إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الخميس، 12 أكتوبر 2023

فضل الافتقار الاختياري إلى الله تعالى

 فضل الافتقار الاختياري إلى الله تعالى

 

الحمد لله ربِّ الأرض وربّ السماء، خلق آدم وعلّمه الأسماء، وأسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة دار البقاء، وحذّره من الشيطان ألدّ الأعداء، ثم أنفذ فيه ما سبق به القضاء، فأهبطه إلى دار الابتلاء، وجعل الدنيا له ولذريته دار عمل لا دار جزاء، وتجلّت رحمتُه بهم فتوالت الرسلُ والأنبياء، وما منهم أحد إلا جاء معه بفرقان وضياء، ثم ختم الرسالات بالشريعة الغراء، ونزّلَ القرآن لما في الصدور شفاء، فأضاءت به قلوب الأتقياء. أغنى الناس من افتقر إليه، وأسعدهم من فاز بالزُّلفى لديه.

أحمده تبارك وتعالى على النعماء والسرّاء، وأستعينه على البأساء والضراء، وأعوذ بنور وجهه الكريم من جَهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، وأسأله عيش السعداء، وموت الشهداء، ومرافقة الأنبياء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، سميعٌ بصيرٌ يرى ويسمع النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصمّاء، أجرى الأمور بحكمته، وقسم الأرزاق وفق مشيئته. وأشهد أن نبينا محمدًا خاتمُ الرسل والأنبياء، وإمام المجاهدين والأتقياء، هو القدوة النيّرة في الصبر على البلاء، والعمل لدار البقاء. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وصحابته الأجلّاء، وعلى السائرين على دربه والداعين بدعوته إلى يوم اللقاء، ما تعاقب الصبح والمساء، وما دام في الكون ظلمة وضياء.

أما بعدُ؛ فإن توحيد الافتقار الاختياري إليه الله تبارك وتعالى وحده معدود من سنام دين الحنفاء، بل هو لُبَابُ دعوةِ الأنبياء، فيا أيها الفقير الكسير الحسير المسكين المذنب الخاطئ الذليل تعلق به دون سواه، وتب إليه واستغنِ به وحده لا شريك له، وادعه بقلب حاضر صادق مخلص؛ فلله نفحات لطف وساعات إجابه وأرزاق برٍّ مَنْ أنعمَ عليه بها فهو من الفائزين، (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد)، [فاطر: 15].

أما حدُّ الفقر فهو الحاجة، والافتقار الاحتياج، فالفقر صفة راسخة لا تزول إلا بزوال الفقر عن طريق الغنى، أما الافتقار فكأن فيه زيادة الإحساس بالفقر سواء كان فقيرًا في الأصل أم لا. وعلى هذا فيصح القول بأن الافتقار هو الفقر، ويصح كذلك أن نزيد بأن الافتقار متضمن للإحساس بالفقر والتوجه جهة المُغني لإزالة فقره.

وبتعبير آخر فالفقر قد يكون حِسّيًّا نابعًا من قرارة النفس وجوعتها لما يسد رمقها الحسي كالمال والغذاء والدواء ونحو ذلك، أو معنويّا ـــ وهو أشدّ ـــ كالحاجة للأمن والسكينة والراحة والطمأنينة والغنيمة والحب، ثم إن هذا الافتقار قد يكون مكتسبًا، أي أن المرء يحرّك قلبه ضراعة وحاجة نحو سبب الغنى أيًّا كان ذلك السبب حقيقيًا كان أو متوهّمًا. وبالعموم فكل مخلوق هو في حقيقته فقير فقرًا مطلقًا لخالقه ومالكه وربه سبحانه وبحمده.

وأعظم الافتقار وأصدقه وأنجعه هو افتقار المرء لربه، فيتأمل ضعفه وفقره ومسكنته وحاجته وعجزه، ثم يرفع ذلك إلى ربه الغنيّ الملك القويّ العزيز الرزّاق الوهّاب، حينها يكون ذلك القلب المهديّ قد التوى على حبل التوفيق والإعانة والرزق والغنى في روحه وجسده ودينه ودنياه، وعلى قدر افتقاره لربه يكون توفيقه ورزقه وغناه. قال تعالى: (أليس الله بكاف عبده) [الزمر: 36]، وقال سبحانه: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير) [لقمان: 30].

ولما كان الله تعالى هو الخالق المالك المدبر ـــ وتأمل هذه الثلاث التي تنتظم توحيد الربوبية ـــ فلا يخرج شيء في ملكه عن قدرته ومشيئته وحكمته ورحمته، وكان العبد هو المخلوق المملوك المُدّبَّر الذي لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، ولا حياة ولا موتًا، ولا إعطاءً ولا منعًا؛ فهو هباءٌ صغير فقير في جملة هذا الكون الشاسع الفسيح، فإن مسألة حاجة العبد التامّة وافتقاره المطلق ومسكنته البالغة لغنى ربه وقوته ورحمته ولطفه تكون شديدة الوضوح والسطوع في بصر العبد وبصيرته، ذلك أن العبد كله لله وبالله ملكًا وإعانة فأين إذن استغناؤه ولمن يا ترى فراره؟!

