إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأربعاء، 30 أبريل 2014

قبسات من الحنيف العفيف (1/ 2)

قبسات من الحنيف العفيف (1/ 2)

كتاب الله مورد نقي للعلم ومنهل فياض للإيمان, ومتى يمَّمْتَ وجهك بصفاء عقل ونقاء نفس لعمود نوره؛ تدفّقت في روحك معاني الجلال والجمال والكمال لهذا الكلام الرباني الإلهي.
ومهما عبَّ الأولون من معين هدايته فلن يُنضبوه, وكم ترك الأولون للآخرين من هداياته وعلومه وعجائبه! إنه كتاب الله وكفى!
وسنقف هنيهات على شاطئ بحر النبي الكريم ابن الكرام يوسف عليه السلام, ورشفات تدبريّة من سحِّ غيث سُورته وسيرته.
"إذ قال يوسف" اسم جميل, وحروفه رقيقه, وجرسه عذب, ومعناه في العبرانية (الله يعطي/ عطاء الله) لقد هذّب الإسلام أسماء العرب, فما كانوا يسمُّون بنيهم بأسماء الأنبياء إلا على سبيل الندرة, وكانوا يعبّدون أسماء أبنائهم لغير الله, كما كانوا يسمّون بالمكروهات والمستبشعات, فجاء الإسلام فهذب ذلك كلّه, فأمر بألا يُعبّد الاسم إلا لله وحده, وأغرى بذلك على سبيل الابتداء؛ فأحبُّ الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن... وبأسماء الأنبياء ثم أجِلَّةِ الصحابة... وغيّر الأسماء المكروهة, وأوصى بمراعاة معاني الأسماء... فحسنت حينئذ أسماء العرب.
"ويتم نعمته عليك" تنبأ له بالنبوّة, وهذا من وحي الله له. أما متى أوحي إليه فلعله حينما كان في الجبّ, وهو الأظهر لقوله سبحانه: "وأوحينا إليه لتنبأنهم بأمرهم هذا" أو أن زمان الوحي قد تأخر حتى: "ولما بلغ أشده آتيناه حكمًا وعلمًا" فيكون هذا توقيت إيتائه الحكم والعلم والنبوة, أما الجبّ فلعله كان إلهامًا خاصًّا, أي أنه أخصّ من إلهام أم موسى "وأوحينا إلى أم موسى" والنحل "وأوحى ربك الى النحل"
"إن ربك حكيم عليم" تربية الصبي على التعلق بربه تعالى منذ نعومة أظفاره, وهذا منهاج الأنبياء في التربية فإحسان التعلق بالله هو معدن الفلاح بحذافيره، منه بدأ الإسلام وإليه يعود الإيمان وعليه قام الإحسان.
"وشروه بثمن بخس" ومن كان يتصوّر أن بضاعته نبي كريم يوحى إليه؟! 
"أو نتخذه ولدًا كذلك ومكنّا ليوسف في الأرض" إما أنه انتقال زماني, أو هو التمهيد لتحمّل أعباء الوزارة, فقد تربى على يد خازن أرض النيل الذي جعله كابنه تمهيدًا لوزراته المُرتقبة خلف سجف الغيب, لذلك ذكرها هنا فقال: "كذلك مكنّا ليوسف في الأرض" وإنما هي التهيئة للتمكين, وإذا أراد الله أمرًا هيّأ له أسبابه.
 ومن فروع تلك السنة الربانية في سورة يوسف أيضًا أن امرأة العزيز قد أنطقها الله باكرًا إذ اعترفت أمام لداتها ومنافساتها ببراءة يوسف, بل والمبالغة في وصف صيانته وعفافه: "فاستعصم" حتى إذا استدعاهن الملك بعد سنين قائلًا: "ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه" أُسقط في يدها ولم يك بدّ من اعترافها أمام الملك, لأن النساء سيشين بما فاهت به أمامهن خوفًا من بطش الملك الذي توعدهنّ جميعًا بهيبة مقامه وإن تخلفت حروف مقاله.
  ومن فروعها كذلك أن الفتى الذي أنجاه الله من السجن, ونسي وصية يوسف له, ذكّره الله ذلك بالرؤيا العجيبة للملك التي أعجزت المعبرين, وهذافي القرآن كثير.
"إن كان قميصه قدّ من قبل" حسن ابتداء لقوّة الحِجَاج, فبدأ بذكر الأمر الباطل ليسقط ومن ثمّ ينفرد الحق بالوضوحوالمنعة.
"استغفري لذنبك" أمرها بالاستغفار "إنا لنراها في ضلال مبين" شهادة النسوة بذم الخنا "ملك كريم" إيمان بالملائكة, بل والقوم يؤمنون بأصل الربوبية "إن الله لا يهدي كيد الخائنين" فأصول الأخلاق ومجمل الغيبيات كانت موجودة حتى مع كفرهم وشركهم, ولعلّ هذا من آثار انبياء سبقوا "ومنهم من لم نقصص عليك" وكم في نفوس الأمم من بقايا أنوار النبوات التي لم يكد يبق لها الشرك والجهل باقية!
"إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها" بذل الأسباب اتقاء العين. وفي هذا إشارة إلى أن عمله هذا قد تسبّب في نُجْعِ مقصوده, مع أن الأمر كله بيد الله, "ما كان يغني عنهم من الله من شيء"
"ارجعوا إلى أبيكم" وَحَشَتْهُ معصيته لأبيه في أخيه, فنأى باسم أبيه الشريف أن ينسب إليه نفسه المقصّرة, فهو كبيرهم عقلًا وخلقًا وربّما سنًّا, ولعلّه القائل أوّلًا: "لا تقتلوا يوسف" لكن غلبته كثرتهم وضعفه. أما يوسف الصدّيق فقال متلذّذًا بالقرب الشعوري: "أبي"
"يا أسفى على يوسف"  الشجى يبعث الشجى, ولما تفاقم الأمر أيقن الفرج, فقال محسنًا الظن فيمن لا يأتي الخير إلا من قبله أن يأتيه بثلاثتهم: "عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا" والرزايا إذا توالت تولّت.
"إني لأجد ريح يوسف" لعله شمّه بروحه, وقد شمّ ابن النضر ريح الجنة ولمّا يمُت,وللأرواح شأن أيُّما شأن!
"فارتدّ بصيرًا" ولم يقل مبصرًا,  مبالغة في الإبصار, وإيماء إلى مدح بصيرته التي تحققت بحسن ظنه بربه الكريم الرحيم.
"يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا" حسنُ تلطّف, فقد استعطفوه أولًا بندائه باللفظ المحبَّبِ المذيب لصمِّ الجلاميد. "يا أبانا" ثم طلبوا منه أن يستغفر لهم الله, وفي هذا توبة لله وأوبةٌ لعهده, وتعظيم لجنابه, ولعلمهم أن أباهم النبيّ الكريم يحبّ توبتهم لله واستغفاره لذنبهم قَبْلَ اعتذارِهم له, حتى وإن أبكوه أربعين سنة حتى ابيضّت عيناه من الحزن والكظْم. لذاك قالوا: "استغفر لنا" ولم يقولوا: اعف عنا.
ثم استكانوا معترفين بالذنب, فسمّوا أعمالهم ذنوبًا, ومن أعظمها غدرهم بيوسف. ثم اعترفوا بخطئهم العمد فقالوا: "إنا كنا خاطئين" ولم يقولوا: مخطئين. وهذا عينُ ما قالوه ليوسف لما فاجأهم بتعرّف نفسه إليهم فقالوا حينها: "تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين" فاستفادوا منه العفو المباشر عنهم لمّا أسندوا نعمته ونصره لله وحده, إذ الأنبياء لا ينتصرون لأنفسهم قط بل لله فقط, ولا يحبون حمد ذواتهم بل حمد الحميد المجيد.
...يتبع
ومضة: سيأتيك يوم لن تجد من والديك سوى الذكريات, فاصنع الآن ما تريد تذكّره غدًا.
إبراهيم الدميجي
الاقتصادية

