إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الاثنين، 3 يناير 2022

(كذلك كدنا ليوسف)

 

(كذلك كدنا ليوسف)

 

الحمد لله، وبعد؛ ففي البلايا من النعم خفايا، وفي الأقدار عجائبُ الأسرارِ، ومستودعاتُ الألطافِ والرحمات، وفي الرضا بالحكيم العلّام معارج لا يرقى لها فهم الأنام، فقدَرُه أوسع من حديدِ عقولهم، وقضاؤه أرفعُ من جميع علومهم، فإليهم الرحمة والتكريم، وعليهم الإيمان والتسليم، (إنا كل شيء خلقناه بقدر . وما أمرنا إلا واحدة كلمح البصر). إن المتأمل لتلك القصة العجيبة التي استهل الله تعالى لها أجمل استهلال بقوله الأعز الأكرم: (نحن نقص عليك أحسن القصص). إنها قصة كاملة جميلة لذيذة، لها صوت حزين، ووصايا جليلة، وقلوب بالله واثقة، ونتائج بفضل الله سعيدة، لها خاتمةٌ للآي شهيّة للقلوب، رائقة للأرواح. ابتدأت بحُلم وانتهت بتعبيره عبر سنين طويلة، إنها سورة الفرج بعد الشدة، واليسر بعد العسر. فيها تبيانُ عظمة التوحيد، وشرف الصبر، وقيمة الرضا، وعزّ الحمد، وثمرة الشكر. فيها إعلاءُ معالي الأمور، واطّراح سَفْسَافِها. فيها نبلُ الأخلاق، ومعالي الشيم. فيها إظهارُ رفقِ الله تعالى بأوليائه، ورعايته وعنايته ورحمته ولطفه لهم. فيها حواراتُ أنبياء، ودمعاتُ أصفياء، وابتهالاتٌ لسادة الأولياء، ومصابرة لأواء. فيها مجاهدةُ نفوسٍ بالسوء أمّارة، ومرابطة على حدِّ العفاف والفضيلة، ورفعةٌ للصابرين الراضين الحامدين الشاكرين. فيها مَشَاهِدُ جمال، وألطافٌ من رب السماء تنهال، فيها عُقَدُ قصةٍ للعين مبكية، لكنها لا تلبث أن تُتبِعَ دمع السخونة ابترادًا بالفرح، فتنقلب البُرَحَاءُ راحة، والحزنُ سرورًا، والكربُ فرجًا، والخاتمةُ ضراعةُ نبيٍّ كريم إلى ملك الملوك ورب الأرباب أن يُلحقه في الذين مضوا على الخير من سادة الصالحين، فلا إله إلا الله كم في هذه السورة من صورة، وكم بين ثناياها من خفقاتٍ للقلب ترقُّبًا وتأثُّرًا وشوقًا وفرحًا وسرورًا. (نحن نقص عليك أحسن القصص).

لَو تَدرِ فيمَ عَذَلتَني لَعَذَرتَني  ...  خَفِّض عَلَيكَ وخَلِّني وطريقي

إنّ لأخبار المرسلين شوق ولهفة، إذ في جنبات طريقها تنبت عروقُ البِرّ، وتُزهرُ أغصانُ الإيمان، وتُغسَلُ أدرانُ الخطايا ونجاساتِ الذنوب، ويُرَقَّعُ بتأملِّها واستشعارِها واتّباعها ما اخلولقَ من ثوبِ الإيمان، وتُبنى بها في الفؤاد مدينةُ الإحسان.

وأذكرُ أيام الحِمى ثم أنثني   ...   على كَبِدِي من خشيةٍ أنْ تَصَدَّعا

قال الله تعالى: (كذلك كدنا ليوسف)، (1) فمهما فكّر البشر وقدّروا ثم فكّروا وقدّروا فغايتهم الفشل والخيبة مالم بأخذ الله تعالى بأيديهم تبارك وتعالى. والسعيد من كان الله معه. وتدبر قوله تعالى في شأن يوسف عليه السلام كيف كفاه أمره، (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه)، وقال سبحانه: (كذلك كدنا ليوسف).

قال الرازي الجصاص: "وفيما حكى الله تعالى من أمر يوسف وما عامل به إخوته في قوله ﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾ [يوسف ٧٠] إلى قوله ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف ٧٦] دلالة على إجازة الحيلة في التوصل إلى المباح واستخراج الحقوق؛ لأن الله تعالى رضي ذلك من فعله ولم ينكره، وقال في آخر القصة ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف ٧٦]. ومن نحو ذلك قوله تعالى ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ وكان حلف أن يضربها عدَدًا، فأمره تعالى بأخذ الضِّغْث، (2) وضربها به ليبرّ في يمينه من غير إيصال ألم كبير إليها. ومن نحوه: النهي عن التصريح بالخِطبة وإباحة التوصل إلى إعلامها رغبته بالتعويض". (3) وقال القاسمي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: (فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ فِي دِينِ المَلِكِ إلاَّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ): "فَبَدَأ أي فتى يوسف بِأوعِيَتِهِم، أي ففتشها قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ، أي بنيامين، نفيًا للتهمة، ثُمَّ اسْتَخْرَجَها، أي السقاية، مِن وِعاءِ أخِيهِ. (كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ) أي دبّرنا لتحصيل غرضه، (ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ فِي دِينِ المَلِكِ) أي: شرعه وقانونه. والجملة استئناف وتعليل لذلك الكيد وصنعه. أي: ما صح له أن يأخذ أخاه في قضاء الملك، فدبر تعالى ما حكم به إخوة يوسف على السارق، لإيصال يوسف إلى إربه، رحمة منه وفضلًا. وفيه إعلام بأن يوسف ما كان يتجاوز قانون الملك، وإلا لاستبدّ بما شاء، وهذا من وفور فطنته وكمال حكمته، ويستدل به على جواز تسمية قوانين ملل الكفر (دينا) لها، والآيات في ذلك كثيرة.

وقوله تعالى: (إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ) يعني: أن ذلك الأمر كان بمشيئة الله وتدبيره، لأن ذلك كله كان إلهامًا من الله ليوسف وإخوته، حتى جرى الأمر وفق المراد". (4) وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿"قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين (73) قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين (74) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين (75) فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم (76): "عن ابن عباس: { صواع الملك } قال: كان من فضة يشربون فيه، وكان مثل المكوك، وكان للعباس مثله في الجاهلية، فوضعها في متاع بنيامين من حيث لا يشعر أحد، ثم نادى مناد بينهم: { أيتها العير إنكم لسارقون } فالتفتوا إلى المنادي وقالوا: { ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك } أي: صاعه الذي يكيل به، { ولمن جاء به حمل بعير } وهذا من باب الجعالة، { وأنا به زعيم } وهذا من باب الضمان والكفالة. ولما اتهمهم أولئك الفتيان بالسرقة، قال لهم إخوة يوسف: { تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين } أي: لقد تحققتم وعلمتم منذ عرفتمونا، لأنهم شاهدوا منهم سيرة حسنة، أنّا ما جئنا للفساد في الأرض، وما كنا سارقين، أي: ليست سجايانا تقتضي هذه الصفة، فقال لهم الفتيان: { فما جزاؤه } أي: السارق، إن كان فيكم { إن كنتم كاذبين } أي: أي شيء يكون عقوبته إن وجدنا فيكم من أخذه؟ { قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين }. وهكذا كانت شريعة إبراهيم: أن السارق يُدفعُ إلى المسروق منه. وهذا هو الذي أراد يوسف عليه السلام؛ ولهذا بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، أي فتّشها قبله تورية، { ثم استخرجها من وعاء أخيه } فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم وإلزامًا لهم بما يعتقدونه؛ ولهذا قال تعالى: { كذلك كدنا ليوسف }(5) وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه الله ويرضاه، لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة.

وقوله: { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } أي: لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر، قاله الضحاك وغيره. وإنما قيّض الله له أن التزم له إخوته بما التزموه، وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم؛ ولهذا مدحه تعالى فقال: { نرفع درجات من نشاء } كما قال تعالى: { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير }. { وفوق كل ذي علم عليم } قال الحسن البصري: ليس عالِمٌ إلا فوقه عالم، حتى ينتهي إلى الله عز وجل. وكذا روي عن سعيد بن جبير. { قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (77) }، وقال إخوة يوسف لما رأوا الصواع قد أُخرج من متاع بنيامين: { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل }، يتنصلّون إلى العزيز من التشبّه به، ويذكرون أن هذا فَعَل كما فعل أخ له من قبل، يعنون به يوسف عليه السلام.

