إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الجمعة، 16 مارس 2012

"أَخْلَاقُ الْكَنِيْسَةِ" (1/ 3)



"أَخْلَاقُ الْكَنِيْسَةِ"
(1/ 3)
الحمد لله رب العالمين, الرحمن الرحيم, مالك يوم الدين, ولا عدوان إلا على الظالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, إله الأولين والآخرين, وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله وخيرته من العالمين, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين, وبعد:
 فقد دأبت الكنائس العالمية بمختلف مشاربها ومذاهبها على تصوير رجال الدين النصراني (الأكليروس) من البابا والبطريرك مروراً بالكاردينال والأسقف والقس والشماس حتى أصغر كاهن على أنّهم في الغاية من العفاف والزهد والصدق والرحمة والعدل, وأنهم يمثّلون الأسوة الحسنة للمؤمنين الصالحين, وأنّهم منابر حقيقة بالاقتداء والائتساء, وفي المقابل تصف الإسلام ونبيّه بكل نقيصة ورزيّة! وبثّت ذلك في وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية, وبين فصائل المجتمع من الرجال والنساء كما أولوا الأطفال غاية العناية بذلك التوجيه, كلّ هذا عبر قنوات التنصير (التبشير) التي أنفقوا عليها مليارات الدولارات! وملايين الساعات! وألوف العاملين! فهل هذا الزعم بصلاحهم صحيح؟ أم هو قريب من ذلك؟ أم أنّه محض افتراء؟.
والجواب هو الثالث (في الأغلب ومن حيث الإجمال لا العموم) وهو ما ستراه بإذن الله تعالى بلغة الوثائق والأرقام. وسيكون عبر ثلاثة محاور مقسمة على ثلاثة مقالات؛ الأول: الدموية والقسوة والسادية. والثاني: الفسق والخنا والفواحش. والثالث: الترف والطمع والخداع والخيانة.
"الْدَّمَوِيَّةُ والْقَسْوَةُ وَالْسَّادِيَّةُ فِي رِجَالِ الْكَنِيْسَةِ"
ينسب إنجيل متى إلى المسيح عليه السلام قوله: «لا تظنوا أني جئت لألتمس سلامًا على الأرض ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها والكنّة ضد حماتها وأعداء الإنسان أهل بيته» (متى 10: 35ــ 37).
ولا عجب من نِسْبَةِ عداء المسيح عليه السلام للإنسانية والمجتمعات البشرية, فليست أول الافتراءات عليه ــ وحاشاه من ذلك ــ والمشكلة أن كتاب العهد الجديد مع فصامه مع القديم فإنه لا يفوّت العثرات والسقطات فيه من أجل أن يبني على ذلك المنهج القديم ــ المنحرف ــ بناءً إنجيليًا ملفّقًا مسوقٌ بهوى كنسي.
فهذه أسفار العهد القديم تنطق بوحشية بهيمية _وليست من عند الله قطعًا_ ومن أمثلتها: "وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك فلا تستبق منها نسمة" (تثنية 20: 10_17), "اقتل رجلاً وامرأة وطفلاً ورضيعاً (1) بقراً وغنماً جملاً وحماراً"(صموئيل (1) 15: 2، 3)، إذن فالعهد القديم يأمر بقتل النساء الضعيفات والأطفال الرّضّع والبهائم المعجمة بلا أدنى رحمة! كلّا! إنها النفسية اليهودية المحطمة المقهورة, التي ملّت من استعباد الأمم لها وإذلال الشعوب لها عبر التاريخ, مع ظنّها أنها أفضل منهم جنسًا بل هي الصفة الآدمية وهم الصفة الحيوانية كما في تلمودهم, ومع تراكم القهر والذلة واليأس أسقطوا ذلك على أدبياتهم وقصصهم ورواياتهم ووصاياهم التي غلفوها بالطابع الإلهي الموحى به، وحاشاه! لكنها تلك المشاعر المكبوتة في الضمير الباطن والخيالات المريضة في اللاشعور عند كتبة تلك الأسفار الغريبة، بل قد نسبوا إلى موسى عليه السلام أنه أمر جيشه بحرق جميع مدن مديان بمساكنهم(2) وقال: «اقتلوا كل ذكر من الأطفال وكل امرأة عرفت بمضاجعة ذكر اقتلوها» (عدد 31: 7ــ 17)(3).
إن الله تعالى وهو البر الرؤوف الرحمن الرحيم لا يأمر بهذا الفساد، بل إن الإفساد في الأرض هو شعار أعدائه فقد وصف أحدهم بقوله: "وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد" [البقرة: 205] وقد تبرأ من إفساده، والحق يصدّق بعضه بعضًا، والفطر السليمة تستنكر هذه الأفاعيل والفظائع، فدل ذلك على أن هذه الأمور مكذوبة ومزورة على العهد القديم الأصيل سواء كان من التوراة أو كتب الأنبياء، ثم انظر إلى نتائجها الكارثية المروّعة والمدمّرة على الأمم والشعوب، ولن ننظر إلى فظائع اليهود في هذا الزمان ضد المسلمين في مجازر جماعية لا تستثني أحدًا من دمويتها، ولكن الذي يعنينا الآن في هذا المبحث هو الأمم النصرانية المنتسبة إلى المسيح عليه السلام؛ فالتاريخ المسيحي قد امتلأ بالظلم والطغيان حتى فاضت كؤوسه المترعة، وصار عدم التسامح منهجًا ــ عمليًّا ــ ليس مع الخارجين عن الديانة النصرانية فحسب بل حتى مع إخوة الدين الواحد في الظاهر، وبعد عصر قسطنطين كان المفترض منهم التسامح مع الشعوب والدعوة بالحسنى إلى دينهم لقاء ما عانوه من اضطهاد في القرون الثلاثة الأول، لكنهم انقلبوا على ذلك بشكل عجيب.
فبدأوا بتزوير وثيقة باسم قسطنطين تسمح لهم بالعنف مع غير أتباع ملّتهم، فقضوا خلال القرن التالي على أتباع الديانات الأخرى القاطنين بينهم وفي جوارهم، ثم زادوا بأن تعدوا ذلك للقضاء على المسيحيين أنفسهم المخالفين للكنيسة الرومانية المركزية، وكل هذا تحت شعار (حرب الملاحدة والمشركين!) كما ذكر ذلك هربرت مولر(4) وكان البابا ليو الثاني عشر يرى أن التسامح الديني هو انصراف عن الدين الحق! وقد استـخدم المخبرين الرسميين وقبض بمساعدتهم على المختلفين معه فملأ بهم السجون.
