إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الخميس، 28 مارس 2019

حَسّن إسلامك


حَسّن إسلامك
مرَّ رجلٌ بعامر بن عبد القيس وهو يأكل ملحًا وبقلًا، فقال له: يا عبد الله، أرضيتَ من الدنيا بهذا؟ فقال: "ألا أدلُّك على من رضيَ بشرٍّ من هذا"؟ قال: بلى، قال: "من رضيَ بالدنيا عوضًا عن الآخرة". وكان محمد بن واسع رحمه الله يُخرج خبزًا يابسًا فيبلُّه بالماء ويأكلُه بالملح ويقول: "من رضي من الدنيا بهذا؛ لم يحتج إلى أحد". قال شيخ الإسلام: "إخراجُ فضولِ المال والاقتصار على الكفاية أفضلُ وأسلمُ وأفرغُ للقلب وأجمعُ للهمِّ وأنفعُ في الدنيا والآخرة".
وأبلغُ من ذلك قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت الدنيا همَّهُ؛ فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له، ومن كانت الآخرة نيّته؛ جمعَ الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة".
قُمْ في الدِّجَى واتلُ الكتاب ولا تنمْ ... إلا كنَومةِ حائرٍ ولْهانِ
فلربَّما تأتي المنيّةُ بغتةً ...   فتُسَاقُ من فُرُشٍ إلى الأكفانِ
يا حبَّذَا عينانِ في غَسَقِ الدُّجَى ...  من خشيةِ الرحمن باكيتانِ
فيا عبد الله؛ دع ما لا يعنيك. فمن انشغل بعيوب نفسه وتحصيل مصالحها؛ اشتغل عن عيب غيره وتتبع أموره. قال طاووس بن كيسان رحمه الله: "نِعْمَ صومعةُ الرجلِ بيته؛ يكف فيها سمعه وبصره". إنّ عمر الإنسان للدنيا كعمرِ شهابٍ عابرٍ بالنسبة لعمره، وبعدَ فوات الأوان ستدرك أنّك قد أهدرت بلا طائلٍ أثمنَ ما لديك: وقتك. وتذكّر أنّ صلاحيةَ جسدك قرابةَ الستين سنة أو السبعين، وهو معرّض للتلف قبلها، ومُعتركُ المنايا من الستين إلى السبعين، فمن تجاوز السبعين فهو من القليل. ولو علمَتِ الوردةُ قِصرَ عمرها ما تبسّمَتْ.
فهنّ المنايا أيّ وادٍ سلكتُه   ...   عليها طريقي أو عليّ طريقُهَا
 وفي العشرين بدايات نضج العقل حتى الأربعين مع طروء عوارض طيش. ومن الأربعين حتى الستين استحكام العقل والجسد، وغالبُ منجزات البشر قد نحتوها في خريطة الزمان وهم في هذه المرحلة التي تُعَد رأس الهرم الإنساني. وحقيقٌ بما بعد الستين أن يُسمّى العمر الجميل، إذِ اجتمع فيه الهدوء والسكينة والراحة والحكمة والزهد لمن سلم من آفات الروح. كفى الشيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهيا.
          دَعْ عَنكَ ما قَدْ فات في زَمَنِ الصِّبا ...  واذكر ذنوبكَ وابكها يا مذنبُ
واخشَ مناقَشَة َ الحِسَابِ فإِنَّه   ...   لا بدّ يُحصى ما جنيتَ ويُكتبُ
لم يَنسَهُ المَلِكانِ حين نَسِيتَه ...   بَل أَثبَتَاهُ وَأَنتَ لاهٍ تَلعَبُ
والروحُ فيكَ وديعةٌ أودِعْتَها   ...  سترُدَّها بالرغم منكَ وتُسلبُ
فيا صاحب العشرين والثلاثين: اعلم أنّ أكثر أهلَ القبور من الشباب. ويا من طرقت الأربعين والخمسين: هلّا تنبّهت إلى أنّك في ثلث عمرك الأخير إن سرتَ كما رحل الأكثرون، ويُسارُ بك وإن لم تسِر، وتأمل طلائعَ مشيبك فهي رسل نضوج ثمرة العمر التي اقترب قِطافُها. ويا أيها الكهل الستيني: أَعْذَرَ اللهُ إليكَ أنْ بلّغَكَ الستين فما عُذْرُك إليه! فيا محطةَ الرحيل الأخير: أغلقي باب الإقلاع؛ فقد حان السفرُ للآخرة، وقد أنْجَدَ من رأى حَضَنًا، (وأن إلى ربك الرجعى). قال ابن الجوزي: "أعجبُ خلائقِ الخلائق: محسنٌ في ليل شبابه، فلمّا لاح الفجرُ؛ فَجَر".
              أضحتْ خَلاَءً وأضحى أهلُها احْتَمَلوا ... أَخْنَى عليها الذي أَخْنَى على لُبَدِ
وكلّ ذنب -مهما تعلّقت نفسُك به -سيأتيك يومٌ وترحلُ عنه للأبد، إن لم يكن بتوبتك واختيارك؛ فبعجزك أو وفاتك، فاتركه الآن قبل ألا يتركك غدًا أمام الديّان. وعند دنو الرحيل؛ تُشرق حقائقُ الضمائر، فالزمخشري الذي قعّد لنفي الصفات الاختيارية عن الله تعالى، لمّا دنت وفاته؛ لم يرحل إلا وقد طبع الكاغد بماتع ابتهاله: يا من يرى مدّ البعوض جناحها..
وتفكّر طويلًا في آية طه فهي كافية في تعريةِ جسدِ الدنيا وكشفِ حقيقةِ زيفِها: (ولا تمدنّ عينيك إلى ما متعنا به أزوجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى). وما بكت العرب على شيء كما بكت على الشباب، وقد بكاه الفضلاء والعقلاء والعلماء والعُبّاد.
شَيئَانِ لَوْ بَكَت الدُّمُوعَ عَلَيهمَا ... عينَايَ حتى يُؤذِنَا بذَهَابِ
لم يَبلُغَا المِعشَارَ مِنْ حقَّيهِما ...  فَقدُ الشَّبابِ وفُرقَةُ الأَحبابِ
فلماذا هذه اللوعة على مرحلة عمريّة مضت؟ الجواب: أنّ الصالحين يبكونها لأنها النشاط والقوة لصالح الأعمال، فالشابّ يتهجّد ما شاء من الليل، فيتّخذ الليل جَمَلًا يحمله لعِلّيّين، ولا يشتكي حكّةَ جِلْدِهِ وضعْفَ نفَسِهِ ووهنَ عظامِهِ، ويحفظ ما شاء من القرآن والأذكار والعلم فلا تخونه ذاكرته بضعفه وتشويشه ونسيانه، ويصوم ما شاء ولا يشتكي ضعفه وظمأهُ وهزاله، ويضرب وجوه الكافرين بيده لا يشتكي عجزه وارتخاءه وزمانته، ويقرأ ما شاء من كتاب الله بقوةِ بصرٍ وصفاء ذهن واستظهارٍ للتدبر والتفكّر، وغير ذلك من العبادات التي يساعد عليها التلذُذ بها وقودُ الشبيبة. فتلذَّذ بطاعات مولاك قبل ذبول الجسد وانحناء الظهر وصياح نقيِّ العظام من أمراض الشيخوخة.
ونُحْتُ على الشبابِ بدمعِ عينِي ... فمَا نَفَعَ البُكاءُ ولا النَّحِيبُ
فَيَا ليتَ الشَّبابَ يعودُ يومًا ... فأُخبرهُ بمَا فَعَلَ المَشِيبُ
 أما من بكى عليه لضياع شهواته؛ فقد خاب وخسر، بل الأَولى أن يفرح بها مِنْ هذه الحيثيةِ؛ كي لا تشوّش عليه مسيره الذي اقتربت نهايته. وقد سئل شيخ كبير حكيم عن حالِه مع كِبَره فقال بفرح: "الحمد لله، ذهب الشبابُ وشرُّه، وأقبل المشيب وخيرُه، إن قمتُ؛ قلتُ: باسم الله، وإن قعدت؛ قلتُ: الحمد لله، فأنا أحبّ هذا الخير".
إنّ الحياة غالية جدًّا، ولا تُبذل إلا لما هو أغلى وأحب، والوقتُ هو الأجزاء المُقيمة لهذه الحياة، فلا يُجاد به إلا لما هو أنفس، فيا هذا: وقتُك هو حياتك. ألم ترَ أن الزمن يمضي أسرع من أن نتأمله! هكذا هي الأعمار، فكلها أيام باقية دونها أيام، ونستكمل رزقنا في هذه الدنيا، ثم نرحل عنها إلى ربنا. ولقد قال السلف: "علامةُ المقتِ؛ إضاعة الوقت".
توفي رجلٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل: أبشر بالجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أو لا تدري، فلعلّه تكلّم بما لا يعنيه، أو بخلّ بما لا يغنيه". وجِماعُ ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مِنْ حُسْنِ إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه".  فَحَسِّنْ إسلامك - رعاني الله وإياك -. ومن جميل ما قالوا: "تَمْضِيةُ ﻭﻗﺘﻚ ﺑﺎﻟﺴﻌﻲ ﻹﺩﺧﺎﻝ ﻧﻔﺴﻚ ﺍﻟﺠﻨﺔ، ﺃﻭﻟﻰ بك ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻌﻲ لإﺛﺒﺎﺕ ﺃﻥّ ﻏﻴﺮﻙ ﺳﻴﺪﺧﻞ ﺍﻟﻨﺎﺭ".
لذا فمن المهمات: أن ينشغل المؤمن بما ينفعه مما خُلق لتحقيقه وهو العبادة، وألّا يستغرق وقته فيما لا ينفع، حتى وإن نَزَعَتْ نفسُه إليه وحاولت تزيينه في عينيه، فلها مع العقل مسارب وحِيَل تُتِيهُهُ فيها أحيانًا، فلا يصحو إلا بعد مضي زمان من نفيس عمره.. فقد ذهبت ليلى فما أنت صانعُ!
ولكم سلبت شبكاتُ التواصل من أوقاتٍ لو صرفت في عمارة آخرة أو حراثة دنيا؛ لكانت ثمارها نافعة، ولكنّها فتنة الزمان وهي الثقب الأسود للأوقات. وأشدّ من ذلك السيلُ المغرق بالشبهات والشهوات في هذا العصر. وإنه لمن الغبن الشديد أن ترى عدوّك يشاركك في تربية ولدك رغمًا عنك، فقد دخل بقنواته وأفلامه وأفكاره لداخل غرف نومهم، والله المستعان.
 ولك أن تعلم أن العمليّات الذهنية لطلب العلم كالحفظ والتفهّم والتأمل ونحوها يحتاج العقل فيها نَفْسًا صافية، غير مزدحمة المشاعر فرحًا أو ترحًا أو غيره، لذلك أرشد الله تعالى لناشئة الليل وقرآن الفجر، لأن الذهن فيهما أصفى ما يكون. فأين ذهنك في تلك الأوقات!
ولقد كان أبو بكر رضي الله عنه يتمنّى أنه كان طيرًا يؤكل أو شجرة تعضد مع بشارته التامة بالجنة، وبنحو ذلك قال عثمان وطلحة وعائشة وهم بالجنة مبشّرون، ومن الناس من يمشي بين الناس آمنًا مكرَ الجبار كأنّما قد بُشّر بالجنة! فإنما يخاف المرء من الله ويخشاه على قدر علمه به، قال تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) والخشيةُ خوف مع علم. وإنّ خوف المُبّشّرين بالجنة؛ إنما هو خوف الهيبة والجلال والخشية، لمعرفتهم عظمة الله وكبرياءه وإحاطته وغناه سبحانه، وليس كخوف القانطين. والجمهور على تغليب الخوف وقت العافية والنشاط، وعلى تقديم الرجاء حال المرض، مع الموازنة بينهما.
 واحذر غدرات الخطايا الخفيّات، فعن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لأعلمنَّ أقوامًا مِن أمتي يأتون يوم القيامة بحسناتٍ أمثال جبال تهامة بيضًا؛ فيجعلُها اللهُ عزّ وجلّ هباءً منثورًا". قال ثوبان: يا رسول الله، صِفْهُمْ لنا، جَلِّهِمْ لنَا؛ ألّا نكوَن منهم ونحن لا نعلم. قال: "أما إِنّهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوامٌ إذا خلَوا بمحارم الله انتهكوها". ومن رام المكارم اجتنب المحارم. ومن درر الإمام الشافعي رحمه الله: "أعزّ الأشياء ثلاثة: الجودُ من قلّة، والورعُ في خلوة، وكلمةُ الحق عند من يُرجى أو يُخاف".
واجعل بينك وبين المحرمات حاجزًا مِنْ ترك المكروهات حِمىً لورعك وحفظًا لأمانتك، قال سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى: "أعمالُ البِرِّ يُطيقها البرُّ والفاجرُ، ولكن لا يصبر عن المعاصي إلا صدِّيق". وقال الحجاج بن يوسف: "الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه". والقاعدة المضطردة التي لم ولن تنخرم: من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه. وتأمل عَقْرَ سليمان عليه السلام خيله غضبًا لله إذ ألهته عن صلاة العصر؛ فعوّضه الشكور الحميد عنها بالريح: (تجري بأمره رخاء حيث أصاب).
ولقد قال صلى الله عليه وسلم: "كلّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له". فاحذر أن يكون تيسيرك لعمل أهل الشقاوة! ولا تأمن مكر الله تعالى، وتذكر صفات جلاله كما تتذكر صفات جماله. وتدبر قوله تعالى: (حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة) فقد بُغتوا بعذاب ليس له مقدمات.
يا راقدَ الليلِ مسرورًا بأوّلِهِ   ...  إنّ الحوادثَ قد يطرُقنَ أسحارًا
إبراهيم الدميجي