الجمعة، 11 أبريل 2014

حمد الجاسر العَلَم العلّامة

حمد الجاسر العَلَم العلّامة

إذا ما الهوى يوماً تصدّع شمله ...  فأخْلِقْ بشمل الصبر أن يتصدّعا
لبعض الأنفس والوجوه والبقاع والكتب والمجلات ذكريات لها ضوعُ نسيم مسكيّ ينتشر بين جنبات الحنين, معلنًا شوقه لمن يحب ولهفه للقياه, أعظمها بإطلاق: "من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت"
الحراك الثقافي أيًّا كان لونه وتيّاره لا بد أن يمر بتموجات ومنعطفات وتعثر وقفز وطفولة ونضج وشيخوخة.. لذا كان من الجيد صقل تجربة الماضين بالنقد الهادئ الهادف الواعي من لدن أهل حدب ونصح واختصاص.
ومن يمّم وجهه شطر الكتابات التراثية للجزيرة العربية في الزمن الحاضر فلا بد أن يقف متشوّقًا متلذّذًا لتدوينات الراحل علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر رحمه الله تعالى. (1328_1421) فهذا الإنسان النادر قد حباه الله صفات ووفقه لأسباب أهّلته لتسنّم الريادة في تأريخ وبلدانيّة وأدب ولغة ونسب جزيرة العرب خلال الثلث الآخر من القرن الرابع عشر الهجري.
كما كان عضوًا في المجامع العربية الكبيرة وقد قال عنه طه حسين في مجمع اللغة القاهري: الأمر عندنا في شأن جزيرة العرب هو ما اختاره الشيخ حمد الجاسر فهو أعلمنا به.
ومن خلال تأمل صفاته الشخصية وسماته النفسية يبرز لنا الذكاء العربي المتوهّج مع ذاكرة تبزّ الحاسوبات المتطورة, إلى جَلّد وصبر ودأب في تقليب صحائف الكتب الورقية وصفائح المواضع المكانية, إضافة لحسٍّ أدبي مرهف, ودعابة نجدية خفيفة ظل, وتواضع حقيقي لا مزيف, واستمتاع وإمتاع في الرحلات وتوثيقها, ولعل ضعف بنيته الجسدية قد أوقد في روحه جذوة التحدي والمغامرة؛ فضعف المؤمن في جسده وقوته في قلبه, ولا يستطاع العلم براحة الجسد.
لعلّامتنا الموسوعي تراث منوع زاخر بين كتب محررة ورسائل محقّقة ومقالات موعبة في العمق التراثي المعرفي, سواء في تحديد المواضع أو المباحث اللغوية أو التراجم أو الرحلات أو الخيل أو الأنساب, وقد جاوزت تدويناته الألف!
لقد كان الشيخ حمد مشروعًا يمشي على رجلين, فواضح لدى أول مطالعةٍ لتراثه أن لديه رسالة واضحة المعالم قد رسم أطرافها بدقة متناهية يريد إبلاغها لمستحقيها من رواد المعرفة وأًهيل التراث, ويكأنّ هناك سلكًا لامعًا ينتظم جميع مؤلفاته مهما اختلفت ألوانها.
ومن أمْثَلِ كتبه القيمة تحقيقه الدقيق لكتاب المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة للإمام الحربي وكتابه القيم _ وكان كثيرًا ما يحيل إليه _ أبو علي الهَجري وأبحاثه في تحديد المواضع.
 أما مقالاته فلها صفتي الشمولية والتحرير مع إيجاز جميل لأهم عناصر الموضوع, واعتبر ذلك بمقاله الماتع العميق (الآثار الإسلامية في مكة المشرفة) وأصله محاضرة في جامعة أم القرى ثم نشره في مجلة العرب, وهو عبارة عن بحث تأريخي ينسف كثيرًا من متعلّقات أهل الخرافة والتبرّك غير المشروع في بطاح مكة الشريفة, وقد أثاروا عليه حينها رياحًا قصفتْهَا زوبعتُه العلمية الدامغة بقوة البرهان لا بسلاطة اللسان؛ إذ من مزايا هذا الفذّ كراهته للخصام والمماحكة وقراع الجدل, قُصاراه أن يرصف درره بهدوء, ثم يرحل بسلام.