وقوله: { فأسرها يوسف في نفسه }، يعني: الكلمة التي بعدها، وهي قوله: { أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون } أي: تذكرون. قال هذا في نفسه، ولم يبده لهم، وهذا من باب الإضمار قبل الذكر، وهو كثير، وله شواهد كثيرة في القرآن والحديث واللغة في منثورها وأخبارها وأشعارها. قال العوفي، عن ابن عباس: { فأسرها يوسف في نفسه } قال: أسرّ في نفسه: { أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون }". (6)

ولابن تيمية استنباطات لطيفة من هذه القصة الجميلة الجليلة، ومن كيد الله تعالى لوليه ونبيه يوسف عليه السلام فقال: "فكاد الله ليوسف بأن جمع بينه وبين أخيه، وأخرجه من أيدي إخوته بغير اختيارهم كما أخرجوا يوسف من يد أبيه بغير اختياره. وكيد الله سبحانه وتعالى لا يخرج عن نوعين:

 أحدهما: هو الأغلب؛ أن يفعل سبحانه فعلًا خارجًا عن قدرة العبد الذي كاد له، فيكون الفعل قدَرًا محضًا ليس هو من باب الشرع، (7) كما كاد الذين كفروا بأن انتقم منهم بأنواع العقوبات. وكذلك كانت قصة يوسف؛ فإن يوسف أكثر ما قَدر أن يفعل أن ألقى الصواع في رحل أخيه وأذّن المؤذن بسرقتهم، فلما أنكروا { قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين } أي جزاء السارق { قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه } أي جزاؤه نفسُ نفْسِ السارق يستعبده المسروق إما مطلقًا أو إلى مدة، وهذه كانت شريعة آل يعقوب، وقوله: (من وجد في رحله) فيه وجهان: أحدهما: أنه هو خبر المبتدأ، وقوله بعد ذلك: (فهو جزاؤه) جملة ثانية مؤكدة للأولى. والتقدير في جزاء هذا الفعل نفس من وجد في رحله، فإن ذلك هو الجزاء في ديننا كذلك يجزي الظالمين. والثاني: أن قوله { من وجد في رحله فهو جزاؤه } جملة شرطية هي خبر المبتدأ، والتقدير جزاء السارق هو أنه من وجد الصاع في رحله كان هو الجزاء، كما تقول جزاء السرقة ممن سرق قطع يده، وإنما احتمل الوجهين لأن الجزاء قد يراد به نفس الحكم باستحقاق العقوبة، وقد يراد به نفس العقوبة، وقد يراد به نفس الألم الواصل إلى المعاقب. فلمّا تكلموا بهذا الكلام كان إلهام الله لهم هذا كيدًا ليوسف خارجًا عن قدرته، إذ قد كان يمكنهم أن يقولوا: ألّا جزاء عليه حتى يثبت أنه هو الذي سرق، فإن مجرد وجوده في رحله لا يوجب حكم السارق. وقد كان يوسف عليه السلام عادلًا لا يمكنه أن يأخذهم بغير حجة، أو يقولون: جزاؤه أن يفعل به ما تفعلون بالسراق في دينكم، وقد كان من دين ملك مصر فيما ذكره المفسرون أن السارق يُضرب ويغرم قيمة المسروق مرتين، ولو قالوا ذلك لم يمكنه أن يلزمهم بما لا يلزمه غيرهم. ولهذا قال سبحانه: { كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله } أي ما كان يمكنه أخذه في دين ملك مصر لأن دينه لم يكن فيه طريق إلى أخذه - إلا أن يشاء الله - استثناء منقطع، أي: لكن إن شاء الله أخذه بطريق آخر، أو يكون متصلًا بأن يهيئ الله سبحانه سببًا آخر بطريق يؤخذ به في دين الملك من الأسباب التي كان الرجل في دين الملك يُعتقل بها.

 فإذا كان المراد بالكيد فعلًا من الله سبحانه بأن ييسر لعبده المؤمن المظلوم المتوكل عليه أمورًا يحصل بها مقصوده بالانتقام من الظالم وغير ذلك فإن هذا خارج عن الحيل الفقهية، فإنّا إنّما تكلمنا في حيلٍ يفعلها العبد لا فيما يفعله الله سبحانه، بل في قصة يوسف تنبيه على أن من كاد كيدًا محرمًا فإن الله يكيده. وهذه سنة الله في مرتكب الحيل المحرمة، فإنه لا يبارك له في هذه الحيل كما هو الواقع.

 وفيها تنبيه على أن المؤمن المتوكل على الله إذا كاده الخلق فإن الله يكيد له وينتصر له بغير حول منه ولا قوة، وعلى هذا فقوله بعد ذلك: { نرفع درجات من نشاء } قالوا: بالعلم.

وفيه تنبيه على أن الخَفِيَّ الذي يتوصل به المقاصد الحسنة مما يرفع الله به الدرجات، وفيه دليل على أن يوسف كان منه فعل، فيكون بهذا العلم هو ما اهتدى به يوسف إلى أمرٍ توكّلَ في إتمامه على الله، فإن اهتداءه لإلقاء الصاع واسترجاعهم نوعُ فعلٍ منه، لكن ليس هذا وحده هو الحيلة. والحيل الفقهية (8) بها وحدها يتم غرض المحتال لو كانت حلالًا.

النوع الثاني من كيده لعبده: هو أن يلهمه سبحانه أمرًا مباحًا، أو مستحبًّا، أو واجبًا يوصله به إلى المقصود الحسن، فيكون هذا على إلهامه ليوسف أن يفعل ما فعل هو من كيده سبحانه أيضًا. وقد دل على ذلك قوله: { نرفع درجات من نشاء } فإن فيه تنبيهًا على أن العلم الدقيق الموصل إلى المقصود الشرعي صفة مدح، كما أن العلم الذي يُخصَمُ به المُبطِل صفة مدح. حيث قال في قصة إبراهيم: { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء }. وعلى هذا فيكون من الكيد ما هو مشروع لكن لا يجوز أن يراد به الكيد الذي تُستحلّ به المحرمات، أو تسقط به الواجبات فإن هذا كيد لله، والله هو المكيد في مثل هذا، فمحال أن يشرع الله أن يُكاد دينه.

 وأيضًا؛ فإن هذا الكيد لا يتم إلا بفعل يُقصد به غير مقصوده الشرعي، ومحال أن يشرع الله لعبد أن يقصد بفعله ما لم يشرع الله ذلك الفعل له. وأيضًا فإن الأمر المشروع هو عام لا يخص به شخص دون شخص، فإن الشيء إذا كان مباحًا لشخص؛ كان مباحًا لكلّ من كان على مثل حاله، فإذن؛ من احتال بحيلة فقهية محرمة أو مباحة لم يكن له اختصاص بتلك الحيلة لا بفهمها ولا بعلمها، لأن الفقهاء كلهم يَشْرَكُونه في فهمها، والناس كلهم يساوونه في عملها، وإنما فضيلة الفقيه إذا حدثت حادثة أن يتفطن لاندراج هذه الحادثة تحت الحكم العام الذي يعلمه هو وغيره، أو يمكنهم معرفته بأدلته العامة نصًّا أيضًا واستنباطًا، فأما الحكم فمتقرر قبل تلك الحادثة.

فإذن؛ احتياج الناس إلى الحيل لا يجدد أحكامًا شرعية لم تكن مشروعة قبل ذلك، بل الأحكام مستقرّة وجدت تلك الحاجة، أو لم توجد، فإن كان الشارع قد جعل الحكم يتغير بتغير تلك الحاجة؛ كان حكمًا عامًّا وجدت حاجة ذلك الشخص المعين، أو لم توجد، وإن لم يكن جعل لتلك الحاجة تأثيرًا في الحكم، فالحكم واحد سواء وجدت تلك الحاجة مطلقًا، أو لم توجد.