وبعد أن انتهى المسيحيون من الملاحدة ومن المخالفين الكبار في المسيحية، توجهوا إلى اليهود فأعملوا فيهم القتل انتقامًا لثارات المسيح(5)، قال مولر: «بعد غلبة المسيحيين كوفئ بنو إسرائيل أكثر من مصائب المسيح بمئات الآلاف». وقد قتل البابا ستيفان السادس اليهود في أكثر من مناسبة، وقال الباب هائيلد براند محذرًا الحكام المسيحيين من التهاون أو التعاطف مع المشركين أو اليهود: «الذي يمنع سيفه من قتل هؤلاء فهو ملعون»(6).
وبعد قتل الوثنيين ومخالفي الكنيسة واليهود جاء دور المسلمين، فتوجهوا لقتلهم بما يسمى الحروب الصليبية وقتلوا في القدس سنة (1099م) سبعين ألفًا من سكانها، قال ستيفن رنسيمان: «اقتحم باب المسجد ثلة من الصليبيين فأجهزت على جميع اللاجئين فيه، وحينما توجه قائد القوة ريموند أجيل في الضحى لساحة المعبد(7) أخذ يتلمس طريقه بين الجثث والدماء التي بلغت ركبتيه...»(8).
وكان من وسائل الترفيه لدى الجنود الصليبيين أن يشووا أطفال المسلمين كما تشوى النعاج!.
ويذكر مؤرخو المسيحية أن ريتشارد قلب الأسد في الحملة الصليبية الثالثة عند احتلاله لعكا أنه ذبح (2700) من الأسارى المسلمين، ثم ذبح أطفالهم ونساءهم بجوارهم(9)!.
وذكر غوستاف لوبون نقلًا عن روايات رهبان ومؤرخين رافقوا الحملة الصليبية الحاقدة الدموية الوحشية على بيت المقدس: «كان قومنا يذبحون الأولاد والشباب ويقطعونهم إرْبًا إرْبًا، وكانوا يشنقون أناسًا كثيرين بحبل واحد بُغية السرعة، وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طرق المدينة المغطاة بالجثث!»(10)، فهل تعلم أمة من الأمم الوثنية فعلت كفعل هؤلاء المسيحيين في بلد المسيح؟!.
وقال كاهن آبوس ريموند داجميل شامتًا بالمسلمين القتلى: «لقد قطعت رؤوس بعضهم، وبقرت بطون بعضهم، وحرّق بعضهم في النار، وكان لا يرى في شوارع القدس إلا أكداس من رؤوس العرب وأيديهم وأرجلهم، ولكن هذا لم يكن سوى بعض ما نالوا»! ثم قال ذلك الخبيث واصفًا مذبحة المسجد العمري: «ولم يكتف الفرسان الصليبيون الأتقياء (كذا!!) بذلك، فعقدوا مؤتمرًا أجمعوا فيه على إبادة جميع سكان القدس من المسلمين واليهود وخوارج النصارى الذين كان عددهم ستين ألفًا، فأفنوهم عن بكرة أبيهم في ثمانية أيام، ولم يستبقوا منهم امرأة ولا ولدًا ولا شيخًا»(11)، فهذه إشادة من رجل دين نصراني بوحشيتهم؛ فالمسألة لها محركات دينية كنسية.
وليست هذه الإبادة في القدس فقط بل في كل البلاد الشامية التي استولوا عليها فقد قتلوا في المعرّة مئة ألف إنسان(12)! (وليس فعل الفجرة النصيرية في سوريا في هذه الأيام وفظائعهم وجرائمهم إلا ثمرة زرع النصارى الفرنسيين لهم إبّان استعمارهم سوريا, فلقبّوهم بالعلويين أولاً تحسيناً لصيتهم القميء البشع الغادر, وثانياً بتوليتهم مقاليد الأمور على رقاب أهل الإسلام, فما أبشع ثمارهم!).
ومع هذه الفظائع الكنسيّة التي يشيب لها رأس الغراب فإن المسلمين لما استردوا بيت المقدس من عَبَدَةِ الصليب لم يعاملوهم بالمثل، فقد أبى عليهم سمو دينهم وعلو أخلاقهم من النزول لمستوى صنيع أولئك، لذا فقد عاملوهم بعكس أفعالهم فرأفوا بهم ولطفوا بهم وحرسوهم وحموهم من الأذى، بشهادة النصارى بذلك. فلم تتعرض دور النصارى في القدس للنهب، ولم يُقتل أهلها، لما فتحها صلاح الدين(13)، ولم يحلّ مكروه بالمسيحيين، بل كان رجال شرطته يطوفون في الشوارع لحماية النصارى من أي اعتداء من ناهب أو موتور. بل قد زاد من حسن معاملته فأطلق لهم أسراهم، أما من قتل منهم في المعركة ضده فقد فرض لأرملته وأولاده عطية من بيت مال المسلمين! ولا عجب فهذا هو الإسلام "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" [الأنبياء: 107].
ونعود للمسيحية المبدلة؛ فإن ما يُعرف بالاحتساب الديني لهو وصمة عار في جبين المسيحية إلى نهاية الزمان، ففي القرن الثاني عشر أصدر البابا ليوسيس الثالث أمرًا سنة (1185م) بأن الأساقفة وحكام الكنيسة يتحملون مسؤولية البحث عن الذين يُشك في عقيدتهم، والذين لا يخلصون للكنيسة. ثم زاد الأمر فشجعت الكنيسة عامة الناس على البحث عن الملاحدة (أي كل من يخالف تعاليمها) والوشاية بهم، والذي يفعل ذلك يكافأ بأن يُعطى ثلث ممتلكات الملحد، وتأخذ الكنيسة الثلث الثاني، أما الثلث الثالث فيذهب للحاكم المحلي(14)، وكانت النتيجة بالطبع اضطهاد وقتل كثير من الأبرياء بتهمة الشك في إلحادهم(15)، والغرض إما لإحن وثارات أو طمع في الثروات، وقتل ذلك المشكوك في إلحاده، ثم اقتسام ممتلكاته بين عصابة الأطراف الثلاثة! بل لقد وصل الحد إلى أنهم كانوا يتهمون الموتى بعد وفاتهم، ثم ينبشون القبر، ويخرجون الجثة ويحاكمونها (مع سبق إصدار الحكم) ثم يجلدونها بالسياط ويحرقون عظامها بالنار ثم يعودون إلى الغنيمة وهي ممتلكات الجثة فيسلبونها من أطفاله وأرملته ويقتسمونها! ولا عزاء لمؤرخي الكنيسة المدلسين.
وفي عهد البابا جريجوري التاسع أمر بإحراق المتهمين بالنار بعد ربطهم في الخشب ــ في ساديّة بشعة ــ فأحرق آلاف البشر، وفي سنوات قليلة بلغ عدد القتلى بهذا النظام الأقل رتبة من الهمجي الوحشي وهو ما يُعرف بالاحتساب إلى مئة ألف إنسان في هولندا وحدها، والتي كانت ملاذًا للموحدين المسيحيين إذ ذاك! وقد غُيبت سجلات وأسماء الكثير من القتلى في المناطق الأخرى! إن نيرون ليتصاغر عند دموية هؤلاء البابوات!.
وقد سار على نهجهم الحكام الأسبان المسيحيون أمثال فرناند وإيزابيلا سنة (1474م) ببركة دعاء البابا الدموي سكتس الرابع!، وكان الهدف في هذه الجولة هم أهل الإسلام ومن كان معهم من اليهود أو المسيحيين المخالفين للكنيسة العامة، فأقام أولئك المجرمون محاكم التفتيش والمحاسبة، حتى بلغ القتلى الذين قد سجلت أسماؤهم (341.000) إنسان! سوى من غُيّب بدون تقييد اسمه وهم كثير! كما أجبر مئات الآلاف من المسلمين واليهود على التديّن بالديانة المسيحية المبدلة(16).