فضيلة التواضع


فضيلة التواضع
يا عبد الله تواضع، فالتواضع في موضعه رفعةٌ وعزٌّ، والله تعالى قد جعل أكرم الناس أتقاهم، لا أنسبهم ولا أعلمهم ولا أكثرهم مالًا وولدًا وجاهًا، وتعظُم الرزية حين يكونُ المتفاخِرُ طالب علم! وتأمّل كيف كان الرجل يدخل على الرسول ﷺ وهو بين أصحابه فيسألهم: أيّكم محمد؟ لقد كان صلى الله عليه وسلم مدرسةً متكاملة في كل خصال الخير. وقد كانت جواري الحيّ الصغيرات ينتهين بغنمهن إلى أبي بكر الصديق فيقول لهن بكل تواضع: "أتُحبِبْنَ أن أحلبَ لكنَّ حَلْبَ ابن عفراء"؟
فحدّث نفسك على الدوام ألّا تظن أنها أفضل من أحد من المسلمين، فإن أبت فذكّرها الثلاث: أنّك لا تعلم باطِنَه؛ فقد يكون خيرًا من باطنك، ولا تعلمُ قَبولك عند ربك؛ فقد تكون أعمالك رُدّت، ولا تعلم خاتمته وخاتمتك. ويا أيها الفاني تواضع. واعلم أنك ترتفع وتسمو في قلوب الناس على قدر اتّضاعك العفويّ لهم، وتسقطُ من عيونهم وتتّضع في صدورهم على قدر ترفّعك عنهم وتكبّرك عليهم.
وإنّ لكل إنسان قصةَ حياة كاملة، قد تكون أعجب مما تتصوّر، وله أحاسيسه المُفعمة بألوان المشاعر مهما رأيت فراغ كينونته، وكلّ شَخص لدَيه قصة حُزنٍ بداخله، فرِفقًا بِمن تحبُون، ولا تحقرنّ من البشر أحدًا. وتأمل مليّا أول قصة في التاريخ. واعلم أن بعض صورها يتكرر فيك وبك، فتدبر واستلهم العبر. إنها: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) وكن كأبيك الصالح لا عدوِّك الرجيم. وإن رأيت من أحدٍ ذنبًا تتعاظَمُهُ؛ فلا تحجُرَنَّ عنه رحمة الله وهدايته، فإنك لا تعلم خابيته ولا خاتمته، ولقد قال عامر بن ربيعة رضي الله عنه يومًا: لا يُسلم الذي رأيتُ – أي عمر -حتى يُسلم حمار الخطاب! فما هو إلا زمن ليس بالطويل؛ وإذ بعمر قد صار وزيرًا مُقرّبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعزًّا للإسلام، وغيظًا للشيطان وحزبه، وأميرًا للمؤمنين.
واعلم أنّه ليس من عادة الصدرِ الأوّل تصديرُ الأسماء بألقاب التفخيم كسموّه، ومعاليه، وفضيلته، ولا بحرف الدال والميم، ولا تقديم النسب على الاسم، بل كانوا أهل تواضع وبساطة وعفويّة. كما أنّه ليس من شرط العلم والثقافة نيل الشهادات العُرفيّة، فالرافعي والعقاد اللذان أسمعا آذان الدنيا شهادتُهما هي الابتدائية فقط، كما أنّ بعض كبار العلماء وفحول الفقهاء ونحارير العلم في هذا الزمان ليس لهم شهادة ولا منصب أصلًا، فلا تغترّ بالزبد وانفذ للصَّريح.
لقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارسٍ ...  وأذلّ الشركُ الشريفَ أبا لهب
هذا وإن الأصل في الفخر بالنسب هو المنع مهما كان شرفُهُ إلا في الحرب، وذلك لأمرين:
1-عمومات النهي عن التفاخر بالحسب والنسب، ولا استثناء إلا بدليل.
2-أنّ شرف النسب لا يخلو من كونه نعمةً في الدنيا فيكون حاله كالمالِ والمتاع ونحوه؛ فلا يُشرع الفخر به، أو أن يكون نعمةً دينية كالإيمان والفقه؛ فالمنعُ من التفاخر به آكد.
 ومهما يكن من أمر؛ فالمرءُ لا يوزن بماله ولا نسبه ولا لحمه، بل بدينه وعلمه وعقله وأدبه. قال شيخ الإسلام: "ليس في كتاب الله آيةٌ واحدةٌ يُمدح فيها أحدٌ بنسبه ولا يُذمُّ أحدٌ بنسبِه". وقال الرجيم يومًا مفتخرًا بأصله، متعاليًا على نبي كريم، خلَقَه الله بيده، ونفخ فيه من روحه: (أنا خيرٌ منه) فمَنْ تعَالى على الناس بنسبه؛ فشيخُهُ إبليس، ومن تعالى عليهم بماله؛ فشيخُه قارون، وعلمٌ لا يقرّب من الله؛ لا خير فيه. وخيرُ أصلٍ تنتسب إليه هو أصل الإسلام (هو سماكم المسلمين) فهو النّسبُ الذي يستحق الغبطة حقًّا. وتفكّر في العِندية في قول الله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وتأمل قوله ﷺ: "أنا سيّد ولد آدم ولا فخر". فحتى في مقام السيادة على جميع البشر؛ تبرّأ من الافتخار على أحدٍ منهم، فهو يتحدّثُ بنعمة الله لا يفتخر. وقال شيخ الإسلام رحمه الله: "غلط من ألغى فضيلة الأنساب، وغلط من ظنّ أنها تفضيلٌ بتعيين الشخص، والحقُّ أنّها فضيلةُ جُملة، وفضيلةٌ لأجل المظنّة والسبب، أما فضيلة التقوى ففضيلة تعيين".  ومثال ذلك في معادن الأرض لمن ينقبون عن الذهب، فنراهم يُركّزون البحث في بقاعٍ معيّنة أكثر من غيرها، لأنّه في الأغلب تكثر فيها عروق الذهب أكثر مما عداها، مع علمهم أنّه قد توجد في البقاع التي رغبوا عنها عروق أفضل وأجود مما ظنّوه في الأولى، فالمسألة مسألة غلبة ظنّ بوجود الصفات الحسنة في كذا وكذا، وقد لا توجد في الحقيقة، وقد توجد ناقصة، وقد يوجد في غيرها أفضل منها. ومن ذلك أنّ جنس المهاجرين أفضل من جنس الأنصار، ولكن يوجد من الأنصار كسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وعبادة بن الصامت وغيرهم أشخاص أفضل من كثير من المهاجرين، فعاد الأمر للمَظِنَّة والأغلبية، لا التعيين بالذات، وبكل حال:
إن يختلف ماءُ الوصالِ فماؤنا  ...  عذبٌ تحدّرَ من غمامٍ واحدِ
أو يختلف نسبٌ يؤلفُ بيننا   ...  دينٌ أقمناه مقام الوالدِ
ولا تهتم للون بشرتك في الدنيا، فمصيرها للدود، ولا لنسبك فهو للفناء، ولكن اهتم لبياض وجهك غدًا بين يدي ربك (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) وإنما يُحمدُ المرء بما له تصرُّفٌ فيه؛ كخُلُقه الحسن، وعلمه النافع، وعمله المبرور، وسجاياه الكريمة، أما ما سواه فلا يعوَّل عليه. وعلى المؤمن أن يقنعَ بقدَرِ الله له مما ليس له حيلةٌ في كسبه ولا دفعه؛ كجنسه ولونه ونسبه وزمانه، ومن الضياع مدافعة ذلك. وعند عتبةِ الموت تذوبُ كل الفروق. وإنّ جمالُ الصورة وعدمها ليس بمُكتَسب، فلا يُذمُّ المرء على أمرٍ لم يصنعه لنفسه، لكنّ الأخلاق مُكتسبة، فهي محل الحمد والذمّ. ولما سأل رجلٌ آخر عن نسبه ليضع من قدره أجابه: "يا هذا، نسبُكَ ينتهي بك، ونسبي يبدأ بي"! ومنه قول الأول:
إنّ الفتى من يقول ها أنا ذا ...  ليس الفتى من يقول كان أبي
 ومما يؤلم المؤمنَ أنَّ نبرةَ الازدراء للعنصر المختلف لا تزال سائدة لدى كثير من المسلمين، فلا يزالُ بعض قومنا إذا ذكر العنصر المختلف بلونه أو نسبه أو شكله أو جنسيته أو إقليمه نَبَزَهُ، وليس مراد كثيرهم التوضيح بل نظرة الدون، وهذا التلوّث المعياري لا يسلم منه بلدٌ من بلاد الإسلام، لكنه يزداد في بلدٍ عن غيره بحسب نفخة الشيطان لأهله، وربُّ العزة يقول: (هو سماكم المسلمين) فبئسًا لأوضار الجاهلية، وتعسًا لمروط الخيلاء!
أبِي الإسلامُ لا أب لي سِواهُ  ...  وإن افتَخرُوا بقيسٍ أو تميمِ
وعند طروءِ الحسبِ والسلالة الطيبة التي عُنيت بمعالي الأمور على قلب العاقل؛ فإنها تُثمرُ الهمَّة العالية، وسموَّ النفس عن سفساف الأمور، والبعدِ عن كلّ ما يشين، وتدفُقُ في صدره التواضع الصادق. أمّا إن وردت قلب السفيه؛ فإنها تثمر الكبرَ، والغرور، والتّيه، والدوران حول ذواتٍ قد فَنَت، والفخرَ بما ليس له، والغفلةَ عما خُلِقَ له. ومَنْ تواضع ارتفع، ومن تعالى اتّضع، ولا يتواضع إلّا من كان واثقًا بنفسهِ، ولا يتكبَّر إلا من كان عالمًا بنقصهِ.
لسنَا وإن كَرُمَتْ أوائلُنا ...  يومًا على الأحساب نتّكلُ
نَبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعلُ مثلَ ما فعلوا
ومن فروع ذلك؛ كثرةُ الحديث وطول النقاش عند مسألة التفضيل بين الذكر والأنثى، والذي ينتهي إليه فضلاء العقلاء: أنّ المسألة في جوهرها: تكاملٌ لا تفاضل.
وخيرٌ لك ألّا ترى ذاتك. فكن في غبراء الناس، إن حضرتَ لم يأبهوا لك، وإن غبتَ لم يَفقدوك. واكسرْ صولةَ عُجبِك بتذكُّرِ ذنبك، وتَعاظُمَ نفسِك بنقصك وفنائك، وحِرصِك بحتم قضائك، وطولِ أملك باقترابك كلّ مرحلة من موعد رحيلك. واعبر الدنيا بالعبادة، ولا تعمرها بالغفلة. وأحسِنْ علاقتك بالحي القيوم، ثم الْتَحِف بقيّةَ عُمُرِك.
قال ابن القيم رحمه الله: "إذا أراد الله بعبده خيرًا؛ سلب رؤية أعماله الحسنة من قلبه، والإخبار بها من لسانه، وشغَلَهُ برؤية ذنبه، فلا يزال نُصبَ عينيه حتى يدخل الجنة". فمن التوفيقِ لكلّ ناصح لنفسه: أن يجعل نصب عينيه دومًا ذنوبًا سالفة، وأن يستعظمها بلا قنوط، كسرًا لسورة الكبر في نفسه، وقرْعًا لصولة عبادته وتديّنه، وما أقرب التائب من ربه: (إن الله يحب التوابين). فيا صاحبي: كن مخلصًا في غير خنوع، صادقًا في غير غفلة، شريفًا في غير تيه. واعلم أنّ علامة العظَمة: التواضع، وأمارة الجبن: البطش بالضعيف، وبرهان العقل: الاستعداد للقاء الله تعالى. والورع قيد التقوى، والتقوى جماع الخير. وإذا أردت تعلّم علمٍ؛ فاعترف بجهلك به أوّلًا.
ويا عبد الله؛ ازهد في الرئاسة زُهدك في الميتة، فحبُّ الرئاسة من فروع حبِّ الدنيا، وهو آخرُ ما يسقط من رؤوس الصدّيقين، فترى الرجلَ من أزهد الناس في المال والمتاع، حتى إذا هزهزهُ منصبٌ أو رئاسةٌ؛ تهالك على تحصيله تهالُكَ الغريق بالخشبة، ونسيَ ما كان يُوعظُ به. وسبيلُ الموت غايةُ كلِّ حيٍّ.
ولِحُب الرئاسة علامات، قال شيخ الإسلام: "وطالب الرئاسة -ولو بالباطل -ترضيه الكلمة التي فيها تعظيمه وإن كانت باطلًا، وتُغضبه الكلمة التي فيها ذمّه وإن كانت حقًّا. والمؤمن ترضيه كلمةُ الحق له وعليه، وتغضبه كلمةُ الباطل له وعليه؛ لأنّ الله تعالى يُحبُّ الحقّ والصدق والعدل، ويبغض الكذب والظلم".
 وشتّان بين من وصفهم ربهم بقوله: (إنهم كانوا قبل ذلك محسنين) وبين: (إنهم كانوا قبل ذلك مترفين) والقبورُ مليئة بهؤلاء وأولئك، ونحن سِراعًا على الأثر. ولكلِّ جيلٍ فِتَنُه.
ولا تفرح بالشهرة، فالأضواء مُحرقة، وقد كان السلف يغبطون المجتهد الخفي. وإنّ الزهد في الدنيا ليس محصورًا في المال فقط، إنّه أكثر من ذلك وأشدّ، وأهونُ الزهد هو الزهد في المال، ولكلِّ نفسٍ رُكنٌ تضعُف فيه، وبابٌ يولَجُ على حُرْمَتِها منه. وإبليسُ يشمّ القلبَ ويُدرك باب ضعفه الذي يلج منه، فاحذره. (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا) وكتبَ سفيان الثوري لأخٍ له: "واحذرْ حُبَّ المنزلة؛ فإنَّ الزّهادة فيها أشدُّ من الزهادة في الدنيا". فازهد في الثناء، وازهد في الرئاسة، وازهد كذلك في المال، وفي كلِّ ما لا ينفعُ في الآخرة.
وعليك بالورع في لسانك ويدك وبطنك وجوارحك، ولا تحفل بما لا ينفعك في مبعثك، وأولى عنه ما تخشى مغبتّه، ورُبّ لُعاعةِ دنيا؛ حجبتْ رضوان الله! ولو عُرِضَتْ عليك حسناتٌ نضيرَ مبلغ مالي، فهل ستشتريها، أو عُرِضَ عليك حملُ بعضِ أوزارك عنك مقابل مبلغ مالي، فهل ستقبل؟! هل تعلم أنّك تأخذ ذلك من الخلق إذا انتهكوا لك حقًّا؟ وأنّك تعطيهم ذلك إذا انتهكت لهم حقًّا، فغدًا يومُ الدينونة.
وكثيرٌ من سور القرآن العظيم تُختم بمواعظ عميقة ترقّق قسوة القلوب، فما ظنك بختام القرآن كله وهو قول الله تعالى: (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) فما أعظمه من وداع، وما أجلّها من خاتمة، وهي آخر عهدٍ نزل من السماء، وآخر وصية لي ولك من الله العظيم، فتأملها وتدبرها وتفكّرْ فيها، فأنتَ المعنِيُّ بها.
إبراهيم الدميجي