 والله سبحانه إنما كاد ليوسف كيدًا جزاءً منه على صبره وإحسانه وذكره في معرض المنّة عليه، فلو لم يكن ليوسف عليه السلام اختصاص بذلك الكيد لم يكن في مجرد عمل الإنسان أمر مباح له ولغيره مِنّة عليه في مثل هذا المقام، فعُلم أن المنّة كانت عليه في أن أُلهم العمل بما كان مباحًا قبل ذلك، فإنه قد يلهم العبد ما لا يلهمه غيره، ولهذا قال بعض المفسرين في قوله تعالى { كدنا } صنعنا، وبعضهم قال ألهمنا يوسف. ومن احتال بعمل هو مباح في نفسه على الوجه الذي أباحه الشارع فهذا جائز بالاتفاق، وإنما الكلام في أنه هل يباح له ما كان محرمًا على الإطلاق مثل الخيانة والغلول، أو يباح له فعل المباح على غير الوجه المشروع مثل الحيل الربوية؟ يوضح ذلك: أن نفس الأحكام مثل إباحة الفعل لا يجوز أن تسمى كيدًا، وإنما الكيد فعل من الله ابتداء، أو فعل من العبد يكون العبد به فاعلًا، وعلى التقديرين فليس هذا من الحيل الشرعية.

وهذا الذي ذكرناه في معنى الكيد إنما انضم إليه معرفة الأفعال التي فعلها يوسف عليه السلام، والأفعال التي فعلها الله له؛ تيقّن اللبيب أن الكيد لم يكن خارجًا عن إلهامِ فعلٍ كان مباحًا، أو فعلٍ من الله تمّ به ذلك الفعل، وأن حاجة يوسف لم تُبِح له فعل شيء كان حرامًا على الإطلاق في الجملة قبل ذلك، وهذا هو المقصود، والله أعلم". (9)

إِذا ما سُهَيلٌ أَبرَزتهُ غَمَامَةٌ  ...  عَلَى مَنكِبٍ مِن جانِبِ الطُّورِ يَلمَحُ

دَعا بَعضُنا بَعضًا فَبِتنا كأَنَّنا  ... رَأَينا حَبِيبًا كانَ يَنأَى وَينزَحُ

وَذلكَ أَنّا واثِقُونَ بِقُربِكُم  ...  وأَنَّ النَّوَى عَمّا قَليلٍ تَزَحزَحُ

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

..............................................

1.    قال ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى الكبرى في وجه مناداة إخوة يوسف عليه السلام بالسارقين (6 / 127): "قد ذكروا في تسميتهم سارقين وجهين:

 أحدهما: أنه من باب المعاريض، وأن يوسف نوى بذلك أنهم سرقوه من أبيه حيث غيّبوه عنه بالحيلة التي احتالوها عليه وخانوه فيه، والخائن يسمى سارقًا، وهو من الكلام المشهور حتى إن الخونة من ذوي الديوان يسمّون لصوصًا.

الثاني: أن المنادي هو الذي قال ذلك من غير أمر يوسف عليه السلام. قال القاضي أبو يعلى وغيره: أمر يوسفُ بعضَ أصحابه أن يجعل الصاع في رحل أخيه، ثم قال بعض الموكلين بالصيعان - وقد فقدوه ولم يدروا من أخذه منهم -: (أيتها العير إنكم لسارقون) على ظنٍّ منهم أنهم كذلك، ولم يأمرهم يوسف بذلك. فلم يكن قول هذا القائل كذبًا كان في حقّه وغالب ظنه ما هو عنده، ولعل يوسف قد قال للمنادي: هؤلاء قد سرقوا، وعنى بسرقته من أبيه، والمنادي فهم سرقة الصواع وهو صادق في قوله: (نفقد صواع الملك)، فإن يوسف لعله لم يطلع على أن الصواع في رحالهم ليتمّ الأمر؛ فنادى: (إنكم لسارقون) بناء على ما أخبر به يوسف، وكذلك لم يقل: سرقتم صاع الملك، إنما قال: نفقده، لأنه لم يكن يعلم أنهم سرقوه، أو أنه اطّلع على ما صنعه يوسف فاحترز في قوله فقال: (إنكم لسارقون)، ولم يذكر المفعول ليصح أن يضمر سرقتهم يوسف، ثم قال: (نفقد صواع الملك)، وهو صادق في ذلك، وكذلك احترز يوسف في قوله: { معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده } ولم يقل إلا من سرق. وعلى التقدير فالكلام من أحسن المعاريض".

2.    الضِّغْث: مجموعة من شماريخ قنو النخل.

3.    أحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٧٦)

4.    تفسير القاسمي "محاسن التأويل" (6/ 204)

5.    معتقد أهل السنة والجماعة إثباتٌ صفة الكيد والمَكر على حقيقتهما بلا تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف ولا تحريف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٧/‏١١١) في ردّه على من زعم أنّ في القرآن مجازًا: "وكذلك ما ادّعوا أنه مجاز في القرآن؛ كلفظ: المَكر والاستهزاء والسخرية المضاف إلى الله، وزعموا أنه مسمّى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك، بل مسميات هذه الأسماء إذا فُعلت بمن لا يستحق العقوبة؛ كانت ظلمًا له، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله؛ كانت عدلًا؛ كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾، فكاد له كما كادت إخوته لمّا قال له أبوه: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾، وقال تعالى: ﴿إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وأكِيدُ كَيْدًا)". وقال في التدمرية (٢٦): "وهكذا وصف نفسه بالمَكر والكيد، كما وصف عبده بذلك، فقال: ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللهُ﴾، وقال: ﴿إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا . وأكِيدُ كَيْدًا﴾، وليس المَكْر كالمَكْر ولا الكيد كالكيد". وقد فصل الكلام عليها ابن القيم في المدارج (٣/‏٤١٥)، وانظر أيضًا: مختصر الصواعق المرسلة (٢/‏٣٢-٣٤)

6.    تفسير ابن كثير (٤/‏٤٠١- 403) باختصار.

7.    أي من باب الخلْق والتقدير والإرادة الكونية، لا من باب الأمر والتشريع والإرادة الشرعية.

8.    عرّف الشاطبي رحمه الحيل الفقهية في الموافقات (٤ /٢٠١) بقوله: «حقيقتها المشهورة: تقديم عمل ظاهره الجواز لإبطال حكم شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر». أهـ. ولم تُعرف الحيل في عهد النبوة ولا في عهد الصحابة، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقفل بابها بمثل قوله: "لا يُجمع بين متفرّق، ولا يُفرّق بين مجتمع خشية الصدقة"، رواه البخاري (١٤٥٠)  قال ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقّعين (٣ / ١٥٩): «وهذا نصّ في تحريم الحيلة المفضية إلى إسقاط الزكاة، أو التنقيص منها بسبب الجمع والتفريق، فإذا باع بعض النصاب قبل تمام الحول تحيّلًا على إسقاط الزكاة أو التنقيص منها بسبب الجمع أو التفريق، فقد فرق بين المجتمع فلا تسقط الزكاة عنه بالفرار منها. ومثل: لعنه صلى الله عليه وسلم للمُحلِّلِ والمُحّلَّل له". أهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى الكبرى (٦/‏٧٩): "أمّا الإفتاء بها وتعليمها للناس، وإنفاذها في الحكم، واعتقاد جوازها؛ فأوّل ما حدث في الإسلام في أواخر عصر صغار التابعين بعد المئة الأولى بسنين كثيرة، وليس فيها ولله الحمد حيلة واحدة تُؤثَرُ عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل المستفيض عن الصحابة أنهم كانوا إذا سُئلوا عن فعل شيء من ذلك أعظموه وزجروا عنه".

9.   الفتاوى الكبرى (6 / 133- 134)

"فحجّ آدمُ موسى"

 

"فحجّ آدمُ موسى"

 

الحمد لله، وبعد؛ فإنّ الراضي بالله تعالى لا يتردّد في قبول ماء الوحي الطهور، فيغسل به قلبه، ويشرح به صدره، ويستضيء بنوره، ويسترشد بهُداه، ويُحكِمُ بع عقله. وقد يُبتلى المؤمن بطائف من وسواس شيطاني فيُعكّر عليه شيئًا من صفائه، ويشوّش عليه بعضًا من جمعيّة قلبه على ربه، ومن بركات الوحي أن يذهب هذا الوسواس، فما إن يقترب من حمى الصدر حتى يضمحلّ ويتبخّر دون أسوار العلم المبنيّة بالدلائل المرفوعة بالبراهين المحروسة بتوفيقِ مَن وَعَدَ – ووعده الحق-: (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى)، لا يضل هنا ولا يشقى هناك، فله الحمد كما ينبغي له.