والافتقار نوعان:

الأول: افتقار اضطراري، وهذا لكل مخلوق لا ينفك عنه مهما بلغ به التيه والكبر ووهم الاستغناء، وهذا النوع لا يُحمد المخلوق عليه لأنه لا اختيار ولا خيار له فيه البتة.

الثاني: افتقار اختياري، وهو المحمود صاحبه، والمُوفَّق فاعلُه، ومعناه التوجّه بكليّة القلب إلى الله، فيحدّث نفسه ويذكّرها دومًا بافتقارها لمولاها، ويملأ قلبه بالامتنان لربه وشدة الحاجة إليه، ويدعو ربه بلسانه وبحاله وبجنانه.

من افتقر فليلذ بالغني الكريم، ولينخ ركابه مستمنحًا عطايا الوهاب البر الرحيم، وكل أحدٍ إذا خفته هربت منه إلا الله العظيم فإنك إذا خفته فررت إليه (ففروا إلى الله) [الذاريات: ٥٠] أي الجئوا إليه واعتمدوا في كل أموركم عليه.

والعبد لا ينفك عن افتقار تام لربه سواء في حياة قلبه وغذاء روحه بالعلم والإيمان والتسديد والتوفيق، أو في حياة جسده وتحصيل بلغته من هذه الدنيا التي جعلها الله قيامًا له، حتى إذا وصل لتلك المحلة المنيفة من التعلق والافتقار واللجأ أغناه ربه بأمداد لطفه فازداد علمه بربه ويقينه وإيمانه بموعوده وبارك الله له عمره، قال شيخ الإسلام: «ليس عند القلب أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله ومحبته له وإخلاصه الدين له، وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله فيصير القلب منيبًا إلى الله خائفًا منه راغبًا راهبًا، كما قال تعالى: (من خشي الرحمن بالغيب) [ق: ٣٣] إذ المحب يخاف من زوال مطلوبه وحصول مرهوبه، فلا يكون عبدًا لله ومحبًّا له إلا بين خوف ورجاء، قال تعالى: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذا به إن عذاب ربك كان محذورا) [الإسراء: ٥٧]»([1]).

واعلم أخي الكريم أن افتقار القلب إلى ربه هو محض فضل الله وكرمه وجوده وإحسانه، والناس متفاضلون في إدراكه والإحساس به والعمل بمقتضاه وما يترتب عليه تفاضلًا كبيرًا. والتوحيد عمود الافتقار  و«الناس في هذا الباب ــ أي التوحيد والإخلاص وكمال التعلق والافتقار ــــ على ثلاث درجات:

منهم من علم ذلك سماعًا واستدلالًا، ومنهم من شاهد وعاين ما يحصل لهم، ومنهم من وجد حقيقة الإخلاص والتوكل على الله والالتجاء إليه والاستعانة به وقطع التعلق بما سواه، وجرّب من نفسه أنه إذا تعلق بالمخلوقين ورجاهم وطمع فيهم أن يجلبوا له منفعة أو يدفعوا عنه مضرة؛ فإنه يُخذل من جهتهم، ولا يحصل مقصوده، بل قد يبذل لهم من الخدمة والأموال وغير ذلك ما يرجو أن ينفعوه وقت حاجته إليهم فلا ينفعونه، إما لعجزهم وإما لانصراف قلوبهم عنه.

وإذا توجه إلى الله بصدق الافتقار إليه، واستغاث به مخلصًا له الدين؛ أجاب دعاءه، وأزال ضرره، وفتح له أبواب الرحمة. فمثل هذا قد ذاق من حقيقة التوكل والدعاء لله ما لم يذق غيره. وكذلك من ذاق طعم الإخلاص لله وإرادة وجهه دون ما سواه؛ يجد من الأحوال والنتائج والفوائد ما لا يجده من لم يكن كذلك، بل من اتبع هواه في مثل طلب الرئاسة والعلو وتعلقه بالصور الجميلة أو جمعه للمال؛ يجد في أثناء ذلك من الهموم والغموم والأحزان والآلام وضيق الصدر ما لا يعبّر عنه، وربما لا يطاوعه قلبه على ترك الهوى ولا يحصل له ما يسره، بل هو في خوف وحزن دائمًا، إن كان طالبًا لما يهواه فهو قبل إدراكه حزينٌ متألم، حيث لم يحصل، فإذا أدركه كان خائفٌا من زواله وفراقه([2]).

وأولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

فإذا ذاق هذا فقد ذاق حلاوة الإخلاص لله والعبادة وحلاوة ذكره ومناجاته وفهم كتابه، وأسلم وجهه لله وهو محسن، بحيث يكون عمله صالحًا ويكون لوجه الله خالصًا؛ فإنه يجد من السرور واللذة والفرح ما هو أعظم مما يجده الداعي المتوكل الذي نال بدعائه وتوكله ما ينفعه من الدنيا أو اندفع عنه ما يضره، فإن حلاوة ذلك هي بحسب ما حصل له من المنفعة أو اندفع عنه من المضرة.