أما واسطة عقد مشاريعه فهي مجلة العرب التي كانت كالعلم الشامخ والغيث المُشام مطلع كل شهرين (عددان مزدوجان) ابتداء من (1386) فما هو إلا أن تصدر حتى تتلقفها أصابع العطاش للفوائد والفرائد من متخصصين وهُواة. وقد بذر الراحل شجرتها بنفسه وسقاها وأترعها حتى قامت كدوحة مأهولة, وآتت أكلها طيّبا حلوا نضيجًا.. كما دفع عنها بعون الله عاديات الحسدة والمخالفين بلطف وتودد وحسن سياسة منه رحمه الله. وهذه المجلة هي إحدى ثمار مشروعه التراثي دار اليمامة التي أنتجت كذلك مجلة اليمامة وجريدة الرياض.
فقد كان يكتب فيها بقلمه _ ولا يكتفي بمقال افتتاحي _ ويرد على القراء تساؤلاتهم بوافر العلم والأدب والحلم والموضوعية, ويستكتب القامات العظيمة من كبار كتاب وأدباء ومؤرخي ذلك الوقت كابن خميس وابن عقيل والعبودي والعقيلي والعلي والأحمد في كثير من أهل اليراعات البارعة في صقل العقل بمداد الحكمة, وإشباع النفس برقة الأدب, وإرواء المشاعر بلطف المسامرة وحسن المساجلة.
ثم أذن الله بهبوب رياح الفناء على تلك المجلة الفاخرة فأحالت مرابعها يبابًا بعدما قطعت من عمرها سنين عددًا, فكان خاتمها عدد ذي الحجة (1433) بعد ثمانية وأربعين من الأعوام.
هذا وقد مرت المجلة بمرحلتين: الفتوة مع الكهولة حتى رحيل الشيخ حمد سنة 21 ثم هبط سهم القيمة النوعية لغروب أرطبونها الأول, وهذا _ في ظني _ أكبر الأسباب, فقد كانت المجلة شبه مركزية, كما لا يطبع فيها مداد حرف بدون موافقة الجاسر رحمه الله, ومن ثم حاول الفريق التالي متابعة المسيرة ولكن تبين لهم كم هو شاق ذلك الطريق, وكم هو عظيم ذلك الرائد الراحل التي حملها على كتفية قرابة 34 سنة حتى غدت مرجعًا تراثيّا فكريّا بلدانيّا. ولحال مجلة العرب أشباه كالمجلة العربيّة التي خبت حينما ترجّل عنها الأديب الخلوق حمد القاضي, وكخفوت وهج مجلة المعرفة حينما رحل عن تحريرها الأخ زياد الدريس وهكذا.. الشاهد أن هذه الصدمة العثارية لا بد أن تصيب _ مؤقتًا _ المؤسسة الثقافية بخروج روادها على حسب ثقلهم ومركزيتهم, لذلك فمن المفيد لكل مشروع ثقافي يراد له الاستمرارية تشكيل فريق متجدد ذي رؤية متقاربة وأهداف محددة ورسالة سامية تتجاوز الأنا للجماعة, والوطن الصغير للكبير, والزمن الحاضر للمستقبل, فتمزج الأصالة بالمعاصرة, وتصقل حماسة الشباب بحكمة الشيوخ, وتبني أسسًا وقواعد عليها يقوم ساق منارة المعرفة!
لقد كان الفقيد رهيف الإحساس لنقاء التوحيد وصفاء الفطرة, وكثيرًا ما كانت تكدّره قالات مناوئي الدعوة السلفية, فيردها بأسلوب لطيف مختصر مباشر حاسم, فمن ذلك أنه كان لا يكاد يفوّت نقيصة ضد التوحيد وأهله وتصنيفاتهم في مقالات كتّاب مجلته دون أن يهمّش بردّ من ذلك القبيل الآنف. فهي أصالة وصفاء لا تقبل الشوب والكدر بدعوى التعدّدية. ولا غرو فقد تربى على أيدي فطاحلة العلم كالشيخين العتيق وابن إبراهيم رحمهما الله, وقد تولى قضاء ضبا فترة بأمر شيخه ابن إبراهيم.
وكان آخر ما سطره يراعه الشائق جملة تختصر حياته الروحية والعلمية, فقد كتب وهو على السرير الأبيض قبيل الرحيل: فإذا عزمت فتوكل على الله, توكلت على الله.
وختامًا هل من رافع للواء مجلة فكرية تراثية تاريخية أدبية معجمية بلدانية تجمع تليد الأصالة النقية إلى طريف المعاصرة الفتية؟ لعله. فالأمة ولود, والخير من معدنها متتابع. والله المستعان.
بارقة: لطيفة عزيزة تلك اللحظات التي تستدعي هتافنا مع الصمّة القشيري:
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني  ...  على كبدي من خشية أن تصدّعا
وليست عشيات الحمى برواجع  ...  عليكَ ولكنْ خلِّ عينيك تدمعا