وقد اعترف مؤرخو المسيحية الكبار أن المسيحيين جازوا إحسان المسلمين بهم ورأفتهم وعطفهم عليهم ورحمتهم بهم إبّان حكمهم لهم؛ بأن عاملوهم بالعكس، وعاقبوهم بأشد العقوبات والأنكال والفظائع حتى أنهم أحرقوهم وهم أحياء وبقروا بطون الحوامل واغتصبوا النساء وقتلوهن كذلك الأطفال, أما من بقي من الأطفال فقد استعبدوه! ولا زال بعضهم يفخر بتلك الحضارة الهمجيّة, فلتهنأهم!.
وكان موظفو المحاسبة ورجالات محاكم التفتيش يقتلونهم بلا هوادة وبدون محاكمة، ويستولون على ممتلكاتهم مباشرة، ولم يسلم من هذا الظلم الفاحش والطغيان الجائر المسيحيون المخالفون كالألبجنزية(17) وكانت هذه الفرقة تقطن جنوب فرنسا، فأمر البابا أنونست الثالث بقتلهم، فقتل منهم مئة ألف! ودمرت قراهم، بل وصل الحال لقتل بعض الكاثوليك، وقد ذكروا أن الإبادات الجماعية قد استـخدمت فيها الهمجية حتى وصلت لإلقاء الأطفال من النوافذ العالية حتى تنفجر رؤوسهم الصغيرة على الطرقات! فيا لله ما لهؤلاء؟!(18).
وفي عصر الملكة الإنجليزية ميري ثيودور (ميري سفاكة الدم) أُحرق ثلاثمئة بروتستانتي حتى الموت، واشتهر كذلك زوجها فيليب بدمويته.
هذا وقد اندلعت حرب دامية وبشعة بين البروتستانت والكاثوليك في أوروبا الوسطى، واستمرت ثلاثين سنة! (1618ــ 1648م) وقتل فيها مئات الألوف من البشر، وكل ذلك باسم الدين!.(19)
ومن أمثلة طرق التعذيب في محاكم التفتيش في أوروبا عامة وفي الأندلس خاصة على يد المسيحية المبدلة:
وضع السجين في تابوت مليء بالنصال الحادة على ظهره وبطنه!.
حبس السجين في وعاء وتقطير الماء على رأسه حتى يموت!.
فرم اللحم والعظام بفرّامات كبار تبدأ من الرجلين حتى تنهي الجسد كتلة من اللحم المفروم!.
4ـ الإحراق بالنار الهادئة حتى الموت!.
إخراج الأجساد الحية من النار نصف مشوية حتى تموت رويدًا رويدًا!.
تعرية الجسم ثم وخزه بالإبر!.
وضع العسل على الجسد العاري ثم تعليقه عند النحل حتى يموت من وخزها!.
ربط المرضعات أمام أطفالهن وحرمانهم منهن حتى يموتوا جوعًا أمامهن!.
نفخ البطون بالمنفاخ حتى تنفجر!.
10ـ وأهون تلك الألوان هي المقصلة!.(20)
وغير ذلك كثير مما تفتقت عنه الذهنية الإجرامية الشيطانية الزاعمة زورًا وبهتانًا بنسبتها إلى مسيح الرحمة والهدى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
ولنلق نظرة أخيرة على شاطئ بعيد سكنه أقوام مسالمون لكنّ إجرام المسيحية المبدّلة طالهم في عقر دارهم، وهم الهنود الحمر سكان أمريكا الأصليون، فقد أبادهم المسيحيون الأسبان وفعلوا بهم ما يعجز القلم عن وصفه، شناعة وفظاعة!.
وقد نشر المطران برتولومي دي لاس كازاس وثائق(21) لإبادة تلك الأمة البائسة المُبادة على يد المسيحيين الغزاة(22)، بمباركة الكنيسة الكاثوليكية, وقد كان برتولومي شاهد عيان لتلك الإبادات الجماعية التي راح ضحيتها عشرات الملايين من البشر في فترة خمسين سنة!.
وقد رافق برتولومي الرحالة الشهير كولومبس في رحلته الثانية، وشاهد بأم عينيه ما عجز قلبه عن تحمله من وحشية، فوثق ذلك وكتبه ونشره، ومن ضمن ما قاله: «كانت سياسة الاجتياح المسيحي عندما يدخلون قرية أن يرتكبوا مجزرة مخيفة ترتجف منها أوصال هذه النعاج المرهفة... وكانوا يجرّون الطفل الرضيع من بين يدي أمه، ويلوحون به في الهواء، ثم يخبطون رأسه في الحجر، أو جذوع الشجر، أو يقذفون به بأقصى قوتهم في الهواء! وإذا جاعت كلابهم قطعوا لها أطراف أول طفل هندي يقابلونه! وكانوا يقتلون الطفل ويشوونه من أجل أن يأكلوا لحم كفيه وقدميه قائلين: «إنها أشهى لحم الإنسان!!(23)» وقد انفطر قلب برتولومي من هذه الفظائع(24) حتى أنه أرسل إلى ملك أسبانيا يسترحمه ويستعطفه بوقف هذا العذاب الفظيع، ولكن ذلك الملك المجرم الأثيم لم يأبه لرسائل ذلك المطران البائس؛ لأن يديه لازالت ملطخة بدماء المسلمين في قشتالة وغرناطة.
وقد ذكر برتولومي في كتابه طرقًا للقتل لا تستطيع أعتى الوحوش أن تتقبلها لشناعتها!.
أما عدد أولئك الهنود المبادون فلا يعلم بالتحديد، ولكن من المؤكد أنه كبير جدًا، وقد أوصله بعض المؤرخين إلى مئتي مليون، بل زاد آخرون على ذلك أضعافًا! وعلى كل حال فقد طُوي بساط أولئك الأبرياء، ودفنوا في أرضهم التي تزيد مساحتها على أوروبا سبعة عشر مرّة، وقد صاروا أثرًا بعد عين!.
ثم ماذا بعد ذلك، ماذا فعلت النصرانية في هذا الزمان؟ وهي تزعم اهتدائها بالمسيح، وسيرها على وحيه ووصاياه؟! والجواب معلوم لدى الجميع وبخاصة من قرأ التاريخ المعاصر لدول المسلمين، ولله الأمر من قبل ومن بعد(25).
لقد اضطر مؤرخو المسيحية أمام هذه الفظائع باسم المسيح أن يقولوا: «تمتاز المسيحية بين الديانات التاريخية بأنها قتلت منكريها، وشددت عليهم من حيث الكم والكيف، لدرجة أنه لا يمكن أن تتنافس معها أي ديانة أخرى» «وهي ديانة سفاكة وقتالة وتتعامل بالسيف مع كل من يقاومها»(26). ولا ينقضي العجب ممن يفضّل حضارة النصارى على حضارة الإسلام, فلا مجال للمقارنة فضلاً عن المقاربة, وهذا بشهادة منصفيهم قبل مؤرخينا, وسيأتي بسط ذلك فيما يُستقبل بمشيئة الله تعالى.
ألا ما أعظم حاجة البشريّة لسلام الإسلام, وهدى القرآن, ونور الإيمان, والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله, لقد جاءت رسل ربنا بالحق. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه.
إبراهيم الدميجي
22/ 4 /1433
مدونة كلنا نحب المسيح عليه السلام:

 حمّل مجّانًا مجموعة من الكتب في النصرانية واليهودية

 

حمل مجّانًا كتاب العقائد النصرانية في الميزان

العقائد النصرانية في الميزان  


حمل مجّانًا كتاب ربحتُ محمدًا ولم أخسر المسيح عليهما الصلاة والسلام

ربحتُ محمدًا ولم أخسر المسيح عليهما الصلاة والسلام

 

حمل مجّانًا كتاب نظرة فاحصة في الكتاب المقدس the holy bible

نظرة فاحصة في الكتاب المقدس the holy bible

 

حمل مجّانًا كتاب أشهر بشارات العهد الجديد بنبيّنا صلى الله عليه وسلم

أشهر بشارات العهد الجديد بنبيّنا صلى الله عليه وسلم

 

حمل مجّانًا كتاب سبع بشارات توراتية برسول الله صلى الله عليه وسلم

سبع بشارات توراتية برسول الله صلى الله عليه وسلم

 

حمل مجّانًا كتاب المسجد الحرام والحج في صحف أهل الكتاب

المسجد الحرام في صحف أهل الكتاب

 

حمل مجّانًا كتاب يا سائلًا عن بني إسرائيل!

يا سائلًا عن بني إسرائيل!

 

حمل مجّانًا كتاب أخلاق الكنيسة وأخلاق الإسلام

أخلاق الكنيسة وأخلاق الإسلام

 

حمل مجّانًا كتاب النصرانية من التوحيد إلى الوثنية

النصرانية من التوحيد إلى الوثنية

 

حمل مجّانًا كتاب كشف شبه أهل الكتاب (13) شبهة

كشف شبه أهل الكتاب (13) شبهة

 

حمل مجّانًا كتاب هل انتشر الإسلام بالسيف؟ 

هل انتشر الإسلام بالسيف؟

 

حمل كتاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجّانًا

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم 

...........................................
(1)   يزعمون بذلك أن هذه وصية من صموئيل عليه السلام, وهو النبي المذكور في قوله تعالى: "إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله" [البقرة: 246] وصموئيل هو آخر قاضي عام لبني إسرائيل ومن بعده انقرض عهد القضاة وبدأ عهد الملوك، فيزعمون أن صموئيل عليه السلام  ــ وحاشاه ــ أنه قد أمر شاول (طالوت) بتلك الأوامر المروّعة! وحاشا طالوت, كذلك فالله تعالى قد مدحه بالعلم "وزاده بسطة في العلم والجسم" [البقرة: 247].
(2)   وهي مدن قوم بلعام بن باعوراء.
(3)   أما في الإسلام فهناك تشديد وصرامة على الجيوش الإسلامية بعدم التعرض للأطفال والنساء والشيوخ والضعفاء والمرضى والمنقطعين في الصوامع والبهائم والزروع، وسيأتي في الباب الثاني بمشيئة الله تعالى.
(4)   عن المسيحية،ساجد مير, ص311.
(5)   قال الله تعالى: "أم لم ينبأ بما في صحف موسى . وإبراهيم الذي وفّى . ألّا تزر وازرة وزر أخرى" [النجم: 36ــ 38].
(6)   عن المسيحية، ص312.
(7)   أي ساحة المسجد الأقصى.
(8)   تاريخ الحروب الصليبية، ستيفن رنسيمان (1/ 404ــ 406).
(9)   فأين الفروسية والمبادئ والقيم والنبل والأخلاق؟!.
(10)   الحضارة الغربية، غوستاف لوبون، ص325.
(11)   السابق، ص336.
(12)   ولا زالت بشاعة ودموية الحروب الصليبية إلى زماننا، ويشهد لذلك فعل الجند الصليبي في العراقيين والأفغان العزّل.
(13)   كان لهذا القائد الفذ العظيم صيت حسن في أرجاء موافقيه ومخالفيه، فقد بهر أعداءه بعدله ولطفه ورحمته تارة، وأخرى بقوته وحزمه وسطوته؛ حتى أن الأمهات في الريف الأوروبي كُنَّ يخوفن صبيانهن بصلاح الدين، لما له من صيت ومهابة في أوروبا.
(14)   وبالطبع فالغرض هو طمع مادي بحت وتمالؤٌ وضيع بين الكنيسة والحكام، وهذا من أكبر أسباب تفجر الثورات فيما بعد وصياح العامة: اشنقوا آخر حاكم بأمعاء آخر قسيس.
(15)   وغفلت الكنيسة عن أعظم الإلحاد وهو التثليث والتأليه لغير الله تعالى والإشراك معه ومسبّته بأن له صاحبة وولدًا! سبحانه وتعالى.
(16)   وقد أكره كثير منهم على ذلك، فمنهم من صبر واستشهد قتيلًا على أيدي الظلمة والطغاة، ومنهم من أجاب لذلك ظاهرًا، ولكن مع الوقت وتتابع الأجيال اللاحقة ذاب أولاد أولئك مع الأسبان والبرتغاليين النصارى فصاروا من جملتهم، يشهد بذلك كثير من الأسبان والبرتغاليين الذين لازالوا يذكرون أنهم من سلالة المسلمين الفاتحين كما في وثائق أنسابهم. وهذا الفعل الجائر صادر ممن يدعون اتباع المسيح الذي دعا للتسامح والرحمة، علمًا بأن الإسلام لا يجيز إكراه الناس على اعتناقه بل بالإقناع الحسن: "لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي" [البقرة: 256]، "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء" [القصص: 56]، "وما على الرسول إلا البلاغ المبين" [النور: 54]، "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالّتي هي أحسن" [النحل: 125]، "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" [يونس: 99].
فالإسلام يهدم الوثن الذي في القلب قبل أن يهدمه على الأرض. والإسلام له النصيب الكامل من اسمه فهو دين السلام في الدنيا والآخرة.
وفتح البقاع بالسيوف المسلمة لا لإكراه البشر على اعتناقه, بل لإزالة الحواجز المعنوية والحسية بينه وبين القلوب الظامئة للحقيقة والهدى, وللحديث صلة.
(17)   وكانت هذه الفرقة المضطهدة تنكر صلب المسيح عليه السلام  وما ترتب على ذلك من قيامه من الأموات ونحوها.
(18)   وانظر: المسيحية، ص301ــ 319 فقد وثق ما ذكرناه عنهم بمصادر إنجليزية.
(19)   قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «لا تنزع الرحمة إلا من قلب شقي» رواه أبو داود والترمذي، وقال: «من فرّق بين والده وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» رواه أحمد، وقال: «من لا يرحم لا يُرحم» رواه الشيخان، وقال: «الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» رواه أبو داود والترمذي، وقال: «ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم» رواه أحمد. وقال: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» رواه الشيخان، فصلى الله وسلم وبارك على من بعثه الله رحمة للعالمين.
(20)   وبما أن اليهود قد تربّوا على هذه التعاليم المبدلة الدموية فلا غرابة في مذابحهم ضد المسلمين ومنها المذابح التالية:
شرفات (1951م، بيت جالا (1952م) قبية (1953م)، غزة (1955م)، شاطئ طبرية (1955م)، غزة (1956م)، كفر قاسم (1956م)، دير ياسين وغرندل (1956م)، واستمرت المذابح إلى يومنا هذا مرورًا بمذبحة غزة (2008ــ 2009م) عليهم من الله ما يستحقون.
(21)   ترجمتها سميرة عزمي الزين، ضمن منشورات المعهد الدولي للدراسات الإنسانية.
(22)   وماذا ننتظر من أحفاد أولئك الغزاة، فها هي أمريكا البروتستانتية ما فتئت إفساداً وتخريباً منذ نشأتها الحديثة واستقلالها عن الغزو والتدمير وتسعير الحروب والفتن في أركان الأرض الأربعة! والعجب أن هاجس غزو أمريكا من قبل أعداءها لا زال مسيطرًا على أدبيات كتّاب تلك الأمة، فهل هذا الخوف الكامن في الضمير الباطن لأولئك سببه قيام أمتهم على أشلاء الأبرياء المسالمين؟!.
(23)   ويأتينا اليوم من يعيّر بعض قبائل أدغال أفريقيا البدائية بأنهم أكلة لحوم بشر! يا للعجب!!.
(24)   ومما ذكره: أنهم إذا قبضوا على رئيس القرية قيدوه ثم أحرقوه حتى الموت في مكان عام وسط القرية!.
(25)   وفي مقال قادم في موضوع دفع شبهة انتشار الإسلام بالسيف مزيد أمثلة بإذن الله تعالى.
(26)   المسيحية، ص318.