ومن ذلك ما قد يختلج في قلوب بعض الأخيار من تردُّدٍ في فهم المحاجّة الشهيرة بين النبيّين الكريمين آدم وموسى عليهما السلام، مع أنها واضحة كالشمس لمن سلم من لوثات أهل البدع ابتداءً. قال شيخ الإسلام رحمه الله في تعليقه على تلك القصة من احتجاج آدم وموسى عليهما السلام، الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقي آدم موسى، فقال: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، ثم صنعت ما صنعت! فقال آدم لموسى: أنت الذي كلّمك الله، وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فهل تجده مكتوبًا عليَّ قبل أن أُخلق؟ قال: نعم، قال: فحجَّ آدمُ موسى، عليهما السلام". (1): "ولكن وجه الحديث أن موسى عليه السلام لم يلم أباه إلا لأجل المصيبة التي لحقتهم من أجل أكله من الشجرة، فقال له: لم أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنبًا وتاب منه، فإن موسى يعلم أن التائب من الذنب لا يُلام وقد تاب منه أيضًا، ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم يقل: { ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين }. والمؤمن مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلِّم، وعند الذنوب أن يستغفر ويتوب؛ قال الله تعالى: { فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك }، فأمره بالصبر على المصائب، والاستغفار من المعائب.

وقال تعالى: { ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه }، قال ابن مسعود: هو الرجل تصيبه المصيبة يعلم أنها من عند الله فيرضى ويُسلِّم. (2) فالمؤمنون إذا أصابتهم مصيبة مثل المرض والفقر والذل؛ صبروا لحكم الله وإن كان ذلك بسبب ذنب غيرهم، كمن أنفق أبوه ماله في المعاصي؛ فافتقر أولاده لذلك، فعليهم أن يصبروا لما أصابهم، وإذا لاموا الأب لحظوظهم؛ ذَكَرَ لهم القدر". (3)

ومقصده رحمه الله: أنه يحقّ لوالدهم أن يحتج بالقدر على مصيبة الفقر وليس له أن يحتج بالقدر على ذنبه، بناء على قصة احتجاج النبيَّين الكريمين عليهما السلام، كما أن ولد هذا الفقير إن لاموه وقد تاب فإنه لا يُشرع لهم لومه على ذنب قد تاب منه وظهرت أمارات صدق توبته، ولكن قد يكون لهم بعض ملام على المصيبة التي تسبب بها باختياره وإضاعته وهي الفقر، وإن كان الأفضل لهم ترك ذلك الملام لأنه القدر، وقدر الله ماض، وقضاؤه نافذ، ومن الضياع مدافعة قدر قد مضى وانقضى. ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوم على الأقدار، وقال عنه خادمه أنس رضي الله عنه –بعد ذكر خدمته له -: "فما قال لي لشيء فعلتُه: لم فعلتَ كذا وكذا، وما قال لي لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا وكذا". (4)

وإنما تُشرع مدافعة القدر في المستقبل -وإن كان هذا لا يغيّر ما في اللوح المحفوظ ولكن مما دونه كصحف الملائكة ونحوها، والذي يقعُ آخرًا هو ما دوّن في اللوح المحفوظ –، فدفْعُ القدر بالقدر شريعة ماضية وجادّة رسوليّة، فمن قدّر الأقدار هو من شرع لنا دفعها بأقدار مقابلة، وقد شرع لنا مدافعتها وفق شرعه، فتبطشُ الجوارحُ بالأسباب المانعة والرافعة والجالبة بإذن مسببها تبارك وتعالى، ويتعلّق القلب بالله تعالى وحده ويتوكّل عليه ويرضا به وبأقداره حيثما توجّهت به، وأحاطت به، ونزلت عليه، فإن وُفّق لدرك مقصوده حمد الله وشكر وصبر على أداء حق شكره قدر طاقته، وإن كانت الأخرى صبر ورضي وحمد وشكر كذلك، لأن الله لا يختار لعبده الصادق إلا ما فيه خيرتُه وصلاحه في عاقبته، وكل قضاء الله تعالى لعبده خير. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له شيئًا إلا كان خيرًا له". (5) وعن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له».  (6) وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ما أُبالي على أي حال أصحبت، على ما أحب، أو على ما أكره، لأني لا أدري الخير فيما أُحِبُّ أو فيما أكره". (7) وعن ابن عمر رضي الله عنهما – وتأمّل هذا الحرف - قال: "إن الرجل ليستخير الله فيختار له، فيتسخّطُ على ربه، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو خير له". (8) وكلُّ قدر يكرهه العبد ولا يُلائمه لا يخلو من أمرين: إما أن يكون عقوبة على الذنب، فهو دواء لمرض لولا تدارك الحكيم إياه بالدواء لترامى به المرض إلى الهلاك. وإما أن يكون سببًا لنعمة لا تُنال إلا بذلك المكروه. (9) والرضا يُفرِّغُ قلب العبد، ويُقلل همّه وغمّه، فيتفرّغ لعبادة ربه بقلب خفيف من أثقال الدنيا وهمومها وغمومها. (10)

 ومن أمثلة مدافعة القدر بالقدر قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أبي عبيدة والصحابة رضي الله عنهم مع طاعون عمواس في الشام وهم على مشارِفِه، وقد اختلفوا هل يعودون للمدينة أم يدخلوا الشام، فنادى عمر في الناس بعد المشاورة: إني مُصبحٌ على ظهر، فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها أبو عبيدة! - وكان عمر يكره خلافه - نعم نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك إبل، فهبطت واديًا له عَدْوتان (11): إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف -وكان متغيبًا في بعض حاجاته -فقال: إن عندي من هذا علمًا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم به بأرض؛ فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها؛ فلا تخرجوا فرارًا"، قال: فحمد الله عمر بن الخطاب، ثم انصرف". (12) كذلك ما ورد في شأن فضل الدعاء، وأنه لا يردّ القضاء إلا الدعاء، وأن البلاء والدعاء يعتلجان بين السماء والأرض، وكذلك ما ورد في فضل صلة الرحم من زيادة الرزق والأجل وغير ذلك، والله أعلم.

وقال شيخ الإسلام أيضًا في قصة المحاجّة بين آدم وموسى عليه السلام: "الصواب في قصة آدم و موسى أن موسى لم يلم آدم إلا من جهة المصيبة التي أصابته وذريته بما فعل، لا لأجل أنّ تارك الأمر مذنب عاص، ولهذا قال: "لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة"؟ ولم يقل: لماذا خالفت الأمر، ولماذا عصيت؟

 والناس مأمورون عند المصائب التي تصيبهم بأفعال الناس أو بغير أفعالهم بالتسليم للقدر وشهود الربوبية، كما قال تعالى: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله و من يؤمن بالله يهد قلبه).. فليس للعباد أنفع من طاعة الله ورسوله وأمره إذا أصابته مصيبة مقدّرة أن لا ينظر إلى القدر، ولا يتحسّر بتقدير لا يفيد، ويقول: قدر الله وما شاء فعل. ولا يقول: لو أني فعلت لكان كذا، فيقدّر ما لم يقع يتمنّى أن لو كان وقع! فإن ذلك إنما يورث حسرة وحزنًا لا يفيد. والتسليم للقدر هو الذي ينفعه،(13) كما قال بعضهم: الأمر أمران: أمر فيه حيلة فلا تعجز عنه، وأمر لا حيلة فيه فلا تجزع منه. وما زال أئمة الهدى من الشيوخ وغيرهم يوصون الإنسان بأن يفعل المأمور ويترك المحظور ويصبر على المقدور، وإن كانت تلك المصيبة بسبب فعل آدمي.