الاثنين، 11 مارس 2019

زيغةُ الحكيم


زيغةُ الحكيم
الحمد لله، وبعد: فإن حاجة الناس للعلماء ضرورة كضرورة المريض للعافية والمسافرِ للنجم الهادي، وسئل أهل مكة: كيف كان عطاء فيكم؟ فقالوا: كان مثلَ العافية، لا نعرف فضلها حتى تُفْقَد.
ألا وإنّ كثيرًا من النزاع بين المسلمين والخصوماتِ والبغيِ والفُرقة قد حدث حين تجاوز العلماءَ من ليس منهم، وأسقطهم من لم يعرف قدرهم.
ولقد تنبّه علماءُ الأمة لهذا الخطر المستشير والخطل المستطير، فصدحوا بحرمة ذلك السبيل وخطر ذلك المهيع، وأنّ من كان همُّه تسقّط عثرات إخوانه واصطياد زلاتهم وتكبير عيوبهم وستر حسناتهم وطعن نيّاتهم والتأليب عليهم فهو ضالٌّ ظالم، وأنّ الفرضَ حفظ قدر العالِم مع عدم متابعته إن أخطأ. فأصدروا وكرروا بيانات وفتاوى ووصايا، وفيهم كفاية ومَقنعٌ بحمد الله لمن أراد برْدَ السكينة في صدره، أما الهاوي فلا يرده عن هواه انتطاح القَمَرَين أمامه! ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، والله تعالى لا يُتَقرّبُ إليه بمعصيته، والسعيدُ من عُوفي. ومهلًا يا زارع الريح لتحصدنّ الزوبعة!
  لقد صاح العلماءُ فيمن خاف الوعيد من الاسترسال في ذلك وأنه منحدرٌ زلق، نهايتُه النزاع والفشل وذهاب الريح في الدنيا، ثم قبض الريح صفرًا من حسناتٍ رجاها أهلُوها غدًا ولكن لم ينالوها، لأنها لم تكُ حسناتٍ أصلًا، أو لأنها قد اقْتُصّتْ منهم في ديوان المظالم، وعساها أن تكفي عن مراكمة خطايا العباد على الظهر الظالمِ لهم في الدنيا.. رحماك ربي. (ليحملوا أوزارهم وأوزارًا مع أوزارهم) وعند مسلم (1) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون من المفلس؟" قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه؛ أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار".
إن العالِم بشرٌ مُعَرّضٌ للخطأ في فتواه، سواء من جهة عدم إدراك الصواب والتحرير أو من جهة طريقة البيان والتقرير، أو حتى من جهة النيّة والتجريد، فيطير بذلك أهلُ الشهوات والشبهات، فينشرون خطأ الفقيه، ويُطلقون ما قيّدَه، ويُعمّمون ما خصّصه، ويقيسون على فتواهُ ما ليس منها، إذّ همُّهم شهواتُهم لا هداياتُهم، وزلَّة العالِم زلّةُ العالَم ومضروب لها الطبل، نعوذ بالله من فتنة القول والعمل.
إن حَمَلة العلم يصِلُون ما أمر الله به أن يوصل، ويحفظون أقدار أولي الفضل والعلم والسابقة، ولا يعرف الفضلَ لأولي الفضلِ سوى أهلِ الفضل. والعاِلمُ العامل في المحلِّ رحمةٌ من الله وبركة على أهله تمشي على قدمين، قال يوسف بن أسباط: كان أبي قدريًّا، وأخْوالي روافض، فأنقذني الله بسفيان. وتأمل جميل ثناء ابن القيم عن شيخه ابن تيمية لمّا كان سببًا -بإذن الله -للأخذ بيد ابن القيم للسنة المحضة. والموفّقون هم من يحفظون قدر العالِم حتى وإن تعثّر ببعض البدع أو الأخطاء أو الاجتهادات التي لا تُخرجه من أصول أهل السنة الكليّة.
 قال سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: "ليس من شريفٍ ولا عالمٍ ولا ذي فضلٍ إلا وفيه عيب. ولكن من الناس من لا ينبغي أن تُذكر عيوبُه، ومن كان فضلُهُ أكثر من نقصه؛ وُهِبَ نقصُهُ لفضله". (2) وقال الحافظ الذهبي رحمه الله: "ولو أن كلّ من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه وتوخّيه لاتّباع الحق أهدرناه وبدّعناه؛ لقلّ من يسلم معنا من الأئمة". (3) وقال: "ليس من شرط العالم ألا يُخطئ" (4) إلا ما أجمل الإنصاف وأعزَّه وأروَعه وأوْرَعه!
وثمّة خيط رفيع بين تقديرِ العلماء وتقديسِهم، فالأولُ واجب محمود والثاني ممنوع. وبعض الناس فرّ من الثانية فألحق بها الأولى، وهذا خطأ، فالعلم رَفَعَهُم.
وكيف لا يكون ذلك لهم وهم مِلْحُ الناس وزينةُ الأرض وحَلَى الدنيا، وهم نجومٌ لا يضل معها الساري، ومنهلٌ يرتوي منه الصّادي، ولا تزال قلوب العابدين بعلومهم معمورة، وصدورهم من وصاياهم مأهولة. والعلماءُ هم شُهب الله على المبطلين، ورجومُه على رؤوس المجرمين، وعلى امتداد تاريخ الأمة المجيد نجد أن الأمة قد مَرّت بمنعطفات صعبةٍ للغاية، وكان فضلُ توجيهِها بعد الله على أيدي حفظوا الأمانة فحفظتهم، اللهم أكثر مخلصيهم وأقوياءهم وزهادهم إله الحق.
ولنأخذ مثالين على بَرَكَةِ العالم وحسنِ أثره في الناس، وعظيم صبره وجميل إنصافه، ورِفْقِهِ في الحِجَاج مع قوّة البرهان وشدّة الإلزام، وهما خبرَ ابنِ عباس وخبرَ جابرِ بنِ عبد الله رضي الله عنهم، وكلاهما مع أشدّ الناس في الخصومة، وهم الخوارج.
ففي خَبرِ ابن عباس رضي الله عنهما مع أهل النهروان: قال ابن عباس رضي الله عنهما: "إنّه لما اعتزلت الخوارجُ دخلوا دارًا وهم ستة آلاف، وأجمعوا أن يخرجوا على علي بن أبي طالب وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم معه. قال: وكان لا يزال يجيء إنسان فيقول: يا أمير المؤمنين، إن القوم خارجون عليك -يعني عليًّا -فيقول: دعوهم، فإنّي لا أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسوف يفعلون. فلما كان ذات يوم، أتيتُه قبل صلاة الظهر فقلت له: يا أمير المؤمنين، أبرِدْنَا بالصلاة، (5) لعلي أدخل على هؤلاء القوم فأكلمهم. فقال: إني أخافهم عليك (6) فقلت: كلّا، وكنتُ رجلًا حَسَنَ الخُلُقِ لا أوذي أحدًا، فأَذِنَ لي.
 فلبستُ حُلّةً من أحسن ما يكون من اليمن، وترجّلت، (7) ودخلتُ عليهم نصف النهار، فدخلتُ على قومٍ لم أر قومًا قطّ أشدَّ منهم اجتهادًا، جِباهُهم قَرَحَتْ من السجود، وأيديهم كأنّها ثَفِنُ الأبل، (8) وعليهم قُمُصٌ مُرَحضَة، (9) مشمّرين، مُسَهَّمَةً وجوهُهم (10) من السهر، فسلّمتُ عليهم، فقالوا: مرحبًا يا ابن عباس، ما جاءَ بك؟
 قال: قلت: أتيتكم من عندِ المهاجرين والأنصار، ومن عندِ صِهْر رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عليٌّ، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلمُ بتأويله. فقالت طائفة منهم: لا تُخاصموا قريشًا فإن الله قال: (بل هم قوم خَصِمُون) فقال اثنان أو ثلاثة: لنُكَلِّمنّه.
فقلت لهم: تُرى ما نَقَمتُم على صهرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمهاجرين والأنصار، وعليهم نزل القرآنُ، وليس فيكم منهم أحد، وهم أعلم بتأويله منكم؟ قالوا: ثلاثًا. (11) قلت: ماذا؟ قالوا: أمّا إحداهُن: فإنّه حَكّم الرجال في أمر الله عز وجل، وقد قال الله عز وجل: (إنِ الحُكْمُ إلا لله) فما شأنُ الرجال والحكم بعد قول الله عز وجل؟ فقلت: هذه واحدة، وماذا؟ قالوا: وأما الثانية: فإنه قاتل ولم يَسْبِ ولم يَغْنَم، فلئن كانوا مؤمنين ما حَلّ لنا قتالُهم وسِباهم. قلت: وماذا الثالثة؟ قالوا: إنهَ مَحَا نفسه من أمير المؤمنين، إن لم يكن أميرَ المؤمنين، فإنه لَأَميرُ الكافرين. قلت: هل عندكم غير هذا؟ قالوا: كفانا هذا.
 قلت لهم: أما قولكم: حَكّم الرجال في أمر الله عز وجل، أنا أقرأ عليكم في كتاب الله عز وجل ما ينقض قولَكم، أفترجعون؟ (12) قالوا: نعم. قلت: فإن الله عز وجل قد صَيَّر من حكمِهِ إلى الرجال في رُبعِ درهمٍ ثمن أرنب، وتلا هذه الآية: (لا تَقْتُلوا الصيد وأنتم حُرُمٌ) إلى آخر الآية. وفي المرأة وزوجِها: (وإن خفتم شقاقَ بينِهِما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها) إلى آخر الآية. فنشدتُكم بالله، هل تعلمون حُكْمَ الرجال في إصلاح ذاتِ بينهم، وحقن دمائهم، أفضلَ، أم حكمَهم في أرنبٍ وبُضْعِ امرأة؟ فأيّهما ترون أفضل؟ قالوا: بل هذه. قال: خرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم. (13)
 قلت: وأما قولُكم: قاتَلَ ولم يسْبِ ولم يغنم، فتَسْبُونَ أمَّكم عائشة؟ فوالله لئن قلتم: ليست بأمِّنا، لقد خرجتم من الإسلام، ووالله لئن قلتم: نَسبيها نستحلُّ منها ما نستحل من غيرها، لقد خرجتم من الإسلام، فأنتم بين الضلالتين، إن الله عز وجل قال: (النبي أوْلى بالمؤمنين من أنفُسِهِم وأزواجُهُ أمهاتُهم) فإن قلتم: ليستْ بأمّنا، لقد خرجتم من الإسلام، أخرَجتُ من هذه؟ قالوا: نعم.
 وأما قولكم: مَحَا نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون: يوم الحديبية، كاتبَ المشركين أبا سفيان بن حرب وسهيلَ بنَ عمرو، فقال: "يا عليّ، اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمدٌ رسولُ الله"، فقال المشركون: والله لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهمَ إنك تعلمُ أني رسولُك، امْحُ يا علي، اكتب: هذا ما كاتب عليه محمد بن عبد الله"، فوالله لرسولُ الله صلى الله عليه وسلم خيرٌ من عليٍّ، فقد محا نفسه. قال: فرجع منهم ألفان، وخرج سائرُهم فقُتلوا". (14) وقد وقع عند عبد الرزاقِ والطبراني أن عدد الحرورية حين خرجوا كان أربعةً وعشرين ألفًا، رجع منهم بعد مناظرة ابن عباس عشرون ألفًا، وبقي أربعة آلاف، فقتلوا، والله أعلم.
