أثبتها في هجومه الشديد على السلطة السويسرية لمنعها وإحراقها كتاب روسو مع اختلافه الجذري مع ذلك الكتاب, بل كان يرى – بسخريته اللاذعة - أن نسبة روسو للفسلفة كنسبة القرد للإنسان!
    كان فولتير لا يرى بأسًا من تديّن الناس بل قد يراه صالحًا - ولو كان خرافة – لأن الإيمان بجزاءٍ غيبي يمنع من كثير من المظالم, ولكن كانت حوادث تولوز, وبشاعة تصرفات الكنيسة الكاثوليكية حيال البروتستانت بتعذيبهم وقتلهم, هي الشرارة التي أوقدت لهيبه, ونفخت نار تنّينه القلميّ, فحمل على الكنيسة أشدّ الحملات, ورماها بالسهام المصمية, وصرخ بشعاره الفولتيري: اسحقوا العار! فصادفت عند الناس سهلًا ومرحبًا.
     ثم ثنّى بالحرب على الملكية والإقطاع, وتفرّس تفرسًا يدعو للإعجاب حين قال: "كل شيء أراه يُنبئ عن ثورة مقبلة, ولن أُمتّع برؤيتها". نعم, فإيقاد النار تحت القِدْر لا يكفي لفورانه ما لم يساعده عامل الزمن, وعُمرُ الدول أطول من عمر الأفراد.
    والعجيب أنه بعد أن كفر بكل الأديان, بنى كنيسة قال عنها: إنها الكنيسة الوحيدة التي بنيت في أوروبا لعبادة الله. وكتب إنه مؤمن بالله, لكن ليس كإيمان الطوائف المختلفة, بل مؤمن بوجود الله, وهو الإله القوي الخالق الذي يجزي بالحسنة ويأخذ بالسيئة.. وفي هذا بيانُ إلحاحِ طَرْقِ الفطرة المستمرّ على جدران قلب الإنسان بالغًا ما بلغ من الإلحاد والتجديف! ففي كل نفس حاجة واضطرار لإله تألهه وتسكن إليه. ولا بد من ظهور جوعةِ التديّنِ صريحةً في نفوس أعتى المادّيين, وبخاصة عند دنو شمس مغيبهم, وهكذا فعل فولتير, فأظهر عبادته قبيل رحيله، بعد أن أنقضت ظهره كآبات الفلسفة.. وهكذا تبخّرت دعاوى المادية!
    لقد مرّ فولتير – القارئ النهم والناقد اللسن – بمراحل ألقت كل مرحلة بظلالها على مكتوباته, فمن ذلك أن تصوّره لنبينا صلوات الله وسلامه عليه كان مشوشًا في البداية, بسبب تلقّفه ما كتبه عنه المتعصّبة, فوافقهم في ذلك, وكتب ما يسوء وجه الحقيقة, لكنه لم يلبث أن تراجع عن كثير مما قال بعد أن طالع كتاب "سيرة حياة محمد" لبولونفيرس, فألف كتابه "بحث في العادات" مدح به الإسلام وأشاد بنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم, وكتب بشيء من الإنصاف والإجلال, وإن لم يصل لمستوى جوته وتيولستوي إنصافًا ومحبة وشوقًا.
    لقد كان فولتير – مع تسجيلنا لضلاله - فيلسوفًا أديبًا, إذ جمع سلاسة البيان وإشراق الأسلوب كأنما استعار قلم جوته وبرنارد شو مع عمق التركيز في الفكرة, وحسن تصوير مشهد النفس الداخلي بتناقضاتها كدوستويفسكي وشكسبير, مع قدرة مدهشة على الخيال المُجَنِّحِ, كما في روايته "ميكر وميجاس" واستحداثه زوّارًا من نجم كلب الجبار وحديثهم مع البشر.. ثم نراه يختلس ذهن القارئ بخفة تبز يد الجراح فيحقن المشهد بفحوى تصوّره عن متعة الحياة, وأنها في الفكر والتأمل فحسب, فهو لا يقصد الإمتاع السردي والحبك القصصي بقصد ما كان يستبطن القصص بمادة فكرية جدلية, كروايته الشهيرة "كنديد" مثلًا.. فتلتقط النفس الباطنة المضامين التي تبقى بعد زوال متعة القراءة!