ولا أنفع للقلب من التوحيد وإخلاص الدين لله، ولا أضر عليه من الإشراك، فإذا وجد حقيقة الإخلاص التي هي حقيقة (إياك نعبد) مع حقيقة التوكل التي هي حقيقة (إياك نستعين) كان هذا فوق ما يجده كل أحد لم يجد مثل هذا»([3]).

وكلما عظم التوحيد في القلب وامتدت جذوره فيه نمت أعصانه الظاهرة على جذع الإيمان، وأينعت ثمرته وطاب مخبره ومظهره. والافتقار إلى الله يمدّ صاحبه بزاد لا يفنى، وروْح لا يضمحل، ولا يزال المفتقر إلى الله يزداد من الغنى حتى تكون شجرة التوحيد في قلبه كالشمس، «والتوحيد ألطف شيء وأنزهه وأنظفه وأصفاه، فأدنى شيء يخدشه ويدنسه ويؤثر فيه، فهو كأبيض ثوب يؤثر فيه أدنى أثر، وكالمرآة الصافية جدًّا أدنى شيء يؤثر فيها. ولهذا تشوشه اللحظة([4]) واللفظة والشهوة الخفية فإن بادر صاحبها وقلع ذلك الأثر بضده وإلا استحكم وصار طبعًا يتعسر عليه قلعه.

وهذه الآثار والطبوع التي تحصل فيه، منها ما يكون سريع الحصول سريع الزوال، ومنها ما يكون سريع الحصول بطيء الزوال، ومنها ما يكون بطيء الحصول سريع الزوال، ومنها ما يكون بطيء الحصول بطيء الزوال.

ولكن من الناس من يكون توحيده كبيرًا عظيمًا ينغمر فيه كثير من تلك الآثار ويستحيل فيه، بمنزلة الماء الكثير الذي يخالطه أدنى نجاسة أو وسخ، فيغتر به صاحب التوحيد الذي هو دونه فيخلط توحيده الضعيف بما خلط به صاحب التوحيد العظيم الكثير توحيده؛ فيظهر تأثيره فيه ما لم يظهر في التوحيد الكثير([5]).

وأيضًا فإن المحل الصافي جدًّا يظهر لصاحبه مما يدنسه مالا يظهر في المحل الذي لم يبلغ في الصفاء مبلغه فيتداركه بالإزالة دون هذا فإنه لا يشعر به.

وأيضًا فإن قوة الإيمان والتوحيد إذا كانت قوية جدًّا أحالت المواد الرديئة وقهرتها بخلاف القوة الضعيفة. وأيضًا فإن صاحب المحاسن الكثيرة والغامرة للسيئات ليُسامَحُ بما لا يسامح به من أتى مثل تلك السيئات، وليست له مثل تلك المحاسن، كما قيل:

وإذا الحبيب أتى بذنب واحد

 

جاءت محاسنه بألف شفيع

وأيضًا فإن صدق الطلب وقوة الإرادة وكمال الانقياد يحيل تلك العوارض والغواشي الغريبة إلى مقتضاه وموجبه، كما أن الكذب وفساد القصد وضعف الانقياد يحيل الأقوال والأفعال الممدوحة إلى مقتضاه وموجبه، كما يشاهد ذلك في الأخلاط الغالبة وإحالتها لصالح الأغذية إلى طبعها.

هذا وإنّ ترْكَ الشهوات لله ــ وإن أنجى من عذاب الله وأوجب الفوز برحمته ــ فذخائر الله وكنوز البر ولذة الأنس والشوق إليه والفرح والابتهاج به لا يحصل في قلب فيه غيره، وإن كان من أهل العبادة والزهد والعلم. فإنه سبحانه أبى أن يجعل ذخائره في قلب فيه سواه، وهمته ومتعلقة بغيره. وإنما يودع ذخائره في قلب يرى الفقر غنى مع الله، والغنى فقرًا دون الله، والعز ذلًّا دونه، والذل عزًّا معه، والنعيم عذابًا دونه، والعذاب نعيمًا معه.

وبالجملة فلا يرى الحياة إلا به، والموت والألم والهم والغم والحزن إذا لم يكن معه، فهذا له جنتان: جنة في الدنيا معجلة، وجنة يوم القيامة»([6]).

وبالله الوفيق والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على محمد وأله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.

إبراهيم الدميجي

27/ 3/ 1445

aldumaiji@gmail.com



([1])  مجموع الفتاوى (10/ 215 - 216) وانظرها كذلك في الفتاوى الكبرى (5/ 204).

([2])  ولابن دريد:

وما في الأرض أشقى من محبٍّ             وإن وجد الهوى حلو المذاقِ

تــراهُ باكيًا في كـــل حيـــــنٍ                 مخافـــــة فُرقةٍ أو لاشتيـــــاقِ

فيبكي إن نأوا  شــــــوقًا إليهـم               ويبكي إن دنوا خوف الفـــراقِ

فتسخـــنُ عينه عنـــد التنـــائي               وتسخنُ عينـه عند التـــــلاقي

([3]فتاوى ابن تيمية (10/ 650-652).

([4])  أي لحظة العين، ويقصد بها النظر إلى الحرام.