أما خبرُ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما فقد حدّث به يزيدُ بن صهيب الفقير، قال: "كنت قد شَغَفَنِي (15) رأيٌ من رأي الخوارج. فخرجنا في عِصَابةٍ ذوي عدد، نريد أن نحجّ ثم نخرجُ على الناس. (16) قال: فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله جالسٌ إلى سارية يُحدِّثُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا هو قد ذكر الجَهَنَّمِيِّين، (17) فقلت: يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم (18) ما هذا الذي تحدثوننا؟ والله يقول: (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) و(كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) فما هذا الذي تقولون؟
 قال: أتقرأُ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فاقرأ ما قبله، (19) إنه في الكفار، ثم قال: فهل سمعتَ بمقام محمدٍ الذي يبعثُهُ الله فيه؟ (20) قلت: نعم، قال: فإنّه مقام محمد صلى الله عليه وسلم المحمودُ الذي يُخرج الله به من يُخرج، قال: ثم نَعَتَ وضعَ الصراط، ومرَّ الناس عليه، قال: وأخافُ ألا أكون أحفظ ذاك، (21) قال: غير أنه قد زعم أن قومًا يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها، (22) قال: فيخرجون كأنهم عيدان السماسم، (23) قال: فيدخلون نهرًا من أنهار الجنة، فيغتسلون فيه، فيخرجون كأنهم القراطيس، فرجعنا، قلنا: ويحَكُمْ، أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فرجعنا، فلا والله ما خرج غير رجل واحد، أو كما قال". (24) ولحديث الشفاعة العظمى روايات أوفى في الصحيحين وغيرهما.
ومن كان لهم مقام في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله ونحو ذلك من مقامات الإسلام فإن إقالة عثرته متأكدة في حقه أبلغ من غيره، مع عدم متابعته فيها، فحفظُ السابقة من هدي السلف. قال ابن القيم رحمه الله: "ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدمٌ صالحٌ وآثار حسنةٌ، وهو من الإسلام وأهله بمكانٍ، قد تكون منه الهفوة والزلَّة، هو فيها معذورٌ بل مأجورٌ لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتبع فيها، ولا يجوز أن تُهدر مكانته وإمامتُهُ في قلوب المسلمين". (25) وتأمل ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود". (26)
وللهِ مُعاذٌ ما افقهه! فعن يزيد بن عميرة عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: "تكون فتنةٌ يكثر فيها المال، ويُفتح فيها القرآن حتى يقرأَهُ المؤمنُ والمنافق والصغير والكبير والرجل والمرأة، يقرأه الرجل سرًّا فلا يُتبَعُ عليها، فيقول: والله لأقرأنّه علانية، ثم يقرأه علانية فلا يُتبع عليها، فيتخذ مسجدًا ويبتدع كلامًا ليس في كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإيّاكم وإيّاه فإنّ كلّ ما ابتدع ضلالة.
 قال يزيد: ولما مرض معاذ بن جبل مرضه الذي قُبض فيه كان يُغشى عليه أحيانًا ويفيق أحيانًا، حتى غُشي عليه غشيةً ظننّا أنه قد قُبض، ثم أفاق وأنا مقابله أبكي! فقال: ما يبكيك؟ قلت: والله لا أبكي على دنيا كنتُ أنالُها منك، ولا على نسب بيني وبينك، ولكن أبكي على العلم والإيمان الذي أسمع منك يذهب.
قال: فلا تبك، فإنّ العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، فابتغه حيث ابتغاه إبراهيم عليه الصلاة السلام، فإنه سأل الله تعالى وهو لا يعلم وتلا: (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) وابتغه بعدي عند أربعةِ نفرٍ، وإن لم تجده عند واحد منهم فسلْ عن الناس أعيانَه؛ عبد الله بن مسعود وعبد الله بن سلام وسلمان وعويمر أبو الدرداء. وإياك وزيغةَ الحكيم، وحُكْمَ المنافق". (27)
وفي رواية له عن معاذ – وفيها -: ". وأحذِّركم زَيغةَ الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافقُ كلمةَ الحق" قال: قلت لمعاذ: وما تدري رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأنَّ المنافق يقول كلمة الحق؟ قال: "بلى، اجتنِبْ من كلام الحكيم المشْتَهِراتِ التي يقال: ما هذه؟ ولا يَثْنِينَّك ذلك عنه فإنه لعله يُراجِع، وتَلَقَّ الحق إذا سمعتَه، فإن على الحق نورًا". (28)
 فرضي الله عن معاذ إذ أعطانا معيارًا ومنهاجًا في التعامل مع أهل العلم ومن تشبّه بهم ممن ليس منهم، حالَ صواب الجميع أو خطئهم.
 وانظر لسوسة القلب حين تنحت فيه حبَّ التصدّر والظهور والعلوِّ على الخلق، وكيف قرأ القرآن سرًّا فلم يتبعه الناس، فقرأه جهرًا فلم يتبعوه، حتى آل به الأمر أن اتّخَذ مسجدًا وأحدث بدعًا وضلالات. فمقصودُه ليس وجهَ الله والدارَ الآخرة مهما حفظ من العلوم ودرس على المشايخ وقرأ من الكتب، بل العلوَّ في الأرض عن طريق التصدر على منابر العلم، فاحذر يا طالب العلم أن تبتغيَ العلوَّ في الأرض على أقرانك وعلى الناس، وابتغِ سموَّ السماء بتقواك ومنازلَ الآخرة بنصحك وتواضعك، فإن الله تعالى يقول: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين).
وتأمل فقه معاذ رضي الله عنه في تحذيره من زيغة الحكيم، لذلك فلا تُعنِقِ فَرِحًا بكل نكتةٍ علميّة انقدحت لك، فما كلّ ما يلمع ذهبًا ولا كل بيضاء شحمة، وكم من قدحةٍ قاتلة، وكم من دهليز جهل على باب فِكْرَة، وكم أعرض الراسخون عن مسائل صانوا بها صفاء علومهم.
وبالجملة: لا تفرح بالطارف على التليد، واجتنب في العلم الغرائب، فالغريب مريب. وعليك بجادّة السالفين الأُوَل ذوي الأمر الأول والنمط الأوسط، الذين وقفوا عن علمٍ، وكفّوا عن ورع.
وحينما تحدثك نفسك يا طالب العلم بظَفَرٍ في مسألة، فلا تظنّ أنّ الأكابر قد كفّوا عنها لجهل، لذا تأنَّ كثيرًا حتى تعلم سبب رغبتهم عنها فلعله الصواب، واحذر من أن تتخذ قولًا أو عملًا ليس لك فيه سلف صالح، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، وسَبْعُ الأفكارِ أضْرَى من سبعِ الأجساد.
فقل لمن يدّعي في العلم معرفةً   ...  حفظتَ شيئًا وغابتْ عنك أشياءُ
واعلم أن التريّث والتحرير ومشاورة أهل الاختصاص لها ثمراتها: فقد يكون الواردُ مطروقًا قد فصّله السابقون ولم تعلم به، أو كان سببه ومقتضاه قائمًا فتركوه تورّعًا، أو تبيّن لهم بطلانه لِعِلّة لم تدركها.. أو غير ذلك.
ولا يعني هذا ترك الاشتغال بكل واردٍ فكريّ جديد، فهذا ليس بمقصود، فالتقليد المحض ليس بعلمٍ، والتقيّدُ بقيد الأمر السائد قصورٌ في التحصيل، والإبداعُ النافع مطلب شرعي، بل القصد هو التمهّل والتريّث والأناة والمشاورة للراسخين لتحرير الوارد من فروع العلم قبل نشره، لأنه في يدك حتى يطير في الأرجاء، فإن كان مُحرّرًا فنعمّا هو، وإن كان غير ذلك فعليك غُرمُهُ وتَبِعَتُه.
 وبالجملة: فإياك أن تستوليَ برودةُ عادتك على حرارة قريحتك؛ فيستبدّ بك التقليد الجافّ وتنطفئ شعلتُك المضيئة، حينها تكون قد كسرت شراعك ودفنت إبداعك.
ومما يؤسف له أن بعضًا من أمور الأمّة المُلحّة (العصريّة) لا نجد لبعض الأكابر حديثٌ فيها ترفّعًا أو تزهّدًا أو انشغالًا – مع انتشارها بين الناس كنار الهشيم – فنشأ عن اعتزال هؤلاء الكلام فيها أن انبرى لها غيرُ أهلها فألقحوها الضلال، فاستيقظ أصحابنا وصاحُوا بأهله -بعد خراب البصرة -وخير لهم أن يصيحوا بأنفسهم أوّلًا.. فقد ذهبتْ ليلى فما أنت صانع؟!  
 ولله درّ ابن مسعود ما أحكمه حين قال: "إنكم لن تزالوا بخيرٍ ما دام العلم في كباركم، فإذا كان العلم في صغاركم سفَّه الصغيرُ الكبيرَ". (29)
ولقد مرّ الإمام أبو حنيفة رحمه الله على جماعة يتفقهون، فقال: ألهم رأسٌ؟ قالوا: لا. قال: إذن لا يفلحون أبدًا. (30) ومن بديع شعر عبد الوهاب بن على المالكي رحمه الله:
متى يصلُ العِطاشُ إلى ارتواءٍ   ...   إذا استَقَتِ البحارُ من الرَّكايَا
ومن يُثْنِي الأصاغِرَ عن مُرادٍ   ...   إِذا جلس الأكابرُ في الزَّوايَا
إذا استوتِ الأسافلُ والأعالي   ...    فقد طابت مُنَادَمَةُ المَنَايا
إن الله تعالى قد جعل العالِم بركة للناس، ونجمًا في السماء للحق هاديًا، بما ينشره من علم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله وعمله وسمته وخُلُقه. فهو وارثُ تركةِ الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي يوزّعها على الناس ويَهديهم – بإذن الله -لها، ولا يزال في الأمة خير ما كان فيها علماء ربانيون يصِلُون حاضرَ الأمة بصدرها الزاهر المنير. وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وحزبه.
إبراهيم الدميجي
...........................................................................
(1) (8/18) ( 2581 ) ( 59 )
(2) التمهيد (11/ 170)، الكفاية (79)
 (3) السير (14/ 374)
(4) السير (14/ 339)
 (5) أي أخّر صلاة الظهر عن أول وقتها، وهو سنة عند اشتداد الحرّ، وغرضه إفساح الوقت له كي يدرك صلاة الجماعة بعد المناظرة رضي الله عنه.
(6) لأنهم قد قتلوا ابن خباب لما مرّ بهم وزوجه الحامل وقتلوا غيره كثير، لاستحلالهم دماء مخالفيهم، فهم يكفّرون من ليس معهم، ففتنتهم شديدة وشرّهم مستطير، ووُصفوا في السنّة بشرِّ الخلق والخليقة.