الاثنين، 12 مارس 2012

"يَا طُوبَى لِلشَّامِ!"


"يَا طُوبَى لِلشَّامِ!"
     الحمد لله الذي فضل بعض البلدان واختارها, وقدّم بعض البقاع واصطفاها, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخيرته ومصطفاه, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه, وبعد:
     فلقد تربعّت الشام على أفئدة المؤمنين, وسكنتها قلوب الصالحين, ودرجت عليها نفوس الأنبياء والمرسلين, فهي سيّدةُ البقاع بعد الحرمين, وإليها موئل الإيمان ومأرز الجهاد في آخر الأيام, وفيها عسكر الإيمان ومهاجر جند الإسلام قبل نهاية الزمان, ولعلّ شدة المخاض في هذه الأيام في غالية الإسلام سوريا أمارات لذلك الأمر الجليل.
فَيَا رَبِّ هَل إلاَّ بِكَ النَّصرُ يُبتَغَى        وَيَا رَبِّ هَل إلاَّ عَلَيكَ المُعَوَّلُ
وفي هذا المقال وقفات مختصرة لإجلاء بعض تيك الفضائل وتنويهاً بصلاح أهلها في آخر سِنِيِّ الدنيا.
    كتب شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (مناقب الشام وأهله): "ثبت للشام وأهله مناقب بالكتاب والسنة وآثار العلماء, وهي أحد ما اعتمدته في تحضيضي على غزو التتار، وأمري لهم بلزوم دمشق، ونهيي لهم عن الفرار إلى مصر، واستدعائي للعسكر المصري إلى الشام، وتثبيت العسكر الشامي فيه، وقد جرت في ذلك فصول متعددة.
وهذه المناقب أمور: أحدها البركة فيه، ثبت ذلك بخمس آيات من كتاب الله تعالى:
الأولى: قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام: "وأورثنا القومَ الذين كانوا يُستضعفونَ مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمّت كلمةُ ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا " (الأعراف: 129-137) ومعلوم أن بني إسرائيل إنما أورثوا مشارق أرض الشام ومغاربها بعد أن أغرق فرعون في اليم. 
الثانية: قوله تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير" (الإسراء: 1) وهي أرض الشام.
الثالثة: قوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: "وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين. ونجّيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين" (الأنبياء: 70-71) ومعلوم أن إبراهيم إنما نجاه الله ولوطاً إلى أرض الشام من أرض الجزيرة والعراق.
الرابعة: قوله تعالى: "ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين" (الأنبياء: 81) وإنما كانت تجري إلى أرض الشام التي فيها مملكة سليمان.
الخامسة: قوله تعالى في قصة سبأ: "وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرىً ظاهرة وقدّرنا فيها السير سيروا فيها ليالَ وأياماً آمنين" (سبأ: 18) وهو ما كان بين اليمن وبين قرى الشام من العمارة القديمة كما ذكره العلماء. 
    فهذه خمسة نصوص حيث ذكر الله أرض الشام، في هجرة إبراهيم إليها، ومسرى الرسول إليها، وانتقال بني إسرائيل إليها، ومملكة سليمان بها، ومسير سبأ إليها، وصفها بأنها الأرض التي باركنا فيها.
    وأيضاً ففيها الطور الذي كلم الله عليه موسى والذي أقسم الله به في سورة الطور، وفي سورة التين "والتين والزيتون. وطور سينين" (التين: 1-2) وفيها المسجد الأقصى، وفيها مبعث أنبياء بني إسرائيل، وإليها هجرة إبراهيم، وإليها معراج ومسرى نبينا صلى الله عليه وسلم، ومنها معراجه، وبها مُلكه، وعمود دينه وكتابه، والطائفة المنصورة من أمته، وإليها المحشر والمعاد, كما أن من مكة المبدأ، فمكة أم القرى من تحتها دحيت الأرض.
   والشام إليها يحشر الناس كما في قوله  تعالى: "لأول الحشر" (الحشر: 3) نبّه على الحشر الثاني، فمكة مبدأ وإيلياء معاد في الخلق، وكذلك بدأ الأمر؛ فإنه أسرى بالرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى إيلياء، ومبعثه ومخرج دينه من مكة، وكمال دينه وظهوره وتمامه حتى يملكه المهدي بالشام. فمكة هي الأول، والشام هي الآخر في الخلق والأمر، في الكلمات الكونية والدينية.
    ومن ذلك أن بها الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة, التي ثبت فيها الحديث في الصحاح من حديث معاوية وغيره: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة" وفيهما عن معاذ بين جبل قال: "وهم بالشام". وفي تاريخ البخاري مرفوعاً قال: "وهم بدمشق". وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يزال أهل الغرب ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة".
    وقال أحمد بن حنبل: أهل المغرب هم أهل الشام. وهو كما قال لوجهين.... فما كان غربي الفرات فهو غربي المدينة، وما كان ثَمّ شرقيها فهو شرقي المدينة. فأخبر صلى الله عليه وسلم أن أهل الغرب لا يزالون ظاهرين، وأما أهل الشرق فقد يظهرون تارة، ويُغلَبون أخرى، وهكذا هو الواقع، فإن الجيش الشامي ما زال منصوراً. وكان أهل المدينة يسمون الأوزاعي: إمام أهل الغرب،ويسمون الثوري شرقياً، ومن أهل الشرق. 
    ومن ذلك أنها خيرة الله الأرض، وأن أهلها خيرة الله وخيرة أهل الأرض، واستدل أبو داود في سننه على ذلك بحديث كثير مثل؛ حديث عبد الله بن حوالة الأزدي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ستجندون أجناداً؛ جنداً بالشام، وجنداً باليمن، وجنداً بالعراق". فقال الحوالي: يا رسول الله، اخترْ لي. قال: "عليك بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها حزبه من عباده، فمن أبي فليلحق بيمنه، وليَسْقِ من غُدُرِهِ، فإن الله تكفّل لي بالشام وأهله"(2) وكان الحوالي  _راوي الحديث_ يقول: من تكفّل الله به فلا ضيعة عليه.... وحديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قل: "سيكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم، وتقذرهم نفس الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير, تبيت معهم حيثما كانوا، وتقيل معهم حيثما قالوا" فقد أخبر أن خيار أهل الأرض من ألزمهم مهاجر إبراهيم، بخلاف من يأتي إليه ثم يذهب عنه، ومهاجر إبراهيم هي الشام. وفي هذا الحديث بشرى لأصحابنا الذين هاجروا من حرّان وغيرها إلى مهاجر إبراهيم، واتبعوا ملة إبراهيم، ودين نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم, وبيان أن هذه الهجرة التي لهم بعد هجرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، لأن الهجرة إلى حيث يكون الرسول وآثاره، وقد جعل مهاجر إبراهيم تعدل مهاجر نبينا صلى الله عليه وسلم، فإن الهجرة إلى مهاجره انقطعت بفتح مكة.