إبراهيم الدميجي
الاقتصادية
aldumaiji@gmail.com

الأحد، 30 مارس 2014

رائع هو.. إحسان الظن

رائع هو.. إحسان الظن

   الحمد لله وبعد: فمن شيم المؤمنين إحسانُ الظنون بعباد الله, فلا يتبعون سوءَ الظنّ إلا عند غلبة الشبهة, مع ذلك فلا يحقِّقُون سوءَ ظنّهم, بل يحملون لإخوانهم أعظمَ المعاذير, وأجمل المحامل, فيقول الصالح لنفسه وقد بلغه عن أخيه سوءٌ: لعلّ الخبرَ لا يثبت, لعلّها نميمةٌ وبهتان, لعلّ أخي المسلم الذي قيلت فيه القالةُ لم يقصد, لعلّه كان ناسيًا, لعلّه كان غافلًا, لعلّه لعلّه.. فيستطيلُ في تلمّس أعذارِ أخيه, فيروح وقد أراحَ فؤاده من حرارة الأحقاد, ووساوس المعاداةِ, فيكسب بذلك أربح التجارات, إذ قد ربح أجره, وربح راحة نفسه, وربح محبّة الناس له, وربح النُّجحَ في أموره لحسن نيّته, فالله شكور حميد, وربح حُسن العاقبة في الدنيا, فكم ممن قصد الإضرار بعبدٍ ثم تاب وأناب وشكر ذلك المضرور على إحسانِ ظنٍّ نفعه ولم يضرّه.
    والطباع سراقةٌ, والجبلّات نزّاعة, وإنّما الحلم بالتحلّم, ومن فروع الحلم حسنُ الظنِّ, ويتأتّى بالدُربة والممارسة وتعلّمِ أسبابِ ذلك, وتلمّحِ موارده, والبحثِ عن متمماته, وفحصِ غوائلِ النفسِ, وتنظيفِ دغائلِها على من لا يستحقون سوى الإحسان.
قال الله تبارك وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ” قال بعض السلف: من جعل لنفسه من حُسْن الظَّن بإخوانه نصيبًا، أراح قلبه. وقال رجل لمطيعِ بنِ إياس: جئتُك خاطبًا لموَدَّتك. قال: قد زوجتُكَهَا على شرط أن تجعل صدَاقَهَا أن لا تسمع فيّ مقالة النَّاس.