وموسى كان أعلم من أن يلومه لحقّ الله على ذنب قد علم أنه تاب منه، فموسى أيضًا قد تاب من ذنب عمله، وقد قال موسى: (أنت و لينا فاغفر لنا و ارحمنا و أنت خير الغافرين)، وآدم أعلم من أن يحتج بالقدر على أن المذنب لا ملام عليه، فكيف وقد علم أن إبليس قد لعنه الله بسبب ذنبه، وهو أيضًا كان مقدّرًا عليه، وآدم قد تاب من الذنب واستغفر، فلو كان الاحتجاج بالقدر نافعًا له عند ربه لاحتج ولم يتب ويستغفر.

وأيضًا فلو كان الاحتجاج بالقدر نافعًا له؛ فلماذا أخرج من الجنة وأهبط إلى الأرض؟ فإن قيل: هو قد تاب، فلماذا بعد التوبة أهبط إلى الأرض؟ قيل: التوبة قد يكون من تمامها عملٌ صالح يعمله فيُبتلى بعد التوبة ليُنظَرَ دوام طاعته، قال الله تعالى: (إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا فإن الله غفور رحيم)، في التائب من الردة، وقال في كاتم العلم: (إلا الذين تابوا و أصلحوا و بينوا فأولئك أتوب عليهم و أنا التواب الرحيم) وقال: (أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده و أصلح فإنه غفور رحيم) وقال في القذف: (إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا فإن الله غفور رحيم). ولمّا تاب كعب بن مالك وصاحباه أمر رسو ل الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بهجرهم حتى نسائهم ثمانين ليلة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الغامدية لمّا رجمها: "لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، وهل وَجَدَتْ أفضل من أن جادت بنفسها لله". (14) وقد أخبر الله عن توبته على بني إسرائيل حيث قال لهم موسى: (ياقوم إنكم ظلمتهم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبو ا إلى ربائكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم).

وإذا كان الله تعالى قد يبتلى العبد من الحسنات والسيئات والسرّاء والضرّاء بما يحصل معه شكره وصبره، أم كفره وجزعه، وطاعته أم معصيته؛ فالتائب أحق بالابتلاء. فآدم أهبط إلى الأرض ابتلاء له، ووفقه الله في هبوطه لطاعته، فكان حاله بعد الهبوط خيرًا من حاله قبل الهبوط، وهذا بخلاف ما لو كان الاحتجاج بالقدر نافعًا له، فإنه لا يكون عليه ملام البتّة، ولا هناك توبة تقتضي أن يُبتلى صاحبُها ببلاء.

 وأيضًا؛ فإن الله قد أخبر في كتابه بعقوبات الكفار مثل قوم نوح وهود وصالح وقوم لوط وأصحاب مدين وفرعون وقومه ما يعرف بكل واحدة من هذه الوقائع ألّا حُجّة لأحد في القدر. وأيضًا؛ فقد شرع الله من عقوبة المحاربين من الكفار وأهل القبلة وقتل المرتد وعقوبة الزاني والسارق والشارب ما فصّل.

 فقد تبين أن آدم حجّ موسى لمّا قصد موسى أن يلوم من كان سببًا في مصيبتهم. وبهذا جاء الكتاب والسنة، قال الله تعالى: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله و من يؤمن بالله يهد قلبه)، وقال تعالى: (ما أصاب من مصيبة فى الأرض و لا فى أنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير). وسواء في ذلك المصائب السمائية والمصائب التي تحصل بأفعال الآدميين، قال تعالى: (و اصبر على ما يقولون و أهجرهم هجرا جميلا)، (و لقد أرسلنا رسلا من قبلك فصبروا على ما كذبوا و أوذوا حتى أتاهم نصرنا)، وقال في سورة الطور بعد قوله: (فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن و لا مجنون أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين)، إلى قوله: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم)، وقال تعالى في سورة (ن): (أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أم عندهم الغيب فهم يكتبون فاصبر لحكم ربك). وقد قيل في معناه: اصبر لما يُحكَمُ به عليك، وقيل: أصبر على أذاهم لقضاء ربك الذي هو آت، والأول أصح.

 وحكم الله نوعان: خلق وأمر: فالأول: ما يقدّره من المصائب، والثاني: ما يأمر به وينهى عنه. والعبد مأمور بالصبر على هذا وعلى هذا، فعليه أن يصبر لِمَا أُمر به ولِمَا نُهي عنه، فيفعل المأمور ويترك المحظور، وعليه أن يصبر لِمَا قدّره الله عليه". (15)

والعبد لا يخلو من ابتلاء وفتنة تُظهر خبيئته وتجلو إيمانه، والسعيد هو من عافاه الله وسلّمه وحفظه، ولم يخذله بأن يكله لنفسه أو خلقه، فقد روى أبو داود (16) عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: وأيم الله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ السعيد لَمَن جُنِّبَ الفتن، إنّ السعيد لمن جنّب الفتن، إنّ السعيد لمن جنّب الفتن، ولمن ابتُلي فصبر فواها». وتأمل هذا الكلام المخيف لشيخ الإسلام وأنّ على المؤمن ألا يأمن مكر الله تعالى وأن يسأله الهدى والعافية والحفظ والعافية، وألّا يكله إلى نفسه طرفة عين، قال: "عامّة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله فهم مسلمون، ومعهم إيمان مجمل. ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئًا فشيئًا إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصِلُون لا إلى اليقين، ولا إلى الجهاد، ولو شُكِّكُوا لشكوا! ولو أُمِرُوا بالجهاد لما جاهدوا! وليسوا كفارًا ولا منافقين، بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ولرسوله ما يقدمونه على الأهل والمال.

 وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة. وإن ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم؛ فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب؛ وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع من النفاق. وكذلك إذا تعيّن عليهم الجهاد ولم يجاهدوا كانوا من أهل الوعيد. ولهذا لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم عامّة أهلها، فلما جاءت المحنة والابتلاء نافق من نافق. فلو مات هؤلاء قبل الامتحان لماتوا على الإسلام ودخلوا الجنة، ولم يكونوا من المؤمنين حقًّا الذين ابتلوا فظهر صدقهم، قالَ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ . ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ وقال: {ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرانُ المُبِينُ}".(17)

لَجَاجَةُ قلبٍ ما يُفيق غُرورُها  ...  وحاجةُ نفسٍ ليس يُقضَى يسيرُها

وعينٌ إلى الأطلالِ تُزجِي سحابَها  ...  إذا لوعةُ الأحشاءِ هبَّ زفيرُها

أكلَّفها هطلًا على كلِّ منزلٍ  ...  فلو أنها أرضٌ لغارت بُحورُها

وما تجمع العينُ التوسُّمَ والبكا  ...  فهل تعرفانِ مقلةً أستعيرُها

وقفنا صفوفًا في الديار كأنها  ...  صحائفُ ملقاةٌ ونحن سطورُها

اللهم اجعلنا جميعا من الصابرين الراضين الشاكرين الحامدين، إله الحق آمين.

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

.......................

1-    البخاري 6/120(4736) ومسلم 8/51 (6841)

2-    وروي هذا الحرف عن علقمة وهو من خاصة ابن مسعود، وفيما يظهر أنه أخذه منه.

3-    أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (1 / 78)

4-    أحمد (12784) والبُخارِي ٨/‏١٧ (٦٠٣٨) ومسلم ٧/‏٧٣ (٦٠٧٧)

5-    أحمد في مسنده (5 / 24) وجوّد سنده شعيب الأرناؤوط رحمه الله تعالى.

6-    مسلم (2999)

7-    موسوعة ابن أبي الدنيا (١/ ٤١٤)

8-    موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٣٢). وفي رواية: "فإذا هو قد خَارَ له". أي: اختار له ما يصلحه.

9-    وانظر: حياة السلف، للطيار (١/‏٤57)

10-                    مدارج السالكين (٢/ ٥٠٧ – ٥١١) بتصرّف.

11-                    العّدْوة: جانب الوادي.

12-                    البخاري 4/212 (3473)، ومسلم 7/26 (2218) (92)

13-                    قال الإمام إبراهيم الحربي رحمه الله تعالى: "أجمع عقلاء كل أمة أنّ من لم يَجرِ مع القدر لم يتهنّ بعيشه". البداية والنهاية لابن كثير (11 / 79)

14-                    مسلم (1696)

15-                    مجموع الفتاوى (8/  303- 325) بانتقاء واختصار.