(7) أي سرّح شعر رأسه.
(8) أي: رُكَبِها الغليظة.
(9) أي: مغسولة.
(10) أي: متغيرة ألوانها من الصيام والقيام، وهذا من إنصافه رضي الله عنه، فانظر عظيم فتنة ابليس بهم كيف وهم مع هذا الحال من شديد العبادة وابتغاء التقوى ودقيق الورع، (ومن يضلل الله فما له من هاد) ولهم نصيب من قول الله تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا. الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا). وما من أمرٍ لله إلا وللشيطان فيه حظّان لا يُبالي بأيّهما أسقط العباد: الزيادة والنقصان. 
وتأمل مدى ضلالهم في قصتهم مع التابعي الجليل عبد الله بن خباب وزوجه، وقد ساقها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (7 / 318) بقوله: "وكان من جملة من قتلوه عبدَ الله بنَ خبّابٍ صاحبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسروه وامرأته معه وهي حامل فقالوا: من أنت؟ قال: أنا عبدُ الله بنُ خبابٍ صاحبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنّكم قد روّعتموني. فقالوا: لا بأس عليك، حدّثنا ما سمعتَ من أبيك فقال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستكون فتنةٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الساعي". رواه أحمد (1446). فاقتادوه بيده، فبينما هو يسير معهم إذْ لقي بعضهم خنزيرًا لبعض أهل الذمة فضربه بعضُهم فشقّ جلدَه، فقال له آخر: لم فعلت هذا وهو لذمّي؟ فذهب إلى ذلك الذمي فاستحلّه وأرضاه، وبينا هو معهم إذ سقطت تمرةٌ من نخلة فأخذها أحدهم فألقاها في فمه، فقال له آخر: بغيرِ إذنٍ ولا ثمن؟ فألقاها ذاك من فمه، ومع هذا قدّموا عبد الله بن خبّاب فذبحوه، وجاؤوا إلى امرأته فقالت: إني امرأة حبلى، ألا تتقون الله، فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها"! عائذًا بربي من مضلات الفتن.
(11) وفي هذا التثبّت من استدلال المخالف فقد تكون حجة عليك قبولها ولإذعان والتسليم لها، وقد تكون شبهة عليك أن تكشفها له وتبطلها من عينيه.
(12) وفي هذا إلزام الخصم بالرجوع عن قوله إن تبين له بطلانه، وقد كانت هذه طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهود وغيرهم.
(13) وتأمل حسن السياق والترتيب والإلزام وإخلاء شبهة الخصم من مضمونها ومبرّرها.
(14) عبد الرزاق في المصنف (18678) والطبراني (10598) والحاكم (2/150) وغيرهم، وذكر أحمد في المسند (3187) طرفًا من القصة بسند جيد. وقد رويت قصة أمر النبي صلى الله عليه بمحو "محمد رسول الله" في البخاري (2731) و(2732) ومسلم (1784)
(15) أي تملّكني بأن دخل شغاف قلبي، والشغافُ: غلافُ القلب.
(16) ولا أعلم أن الخوارج جالدوا المشركين يومًا، وتأمل الحال مع الغلاة في هذا الزمان كيف يقتلون المسلمين ويدعون المشركين متذرعين بأن القريب مرتد والمرتد يقتل قبل الكافر الأصلي، هكذا بلا إقامة حجة ولا إبانة محجة، كيف والحجة عليهم لا لهم، (ومن يضلل الله فلن تجد له وليا مرشدًا) وهذه خصلة الخوارج فقد وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرميّة، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد". البخاري (7432) ومسلم (1064) فمشكلتهم في ضلال العلم لا نقص التعبد وقوّة الإرادة، (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم) فمن هذه الوجه فيهم شبه من النصارى الضالين. وقد روى عبد الرزاق في تفسيره (2/299) والحاكم في المستدرك (2/522) عن أبي عمران الجوني قال: مرَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بديرِ راهبٍ، فناداه: يا راهب، يا راهب، فأشرف، قال: فجعل عمر ينظر إليه ويبكي. فقيل له: يا أمير المؤمنين، ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله عز وجل في كتابه: (عاملة ناصبة تصلى نارا حامية) فذاك الذي أبكاني. وإن كان هذا الخبر لا يثبتُ لأن أبي عمران لم يدرك زمان عمر، إنما المراد مغزى القصة لا حقيقتها، ففيها قرعٌ لفؤاد المؤمن تنبيهًا لعظم شأن هدايته للإسلام والإيمان، (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان) فلا نعمة تضارعها، واعلم أن كثيرًا من أهل الضلال من الملل والنحل هم أذكى منك عقولًا لكن الله تعالى لم يشأ لهم الهدى، فالهدى محض توفيق الله وحده. واعتبر ذلك بحال ذلك المنصّر الأمريكي الضال المضل إذ يقول: يعزّ علي حرص المسلمين على ارتياد المسجد خمس مرات ودينهم باطل! (وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا).
(17) وهم الذين يخرجهم الله تعالى من النار فيدخلهم الجنة، وهم من أهل الكبائر من الموحدين، وهذا ينقض أصل الخوارج الأعظم بقولهم بتكفير مرتكب الكبيرة مطلقًا، فحديث الشفاعة ثابت في الصحيحين، وفيه ذكر الجهنّميين.
لذلك أوصى عليٌّ ابنَ عباس رضي الله عنهم أن يُحاجج الخوارج بالسنة، وقال له: لا تجادلهم بالقرآن؛ فإن القرآن حمَّال وجوه، ولكن جادلهم بالسنة، قال ابن عباس: "يا أمير المؤمنين فأنا أعلم بكتاب الله منهم، في بيوتنا نزل، قال: صدقت، ولكن القرآن حمّالٌ ذو وجوه، تقولُ ويقولون، ولكن خاصمهم بالسنن، فإنهم لن يجدوا عنها محيصًا". وقد عزاه السيوطي في الإتقان (2/ 122) إلى ابن سعد. كذلك نُقِلَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا تجادلوهم بالقرآن فإنه حمال وجوه ولكن حاجِجُوهم بالرواية. أي بالسنة المرويّة.
لذلك فالخوارج لا يَعُدّون السنة من مصادر التلقي لديهم، ولو علموا تأويل القرآن ما فعلوا فالسنة شارحة القرآن، قال تَعَالَى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نزل إليهم) فالمبين هو رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، وقد أمر الله تعالى في القرآن أكثر من أربعين مرة بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقد حدّث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمّصات، والمتفلّجات للحسن، المُغيّرات خلق الله، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد، يقال لها: أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته، فقالت: ما حديث بلغني عنك: أنك قلت: كذا وكذا.. وذكرته؟ فقال عبد الله: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف، فما وجدته، قال: إن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله عز وجل: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) قالت: إني أرى شيئًا من هذا على امرأتك الآن؟ قال: اذهبي فانظري، فذهبت فلم تر شيئًا، فجاءت، فقالت: ما رأيت شيئًا، فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها". رواه البخاري (6/184) ومسلم (6/166) ومعنى المتنمصات: من النمص وهو ترقيق الحواجب وتدقيقها بالموسى ونحوه طلبًا للحُسن، والنامصة التي تصنع ذلك بالمرأة، والمُتنمصة التي تطلبه. والمتفلجات: هن اللاتي يطلبن الفَلج بصناعة وهو تباعد ما بين الثنايا. ومعنى لم نجامعها: أي لم أجتمع معها كناية عن طلاقها إن هي فعلت.
 (18) ففي يزيد خير بتوقيره للصحابة، لذلك يسّر الله تعالى له الهدى على أيديهم رضي الله عنهم.
(19) أي اقرأ سياق الآية وسباقها، فلا تكن كمن قرأ (ويل للمصلين) دون ما بعدها. وأمثال ذلك في القرآن العزيز كقوله تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً) فيبتدئُ من قوله: (ما وعدنا). ومثل أن يبتدئ بقوله: (إن الله) في قوله تعالى: (لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ) وقوله: (لَّقَدْ كَفَرَ الذين قآلوا إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ) ونحو ذلك. ومراد جابر التنبيه للسياق العام لخبر الآيات وأنها ليست كما فهمها الخوارج لأنهم اقتصروا على جملة دون سياقها.
(20) وهنا يحتج جابر بالسنة التي فيها قطع لنزاع المخالفين، وهذا تمام الفقه. فيشرح بالسنة قول الله تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) فقرره بالقرآن ثم ألزمه بالسنة.
(21) وهذا من ورعه رحمه الله.
(22) وإلى هذا الموضع قَصَدَ حابرٌ لأن فيه إبطالٌ لأصل الخوارج في تكفير صاحب الكبيرة، وهو ما انتبه له يزيد وكان فاتحة خير لتوبته وأصحابه من منهجهم المُظلم.
(23) عيدان السماسم: السماسم: جمع سمسم، وتكون عيدانه سودًا دِقاقًا بعد أخذ ثمرة السمسم ورميها، فشبه الجهنميين الذين أخرجهم الله من النار إلى الجنة بها أثناء إخراجهم من النار بعدما امتحشتهم وأحرقتهم، عياذًا بالله تعالى.
(24) مسلم (1/123)
(25) إِعلام الموقعين (3 / 283)
(26) رواه أبو داود (4375) وغيره، وصححه الألباني في الصحيحة (638) وصحيح الجامع (1185)
(27) المستدرك (4 / 465) (8440)
(28) أبو داود (4611) بسند حسن.
(29) ابن عبد البر في جامع العلم (1 / 159)
(30) الفقيه والمتفقه للخطيب (790)