ومرض الشافعي رحمه الله، فأتاه بعضُ إخوانه يعوده، فقال للشافعي: قوَّى الله ضعفك. فقال الشافعي: لو قوى ضعفي لقتلني. قال: والله ما أردت إلَّا الخير. فقال الشافعي: أعلم أنك لو سببتني ما أردت إلا الخير. ألا رحمة الله على المُطّلبي, ما أحكمه وأرحمه وأحسن ظنه!
 ومن رام النجاة فليأخذ بأسبابها, وليتعلّق بِعُراها, وما ثمَّ إلا توفيقُ الله تعالى وهُداه, وقد جعل الله لذلك أسبابًا فمنها:
 أن يلتمسَ الأعذارَ للمؤمنين، قال ابن سيرين رحمه الله: إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد، فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه. وفي التماس الأعذار راحة للنَّفس من عناء الظَّن السَّيئ، الذي يشغلها ويقلقها، وفيه أيضًا إبقاءٌ على الموَدَّة، وحفاظ عليها من الزوال والانتهاء. وكان بعض الصالحين يردّد:
تأنَّ ولا تعجلْ بلومِكَ صاحبًا   ...   لعلّ له عذرٌ وأنتَ تلومُ
ومنها: إجراءُ الأحكام على الظاهر، وإيكالُ أمر الضَّمائر إلى الله العليم الخبير، واجتناب الحكم على النِّيَّات، فإنَّ الله لم يكلِّفنا أنَّ نفتِّش في ضمائر النَّاس. لذا فالاكتفاء بظاهر الشَّخص، والحكم عليه من خلاله، من أعظم بواعث حُسْن الظَّن، وأقوى مثبتاته.
إذا ساء فِعلُ المرء ساءتْ ظنونهُ   ...   وصدّق ما يعتاده من تَوَهّمِ
قال أبو حامدٍ رحمه الله: إنَّ الخطأَ في حُسْن الظَّن بالمسلم، أسلمُ من الصَّواب بالطَّعن فيهم، فلو سكتَ إنسانٌ مثلًا عن لعن إبليس، أو لعن أبي جهل، أو أبي لهب، أو من شاء من الأشرار طول عمره، لم يضرَّه السُّكوت، ولو هفا هفوة بالطَّعن في مسلم بما هو بريء عند الله تعالى منه فقد تعرّض للهلاك، بل أكثرُ ما يُعْلمُ في النَّاس لا يحلُّ النُّطق به؛ لتعظيم الشَّرع الزَّجرَ عن الغيبة، مع أنَّه إخبار عما هو متحقِّق في المغتاب.
هذا وقد أجاز العلماء بعض صور سوء الظن, كمن بينه وبين آخر عداوةٌ, ويخاف على نفسه من مَكْرِه، فحينئذ عليه أن يحذَرَ مكائدَهُ ومَكْرَه؛ كي لا يصادفه على غرَّة فيُهلِكَه. ومن ذلك من أظهرَ المعصية وتخلف عن الطاعة بلا عذر, كما قال ابن عمر رضي الله عنهما: كنَّا إذا فقدنا الرَّجل في صلاة العشاء وصلاة الفجر، أسأنا به الظَّنَّ. رواه البيهقي بسند صحيح.
قلت: وشتّان بين ظنِّهم وظنِّ أحدِ الناس الذي فقد جارَهُ عن شهودِ الجماعة بضعةَ أشهر, فأخذ في الكلام في عرضه, والحطِّ من قدره, وأن فيه من سيما المنافقين, وكذا وكذا.. ولم يكلّفْ نفسه السؤالَ عنه, ولا احتمالَ حسنِ الظن به. وفي أحد المجالس بعدما أرغى وأزبد وانتفخ بالباطل, ردّ عليه أحد جيرانه: إن فلانًا الذي ما زلتَ تتكلمُ فيه قد كان مصابًا بمرض خطير ألزمه البيت ستّة أشهر, ثم توفاه الله بعدها, فأُسقطَ في يدِ صاحبنا! ولكن بعد خراب البصرة!
إن حسن الظن هو القاعدة, وسوؤه مع مبرّره الملحُّ هو الاستثناء, فإن انقلب الاستثناءُ قاعدةً هَلَك الناس! قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: لا يحلُّ لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمةً يظنُّ بها سوءًا، وهو يجد لها في شيء من الخير مخرجًا.
 وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من علم من أخيه مروءةً جميلةً فلا يسمعنَّ فيه مقالاتِ الرِّجال، ومن حَسُنت علانيته فنحن لسريرته أرجى.
فعلى المؤمنِ الناصحِ لنفسه أن لا يبحث لها عن المعاذير والمخارج, وأن لا يُرْكِبَهَا قلائصَ التأويلِ التي لا تُغني عنه من الحق شيئًا, في إساءة الظن بما لم يؤذن له فيهم من المؤمنين, بل عليه أن يسيءَ الظن بنفسه, ويحسن الظن بالعباد, وقد حسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر فقال: "إيَّاكم والظَّن، فإنَّ الظَّن أكذب الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا" رواه أحمد, قال النَّووي: المراد: النَّهيُ عن ظنِّ السَّوء، وقال الخطَّابي: هو تحقيقُ الظَّن وتصديقُه دون ما يهجسُ في النَّفس، فإنَّ ذلك لا يُمْلَك. ومراد الخطَّابي: أنَّ المحَرَّمَ من الظَّن ما يستمرُّ صاحبُه عليه، ويستقرُّ في قلبه، دونَ ما يعرض في القلب ولا يستقر، فإنَّ هذا لا يكلَّفُ به.
ومن جميل أقوالهم: السِّتر لما عاينت، أحسن من إذاعة ما ظننت. وقال أحد الزُّهاد الحكماء: أَلقِ حُسْنَ الظَّن على الخَلْق، وسوءَ الظَّن على نفسك، لتكون من الأوَّل في سلامة، ومن الآخر على الزيادة.
بارقة: تكلّم أحدهم على الحسن ثم ندم واعتذر؛ فعفى عنه وأوصاه بقوله: لا تخرجنّ من بيتك وفي نفسك أنك أفضلُ من مؤمن تلقاه قط.
إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