16-                    السنن (4 / 164) (4265) وصححه الألباني.

17-                    الإيمان لابن تيمية (١/‏٢١٣)

 

(رضي الله عنهم ورضوا عنه)

 

(رضي الله عنهم ورضوا عنه)

 

الحمد لله، وبعد؛ فليس وراء رضوان الله لأهل الإيمان مطلب، فنسأل الله تعالى بوجهه الأكرم واسمه الأعظم أن يُحِلَّ علينا جميعًا ووالدينا وأهلينا وأحبابنا والمسلمين رضوانه الذي لا سخط بعده، إنه سميع قريب. قال تبارك وتعالى مبينًا مُبشّرًا مُرغّبًا واعدًا أهل الإيمان: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }، "جامعة لكل نعيم وفرح، خالية من كل أذى وترح، تجري من تحت قصورها ودورها وأشجارها الأنهار الغزيرة، المروية للبساتين الأنيقة، التي لا يعلم ما فيها من الخيرات والبركات إلا اللّه تعالى. { خَالِدِينَ فِيهَا }، لا يبغون عنها حِوَلا {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ }، قد زُخرفت وحسّنت وأعدت لعباد اللّه المتقين، قد طاب مرآها، وطاب منزلها ومقيلها، وجمعت من آلات المساكن العالية ما لا يتمنّى فوقه المتمنّون، حتى إن اللّه تعالى قد أعد لهم غرفًا في غاية الصفاء والحسن، يُرى ظاهرُها من باطنها، وباطنُها من ظاهرها. فهذه المساكن الأنيقة، التي حقيق بأن تسكن إليها النفوس، وتنزع إليها القلوب، وتشتاق لها الأرواح، لأنها في جنات عدن، أي: إقامة لا يظعنون عنها، ولا يتحولون منها.

{ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ }، يحلّه على أهل الجنة { أَكْبَرُ } مما هم فيه من النعيم، فإن نعيمهم لم يطب إلا برؤية ربهم ورضوانه عليهم، ولأنه الغاية التي أمَّها العابدون، والنهاية التي سعى نحوها المحبون، فرضا رب الأرض والسماوات، أكبر من نعيم الجنات. { ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }، حيث حصلوا على كل مطلوب، وانتفى عنهم كل محذور، وحسنت وطابت منهم جميع الأمور، فنسأل اللّه أن يجعلنا معهم بجوده". (1)

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربّنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأيّ شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا". (2) فرضا الله تعالى الذي لا سخط بعده أفضل من جنّة بلا دوام رضا، فلا نعيم للمؤمن إلا بعد رضا الله تعالى، وإنما بيّن لهم تعالى إعطاءَهم رضاه عليهم على سبيل التدرّج في ترقّي نعيمهم في الجنة للأعلى والأجمل والأفضل، وبأن رضاه عنهم لا يزول ولا يحول، وفي هذا غاية الأمن والحبور، كما قال تعالى: (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر)، فالرضا جزء من نعيم الجنة، والجنة لا يدخلها إلا من رضي الله عنه، فالجنة ثمرة الرضا. وقد يكافئ السيد عبده وهو غير راض عنه، أما الرضا فله شأن ثان، وقد يرضا عنه في وقت دون آخر، أما ديمومة الرضا فلا مثيل لها، ولله المثل الأعلى. والجنة إنما طابت برضوان الله تعالى على أهلها. ثم لمّا كان الرضا قد أقرَّ عيونَ أهل الجنة بالفرح السابغ والأمن الدائم الخالد؛ أُعطوا فوقه نعيمًا زائدًا، وأيُّ نعيم؟! نسأل الله الكريم من فضله، إنه النظر لوجه الرحمن، إنه الزيادة. فعن صهيب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة؛ يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيّضْ وجوهَنا؟ ألم تدخلْنا الجنة وتنجِّنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم". (3)

قال الحافظ رحمه الله في الفتح في كلامه على حديث: "ألا أعطيكم أفضل من ذلك..": "وفيه تلميح بقوله تعالى: (ورضوان من الله أكبر) لأن رضاه سبب كل فوز وسعادة، وكلّ من عَلِمَ أنّ سيّده راض عنه؛ كان أقرّ لعينه واطيب لقلبه من كل نعيم، لما في ذلك من التعظيم والتكريم. وفي هذا الحديث: أن النعيم الذي حصل لأهل الجنة لا مزيد عليه". (4) وقال ابن تيمية رحمه الله: "وهذا يدل على أنه في ذلك الوقت حصل لهم هذا الرضوان الذي لا يتعقبه سخط أبدًا، ودل على أن غيره من الرضوان قد يتعقبه سخط. وفي الصحيحين في حديث الشفاعة يقول كلٌّ من الرسل: "إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله". (5)" (6) وقال ابن القيم رحمه الله: "وتأمل قوله تعالى: (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر)، كيف جاء بالرضوان مبتدأً منكَّرًا مُخبِرًا عنه بأنه أكبر من كل ما وعدوا به، فأيسرُ شيء من رضوانه أكبر من الجنات وما فيها من المساكن الطيبة وما حَوَتْه". (7) نسأل الله الكريم من فضله.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى مُحفّزًا همم الصالحين التواقين لعلّيين، (وما أدراك ما عليون) (8): "خلق الله دارين، وخصّ كل دار بأهل، والله سبحانه مع كونه خالق كل شيء فهو موصوف بالرضا والغضب والعطاء والمنع والخفض والرفع والرحمة والانتقام، فاقتضت حكمته سبحانه أن خلق دارًا لطالبي رضاه، العاملين بطاعته، المؤثِرين لأمره، القائمين بمحابِّه؛ وهي الجنة.

 وجعل فيها كل شيء مرضي، وملأها من كل محبوب ومرغوب ومشتهى ولذيذ، وجعل الخير بحذافيره فيها، وجعلها محلّ كل طيّب من الذوات والصفات والأقوال.

 وخلق دارًا أخرى لطالبي أسباب غضبه وسخطه، المُؤثِرين لمراضيهم وحظوظهم على مرضاته، العاملين بأنواع مخالفته، القائمين بما يكره من الأعمال والأقوال، الواصفين له بما لا يليق به، الجاحدين لما أخبرت به رسله من صفات كماله ونعوت جلاله؛ وهي جهنم، وأودعها كل شيء مكروه، وسِجنها مليء من كل شيء مؤذ ومؤلم، وجعل الشرّ بحذافيره فيها، وجعلها محلّ كل خبيث من الذوات والصفات والأقوال والأعمال.

 فهاتان الداران هما دارا القرار، وخلق دارًا ثالثة هي كالميناء لهاتين الدارين، ومنها يتزوّد المسافرون إليهما، وهي دار الدنيا. ثم أخرج إليها من أثمار الدارين بعض ما اقتضته أعمال أربابهما، وما يستدل به عليهما، حتى كأنهما رأي عين، ليصير للإيمان بالدارين وإن كان غيبًا وجهُ شهادة تستأنس به النفوس، وتستدل به.

 فأخرج سبحانه إلى هذه الدار من آثار رحمته من الثمار والفواكه والطيبات والملابس الفاخرة والصور الجميلة، وسائر ملاذ النفوس ومشتهياتها، ما هو نفحة من نفحات الدار التي جعل ذلك كله فيها على وجه الكمال. فإذا رآه المؤمنون ذكّرهم بما هناك من الخير والسرور والعيش الرخيّ، كما قيل:

فإذا رآك المسلمون تيقّنوا ... حورَ الجنان لدى النعيم الخالدِ

 فشمّروا إليه، وقالوا: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، وأحدثت لهم رؤيته عزمات وهممًا وجِدًّا وتشميرًا، لأن النعيم يُذكّر بالنعيم، والشيء يذكّر بجنسه، فإذا رأى أحدهم ما يعجبه ويروقه ولا سبيل له إليه قال: موعدك الجنة (9) وإنما هي عشية أو ضحاها.