الثلاثاء، 26 فبراير 2019

مرضُ الجسد، نِعْمَ الصاحب للآخرة

مرضُ الجسد، نِعْمَ الصاحب للآخرة
الحمد لله وبعد، فالمؤمن يرى الأمراض نعمًا لا عذابًا، هو لا يطلبها بل يسأل ربّه العافية، لكن إن نزلت به صبر ورضي وشكر. فأسقامُ الجسد على ثلاثة أنحاء: فمنها العارض وأعظمه الحُمّى -أمُّ مِلْدَمٍ -فهي تدخل كل عضو وتفورُ في كل مفصل، فهي كفارة طيّبة للخطيئات.
 الثاني: أمراضٌ ملازمة تحل معه وترتحل، لا تفارقه في فراشه ولا طعامه ولا لذته ولا عبادته كالسكر والضغط والعاهة ونحو ذلك من الأسقام التي يسمُّونها: الدائمة، فهي نِعْمَ الصَّاحبُ والرفيقُ في الطريق للآخرة، فالجسدُ يتأقلمُ ويتعايش معها على طول السنين، فلا يتأذى بها كشِدَة العارض النازل، مع ذلك فهي تنظّفُ صحيفته وتُنقّيها على مرّ الأيام من الذنوب، حتى إذا وافى العبدُ ربَّه إذْ كثير من خطاياه قد زالت بسبب تلك الأسقام في دنياه.
والثالث: الأسقام المُفضيةُ للوفاة بإذن الله تعالى، فمنها ما هو شهادةٌ لصاحبها، ومنها دون ذلك، وكلها خير ونعمة لمن احتسب الأجر ورضي بالله ربًّا مدبِرًا، وحمدَهُ على كل حال، وشكره على كل فضل. وبالجملة: فالمؤمن يعلم أنّ المصيبة كفارة للسيئات ورفعة للدرجات، ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة. وقال إبراهيم المقري وقد رفسته بغلته فكسرت رجله: "لولا مصائب الدنيا؛ قدمنا على الله مفاليس".
والمرضُ لا يُقرّبُ الأجلَ، ولا الصحةُ تدفعُهُ، إنما هي أسبابٌ مجرّدة، أما المُسَبِّبُ الخَلّاقُ الذي يُنزل الداء ويرفعُهُ ويُحيي ويُميت فهو الله وحده، فالمؤمن يبذل السبب وقلبه معلّق بالله تعالى. حتى من أصيب بمرض خطير كالسرطان فهو بين إحدى الحسنيين؛ شفاء أو شهادة بإذن الله، لأنّه إن لم يدخل فيه بالنص كالطاعون والمبطون ومريض ذات الجنب؛ فهو داخل بالمعنى للعلل التي ذكرها العلماء في توصيفهم لأمراض الشهادة.
ومن رحمة الله بعبده أن تأتيه رسلُ ربه كالأمراض الخطيرة، فتلمح له بقرب رحيله إليه، فيستعد للقاء الله ويشتاق بتوبة وعمل، ويتخفّف من كدر الدنيا لراحة الآخرة، وينفض عن ظهره أوزار الخطايا ومظالم العباد، إنما الفاجعة بموت الفجأة، والله المستعان.
إبراهيم الدميجي