الجمعة، 14 مارس 2014

أي بُنَيَّ المُبتعث


أي بُنَيَّ المُبتعث

في مجاهل بحر اليابان وفي سنة 1876م ولد الطفل "هيديو نجوشي" في إحدى الجزر الصغرى في اليابان لأسرة بلغ بها الفقر حدًّا جعل أباه يهجر أسرته حين علم أن طفلاً ثانياً في طريقه إلى الحياة! وأُهمل هذا الطفل إهمالاً جعله يسقط في مدفأة فاحترقت يده اليسرى حتى شاهت، وأوذيت يده اليمنى إيذاء كاد يفقد نفعها، فكان أن اجتنبه التلاميذ في المدرسة لما في جسده من وصمات وتشويه، فهمّ الصبيّ بالانتحار هربًا من مآسيه الجسدية والمالية والمعنوية، ولكن الله صرف عنه ذلك, فقد قدم جرّاح نابِهٌ إلى القرية حينها، وعالج يده اليمنى علاجًا ناجعًا.
 واعترف "نجوشي" للجراح بالجميل اعترافاً جعله يقرّر لتوّه أن يكرّس نفسه للطب, ومن ثمّ علاج المرضى والأخذ بأيديهم نحو العافية الجسدية؛ فمن رِحم المعاناة يولد الإبداع.
فجدّ واجتهد, ولم يبال بمشاق التعليم وصعوبات الدراسة واختلاف اللغة وغزارة العلوم التي يحتاج أن يهضمها أولًا ليقف على قدميه في ساحِ الطب, فتقدّم وثابر بعزيمة وصبْرٍ يبزّ عظماء المخترعين, ومن أقواله عن نفسه محدّثًا لها وسائقًا لها لبر النجاح: سأكون نابليون الذي ينقذ البشرية, لا نابليون الذي يفتك بها، إنني أستطيع الآن أن أعيش معتمدًا على نعاس أربع ساعات في الليل.
 وكان "نجوشي" مفلسًا، ولكن متى كان الإفلاس عائقًا عن التحدّي العلمي؟! فعوّض هذا العصامي الفولاذي نقص ماله بزيادة جهده, فعمل في صيدلية على أن يكفل صاحبها مصاريف دراسته. وبعد أن تخرج من كلية الطب, سافر إلى الولايات المتحدة وعرض خدماته على الهيئة الطبية في الجيش في واشنطن مقابل نفقاته فقط؛ فقبلوه لتقديرهم للروح العلمية فيه, وهيأت له مؤسسة "روكفلر" للأبحاث الطبية معملًا يجري فيه تجاربه وينجز أبحاثه بهدوء وجَلَد.
 وشرع الشاب "نجوشي" يعمل وحده, لا يشاركه أحد على الإطلاق في إجراء التجارب والقيام بالبحث العلمي، فانتهى به ذلك الإخلاص والدَّأَبُ لقطف بعض أطيب الثمرات الخالدة في الطب الحديث؛ فهو الذي أنتج أول عينة خالصة من جراثيم الزهري، وكشف عن أثر الزهري في الشلل العام وفي الشلل البطيء, وأخيرًا استطاع في سنة 1918م أن يعزل طفيليّ الحمى الصفراء؛ فلما كسب الشهرة والثروة عاد هذا الوفيُّ لبلده اليابان، وكرَّم أمه العجوز، وجثا على ركبتيه أمام الصيدليّ الذي أنفق على دراسته الطبية اعترافاً له بالجميل.
 ثم انطلق إلى إفريقيا _ حيث الوباء الفتّاك _ ليدرس الحمى الصفراء التي كانت تفتك بساحل الذهب من أوله إلى آخره، فأصابته هذه الحمى التي صرعته بعدما نجح في كشف سرّها, ومات سنة 1928م عن اثنين وخمسين عامًا.
ولي ثلاث وقفات عجلى مع تلك القصة المؤثرة:
الأولى: لست بصدد نقد الابتعاث, فهو في مجملة رافد عظيم للتقدم الحضاري الدنيوي في المجالات التجريبية المختلفة, إنما أُسجّلُ تحفّظي على ابتعاث من هم دون سن النضج (وهو في العادة بعد المرحلة الجامعية) فقد أفرز هذا التساهل انحرافات فكرية وأخلاقية لدى بعض فلذات أكبادنا. كذلك أنبّه لضعف معيار الجودة النوعية في اختيار المبتعثين, وذلك بتدني سقف المقابلة والامتحان مما نتج عنه ضعف ملحوظ في المستوى الدراسي لدى نسبة غير قليلة أثناء الابتعاث. وبالجملة فلا بد للمبتعث من حَصانتين: إيمانية لدفع الشهوات المحرمة, وعلمية لدفع الشبهات المضللة.