   إذن فكلّ هذه العتاد للأديب المتفوق قد جمعه فولتير, مع تميّزه بأهم صفة طرّزت أدبه, ألا وهي قدرته العجيبة على صبّ المضامين الفكرية في القوالب الأدبية, سواء كانت شعرًا أو قصة أو مسرحية أو نثرًا.. فالعبقرية الفكرية في حاجة لنواقل أدبية, تُبلّل جفافها, وتفرّق سأمها على متون الإمتاع.
   وهذه المَلَكَةُ الفنيّة لا زالت عزيزة المنال عند غير قليل من أدبائنا وروائيينا من ذوي المنزع الخُلُقي الطيب والمنبت الفكري النظيف, أما من سواهم فيا ليت أنّهم يكسرون أقلامهم التي لا تشي سوى بتسطيح الأفكار, أو هدم القيم, أو تحريك كوامن غريزية لدى فئات مُعَذَّبَة, فيؤْذَوْنَ أو يُؤذُون..
   ولئن قلّبت مدوناتهم الأدبية؛ ألفيت كثيرَهَا مجرد تصويرٍ مكرور, أو دوران في حلقة ضيقة, أو سرد قليل العُقَدِ, أو حتى سرقات أدبيّة, والأدهى من ذلك فقرها للفنّ الرِّسالي! فالفنُّ رسالةٌ ومبدأ.
 والأديب المحترف قادر على التسلل داخل حدود الشعور واللا شعور, فيتسلل برفق لمنطقة محظورة على غيره, فيقف على صحيفة القلب والعقل, فيكتب فيها مُنشئًا ومُغيّرًا لتصوّراتٍ وأفكار, ومقويّا أو مضعفًا لنوازع وغرائز.. وهنا مكمن الخطر بطرفيه! بيد أن ذلك الدخول لا يتأتى إلا لمن ملك مفاتيح الولوج للخزانة العقلية عبر بوابة المشاعر الأدبية.. فهي حِمَى مستباحٌ له!
    وهذا سرُّ نفوذ الأدب في الناس, فغالبهم يُصغون لمشاعرهم أكثر من عقولهم, فحرّك إذن بيراعتك تلك المشاعر, ثم يَمّمْها حيث شئت, أمّا إن استطعت حَقن تلك المشاعر والصور والأخيلة بحجج وأفكار بطريق خفيّ يوحي بأنّ المتلقّي هو من اكتشفه؛ فإنك ههنا تكون قد تربّعت على عرش الأدب الموجِّه, وملكت أزمّة مشاعر الجمهور..

إطلالة: المثاليةُ شاقّةٌ في عالمٍ فوضوي!
إبراهيم الدميجي
aldumaiji@gmail.com

الاثنين، 25 نوفمبر 2013

يا بَعْضي دَعْ بَعْضًا

يا بَعْضي دَعْ بَعْضًا
الحمد لله, وبعد: فأصل هذا المثل السائر أن زرارة بنِ عُدَس زَوَّج ابنتَه من سُوَيد ابن ربيعة، فكان له منها تِسْعَةُ بنين، وأنّ سُويداً قَتل أخًا صغيراَ لعمرو بن هِنْد – الملك, قتيل عمرو بن كلثوم - وهَرب سويد ولم يَقْدِر عليه ابن هند، فأرسل إلى زرارة: إنِ ائتني بوَلده من ابنتك، فجاء بهم، فأمر عمرو بقَتْلهم، فتعلًقوا بجدّهم زُرارة. فصاح باكيًا: يا بَعْضي دَعْ بَعْضاً، فذهبت مثلاً.. تلك قصة المثل الأولى, فما قصته الثانية؟!