 فوجود تلك المشتهيات والملذوذات في هذه الدار رحمة من الله، يسوق بها عباده المؤمنين إلى تلك الدار التي هي أكمل منها، وزاد لهم من هذه الدار إليها، فهي زادٌ وعبرة ودليل وأثر من آثار رحمته التي أودعها تلك الدار، فالمؤمن يهتزّ برؤيتها إلى ما أمامه، ويثير ساكن عزماته إلى تلك، فنفسه ذوّاقة توّاقة إذا ذاقت شيئًا منها تاقت إلى ما هو أكمل منه، حتى تتوق إلى النعيم المقيم في جوار الرب الكريم. (10)

 وأخرج سبحانه إلى هذه الدار أيضًا من آثار غضبه ونقمته من العقوبات والآلام والمحن والمكروهات من الأعيان والصفات ما يستدل بجنسه على ما في دار الشقاء من ذلك، ومن ذلك آثار النَّفَسَين الشتاء والصيف اللذين أذن الله سبحانه بحكمته لجهنم أن تتنفس بهما، فاقتضى ذانك النفَسَان آثارًا ظهرت في هذه الدار كانت دليلًا عليها وعبرة. وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى ونبّه عليه بقوله في نار الدنيا: (نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين). تذكرةً تذكر بها الآخرة ومنفعة للنازلين بالقواء وهم المسافرون، يقال: أقوى الرجل إذا نزل بالقي والقوى، وهي الأرض الخالية، وخص المقوين بالذكر وإن كانت منفعتها عامة للمسافرين والمقيمين تنبيهًا لعباده - والله أعلم بمراده من كلامه- على أنهم كلهم مسافرون، وأنهم في هذه الدار على جناح سفر، ليسوا هم مقيمين ولا مستوطنين، وأنهم عابرو سبيل وأبناء سفر.

 والمقصود؛ أنه سبحانه أشهد في هذه الدار ما أعد لأوليائه وأعدائه في دار القرار، وأخرج إلى هذه الدار من آثار رحمته وعقوبته ما هو عبرة ودلالة على ما هناك من خير وشرّ، وجعل هذه العقوبات والآلام والمحن والبلايا سياطًا يسوق بها عباده المؤمنين، فإذا رأوها حذروا كل الحذر، واستدلوا بما رأوه منها وشاهدوه على ما في تلك الدار من المكروهات والعقوبات. وكان وجودها في هذه الدار وإشهادهم إياها وامتحانهم باليسير منها رحمةً منه بهم، وإحسانًا إليهم، وتذكرةً، وتنبيهًا.

ولما كانت هذه الدار ممزوجًا خيرها بشرها وأذاها براحتها ونعيمها بعذابها؛ اقتضت حكمةُ أحكم الحاكمين أن خلّص خيرَها من شرِّها، وخصّه بدار أخرى هي دار الخيرات المحضة، ودار السرور المحضة، فكتب على هذه الدار حكم الامتزاج والاختلاط، وخلط فيها بين الفريقين، وابتلى بعضهم ببعض، وجعل بعضهم لبعض فتنة. حكمة بالغة بهرت العقول، وعِزَّة قاهرة، فقام بهذا الاختلاط سوق العبودية كما يحبه ويرضاه، ولم تكن تقوم عبوديته التي يحبها ويرضاها إلا على هذا الوجه. بل العبد الواحد جمع فيه بين أساب الخير والشر، وسلّط بعضه على بعض؛ ليستخرج منه ما يحبه من العبودية التي لا تحصل إلا بذلك.

 فلما حصلت الحكمة المطلوبة من هذا الامتزاج والاختلاط، أعقبه بالتمييز والتخليص، فميّز بينهما بدارين ومحلّين، وجعل لكل دار ما يناسبها، وأسكن فيها من يناسبها. وخلق المؤمنين المتقين المخلصين لرحمته، وأعداءه الكافرين لنقمته، والمخلّطين للأمرين، فهؤلاء أهل الرحمة، وهؤلاء أهل النقمة، وهؤلاء أهل النقمة والرحمة.. وأظهر حكمته الباهرة، ليعلم العباد كمال قدرته وحكمته، وأنه يخلق ما يشاء، ويختار من خلقه من يصلح للاختيار، وأنه يضع ثوابه موضعه، وعقابه موضعه، ويجمع بينهما في المحل المقتضي لذلك، ولا يظلم أحدًا، ولا يبخسه شيئًا من حقه ولا يعاقبه بغير جنايته.

 هذا مع ما في ضمن هذا الابتلاء والامتحان من الحكم الراجعة إلى العبيد أنفسهم من استخراج صبرهم وشكرهم وتوكّلهم وجهادهم، واستخراج كمالاتهم الكامنة في أنفسهم من القوة إلى الفعل، ودفع الأسباب بعضها ببعض، وكسر كل شيء بمقابِلِه، ومصادمته بضده؛ لتظهر عليه آثار القهر وسِمات الضعف والعجز، ويتيقّن العبد أن القهّار لا يكون إلا واحدًا، وأنه يستحيل أن يكون له شريك، بل القهر والوُحدة متلازمان، فالملك والقدرة والقوّة والعزّة كلها لله الواحد القهار، ومن سواه مربوب مقهور، له ضدٌّ ومناف ومشارك.

 فخلق الرياح، وسلّط بعضها على بعض تُصادِمها وتكسر سورتها وتذهب بها، وخلق الماء، وسلّط عليه الرياح تصرفه وتكسره، وخلق النار، وسلط عليها الماء يكسرها ويطفئها، وخلق الحديد، وسلّط عليه النار تذيبه وتكسر قوته، وخلق الحجارة، وسلّط عليها الحديد يكسرها ويُفتّتها، وخلق آدم وذريته، وسلّط عليهم إبليس وذريته، وخلق إبليس وذريته، وسلّط عليهم الملائكة يشرّدونهم كل مشرّد، ويطردونهم كل مطرد، وخلق الحرّ والبرد والشتاء والصيف، وسلّط كلّا منهما على الآخر يذهبه ويقهره، وخلق الليل والنهار، وقهر كلّا منهما بالآخر، وكذلك الحيوان على اختلاف ضروبه من حيوان البر والبحر، لكل منه مضادّ ومُغالب.

 فاستبان للعقول والفطر أن القاهر الغالب لذلك كله واحد، وأن من تمام ملكه إيجادُ العالَم على هذا الوجه، وربطُ بعضه على بعض، وإحواجُ بعضه إلى بعض، وقهرُ بعضه ببعض، وابتلاءُ بعضه ببعض، وامتزاجُ خيره بشرّه، وجعلُ شرّه لخيره الفداء، ولهذا يُدفع إلى كل مؤمن يوم القيامة كافر فيقال له: هذا فداؤك من النار. (11) وهكذا المؤمن في الدنيا يسلَّط عليه الابتلاء والامتحان والمصائب ما يكون فداءه من عذاب الله، وقد تكون تلك الأسباب فداء له من شرور أكثر منها في هذا العالم أيضًا، فليعط اللبيب هذا الموضع حقه من التدبر؛ تتبين له حكمة اللطيف الخبير". (12)

مع التنبيه إلى ضرورة المؤمن للمسارعة في الخيرات، والتوبة النصوح من الزلات، علّ الله تعالى أن يجيب الدعوات، وينيل الرغبات، ويغفر الخطيئات، أنه سميع قريب مجيب. قال يحيى بن معاذ رحمه الله: "لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طريقها بالذنوب". (13)

نحن ندعو الإلهَ في كلِّ كربٍ  ... ثمَّ ننساه عند كشف الكروبِ

كيف نرجو إجابةً لدعاءٍ  ...  قد سددنا طريقَها بالذنوبِ

ومن توابع ذلك أن على المؤمن الابتعاد عن مواطن الظلم لعباد الله، فهو ديوانٌ لا يُترك منه شيء، ولْيكثر ما استطاع من الحسنات المرجّحة لميزانه، ولْيزاحم السيئات الغابرة بالحسنات الماحية، ولا يحقرنّ من المعروف شيئًا، ولْيعلم أن السيئة الكبيرة محتاجة إلى حسنة كبيرة عند الميزان إن لم يعف الرحمن، فلا يعلم أي حسنة يحتاج إليها غدًا لرجحان ميزانه، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "حَقُّ الآدميّ يُعطاهُ من حسناتِ مَن ظَلَمَه، فمِن تمام التَّوبة أن يستَكثِرَ العَبدُ من الحسناتِ لِيُوَفِّيَ غُرماءَهُ، وتبقى له بقِيَّةٌ يدخلُ بها الجنَّة". (14) اللهم نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، ونسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، إله الحق.