([5])  ويقع هذا غالبًا في اللمم الذي لا يسلم منه أحد، لكن عظيم التوحيد يستبشعه في ثاني الحال ولا يصرّ عليه ولا يكاد يلتذّ به، بعكس ضعيف الإيمان الذي يستمرئه ويركن إليه ولا يكاد يتوب منه ويقلع عنه.

([6]الفوائد (1/195 - 196).

الأربعاء، 11 أكتوبر 2023

هل وعد الله أولياءه بالنصر في الدنيا؟

هل وعد الله أولياءه بالنصر في الدنيا؟

 

الحمد لله مُعزّ أوليائه ومذل أعدائه، فلقد وعد الله تعالى أولياءه بالنصر والتمكين والعز والظفر والغلبة، وقد يظن بعض الناس أن نصر الله لأوليائه إنما هو في الآخرة دون الدنيا، وهذا قصور في فهم مراد الله تعالى. قال ابن تيمية ؒ: «نذكر هنا نكتة نافعة؛ وهي أن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيب كثيرًا من أهل الإيمان والإسلام في الدنيا من المصائب، وما يصيب كثيرًا من الكفار والفجّار في الدنيا من الرياسة والمال وغير ذلك، فيعتقد أن النعيم في الدنيا لا يكون إلا لأهل الكفر والفجور، وأن المؤمنين ليس لهم في الدنيا ما يتنعمون به إلا قليلًا، وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة قد تستقر للكفار والمنافقين على المؤمنين، وإذا سمع ما جاء في القرآن من أن العزة لله ورسوله وللمؤمنين، وأن العاقبة للتقوى.. وهو ممن يصدق بالقرآن؛ حمل هذه الآيات على الدار الآخرة فقط، وقال: أما الدنيا فما نرى بأعيننا إلا أن الكفار والمنافقين فيها يظهرون ويغلبون المؤمنين ولهم العزة والنصرة، والقرآن لا يرد بخلاف المحسوس، ويعتمد على هذا فيما إذا أديل عليه عدو من جنس الكفار والمنافقين أو الظالمين، وهو عند نفسه من أهل الإيمان والتقوى، فيرى أن صاحب الباطل قد علا على صاحب الحق... والمقدمتان اللتان بنيت عليهما هذه البلية؛ بناهما على الجهل بأمر الله ونهيه وبوعده ووعيده، فإن صاحبهما إذا اعتقد أنه قائم بالدين الحق؛ فقد اعتقد أنه فاعل للمأمور تارك للمحظور، وهو على العكس من ذلك، وهذا يكون من جهله بالدين الحق، وإذا اعتقد أن صاحب الحق لا ينصره الله في الدنيا، وقد تكون العاقبة في الدنيا للكفار على المؤمنين ولأهل الفجور على أهل البر، فهذا من جهله بوعد الله تعالى.

أما الأول: فما أكثر من يترك واجبات لا يعلم بها وبوجوبها، وما أكثر من يفعل محرمات لا يعلم بتحريمها، بل ما أكثر من يعبد الله بما حرم، ويترك ما أوجب، وما أكثر من يعتقد أنه هو المظلوم المحق من كل وجه، وأن خصمه هو الظالم المبطل من كل وجه، ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون معه نوع من الباطل والظلم، ومع خصمه نوع من الحق والعدل.

وأما الثاني: فما أكثر من يظن أن أهل الدين الحق في الدنيا يكونون أذلاء معذبين؛ بخلاف من فارقهم إلى طاعة أخرى وسبيل آخر([1]).

ولهذا أمر الله تعالى رسوله والمؤمنين باتّباع ما أنزل إليهم وهو طاعته وهو المقدمة الأولى، وأمرهم بانتظار وعده وهي المقدمة الثانية، وأمرنا بالاستغفار والصبر لأنهم لا بد أن يحصل لهم تقصير وذنوب فيزيله الاستغفار، ولا بد مع انتظار الوعد من الصبر، فبالاستغفار تتم الطاعة، وبالصبر يتم اليقين بالوعد كما قال تعالى: (واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين) [يونس: 109]»([2]).

ويؤكد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على أن حصول النصر وغير ذلك من أنواع النعيم لطائفة أو شخص لا ينافي ما يقع في خلال ذلك من قتل بعضهم وجرحه ومن أنواع الأذى، وذلك أن الخلق كلهم يموتون، فليس في قتل الشهداء مصيبة زائدة على ما هو معتاد لبني آدم([3])، فمن عدّ القتل في سبيل الله مصيبة مختصة بالجهاد كان من أجهل الناس، بل الفتن التي تكون بين الكفار، وتكون بين المختلفين من أهل القبلة ليس مما يختص بالقتال، فإن الموت يعرض لبني آدم بأسباب عامة، وهي المصائب التي تعرض لبني آدم من مرض بطاعون وغيره، ومن جوع وغيره، وبأسباب خاصة، فالذين يعتادون القتال لا يصيبهم أكثر مما يصيب من لا يقاتل، بل الأمر بالعكس([4]) كما قد جربه الناس، ثم موت الشهيد من أيسر الميتات([5])([6]).