     ومن ذلك أن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها على الشام، كما في الصحيح  من حديث عبد الله بن عمر.
      ومن ذلك أن عمود الكتاب والإسلام بالشام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رأيتُ كأن عمود الكتاب أخِذ من تحت رأسي، فأتبعتُه بصري فذُهِب به إلى الشام"...ومن ذلك أنها عقر دار المؤمنين، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "وعقر دار المؤمنين بالشام" ولهذا استدللتُ لقوم من قضاة القضاة وغيرهم في فتن قام فيها علينا قوم من أهل الفجور والبدع الموصوفين بخصال المنافقين، لما خوّفونا منهم، فأخبرتُهم بهذا الحديث: "وأن منافقينا لا يغلبوا مؤمنين" وقد ظهر مصداق هذه النصوص النبوية على أكمل الوجوه في جهادنا للتتار، وأظهر الله للمسلمين صدق ما وعدناهم به، وبركة ما أمرناهم به، وكان ذلك فتحاً عظيماً ما رأى المسلمون مثله، مثل صرح مملكة التتار التي أذلت أهل الإسلام، فإنهم لم يهزَموا أو يُغلَبوا كما غُلِبوا على باب دمشق في الغزوة الكبرى التي أنعم الله علينا فيها من النعم بما لا نحصيه خصوصاً وعموماً"(3).
     وقال رحمه الله: "والنبي  صلى الله عليه وسلم ميَّز أهل الشام بالقيام بأمر الله دائماً إلى آخر الدهر، وبأن الطائفة المنصورة فيهم إلى آخر الدهر، فهو إخبار عن أمر دائم مستمر فيهم مع الكثرة والقوة، وهذا الوصف ليس لغير أهل الشام من أرض الإسلام، فإن الحجاز التي هي أصل الإيمان نقص في آخر الزمان منها: العلم والإيمان، والنصر والجهاد، وكذلك اليمن والعراق والمشرق، وأما الشام فلم يزل فيها العلم والإيمان، ومن يقاتل عليه منصوراً مؤيداً في كل وقت"(4).  
وكم بالشام من شرف وفضل     ومرتقب لدى برّ وبحر
    بلاد بـارك الرحــــمن فيــــها      فقـدّسـها على علم وخبر
    قال الحسن وقتادة رحمها الله تعالى: إن الأرض "التي باركنا فيها": هي الشام, وقال قتادة: هي الشام وقد أُنجي إبراهيم ولوط عليهما السلام من العراق إلى الشام, وكان يقال للشام عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيد في الشام، وما نقص في الشام زيد في فلسطين، وكان يقال: هي أرض المحشر والمنشر، وبها مجمع الناس، وبها ينزل عيسى بن مريم، وبها يهلك الله شيخ الضلالة الكذَّاب الدجال (5) وقال ابن جرير رحمه الله: "هي أرض الشام، وإنما اخترنا ما اخترنا من القول في ذلك لأنه لا خلاف بين جميع أهل العلم أن هجرة إبراهيم من العراق كانت إلى الشام، وبها كان مقامه أيام حياته، وإن كان قد كان قدم مكة، وبنى بها البيت، وأسكنها إسماعيل ابنه مع أمه هاجر، غير أنه لم يقم بها، ولم يتخذها وطناً لنفسه، ولا لوط، والله إنما أخبر عن إبراهيم ولوط أنهما أنجاهما إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين (7).
    قال الخطابي: فالهجرة الثابتة هي الهجرة إلى الشام يرغب فيها خيار الناس، وهي مهاجر إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وعلى آلهما وسلم(8).
وقال ابن رجب الحنبلي: واعلم أن البركة في الشام تشمل البركة في أمور الدين والدنيا، ولهذا سميت الأرض المقدسة(9).
    وعند أحمد والطبراني وابن حبان والترمذي وحسنه والحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يا طوبى للشام!يا طوبى للشام! يا طوبى للشام!قالوا: يا رسول الله ولم ذلك؟ قال: تلك ملائكة الله باسطو أجنحتها على الشام".
    وفي الصحيحين عنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك لنا في يمننا..."
    وعند أحمد والترمذي والحاكم بسند صحّحه الألباني عن معاوية بن حيدة رضي الله قَالَ: قلت: يا رسول الله أين تأمرني؟ وفي رواية (خِرْ لِي) قال: "ها هنا" ونحا بيده نحو الشام, قال: "إنكم محشورون رجالاً وركباناً وتُجَرّون على وجوهكم".
    وعند أحمد بسند حسّنه الألباني عن أبي أمامة الباهلي قال: "لا تقوم الساعة حول خيار أهل العراق إلى الشام، ويتحول شرار أهل الشام إلى العراق، وقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم :"عليكم بالشام".
     وعند ابن ماجه والحاكم بسند صححه الألباني عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا وقعت الملاحم بعث الله من دمشق بعثاً من الموالي أكرم العرب فرسا وأجودهم سلاحا يؤيد الله بهم الدين".
    وعند أحمد وأبي داود والحاكم بسند صححه الذهبي والمنذري والألباني عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال":فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشام"وفي رواية " يوم الملحمة الكبرى، فسطاط المسلمن بأرض يقال لها: الغوطة، فيها مدينة يقال لها: دمشق خير منازل المسلمين يومئذ".
     وعند أحمد ومسلم وغيرهما عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ينزل عيسى بن مريم عليه السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق".
    وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قلت يا نبي الله! ما كان أوّل بدء أمرك؟ قال: "دعوة أبي إبراهيم, وبشرى عيسى, ورأت أُمّي أنه يخرج منها نور أضاءت منها قصور الشام".
    قال ابن كثير (10): "وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه، ونبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلاً للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى ابن مريم".
    وعند أحمد والترمذي واللفظ له عن قُرَّة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة".
   وعند الطبراني بسند صححه الألباني عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عليكم بالشام, فإنها صفوة بلاد الله, يسكنها خيرته من خلقه".
    وروى البزار عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب احتمل من رأسي فظننت أنه مذهوب به فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام".