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

........................................

1.    تفسير السعدي (1 / 343)

2.    البخاري 8/142 (6549)، ومسلم 8/144 (2829) (9)

3.    مسلم 1/112 (181) (297)

4.    فتح الباري (11 / 422)

5.    البخاري 4/163 (3340) و6/105 (4712)، ومسلم 1/127-128 (194) (327)

6.    مجموع الفتاوى (7 / 444)

7.    بدائع الفوائد (2 / 393)

8.    عليّون وصفُ مبالغة للعلوّ والارتفاع، فهو أعلى الأمكنة وأشرف المراتب وأقربها من الله تعالى، فالله تعالى في أعلى العلوِّ كما وصفه رسوله صلى الله عليه وسلم في دعائه: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء". رواه مسلم (2713). وتحته مخلوقاته، فأقربها منه أشرفها، فلفظ عليّين يدل على المبالغة في العلوّ. فأعلى عليّين هي منزلة الوسيلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول، ثم صلّوا عليّ؛ فإنّه من صلّى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشفاعة". رواه مسلم ( 384 ). فإن كانت الوسيلة من الفردوس الأعلى فهي أعلاه، وإن كانت منفصلة عنه فهي فوقه، والمُتبادر إلى الفهم أنها منزلة في أعلى الفردوس الأعلى من جنّة الرحمن، وفي معنى الوسيلة القرب، وهي هنا القرب من الرحمن جل جلاله مكانًا ومكانَةً.

والفردوس الأعلى في المرتبة الأعلى من علّيّين، -وقد يكون عليّون مختصّ بالفردوس في بعض إطلاقاته-، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان؛ كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها"، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نبشّر الناس؟ قال: "إن في الجنة مئة درجة، أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تُفجّر أنهار الجنة". رواه البخاري (2790). فالجنة مُقبَّبةٌ، وأوسطُ القبّة أعلاها كرأس الكُرَة، وعن أنس رضي الله عنه أن أم الربيع بنت البراء - وهي أم حارثة بن سراقة-، أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، ألا تحدثني عن حارثة - وكان قتل يوم بدر - فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، فقال: "يا أم حارثة، إنها جنانٌ في الجنة، وإنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى". رواه البخاري (2809).

ومراتبُ الجنة العُلى – كأهل الغُرَف- عليّون بالنسبة لمن دونهم من أهل الجنة، فمراتب أهل الغرف عالية، وقد يكونون هم أهل الفردوس، وقد يكونون أدنى منهم لأن مراتب الجنة كثيرة جدًّا وساشعة المسافات. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ أهلَ الجنة ليتراءون أهلَ الغرف من فوقهم كما تراءون الكوكب الدرّي الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم"، قالوا: يا رسول الله؛ تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: "بلى والذي نفسي بيده، رجالٌ آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين". رواه البخاري (3256) ومسلم (2831).

والجنة كلها عليّون بالنسبة لما تحتها، كما في الحديث الطويل للبراء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فيقول الله تعالى: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض". أخرجه أحمد (18733) وأبو داود (3212 و4753) وصححه الألباني. فالجنة كلها عليون بالنسبة لأهل الأرض، والأبرار المقتصدون هم من المؤمنين الذين يُكتب كتابهم في عليين، كما قال سبحانه: (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين)، وإن كان السابقون المُقرّبون أعلى منهم منازل.

 وقد جاء عن السلف في معنى "علّيين" أقوال، منها: السماءُ السابعة، وقائمةُ العرشِ اليُمنى، والجنة، وعند سِدْرَةِ المنتهى، وقيل: في السماء عند الله تعالى. وقيل : هو اسمٌ لدِيوَان الملائكة الحَفَظَة، تُرْفَع إليه أعمالُ الصالحين من العباد، وقيل: أراد أعْلَى الأمْكِنَة وأشْرَفَ المرَاتِب من اللّه في الدار الآخرة. قال الطبري رحمه الله في تفسيره (24 / 293): "فبيَّن أن قوله: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ معناه: في عُلُوٍّ وارتفاع، في سماءٍ فوق سماء، وعُلُوٍّ فوق عُلُوٍّ. وجائزٌ أن يكونَ ذلك إلى السماء السابعة، وإلى سدرة المنتهى، وإلى قائمةِ العرش اليُمنى، ولا خبرَ يقطعُ العُذْرَ بأنه معنيٌّ به بعضٌ دون بعض. والصوابَ أن يقال في ذلك كما قال الله جل ثناؤه: إن كتابَ أعمالِ الأبرار لفي ارتفاعٍ إلى حدٍّ قد عَلِمَ الله جلَّ وعزَّ منتهاه، ولا علمَ عندنا بغايته، غير أن ذلك لا يقصرُ عن السماء السابعة؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك". أهـ. هذا وقد وردَ في بعض طرقِ حديثِ البراء بن عازب: "اكتبوا كتابَ عبدي في علِّيِّين في السماء السابعة". وانظر: زاد المسير (9/57)، وتفسير ابن كثير (8/374) وغريب الحديث لابن الجوزي (2 / 124) وقال ابن الأثير في النهاية (3/294): "ويعرب بالحروف والحركات كقنّسرين وأشباهها على أنه جمع أو واحد".

وقال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (5 / 183): "قال أبو مطيع البلخي في كتاب "الفقه الأكبر" المشهور: سألت أبا حنيفة عمّن يقول: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض. قال: قد كفر؛ لأن الله عز وجل يقول: { الرحمن على العرش استوى }، وعرشه فوق سبع سماواته. فقلت: إنه يقول: على العرش استوى، ولكن لا يدري العرش في السماء أو في الأرض، فقال: إذا أنكر أنه في السماء كفر؛ لأنه تعالى في أعلى عليين؛ وأنه يُدعى من أعلى لا من أسفل". وقال في فتاويه (6 / 12): "والمقرّبون هم فوق أصحاب اليمين الأبرار الذين كتابهم في عليين، { وما أدراك ما عليون . كتاب مرقوم . يشهده المقربون . إن الأبرار لفي نعيم . على الأرائك ينظرون . تعرف في وجوههم نضرة النعيم . يسقون من رحيق مختوم . ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون . ومزاجه من تسنيم . عينا يشرب بها المقربون}. قال ابن عباس: يشرب بها المُقَرّبون صِرْفًا، وتُمزج لأصحاب اليمين مزجًا".

وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم (15 / 208): "قوله صلى الله عليه وسلم (2444): "اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرّفيق"، وفي رواية: "الرفيق الأعلى"، الصحيح الذي عليه الجمهور أن المراد بالرفيق الأعلى الأنبياء الساكنون أعلى عليين، ولفظةُ رفيق تطلق على الواحد والجمع، قال الله تعالى: (وحسن أولئك رفيقا). وقيل: هو الله تعالى، يقال: الله رفيق بعباده، من الرفق والرأفة، فهو فعيل بمعنى فاعل، وأنكر الأزهري هذا القول. وقيل: أراد مُرتفقَ الجنة". وقال ابن القيم في الروح (1 / 45): "هذا مع القطع بأن روحه الكريمة في الرفيق الأعلى، في أعلى عليين، مع أرواح الأنبياء". والله أعلى وأحكم.

9.    رويت عن ابن حزم، وأنه قالها لفاكهة وكان صائمًا: "يا فاكهة موعدك الجنة". ورويت عن فقير قالها، لشدة فقره، وقوّة صبره ويقينه.

10.                    نقل ابن الجوزي رحمه الله تعالى في المدهش (1 / 228) عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قال: "خُلِقتْ لي نفسٌ توّاقة، لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلما نلتُها تاقت إلى الخلافة، فلما نلتها تاقت إلى الجنة".

11.                    في المسند (19670) ومسلم (2767) (49) عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم القيامة دُفِع إلى كلّ مؤمن رجل من أهل الملل، فقال له: هذا فداؤك من النار".

12.                    طريق الهجرتين (1/ 134-140) مختصرًا.

13.                    جامع العلوم والحكم (١/‏٢٧٥)

14.                    تفسير آيات أشكلت (1/ 317)