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله ومن تبعه بإحسان.

 

إبراهيم الدميجي

26/ 3/ 1445

 



([1])   ففي الأول لم يَرَ نقص دينه، وفي الثاني لم يفقه وعد ربه، وكلاهما جهل.

([2])  انظر: النبوات، لشيخ الإسلام (247)، ومنهاج السنة النبوية (3/32)، ومجموع الفتاوى (17/102)، وشفاء العليل (202)، وإغاثة اللهفان (2/177)  وقاعدة في المحبة، (140 - 190)، وعنه نقل ابن القيم في إغاثة اللهفان، (2/173 - 187).

([3])  عند الترمذي (1668) من حديث أبي هريرة ◙ أن رسول الله ﷺ قال: «الشهيد لا يجد أَلَمَ القتل إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة». وحسنه الألباني في المشكاة (3759).

([4])  قال الصدّيق رضي الله عنه: «اطلبوا الموت توهب لكم الحياة».

([5])  قاعدة في المحبة، لابن تيمية،  (149)، وعنه ابن القيم في إغاثة اللهفان، (2/177) وما بعدها.

([6])  وانظر: موقف المسلم عند الفتن، مقال لإبراهيم بن محمد الحقيل، مجلة البيان (195/ 22) بتصرف يسير.

الأحد، 16 يوليو 2023

(وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم)

(وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم)

 

الحمد لله العليم القدير الحكيم اللطيف البر الرفيق، قال في محكم تنزيله: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون).

فالخير كل الخير في الثقة بالله تعالى والتسليم لأمره والرضا بتدبيره، ومن سعادة المؤمن أن يقول كل صباح ومساء ثلاثًا: رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ونبيه ورسوله وصفيه وخليله وكليمه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان. أما بعد يا عباد الله: اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

إيها المؤمن: إن مما يعين على الثقة والرضا والتسليم؛ اليقين بأن تدبير الله للعبد أجدى وأنفع من تدبير العبد لنفسه، وأن العاقبة غيب لا يعلمه إلا مولاه، فخير له أن يرضى بتدبير من هو أرحم به من نفسه.

 وتدبر راشدًا قصة الخضر مع موسى عليهما السلام في السفينة والغلام والجدار، وما تحتها من معان عظيمة في الرضا والتسليم والحمد والشكر لله رب العالمين، وهي قصة تختصر كثيرا من معاني القدر الجميلة، فتارة يُبتلى المرء بمصيبة تكون دافعة لمصيبة أشدّ وأشق وأعظم كأصحاب السفينة، فلولا كسرها لصودرت ونهبت وربما قُتل أصحابها، وتارة يُبتلى العبدُ بمصيبة – ظاهرًا- لكنها في الحقيقة هي الباب الذي يؤدي إلى منح ونعم وألطاف ودفع بأس كقتل الغلام الذي لو بقي لأرهق والديه بكفره وطغيانه، ولكن رحيله كان رحمة به أولًا، ثم بوالديه ثانيًا لأنهم عُوضوا عنه بذرية طيبة صالحة حتى ورد أنها كانت بنتًا فتزوجها نبيٌّ فولدت له نبيًّا! ولو بقي أخوها لاختلف الحال، وثالثًا رحمة بالذرية الجديدة، فالحمد لله على كل حال في حكمته ولطفه ورحمته وعلمه وتدبيره، وله الحكمة البالغة واللطف التام والعلم الشامل والمنّة الكاملة على كل خلقه.

 وتارة يلطف الله تعالى بعبده وينعم ويرفق ويرزق ويكرم ويدفع بلاءات عديدة بدون مسّ عبده بمصيبة من تلك الجهة كجدار الغلامين، وهذا هو الأكثر والأغلب والأعمّ من فعل الله تعالى بعباده، (الله لطيف بعباده)، فهم محوطون بنعم لا يحصونها ولا ينتبهون لها ولا يعلمونها مع أنهم منغمسون فيها (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم). وسيأتي تفصيلها في كتاب الشكر بإذن الله تعالى. وسنذكر ما تيسر من أخبار وفوائد تلك القصة الهائلة مع شرح الإمام البغوي لها في تفسيره القيم، قال في قوله تعالى: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا )، "قال: { فَانْطَلَقَا } يمشيان على الساحل يطلبان سفينة يركبانها، فوجدا سفينة فركباها، وعن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: "مرّت بهم سفينة فكلّموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نَوْلٍ (1) فلما لججوا البحر أخذ الخضر فأسًا فخرق لوحًا من السفينة"، (2) فذلك قوله تعالى: { حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ } له موسى: { أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا } أي: منكرًا، والإمرُ في كلام العرب: الداهية، وأصله: كل شيء شديد كثير. وقال القتيبي: { إِمْرًا } أي: عجبًا. وروي أن الخضر لما خرق السفينة لم يدخلها الماء. وروي أن موسى لما رأى ذلك أخذ ثوبه فحشى به الخرق.

{ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) }، قال أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: "كانت الأولى من موسى نسيانًا، والوسطى شرطًا، والثالثة عمدًا". (3) { فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا } في القصة أنهما خرجا من البحر يمشيان، فمرّا بغلمان يلعبون، فأخذ الخضر غلامًا ظريفًا وضيء الوجه، فأضجعه ثم ذبحه بالسكين. قال السدي: كان أحسنهم وجهًا، وكان وجهه يتوقّد حسنًا. قال ابن عباس: كان غلامًا لم يبلغ الحنث. وهو قول الأكثرين. قال ابن عباس: لم يكن نبي الله يقول: (أقتلت نفسا زكية) إلا وهو صبي لم يبلغ. وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الغلام الذي قتله الخَضِرُ طُبِعَ كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا". (4) { لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا } أي: منكرًا. قال قتادة: النُّكر أعظم من الإمر؛ لأنه حقيقة الهلاك، وفي خرق السفينة كان خوف الهلاك.

قوله عز وجل: { وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا } أي: فعلمنا { أَنْ يُرْهِقَهُمَا } يغشيهما { طُغْيَانًا وَكُفْرًا } قال سعيد بن جبير: فخشينا أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه. { فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً } أي: صلاحًا وتقوى { وَأَقْرَبَ رُحْمًا }، قال قتادة: أي: أوصل للرحم وأبرّ بوالديه. قال الكلبي: أبدلهما الله جارية، فتزوجها نبيّ من الأنبياء، فولدت له نبيًّا فهدى الله على يديه أمة من الأمم.

قال مطرف: فرح به أبواه حين وُلد، وحزنا عليه حين قتل. ولو بقي لكان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله تعالى، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب. وقال عز وجل: { وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا). (5)

ومن هذا الباب الجليل الشريف قد ذكر ابن القيم رحمه الله فائدة نفيسة في قوله تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسي أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) وقوله عز و جل: (وان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا)، قال رحمه الله تعالى: "فالآية الأولى في الجهاد الذي هو كمال القوة الغضبية، والثانية في النكاح الذي هو كمال القوة الشهوانية. فالعبد يكره مواجهة عدوه بقوته الغضبية خشية على نفسه منه، وهذا المكروه خير له في معاشه ومعاده، ويحب الموادعة والمتاركة وهذا المحبوب شرّ له في معاشه ومعاده، وكذلك يكره المرأة لوصفٍ من أوصافها وله في إمساكها خير كثير لا يعرفه، ويحب المرأة لوصف من أوصافها وله في إمساكها شرّ كثير لا يعرفه!

فالإنسان كما وصفه به خالقه ظلوم جهول، فلا ينبغي أن يجعل المعيار على ما يضره وينفعه ميله وحبه ونفرته وبغضه، بل المعيار على ذلك ما اختاره الله له بأمره ونهيه.

فأنفع الأشياء له على الإطلاق طاعة ربه بظاهره وباطنه، وأضرّ الأشياء عليه على الإطلاق معصيته بظاهره وباطنه، فاذا قام بطاعته وعبوديته مخلصًا له؛ فكل ما يجري عليه مما يكرهه يكون خيرًا له، وإذا تخلى عن طاعته وعبوديته؛ فكل ما هو فيه من محبوب هو شرّ له.

 فمن صحت له معرفة ربه والفقه في أسمائه وصفاته علم يقينًا أن المكروهات التي تصيبه والمحن التي تنزل به فيها ضروب من المصالح والمنافع التي لا يحصيها علمه ولا فكرته، بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب. فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها، كما أن عامة مضارِّها وأسباب هلكتها في محبوباتها.

 فانظر إلى غارس جنة من الجنات خبير بالفلاحة غرس جنة وتعاهدها بالسقي والإصلاح، حتى إذا أثمرت أشجارُها أقبل عليها يُفصِّل أوصالها ويقطع أغصانها لعلمه أنها لو خلّيت على حالها لم تطب ثمرتُها، فيُطَعّمها من شجرة طيّبة الثمرة حتى إذا التحمت بها واتحدت وأعطت ثمرتها أقبل يقلّمها ويقطع أغصانها الضعيفة التي تذهب قوتها، ويذيقها ألم القطع والحديد لمصلحتها وكمالها، لتصلح ثمرتها أن تكون بحضرة الملوك.

 ثم لا يدعها ودواعي طبعها من الشرب كل وقت، بل يعطّشها وقتًا ويسقيها وقتًا، ولا يترك الماء عليها دائمًا وإن كان ذلك أنضر لورقها وأسرع لنباتها. ثم يعمد إلى تلك الزينة التي زيّنت بها من الأوراق فيُلقي عنها كثيرًا منها لأن تلك الزينة تحول بين ثمرتها وبين كمال نضجها واستوائها، كما في شجر العنب ونحوه، فهو يقطع أعضاءها بالحديد ويلقي عنها كثيرًا من زينتها وذلك عين مصلحتها، فلو أنها ذات تمييز وإدراك كالحيوان لتوهّمتْ أن ذلك إفساد لها وإضرار بها، وإنما هو عين مصلحتها.