الثانية: التحول الاجتماعي والانقلاب الصناعي في أي أمة لا بد أن يسبقه تحوّل ثقافي أخلاقي إيجابي, وبحسب البعد المنهجي وعمقه للأمة يكون تسارع قطعها للمسافات الزمانية للرقي المدني الحضاري, مع التنبيه إلى ضرورة وجود الإرادة ثم الإرادة ثم الإرادة لدى المسؤولين لبناء ثقافة عمليّة (دراماتيكية) مجتمعيّة مستمرة, وليس مجرّد هبّات هنا وهناك, فيتفرّق الجهد وينقطع العمل, مما يثقل الكاهل بأعباء وتكاليف لم نكن بحاجة لها لو وُجدت المتابعة الدقيقة والحزم الصارم مع المتلاعبين والمختلسين والانتهازيين ونحوهم.
ومن الثقافة المحتاجة للتعزيز لدينا: ثقافة الجديّة, والنظام, وعدم الاستنكاف من العمل اليدوي, ونشر ثقافة العصاميّة دون الشرانق المعتمدة على كدِّ والديها.
لقد احتاجت اليابان إبّان قفزتها الشاهقة السريعة من نظام الإقطاع إلى النظام الصناعي والتجاري لخمسة عشر عامًا فقط! (ما يعادل خمس خطط خمسية فقط في بلداننا اليوم) فاستدعت الخبراء الأجانب في مختلف فروع المدنيّة الصناعية الذين وجدوا في مساعديهم اليابانيين العطش العلمي للروح الصناعية, فشربوا علوم معلميهم وطبقوا تجاربهم _ تحت أعينهم _ فلم يمض خمسة عشر من الأعوام حتى صار المتعلّمون أقرانًا لمعلميهم, فابتدأوا صناعة وطنية يابانية نقلت اليابانيين من خيام الجلود والأكواخ إلى المصانع وناطحات السحاب, ومن بدائية المحراث والمطرقة لعصر الأجهزة المعقّدة.
ثالثًا: ليس الابتعاث دليل نقص في بلد المبتعث, فلا زالت الحضارة تنتقل من بلد لآخر مع تغيير لغتها وملبسها, فهي لا تموت ولكن تنتقل, وقد كانت جامعات الأندلس تستقبل المبتعثين من بلاد أوروبا عقودًا طويلة, حتى كانت لغة العرب هي لغة العلم والثقافة وزيّهم هو لباس الحريّة والتنوير, حتى بين أولاد ملوك ونبلاء وأشراف ومثقفي أوروربا في ذلك الحين السعيد.
رابعًا: رسالة مودّة لسفراء بلادهم في الأخلاق والجديّة وحب العلم والعمل من المبعثين من الجنسين:
 أي بُني المبتعث: سلام الله عليك, وأسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة, وأحاط دينك ودنياك بحفظه, وردّك لأهلك سالمًا غانمًا, خذ مني هذي الوصايا الموجزة التي دفقها الفؤاد المفعم بالمحبة لك وحسن الظن بك:
اعلم أنها سنين قلائل ستطوى سريعًا من تحت قدميك وسيترتّب على إنجازك لها مصير مستقبلك في حياتك, فأنت من تفصّل الثوب الذي ستلبسه غدًا بإذن الله.
واحفظ أمانة الله التي أودعكها وهي دينك, فمن فقد دينه فليس عنده شيء يُبكى عليه بعد, فاتق الله وعظّم شعائره وحرماته وحدوده, واحذر ذنوب الخلوات ومنها ما كان بعيدًا عن رقيب قومك, وقد أوصى أحد سلفك صاحبه حين سافر قائلًا: لا يكن الله أهون الناظرين إليك. وإياك والمشتبهات الفكرية, وارجع لأهل العلم فيما أشكل عليك. ثم الزم الوسطية, واعلم أنها صراط الله, فكل من زاد فيها أو نقص منها فقد غوى.
وكن واضح الهدف, حسن التخطيط لبلوغه, متحلّيًا بالجديّة والانضباط.
 ولتكن حسن المظهر, نقيَّ المخبر, واسع الأفق, رحب الصدر, دمث الأخلاق, مراعيًا للمفاسد والمصالح, مفرّقًا بين المداهنة والمداراة, واترك أثرًا طيبًا في كل من تتعامل معهم, ولتكن خير سفير لدينك وبلدك وأهلك.
بارقة: جامعة الوصايا: اتق الله حيثما كنت "ألم يعلم بأن الله يرى" 
إبراهيم الدميجي
صحيفة الاقتصادية