السبت، 9 فبراير 2019

الحَسَدُ آكلُ الحسنات


الحَسَدُ آكلُ الحسنات
الحمد لله وبعد، فإن المؤمن حريصٌ على تنقيةِ قلبِه وتصفيةِ صدره وغسْلِ روحِه من سيئات الأخلاق ودنيا النفوس. ولقد تأملت سيءَ الأخلاق فما رأيت أشأمَ من خَصلتي الكبر والحسد، ثم تدبرتُها في القرآن فوجدتُهما سبب إبلاسِ إبليسَ في الشرِّ، وارتكاسِهِ في الخذلان، ووقوعِه في اللعنة والرجم.
لقد حسد آدمَ وتكبّر عليه، فأخلِق بمن تشبّه به في سواد قلبه أن يَمتنعَ الخيرُ عن قلبه ومِن قلبه، فحُبُّ الخيرِ للناس مفتقرٌ لقلبٍ واسع طاهر، ونيّةٍ طيبة حسنة، وقبل ذلك لمحضِ توفيقٍ من الرحمن.
 والشيطانُ حريص على تلويث قلوبِ العباد بسواد خبثه وقتار شؤمه، ولم يجد من رواحله كالحسد والكبر. فعند أحمدَ بسند حسنٍ عن الزبير بن العوام رضي الله عنه: أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "دَبَّ إليكم دَاءُ الأُممِ قَبلَكم: الحسدُ والبغضاءُ، وَهي الْحَالِقةُ أمَا إنَّي لا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعْرَ، ولكن تَحْلِقُ الدَّينَ، والَّذي نَفْسي بِيدِه لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حتَّى تُؤمِنوا، ولا تُؤمِنُون حتى تَحابُّوا، أَلا أدُّلكم على مَا تَتَحَابُّونَ بِهِ؟ افْشُوا السلامَ بينَكم".
فالمؤمن الناصح لنفسه يحرسُها من آكِلِ الحسناتِ الحسد، ولا يسكنُ الحسدُ إلا قلبَ وضيعٍ، ولا يتمكنُ إلا من نفسِ خسيس، أما المؤمن فيردُّه إيمانه ويحجُزُه ورعه، وأما العاقل فيُثنِيهِ عقلُهُ، وأمّا الشريف فيستحي لشرفِهِ. وقيل لبعضهم: ما بالُ فلانٍ يُبغضك؟ قال: لأنه شقيقي في النسب، وجاري في البلد، وشريكي في الصناعة، فذكر جميع دواعي الحسد.
أخي المؤمن: إياك والحسد! فإنه آكل الحسنات، فيأكلها كما تأكل النار الحطب، وموبِقُ إبليسَ في أسحقِ الدركات، وهو أوَّلُ ذنبٍ عُصيَ اللهُ به، واعلم أنه لا يجتمع في قلبٍ حسدٌ مع حبِّ الخيرِ للناس، فلا بدَّ لأحدهما أن يُزيحَ مكانَهُ أو بعضَهُ للآخر. فاغسِلْ قلبك من حوبات الذنوب، وطهّر صدرك من نجاسات الأحقاد والشحناء ولوْثات الحسد والبغضاء. ومن توكل على ربه وفوض إليه أمره أوشك أن يصل لتوفيقه ورضوانه بإذنه تعالى ورحمته، فليس مع الرحمن يأسٌ.
واعلم أنّ كثيرًا من نعرات الشقاق بين الناس فسببُها الخفيُّ حسدٌ كامنٌ في الضمائر، مستترٌ عن الظواهر، ولكن تشمّه الأرواح، وتستوحشه النفوس، ويُظهره الخذلان، ويُختم بسوء العاقبة والحرمان.
 والحاسد معترض على قدر الله تعالى بحاله: قال الله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله). وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ألا لا تعادُوا نِعَمَ الله، قيل: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.
أيا حاسدًا لي على نعمتي ... أتدري على من أساتَ الأدب
أسأت على الله في حُكْمِهِ ... لأنّك لم ترضَ لي ما وهب
والحاسد سقيم غَمِّهِ وقتيل هَمِّهِ، وذكروا عن الإمام الشافعي قوله: إن سمعتَ بسفينة تمشي على الرمل فصدّق، لكن إياك أن تصدّق أن حاسدًا يبيتُ قرير العين! وقال عمر رضي الله عنه: يكفيكَ من الحاسد أنه يغتمّ وقتَ سرورك. وقال الفقيه أبو الليثِ السَّمَرْقَندي رحمة الله تعالى علينا وعليه: تَصِلُ إلى الحاسد خمسُ عقوبات قبل أن يصل حسدُهُ إلى المحسود: غَمٌّ لا ينقطع، ومصيبةٌ لا يُؤجرُ عليها، ومذمّةٌ لا يُحمدُ عليها، وسَخَطُ الربِّ، ويُغلق عنه باب التوفيق. فالحاسد شقيٌّ مكلوم مهموم، قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: لم أرَ ظالمًا أشبه بالمظلوم من حاسد.
 وقال الأصمعي: رأيتُ أعرابيًّا قد بلغ عمرُه مئةً وعشرين سنة، فقلت له: ما أطولَ عُمُرَك، فقال: تركتُ الحسدَ فبقِيتُ. كما قيل: قاتلَ اللهُ الحسدَ ما أعدلَهَ، بدأَ بصاحبه فقتلَه، فالنارُ تأكلُ بعضَها إن لم تجد ما تأكلُه.
ولقد تأملت في الناس فرأيت أن الحسد يستتر خلف كثير مما يسمّونه أسباب كراهية، فَجُزْ ناديهم بطهارة قلبك وسلامة صدرك وحسن ظنك. وإن البرَّ يا صاحبي أسلافٌ.
والحسد والكبر خصلتا إبليس، ومطيّتاه لغزو قلوب العباد، ولو رُفع الحسدُ من الأرض؛ لأغلقت المحاكمُ أبوابَها. ومن الخطأ أن تطلب ألّا تُحسد فلكل نعمةٍ حاسد.
وقال ابن تيمية: "قد يبتلى بعض المنتسبين إلى العلم وغيرهم بنوع من الحسد لمن هداه الله لعلم نافع أو عمل صالح، وهو خلق مذموم مطلقًا، وهو في هذا الموضع من أخلاق المغضوب عليهم". وأرى العداوةَ لا أَرَى أسبابَها! لذلك فعند كلامك على الأقران - مهما كان حالهم وعلمهم ومقامهم - حاذر أن تلامس المقارنة بينهم، لأن هذا من شأنه أن يثير الحسد الكامن في قلوبهم. قال ابن تيمية: الحسد مرض غالب، لا يخلص منه إلا القليل من الناس!
ولقد صدق أبو الأسود الدؤلي إذ قال: "إذا أردت أن تعظم فمُت". فالميِّتُ تكبُرُ محاسنُه، وتُنسى معايبه، وتَدفِنُ الرحمةُ به الحسدَ عليه. وبالتغافل عن الحُساد يستريح الفؤاد.
فاحرص - رعاك الله – على سلامة صدرك وليكُنْ  قلبُك طاهرًا من كل ما يُشينُهُ، فلا تحمِلْ على الناس لأجل دنيا.
وسلامة الصدر هي الطريق لحسن النصح للمسلمين، فمن أراد بلوغ مرتبة أن يحب لإخوانه ما يحب لنفسه فليبدأ بتفقّد سلامة صدره لهم. فالمؤمن قلبُه سليمٌ، وصدرُهُ سليمٌ، ونصحُه للناس صافٍ مُتدفِّقٌ، يُحب لهم ما يُحب لنفسه من خيري الآخرة والدنيا.
وصدره سالم من سواد الحسد، وقَتَرَةِ الحِقد، ودخانِ الضغينة، فهو سليمٌ كقلب الطيرِ البريء، طهَّر قلبَه من نتنِ معصية، وقُبح خطيئةٍ وضِرَامِ بغضاءٍ لمسلم، ومثلُ هذا موعودٌ برحمة ربه وجزيل هباته. (جزاؤهم عند ربهم جناتُ عدنٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه).
وهل تعلم سرَّ استنارةِ الوجوه وانفساحِ الصدور: إنه القلب السليم! فتفقّد – رحمك الله - طهارةَ قلبك، وسلامةَ صدرك، فإنها من نفيسِ رأس مالك في الدار الآخرة، فنِعَمّا طهارةُ القلبِ ذخيرةٌ بين يديك غدًا، وأكرِمْ بها قربانًا وزُلفى إلى مولاك أبدًا، أن تكون من الذين قال الله تعالى فيهم: (من أتى الله بقلب سليم).
فإن السعيد من ولد آدم هو من اتقى الله تعالى حق التقوى، وتحلى بسلامة الصدر وطهارة القلب، فالفائز عند الله غذًا هو من سَلِمَ صدره اليومَ. والمؤمنُ طاهرُ القلب كأبيه آدم عليه السلام، فإن خُدِعَ يومًا لطيبته فلهُ سلَفٌ صالحٌ بأبيه، الذي لم يكن يتصوّر أن هناك من سيقسم بالله كاذبًا (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين).
إنّ سلامةَ الصدرِ خلق شريف، يتحلّى به أهلُ المروءاتِ العظيمةِ، والنفوسِ الساميةِ والرغائبِ الكبرى في فلاح الدار الآخرة. وكان السلف رحمهم الله يحفظون لسالمِ الصدر هذه الخَصلةَ ويحمدونه عليها. قال اياسُ بنُ معاوية: كان أفضلُهُم عندَهم أسلَمُهُم صدورًا وأقلُّهُم غِيبة.
ومن كان قلبه سليمًا الحسدِ وصدرُهُ خاليًا من الحقدِ فقد تنعّم بشيء من نعيم الجنة، فمِنْ نفيسِ نعيمِهَا سلامةُ صدورِ سكانِها وراحتُهم، قال ربنا تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانًا على سرر متقابلين).
وسلامة الصدر منحةٌ من الله تعالى ومحض فضل من لدنه، يختص به من أراد توفيقه من خواصِّ عباده. وسئل الإمام أحمد: ما التوفيق؟ فقال: ألّا يكلك الله إلى نفسك. فالقلبُ قُلَّبٌ مالم يعصمه مولاه، والصدر ضيّق ما لم يفسحه الله، والهم ملازم ما لم يرفعه الله. (إن في ذلك لآيات لأُولي النهى).
إنّ سالمَ الصدرِ على عباد الله يعيشُ بين الناسِ وجنتُهُ في صدره، وبستانُه في قلبه، وسعادته وسكينته في روحه، ينظرُ إليهم بعيني قلبِه السليمِ، وصدرِهِ الناصحِ الناصعِ الواسعِ، فلا يرى شيئًا من نَكَدِهِم عليه يستحقُّ ذلك المقابلَ، فينقلبُ إليهم سليمَ الصدرِ، حسَنَ الظنِّ، مُحبًّا لهم كل خيرٍ يُطيقه، مُسديًا لهم كل فائدة يسطِيعها، لعِلمِه أنه لم يُخلق لحملِ همومِ دنيا وغمومِ فانية.
إنه فقط يحمل هم آخرته، ويسعى لتحصيل رضى مولاه، فإن صادَفَهُ ظلمٌ له أو أذىً؛ لم يتكدّرْ تَكَدُّرَ الهلوعين، ولم تَضِقْ نفسُهُ بأمرٍ هو عند الناسِ عظيمٌ وعندَ الأتقياءِ تافه.
 فَمَا كُلُّ ما راجتْ عند الناس عظمَتُهُ عظيمًا، وما كلُّ ما تهالك الناس على تحصيله يستحق، ولا كلّ ما حَمَلَ الناسُ همَّ إزاحتِه واجتنابِه حقيقٌ بذلك، فالميزانُ هو ميزانُ الآخرة، وإنما المعوّلُ على رضى الرحمن. ومن كان معيارُهُ الآخرة؛ نَفَذَتْ بصيرتُه، واستقام عمله، ومن كان ميزانُهُ العاجلة؛ عمي قلبه وانتكس عمله. (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار).
والدنيا كَدرٌ وكَبَدٌ وعناء فلا تفرح بها ولا تحزن لها ولا تعطها فوق قدرها، ولن يُنالُ منها نعيمٌ إلا وفي طَرَفِهِ بؤسٌ، وما تحت الخضراءِ وفوقَ الغبراءِ بمستريحٍ (لقد خلقنا الإنسان في كبد).
إذا أنتَ لم تشربْ مِرَارًا على القَذَى  ...   ظمئتَ وأيُّ الناسِ تصفو مَشَارِبُه
إبراهيم الدميجي

الأحد، 3 فبراير 2019

الاستهزاء بالدين ردّةٌ عنه، وغيبة المؤمنين نقصٌ فيه.