 وكذلك الأب الشفيق على ولده، العالم بمصلحته، إذا رأى مصلحته في إخراج الدم الفاسد عنه بَضَعَ جلده وقَطَعَ عروقه وأذاقه الألم الشديد، وإن رأى شفاءه في قطع عضو من أعضائه أبانه عنه، وكان ذلك رحمة به وشفقة عليه. وإن رأى مصلحته في أن يمسك عنه العطاء لم يعطه ولم يوسع عليه؛ لعلمه أن ذلك أكبر الأسباب إلى فساده وهلاكه، وكذلك يمنعه كثيرًا من شهواته حمية له ومصلحة، لا بخلًا عليه.

 فأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأعلم العالمين الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم ومن آبائهم وأمهاتهم اذا أنزل بهم ما يكرهون؛ كان خيرًا لهم من أن لا ينزله بهم، نظرًا منه لهم وإحسانا إليهم ولطفًا بهم، ولو مُكّنوا من الاختيار لأنفسهم لعجزوا عن القيام بمصالحهم علمًا وإرادة وعملًا، لكنه سبحانه تولى تدبير أمورهم بموجب علمه وحكمته ورحمته، أحبوا أم كرهوا.

 فعرف ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته فلم يتهموه في شيء من أحكامه، وخفي ذلك على الجهلة به وبأسمائه وصفاته فنازعوه تدبيره وقدحوا في حكمته ولم ينقادوا لحُكمه، وعارضوا حكمه بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة وسياساتهم الجائرة، فلا لربهم عرفوا، ولا لمصالحهم حصّلوا" (6) والله الموفق.

 ومتى ظفر العبد بهذه المعرفة سكن في الدنيا قبل الآخرة في جَنّة لا يشبهها فيها إلا نعيم الآخرة، فإنه لا يزال راضيًا عن ربه. والرضا جنة الدنيا ومستراح العارفين، فإنه طيّب النفس بما يُجري عليه من المقادير التي هي عين اختيار الله له، وطمأنينته إلى أحكامه الدينية، وهذا هو الرضا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولًا. وما ذاق طعم الإيمان من لم يحصل له ذلك.

ثم ليعلم أنّ اختيار الله عز وجل له خير من اختياره لنفسه. فربما سأل سيلًا سَالَ به! وروي أنّ أحد السلف كان يسأل الله عز وجل أن يرزقه الجهاد فهتف به هاتف (7): "إنك أن غزوتَ أُسرتَ، وإن أُسِرْت تنصّرت".

فإذا سلّم العبد تحكيمًا لحكمته وحكمه، وأيقن أن الكل ملكه؛ طاب قلبه، قُضيت حاجته أو لم تقض. فإذا رأى يوم القيامة أن ما أُجيب فيه قد ذهب، وما لم يُجب فيه قد بقي ثوابه، قال: ليتك لم تجب لي دعوة قط. فافهم هذه الأشياء، وسلّم قلبك من أن يختلج فيه ريب أو استعجال". (8) والحمد لله رب العالمين.

.......................................

1.    أي: مجّانًا بلا أجرة.

2.    البخاري (1 / 218)

3.    البخاري: (5 / 326)، مسلم (4 / 1847-1850)

4.    مسلم (2661)

5.    تفسير البغوي (5/ 190-194) باختصار.

6.    الفوائد (1 / 91- 94)

7.    الهاتف: صوت غير مُشاهد، وقد يكون في النفس وقد يكون في الخارج، وقد يكون ملَكًا وقد يكون من الجانّ، ولا يؤخذ منه يقين، لكنه يستفيد منه من كان خبيرًا في ذلك، غير متهالكٍ على تَطَلُّبِ الكرامات، ولا منخدعٍ بخداع ومكر الشياطين، وقد أشار شيخ الإسلام لذلك في كلامه عن أنواع الوحي في الكيلانية (1 / 50) ومجموع الفتاوى (١٢/‏٣٩٨). قال رحمه الله تعالى: "الوحي هو الإعلام السريع الخفي: إمّا في اليقظة، وإمّا في المنام. فإن رؤيا الأنبياء وحيٌ، ورؤيا المؤمنين جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح. وقال عبادة بن الصامت - ويروى مرفوعًا-: "رؤيا المؤمن كلامٌ يكلّمُ به الربُّ عبدَهُ في المنام". وكذلك في اليقظة، فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قد كان في الأمم قبلكم مُحَدَّثُون، فإن يكن في أمتي فعمر"، وفي رواية في الصحيح: "مُكَلَّمُون". وقد قال تعالى: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي)، وقال تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه). بل قد قال تعالى: (وأوحى في كل سماء أمرها)، وقال تعالى: (وأوحى ربك إلى النحل). فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء، ويكون يقظةً ومنامًا.

 وقد يكون بصوتِ هَاتِفٍ، يكونُ الصوتُ في نفس الإنسان ليس خارجًا عن نفسه يقظة ومنامًا، كما قد يكون النُّور الذي يراه أيضًا في نفسه. فهذه الدرجة من الوحي التي تكون في نفسه مِن غيرِ أن يسمعَ صوتَ مَلَكٍ في أدنى المراتب وآخرها، وهي أولها باعتبار السالك". أهـ. وانظر تفصيل الشيخ في المكاشفات والمشاهدات في مجموع الفتاوى (١١ / ٦٣٦) في كلام متين مركّز.