لا شك أن الجسد الإسلامي الواحد يشكو ما آل إليه حال أعضائه وأطرافه من التنازع والتخالف والتناحر بشكل مروّع - ولهذا حديث آخر إن شاء الله - وحديثي اليوم ليس من ذلك القبيل، بل هو رنين صدى آخر!
فقصة المثل الحالية للمتلمّس اللمّاح هي ما نشاهده ونسمعه من تندّر مكرور وتنابز مؤلم بين أبنائنا وبناتنا, وبخاصة بعد سيادة وسائل التواصل الاجتماعي التي أضفت على حياة الناس لونًا جديدًا من المتعة الذهنية والبصرية والسمعية, وهذا سوى المنافع العلمية والدعوية والإغاثية, وكذا ما يجري مع ركام سيلها من سموم وبواقع فكرية وأخلاقية..
ومقصودي هنا هو ما يُتداول من طُرفٍ ونكات ومواقف تخيّلية تنبئ عن واقع يحاكي بعض جيراننا الذين اشتهروا في العقدين الماضيين بحسّ الدعابة وعفوية النكتة، فسبقهم شبابنا في هذا المضمار الذي لا يدركُ سابقُه مجد ولا فخار سوى بيان الأسى والإحباط والفراغ والتيه الذي تزمّله وتدثّره غير قليل من شبابنا وفتياتنا! وحبيبنا صلى الله عليه وسلم يقول فيما رواه أحمد وأبو داود بسند حسن: "ويل للذي يحدِّثُ فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له"
لقد ازدادت حدّة التعاليق اللّامِزَةُ بيننا بشكل مسفٍّ، وقد مالت الكفّة للذكور حتى كادت رمانة الميزان أن تندقّ, - لا لضعف أخيلتهن, ولكن لخفرهن وحيائهن - لولا ردود قولٍ منهن تنزل عليهم كـ" الصواقع" الملتهبة والشهب المحرقة.. وما هذا منهن سوى ردّات فعلٍ واستجابة انفعال, - وإن كان غير مضطرد - فهن لا يبتدئن في الغالب ولكن أحيانا يغالين في الانتقام, ومردّ كل ذا نقص عقل الطرفين!
أحبتي: الألقاب المتنابَزُ بها كثيرة ومتغيرة ومتجددة, لكنها لا تذهب بعيدًا حتى يعود الوصفان جذعان: فيبقى وصف الرجال للون بعض أعضائهن وبخاصة موضع السجود بالسواد (سواد الركب!) ونعتهن لهم بلباسهم الداخلي هزءًا (أبو فنيلة وسروال!) فهذا هو الثابت والباقي متغير ويدور عليه, وربما زحفت عليه بعض الألقاب الرنانة الجديدة التي تستحلب دمع الضحك عند طرف ودمع الحزن لدى آخر.. خاصة إن كان الكسر لدى ربّات القوارير الهشّة! وإن الأذى عليهن ليصل الذروة حال مقارنتهن الانتقائية مع نساء بلد آخر.
يختل بعضهم الحجة بقوله: ننقد لنظهر الخلل فيسهل علاجه بعد الإحساس به, والجواب: إن كثيرًا من النقد يعزز الداء أكثر مما يرفعه, وبخاصة بمعيّة السخرية والهزء, ويكفينا عموم زجر ربنا: "ولا تنابزوا بالألقاب"
والمخجل المؤسف أن بعضهم يسفّ الوصف بأشياء خاصة جدّا, بل ربما نزل بعضهم للعورات! وفي الصحيحين: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت"
إن بعض تلك النكات لإسفافها واتضاعها لدركات النزول الأخلاقي، وحقنها بمادة حقد سوداء؛ ليخيل إليك أن الأصابع التي كتبتها لا تنتمي لهذا البلد ولا ساكنيه, إنما هي كتلة حقد ذات أصابع! وما هي منهم وإن كانت منهم, بل حقيق بها ضربُ غرائب النُّوق, وإبعادُها خلفَ العَيّوق!
لستُ ضد المرح والطرائف والانشراح وتلطيف الوقت وإحماضه، لكن قد جعل الله لكلّ شيء قدرًا.