الاستهزاء بالدين ردّةٌ عنه، وغيبة المؤمنين نقصٌ فيه
الحمد لله، وبعد: فإن من أصول الإسلام تعظيم رب العالمين وإجلاله وهيبته وخشيته، ومن لوازم ذلك تعظيم شعائره وذلك شرط التقوى، قال سبحانه: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) وقال: ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه).
وما من عضو بعد القلب أشدّ خطرًا من هذا اللسان، وما من جارحة أحقُّ بطول حبس منه، وإنه لعجيبة من عجائب خلق الله تعالى، ونعمة جليلة من أكبر آلائه، فبِهِ يكون البيان الذي نبّه ربُّ العزة لجلال شأنه بقوله: (علمه البيان).
فبه لسانًا وبَنانًا يُعرب عن مكنون ضميره ورغائب نفسه، وبه يطلب حاجته، وبه يعبد ربه ويدعوه ويلهج بذكره وشكره. فهو من أعظم وسائل رضى الله عن عبده لمن أحسن استعماله في طاعته.
وبالمقابل فهو هاوية لا قرار لها إلا في دركات الجحيم لمن أطلق عنانه بالكفر والشرك ومساقط غضب الجبار جل جلاله، وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم". وتأمّل: "لا يلقي لها بالًا"! إنه اللسانُ، ذلك البَنَّاءُ العجيبُ للحسنات، والهادمُ لها!
 من هنا يتبيّن للمؤمن خطر هذه الجارحة التي تسمّى اللسان، وفي زماننا – زمان الكتابة – أصبح القلم أحد اللسانين، فاحفظ لسانَيك لعلّك تنجو. ولا يكن لسانُك: كحسامِ السيف ما مسَّ قطع!
وإن كان بغيُ السِّنان مُعطِبٌ فإن مبدأه اللسانُ، وكم في المقابر من قتيلِ لسانه، ومَن سلّ سيف بغيِ لسانه قُتل به، وعقلُ المرءِ مدفون بلسانه، فاللسان غطاء العقل، فمتى نطق انكشف الغطاء، ولكل عملِ جارحةٍ غدًا من الله طالبٌ وسائلٌ، فهل أعددت جوابًا صوابًا؟!
ولا بد للمؤمن أن يعرف حدود ربه حتى لا يتجاوزَها عن جهل أو جهالة، ولقد أَوْلَى أهل العلم مناهي الشرعِ في الألفاظ عناية تامّة، لأن اللسان مؤاخذ بنطقه ومسؤول عن كلامه (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد).
ولا بد للمؤمن أن يعرف حدود ربه حتى لا يتجاوزَها عن جهل أو جهالة، ولقد أَوْلَى أهل العلم مناهي الشرعِ في الألفاظ عناية تامّة، لأن اللسان مؤاخذ بنطقه ومسؤول عن كلامه.
ومما يحزن قلب المؤمن ما يراه من تساهل بعض الناس في شأن الاستهزاء بالدين وشعائره، مع أن ذلك من موجبات الردة عن الإسلام عياذًا بالله تعالى، قال في شأن المستهزئين بالدين: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون . لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم). وتدبّر كيف أثبت لهم إيمان ثم كفروا بكلمة! قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقًا بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الحجارة لتنكب رجليه وهو يقول: "إنما كنا نخوض ونلعب" ما يلتفت إليه رسول الله، ويقرأ: (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون..) الآية. قال الإمام المجدد: وفيه أن من الأعذار ما لا يُقبل من صاحبه.
وقال العلّامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: من كان ديدنه قول: المطاوعة كذا وكذا. فهذا يخشى عليه أن يكون مرتدا، فلا ينقم عليهم إلا أنهم أهل طاعة.
وقال العثيمين رحمه الله: الذين يسخرون من الملتزمين بدين الله فيهم نوع نفاق، فالله قال عن المنافقين: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين).
وفي فتاوى اللجنة الدائمة: من قال لآخر: يا لحية. وقصده السخرية فهو كفر، وإن قصد التعريف فليس بكفر، لكن لا ينبغي أن يدعوه بذلك.
وقال ابن جبرين رحمه الله: وقع كثير من الشباب في ردة جماعية، وقد دخل عليهم الشيطان من بابين: ترك الصلاة، والاستهزاء بالدين.
فاحفظ لسانك إن رمت النجاة، واعلم أن من أعظم أسباب حفظ اللسان: دوامُ ذكر الله تعالى، فالذكر يملأ فراغ القلب بتعظيم العظيم، ويشغل اللسان بالأمر العظيم، حينها يرى صاحبُه نفاسة عمره فيحفظه. (ولذكر الله أكبر). والذكر هو اتصال البال بالله تعالى بأي وجه كان، بالقلب: تذكُّرًا وتفكُّرًا واعتبارًا، وباللسان: بالقرآن والأذكار وقول الخير، وبالأفعال الشرعية.
 وللذكر مراتبٌ وتفاضلٌ: في أنواعه وأفضلها القرآن، وأحواله وأشرفها السجود، وأزمنته وأطيبُها السَّحر، وأمكنته وأجلّها عَرَفَة، والدين كله ذكرٌ، وضدُ الذكرِ الغفلة.
 فعلى المؤمنين بعامّة وطلبة العلم خاصّة الاعتناء بحراسة اللسان من فخّ إبليس في المجالس: الغِيبة. فهي من كبائر الذنوب، مع ذلك فحال كثير من الصالحين معها كالمستحلّين لها بالحال لا بالاعتقاد، خذلانًا وخيبة!
 فالنفس تستروح لتنقّصِ الناس لتستريح من لومها على تقصيرها، وهذا الإسقاط الخفي إن لم يتداركه الناصح لنفسه في نفسه فإنه يستفحل به حتى يأكل حسناته بكيل مظالم العباد. وقد قيل: القلوب كالقدور في الصدور، تغلي بما فيها، ومغارفُها ألسنتُها، فانتظر الرجلَ حتى يتكلم، فإنّ لسانه يغترف لك ما في قلبه من بين حلو وحامض وعذب وأجاج.
لقد توسّع بعضهم في التساهل في الغيبة بما لم تُبحه الشريعة، فالأصل الثابت هو حرمة العرض المسلم، فلا يباح خرق هذا الأصل إلا على برهان من الشريعة، وليس كلّ من زعم أنه يحذّر من بدعةٍ محقّ في تحذيره ولا مستنٌّ في أسلوبه وطريقته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ". متفق عليه.
  وكذلك حمّالةُ حطب السيئات: النميمة. وبعضهم ينمّ ولا يشعر ظانًّا أن النميمة لا تكون مذمومة إلا إن كانت بقصد سيء، وما علم أن النميمة هي نقلُ الكلام على وجه الإفساد بأي وجه كان، فكم من ناقل كلمة على وجه المرح والتفكّه أفسد مودة القلوب وأحيى ميت العداوات، كيف إن صحبها مكر ودناءة وسوء طوية. ومن حمل إليك حطب نميمته في الناس، فاعلم أنه سيسلخك قريبًا في قدورهم.
 ومن جعل قلبه وعاءً لاستقبال النمائم، وساعدها بأجنحة سوء ظنونه بالناس؛ فليبشر بخراب مدينة سروره، واضمحلال هناءة عيشه، فالعَضْهُ نفّاخةُ فتن.
 ففتّش صحيفتك ونقّها اليوم قبل نشرها غدًا، ونقّ سريرتك الليلة قبل ابتلاء السرائر غدًا، وتذكّر قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة نمّام". ولما مرّ بقبرين قال: "إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير! بلى إنه كبير: أما أحدهما، فكان يمشي بالنميمة.." متفق عليهما.
ومن بوائقِ الألسن: التنابزُ بالألقاب بغيًا وعدوانًا، ويكأن زماننا هو زمان هذا النوع من البغي، والله المستعان. ولما قال رجل لصاحبه: إني لأرحمُك مما يقول الناس فيك؟ قال: أفتسمعُني أقولُ فيهم شيئًا؟ قال: لا، قال: إياهم فارْحَم.
فاعتقل قلمَك ولسانك في محبس حكمتك وعقلك وورعك، ولا تُطلِقْهما إلا بخير، وفكّر واعتبر بمآل خطواتك قبل الإقدام، وصوّب قراراتك قبل انطلاق السهام.
وإن أردت الإحساس بحلاوةِ الإيمان وتذوُّقِ لذة العبادة والانتعاش ببرد اليقين واستشعار نور الصدر ودفئه وانفساحه فانشغل بما يفيدك في المعاد، وبما هو من مهمّاتك الأوّلية وما خلقتَ من أجل تحقيقه.
وتدبر حال أهل الجنة: (ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة) لمّا طهّرُوها في الدنيا بيّضها لهم يوم لقياه ورؤيته، وأذلّوها له بالسجود في الدنيا فأعزّهم في دار كرامته. فابحث – وفقك الله - عن نعيمك المرتقب وسعادتك اللذيذة في سجدة خاشعة طويلة تغسل فيها همومك وتبخّر من صدرك غمومك: (اسجد واقترب).
ومتى تعلق المؤمن بكلّيته بربه، وفوّض إليه كل أمره، وقطع عن قلبه كل حبال الرجاء بالخلق ويأس منهم ووثق بربه؛ فهو حريّ حينها بكرامة الله له ولطفه به، فسلّم أمرك للسلام.
 فإذا تبصّرت مواقع رُشدك وعواقب غيّك، وانتبهت لعيوبك وأبصرتَها، وحرستَ قلبَك وطهّرته، وحصّنت عقلك ونفسك بالعلم والحكمة ومعرفة دخائل النفس وحظوظها العاجلة الخفيّة؛ فستذوق حينها بلسان قلبك حلاوة ثمار الإيمان، وستبتهج بحياتك في رياض القرآن، وستذوق نعيمًا في الدنيا وهو في حقيقته رقيقةٌ من نعيم الجنان، والله الموفق وهو المستعان وعليه المعوّل والتكلان.