ومن جميل الأخبار في هواتف الجانّ ما ذكره الشيخ في الصارم المسلول (1 / 156) في بيان انتقام بعض صالحي الجن من جنّي فاجر قد سبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رحمه الله تعالى: "وقد ذكروا أنّ الجن الذين آمنوا به كانت تقصد من سَبَّهُ من الجنِّ الكفّار فتقتله، قبل الهجرة وقبل الإذن في القتال لها وللإنس. فيُقُرّها على ذلك، ويشكر ذلك لها. قال سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه: حدثني محمد بن سعيد ـ يعني عمهـ قال: قال محمد بن المنكدر: إنّه ذكر له عن ابن عباس أنّه قال: هَتَفَ هاتفٌ من الجِنِّ على جبل أبي قبيس فقال:

قَبَّحَ اللهُ رأيكم آلَ فِهْرٍ ... ما أدَقَّ العقولَ والأحلام

حينَ تُغْضِي لِمَنْ يَعِيبُ عليها ... دينَ آبائهَا الحُمَاةَ الكرام

حالفَ الجنّ جِنَّ بُصْرَى عليكُم ... ورجالَ النخيلِ والآطام

تُوشِكُ الخيل أنْ تروْهَا نهارًا ... تقتلُ القومَ في بِلادِ التّهَام

    هل كريمٌ منكمُ لهُ نَفْسُ حُرٍّ ... ماجدُ الجَدَّتَينِ والأعمام

ضاربًا ضربةً تكونُ نَكَالًا ... ورواحًا من كُرْبَةٍ واغتمام

 قال ابن عباس: فأصبحَ هذا الشعر حديثًا لأهلِ مكة يتناشدونه بينهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا شيطانٌ يُكَلّمُ الناس في الأوثان، يقال له مِسْعَرٌ، واللهُ مُخْزِيهِ". فمكثوا ثلاثة أيام، فإذا هاتفٌ يهتفُ على الجبل يقول:

نحنُ قَتَلْنَا في ثلاثٍ مِسْعَرًا ... إذْ سَفَّهَ الحَقَّ وَسَنَّ المُنْكَرَا

قَنَّعْتُهُ سَيْفًا حُسَامًا مُبَتَّرًا ... بِشَتْمِهِ نَبَيَّنَا المُطَهَّرَا

 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا عفريتٌ من الجنِّ اسمه سمحج. آمن بي، سمَّيتُهُ عبدَ الله. أخبرَنِي أنّه في طلَبِهِ منذ ثلاثة أيام". فقال عليٌّ: جزاهُ الله خيرًا يا رسول الله. وانظره أيضًا في الدلائل لأبي نعيم (١/ ٣٠) كما ذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٣٤٨). والشيء بالشيء يذكر؛ فمن جميل الهواتف الجنّية ما روته أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما فيما نقله السهيلي رحمه الله تعالى في الروض الأنف (٤/‏١٨٥): "قال ابن إسحاق: فَحُدّثْت عَنْ أسماءَ بِنت أبِي بكرٍ أنّها قالت: لمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، أتانا نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أبُو جَهْلِ بنِ هِشامٍ، فَوَقَفُوا عَلى بابِ أبِي بَكر، فَخَرَجْتُ إلَيهِم؛ فقالوا: أيْنَ أبُوك يا بِنْتَ أبِي بَكْرٍ؟ قالَتْ: قُلْت: لا أدْرِي واَللهِ أيْنَ أبِي. قالَتْ: فَرَفَعَ أبُو جَهْلٍ يَدَهُ، وكانَ فاحِشًا خَبِيثًا، فَلَطَمَ خدّى لطمة طرح منها قرطى. قالَت: ثُمّ انصَرَفُوا. فَمَكَثْنا ثَلاثَ لَيالٍ، وما نَدرِي أين وجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتّى أقْبَلَ رَجُلٌ مِن الجِنّ مِن أسْفَلِ مَكّةَ، يَتَغَنّى بِأبْياتٍ مِن شَعَرِ غِناءِ العَرَبِ، وإنّ النّاسَ لَيَتْبَعُونَهُ، يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وما يَرَوْنَهُ، حَتّى خَرَجَ مِن أعَلى مَكّةَ وهُوَ يَقُولُ:

جَزى اللهُ رَبّ النّاسِ خَيْرَ جَزائِهِ … رَفِيقَيْنِ حَلّا خَيْمَتَيْ أُمّ مَعْبَدِ

هُما نَزَلا بِالبِرّ ثُمّ تَرَوّحا … فَأفْلَحَ مَن أمْسى رَفِيقَ مُحَمّدِ

لِيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَكانُ فَتاتِهِمْ … ومقعدُها للمؤمنين بمَرْصَدِ

فَلَمّا سَمِعْنا قَوْلَهُ عَرَفْنا حَيْثُ وجه رسول الله ﷺ، وأنّ وجْهَهُ إلى المَدِينَةِ".

8.    الفوائد (1 / 91- 94)