   وفي فضائل الشام ودمشق بسند صححه الألباني عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بناء له, فسلمت عليه, فقال: "عوف" قلت: نعم يا رسول الله, قال: " ادخل" فقلت: كلي أم بعضي؟ قال: " بل كلك" قال: فقال لي: " اعدد عوف ستا بين يدي الساعة أولهن موتي" قال: فاستبكيت حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكتني قال: "قل إحدى والثانية فتح بيت المقدس قل اثنين والثالثة فتنة تكون في أمتي وعظمها والرابعة موتان يقع في أمتي يأخذهم كقعاص الغنم والخامسة يفيض المال فيكم فيضا حتى أن الرجل ليعطى المائة دينار فيظل يسخطها قل خمسا والسادسة هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر يسيرون إليكم على ثمانين راية تحت كل راية ثمانين ألفا فسطاط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها الغوطة فيها مدينة ويقال لها دمشق".
     ونقف عند فتوى جامعة للشيخ الشامي الجامع شيخ الإسلام رحمه الله حينما سُئل‏:‏ ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين‏؟‏ هل تفضل الإقامة في الشام على غيره من البلاد‏؟‏ وهل جاء في ذلك نص في القرآن أو الأحاديث أم لا‏؟‏ أجيبونا مأجورين‏.‏ فأجاب رحمه الله: "الحمد لله، الإقامة في كل موضع تكون الأسباب فيه أطوع لله ورسوله، وأفعل للحسنات والخير، بحيث يكون أعلم بذلك، وأقدر عليه، وأنشط له أفضل من الإقامة في موضع يكون حاله فيه في طاعة الله ورسوله دون ذلك‏.‏ هذا هو الأصل الجامع، فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم‏.‏ والتقوى هي‏ ما فسرها الله تعالى في قوله‏:‏ ‏"‏وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ‏"‏ إلى قوله‏:‏ ‏"‏أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ‏"‏ ‏[‏البقرة‏:‏220‏]‏، وجماعها فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله‏.‏ وإذا كان هذا هو الأصل فهذا يتنوع بتنوع حال الإنسان‏.‏ فقد يكون مقام الرجل في أرض الكفر والفسوق من أنواع البدع والفجور أفضل؛ إذا كان مجاهدا في سبيل الله بيده أو لسانه، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، بحيث لو انتقل عنها إلى أرض الإيمان والطاعة لقلت حسناته، ولم يكن فيها مجاهدا، وإن كان أروح قلباً‏,‏ وكذلك إذا عدم الخير الذي كان يفعله في أماكن الفجور والبدع‏.‏
   ولهذا كان المقام في الثغور بنية المرابطة في سبيل الله تعالى، أفضل من المجاورة بالمساجد الثلاثة باتفاق العلماء؛ فإن جنس الجهاد أفضل من جنس الحج، كما قال تعالى‏:‏ ‏"‏أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ‏" ‏[‏التوبة‏:‏ 19، 20‏]‏‏.‏ وسئل النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أي الأعمال أفضل‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏إيمان بالله ورسوله، وجهاد في سبيله‏"‏‏‏ قال‏:‏ ثم ماذا‏؟‏ قال‏:‏ ‏"حج مبرور‏".
  وهكذا لو كان عاجزا عن الهجرة والانتقال إلى المكان الأفضل التي لو انتقل إليها لكانت الطاعة عليه أهون، وطاعة الله ورسوله في الموضعين واحدة، لكنها هناك أشق عليه‏.‏ فإنه إذا استوت الطاعتان فأشقهما أفضلهما، وبهذا ناظر مهاجرة الحبشة المقيمون بين الكفار لمن زعم أنه أفضل منهم، فقالوا‏:‏ كنا عند البغضاء البعداء، وأنتم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يعلم جاهلكم، ويطعم جائعكم، وذلك في ذات الله‏.‏
 وأما إذا كان دينه هناك أنقص فالانتقال أفضل له، وهذا حال غالب الخلق، فإن أكثرهم لا يدافعون، بل يكونون على دين الجمهور‏ .‏.. وأما الفضيلة الدائمة في كل وقت ومكان ففي الإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى‏:‏ ‏"‏إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ‏"‏‏[‏البقرة‏:‏ 62‏]‏‏.‏ وقال تعالى: "‏وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ‏" ‏[‏البقرة‏:‏111، 112‏]‏‏.‏ وقال تعال‏:‏‏ "وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً‏"‏ ‏[‏النساء‏:‏ 125‏]‏‏.‏ وإسلام الوجه لله تعالى هو إخلاص القصد والعمل له والتوكل عليه ....فلا ينبغى للرجل أن يلتفت إلى فضل البقعة في فضل أهلها مطلقا، بل يعطى كل ذي حق حقه، ولكن العبرة بفضل الإنسان في إيمانه وعمله الصالح والكلم الطيب، ثم قد يكون بعض البقاع أعون على بعض الأعمال كإعانة مكة حرسها الله تعالى على الطواف والصلاة المضعفة ونحو ذلك‏.‏ وقد يحصل في الأفضل معارض راجح يجعله مفضولاً؛ مثل من يجاور بمكة مع السؤال والاستشراف، والبطالة عن كثير من الأعمال الصالحة، وكذلك من يطلب الإقامة بالشام لأجل حفظ ماله وحرمة نفسه، لا لأجل عمل صالح، فالأعمال بالنيات‏" (11).
     إنّها الشام, مشى على ثراها كرام المرسلين كمحمد وإبراهيم وموسى وعيسى وأنبياء بني إسرائيل, ووصلتها طلائع الأمة الحمّادة المرحومة فاتحة مظفرة منصورة منهم عشرة آلاف  من الأصحاب مئة منهم من البدريين. قال الوليد بن مسلم: دخلت الشام عشرة آلاف عين رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
     ثم تكسّرت على سواعد بواسلها حملات الصليب طوال مئتي عام, فلله هم من حُمَاةٍ للدين, رحم الله أسلافهم, وحفظ الأحياء.
   ختاماً؛ يا أهلنا في الشام اللهَ اللهَ في الاعتصام بحبل الله وإخلاص الدين له, وفي التزام أسباب النصر, وفي تحقيق التوكل على الله والبراءة من الحول والقوة إلا به, مع الأخذ بالمباح من الأسباب "يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم"(محمد: 7) " إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" (غافر:51) وفي الاجتماع على الحق "وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين" (الأنفال: 46) وفي الأخذ بأسباب التمكين, ومن كان الله معه فمعه القوة التي لا تُغلب, ومن آوى إليه فقد آوى إلى ركن شديد.
ورحم الله شوقي حين صَدَحَ:
سَلامٌ  مِن  صَبا   بَرَدى     أَرَقُّ       وَدَمعٌ  لا  يُكَفكَفُ   يا     دِمَشقُ
وَمَعذِرَةُ     اليَراعَةِ     وَالقَوافي        جَلالُ الرُزءِ  عَن  وَصفٍ    يَدِقُّ