وصيتي للطرفين بحفظ الوقت عن الغفلة، وحفظ القلم فهو أحد اللسانين، وغدًا إعتاق من غِلِّ الكلِم أو إيباق!
 وأهمس في آذان أحبتي: إن كثيرًا مما يُتداول، وبخاصة ما كان فيه خفضٌ وإغماضٌ بسبب خلق الله فلا يخلو من تنكّرٍ للأصل, وضعف وفاء للمجتمع الذي رعاك ورباك, وحنّ عليك, وحينما ناديته.. لبّاك. وكما قالت العامة: الذي ليس فيه خير لأهل بلده لا خير فيه.
وتلك الطُّرفة التي قذفتها للناس ليس لك من مغنمها شيء, فكل ما يتداول يستحي واضعه من نشره باسمه! ولكن الذي يبقى هو المغرم والوزر. وإن لم يكن الناس يدرون من ابتدأ تيك "النكتة" فالعليم الخبير لا تخفى عليه خافية! وفي مسلم: "ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها, ووزر من عمل بها من بعده, من غير أن ينقص من أوزارهم شيء"
إذن فالقضية أوزار متتابعة, يأخذ بعضها برقاب بعض, في سلسلة سنين وعقود وقرون, وقد يصل الوزر لحمل ذنوب الملايين من الخاطئين!
يقول أحدهم: أنا لا أخصّ أحدًا بعينه حتى لا تكون غيبةً لشخص معين معروف, يقف خصمًا لي غدًا.
وجوابه: ربما الأمر أشد! فالشخص المعيّن قد يُسامح, فإن لم يفعل فهو خصم واحد يأخذ من حسنانك لوحدِهِ, ولكن هل تأمن أن يصفّ غدًا أمامك عشرة ملايين مؤمنة من بنات بلدك كلّهن يتطلعن لحسناتك اللاتي كنت بها فرحًا مستبشرًا بقبولها, فلا تدري إلا وهي تُقسم بين هؤلاء: هنا بعض أجر صلاة, وهناك أجر صدقة, وهناك أجر بِرٍّ.. ثم هل تأمن نفادَ ذيّاك الرصيد, فتحمل أوزارهن, فهل تطيق حمل أوزارك فضلًا عن أوزار النساء؟! والمرأة كذلك بالنسبة لجموع الرجال غدًا، فاللهم سلم سلم. وحديث المفلس حقيقّ بالتدبر وقَمِنٌ بالتذكير دومًا. والعبرة هنا في المظالم عامة, وعلى قدر الحاصل يكون التحصيل, وبحسَبِ المظلمة يجري الاقتصاص!
فلا تكتب بخطك غير شيء   ...   يسرّك في القيامة أن تراه
يا صاحبي: تقول: إن العموم لا يضر أحد, فكيف لك بذلك؟ فتخيل معي مجلسًا من - عشرات أو مئات المجالس - فيه شابة من بنات بلدك, وفي المجلس ذاته امرأة أخرى من غير البلد, فتقرأ عليها تلك (الطرفة!) أو أن ترسلها لها برسالة! فهل تصوّرت مدى الأذى النفسي الذي يلحقها؟ وهل تظن أن الأنثى بجلافتك وصلافتك وجمودك لا تتأذى بمثل ذلك؟!
إن الأنثى روح رقيق فأدنى خدش يؤلمه.. ونسمه شذيّة فأقل أذى يتلفها.. ووردة غضّة فأهون مسّ يُذويها.. وفؤاد خفّاق فأيسر حرف يُمِضُّه..
وفي النهاية هي أمك, هي أختك, هي بنتك, هي جارتك, هي زوجك.. هي الأنثى التي زعمت يومًا أنها.. "حبيبتك"!
إطلالة:  خفقُ الفؤاد بالحُبّ كالمِلْحِ.. بل كالسكّر؛ إن فُقِدَ كسدَتْ الحياةُ، وإن زاد تلِفَتْ..
إذا لعب الرجال بكل شيءٍ   ...   رأيت الحبَّ يلعب بالرجالِ

إبراهيم الدميجي
aldumaiji@gmail.com