وَذِكرى  عَن   خَواطِرِها     لِقَلبي        إِلَيكِ    تَلَفُّتٌ    أَبَدًا       وَخَفقُ
دَخَلتُكِ  وَالأَصيلُ   لَهُ     اِئتِلاقٌ        وَوَجهُكِ ضاحِكُ القَسَماتِ    طَلقُ
وَتَحتَ  جِنانِكِ  الأَنهارُ   تَجري        وَمِلءُ   رُباكِ   أَوراقٌ      وَوُرْقُ
غَمَزتُ  إِباءَهُمْ   حَتّى     تَلَظَّتْ        أُنوفُ  الأُسدِ  وَاضطَرَمَ    المَدَقُّ
وَضَجَّ  مِنَ  الشَكيمَةِ  كُلُّ    حُرٍّ        أَبِيٍّ   مِن   أُمَيَّةَ   فيهِ      عِتقُ
تَكادُ   لِرَوعَةِ   الأَحداثِ     فيها        تُخالُ مِنَ الخُرافَةِ  وَهيَ    صِدقُ
وَقيلَ   مَعالِمُ   التاريخِ      دُكَّتْ        وَقيلَ   أَصابَها   تَلَفٌ    وَحَرقُ
أَلَستِ  دِمَشقُ   لِلإِسلامِ   ظِئرًا        وَمُرضِعَةُ   الأُبُوَّةِ    لا      تُعَقُّ
سَماؤُكِ مِن حُلى الماضي كِتابٌ        وَأَرضُكِ مِن  حُلى  التاريخِ    رَقُّ
بَنَيتِ   الدَولَةَ   الكُبرى     وَمُلكًا        غُبارُ   حَضارَتَيهِ    لا      يُشَقُّ
لَهُ   بِالشامِ    أَعلامٌ      وَعُرسٌ        بَشائِرُهُ       بِأَندَلُسٍ         تَدُقُّ
رُباعُ  الخلدِ  وَيحَكِ  ما    دَهاها        أَحَقٌّ    أَنَّها    دَرَسَت      أَحَقُّ
وَهَل  غُرَفُ  الجِنانِ   مُنَضَّداتٌ       وَهَل   لِنَعيمِهِنَّ   كَأَمسِ     نَسقُ
وَأَينَ دُمى المَقاصِرِ مِن    حِجالٍ        مُهَتَّكَةٍ       وَأَستارٍ         تُشَقُّ
بَرَزنَ  وَفي  نَواحي  الأَيكِ  نارٌ        وَخَلفَ   الأَيكِ    أَفراخٌ    تُزَقُّ
إِذا  رُمنَ  السَلامَةَ  مِن    طَريقٍ       أَتَت  مِن  دونِهِ  لِلمَوتِ     طُرقُ
بِلَيلٍ      لِلقَذائِفِ         وَالمَنايا        وَراءَ  سَمائِهِ   خَطفٌ     وَصَعقُ
إِذا عَصَفَ  الحَديدُ  احمَرَّ  أُفقٌ        عَلى   جَنَباتِهِ    وَاسوَدَّ      أُفقُ
سَلي مَن راعَ  غيدَكِ  بَعدَ  وَهنٍ        أَبَينَ   فُؤادِهِ   وَالصَخرِ      فَرقُ
إِذاما    جاءَهُ    طُلّابُ    حَقٍّ        يَقولُ  عِصابَةٌ   خَرَجوا   وَشَقّوا
بِلادٌ    ماتَ    فِتيَتُها     لِتَحيا       وَزالوا   دونَ    قَومِهِمُ      لِيَبقوا
وَحُرِّرَتِ  الشُعوبُ  عَلى    قَناها        فَكَيفَ   عَلى   قَناها      تُستَرَقُّ
بَني  سورِيَّةَ  اطَّرِحوا     الأَماني       وَأَلقوا   عَنكُمُ   الأَحلامَ      أَلقوا
فَمِن خِدَعِ  السِياسَةِ  أَن    تُغَرّوا       بِأَلقابِ   الإِمارَةِ    وَهيَ      رِقُّ
وَكَمْ  صَيَدٍ  بَدا  لَكَ  مِن    ذَليلٍ        كَما مالَتْ مِنَ  المَصلوبِ    عُنقُ
فُتوقُ المُلكِ تَحدُثُ  ثُمَّ    تَمضي        وَلا   يَمضي   لِمُختَلِفينَ    فَتقُ
نَصَحتُ  وَنَحنُ  مُختَلِفونَ    دارًا        وَلَكِن  كُلُّنا   في   الهَمِّ     شَرقُ
وَيَجمَعُنا   إِذا   اختَلَفَت     بِلادٌ        بَيانٌ   غَيرُ   مُختَلِفٍ      وَنُطقُ
وَقَفتُمْ  بَينَ   مَوتٍ   أَو     حَياةٍ        فَإِن  رُمتُمْ  نَعيمَ  الدَهرِ    فَاشْقَوا
وَلِلأَوطانِ  في  دَمِ   كُلِّ     حُرٍّ       يَدٌ   سَلَفَت    وَدَينٌ      مُستَحِقُّ
وَمَن  يَسقى   وَيَشرَبُ     بِالمَنايا        إِذا  الأَحرارُ  لَم  يُسقوا  وَيَسقوا
وَلا  يَبني  المَمالِكَ     كَالضَحايا        وَلا  يُدني  الحُقوقَ   وَلا   يُحِقُّ
فَفي   القَتلى   لِأَجيالٍ      حَياةٌ       وَفي الأَسرى  فِدًى  لَهُمُ    وَعِتقُ
وَلِلحُرِّيَّةِ      الحَمراءِ        بابٌ        بِكُلِّ    يَدٍ    مُضَرَّجَةٍ       يُدَقُّ
جَزاكُمْ ذو الجَلالِ  بَني    دِمَشقٍ        وَعِزُّ   الشَرقِ   أَوَّلُهُ      دِمَشقُ
نَصَرتُمْ   يَومَ   مِحنَتِهِ      أَخاكُمْ        وَكُلُّ  أَخٍ  بِنَصرِ   أَخيهِ     حَقُّ
لِكُلِّ    لَبوءَةٍ    وَلِكُلِّ       شِبلٍ        نِضالٌ   دونَ   غايَتِهِ      وَرَشقُ
أللهم نصراً عاجلاً وفتحاً مبيناً يا حي يا قيوم يا جبّار يا قهّار وأنت على كل شيء قدير, والحمد لله على كل حال, وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه.
إبراهيم الدميجي
19/ 4/ 1433
@aldumaiji
...............................................
(1) (وقد سُطرت مؤلفات عدّة في القديم والحديث حيال فضائل الشام وأهله منها:  (فضائل الشام ودمشق) لأبي الحسن علي بن محمد الربعيي, وخرّج المرفوع من أحاديثه الإمام الألباني رحمه الله، وخرّج وطبع معه (مناقب الشام وأهله) للإمام ابن تيمية وأكثر أحاديث هذا المقال مستفادة منه, (فضائل الشام) للحافظ أبي سعد عبدالكريم السمعاني, (فضائل الشام لابن رجب الحنبلي), (فضائل الشام) للحافظ ضياء الدين المقدسي, (نزهة الأنام في محاسن الشام) لأبي البقاء عبد الله بن محمد البدري, (حدائق الإنعام في فضائل الشام) لعبدالرحمن بن إبراهيم بن عبدالرزاق الدمشقي, (ترغيب أهل الإسلام بسكنى الشام) تصنيف العز بن عبدالسلام, (بغية المرام في سكن المدينة والشام) لعبدالمطلب بن محمد الخطيب الحسني, (الإعلام بسن الهجرة إلى الشام) لبرهان الدين إبراهيم البقاعي وفي (تاريخ دمشق لابن عساكر) طائفة حسنة شريفة من الأحاديث والآثار في شأن الشام ولابن عبدالهادي مصنف في ذلك, وغير ذلك كثير).
(2) قال العز ابن عبد السلام رحمه الله: وهذه شهادة من رسول الله  صلى الله عليه وسلم باختيار الشام، وبفضلها وباصطفائه ساكنيها، واختياره لقاطنيها، وقد رأينا ذلك بالمشاهدة، فإن من رأى صالحي أهل الشام ونسبتهم إلى غيرهم رأى بينهم من التفاوت ما يدل على اصطفائهم واجتبائهم.
(3) مجموع الفتاوى (27: 505_511)باختصار وتصرف يسير, والرسالة مطبوعة بعنوان مناقب الشام وأهله بتخريج الإمام الألباني رحمه الله تعالى.
(4) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام  (4/449).
(6)  أخرجه ابن جرير في تفسيره (18: 469).
(7) تفسيرالطبري (18: 470).
(8) عن (إسعد الأخصّا بذكر صحيح فضائل الشام والمسجد الأقصى) (1/14).
(9) السابق (1/18).
(10) تفسير ابن كثير (1/444).
(11) مجموع الفتاوى (27: 39_ 47). ‏