مقال ذو صلة: 

الجمعة، 7 مارس 2014

التقوى بين الغلوّ والجفاء



الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان,  أما بعد:
فمن سنن الله تعالى في خليقته أن نوّع المدارك, وفضّل في المِنح, ورفع بعض الناس على بعض في أديانهم وعقولهم وأخلاقهم وأرزاقهم, وبثّهم في هذه الدار امتحانًا وابتلاءً. كلٌّ منهم يحرث أيامه بأعماله, ويستبق أجله مع أنفاسه حتى إذا بلغ المدى الأخير عادت وديعة الروح لصاحبها ورجعت لخالقها.. حتى إذا أذن الله للحساب؛ أقام الأشهاد, وجمع الأولين والآخرين.. حينها: "يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذٍ لله" "كل نفس بما كسبت رهينة" "يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية
حينها يكون الافتراق العظيم  في المصير على قدر الافتراق اليوم في التديّن "ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون . فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون . وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فؤلئك في العذاب محضرون"
فبما أن الأمر بهذا الخطر فقد وجب على كل ناصح لنفسه أن يراجع مسيرته, ويحاسب نفسه قبل الفوات, كي يستعتب في دار المهلة ويؤوب قبل أن لا تحين مناص.
ومن فروع تلك المحاسبة: أن لا يكتفي بإحسان النية دون إحسان الاتّباع, فرُكنا قبول العمل الإخلاص والاتّباع, ولا يكفي شرط عن مُكَمّله, فلا بد من تحقيق الشهادة الأولى بتجريد النية وإخلاص العمل وتوجيه الوجه للواحد الأحد لا شريك له, ثم بتحقيق الشهادة الثانية بإحسان الائتساء بمن لَهَجَ له بالشهادة بالرسالة صلوات الله عليه وسلامه وبركاته, وهو القائل _ بأبي هو وأمي ونفسي _ فيما رواه الشيخان: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ" وكفى به عن الإحداث زاجرًا.
فقل لمن لم يخلص: لا تتعب! وقل لمن لم يتّبع لا تتعب! "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعما عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا"
وشرْعُ الإسلام وسط بين الشرائع, قد جمع الله فيه كل كمالاتها وجعله خاتمًا لها ناسخًا, "ومن يبتغ غير الإسلام فلن يقبل منه" وأمة محمد صلى الله عليه وسلم وسط بين الأمم, عدولًا خيارًا شهداء على الناس, "وكذلك جعلناكم أمة وسطًا"
وما من أمر لله إلا وللنفس فيه إفراط أو تفريط, ومن رحمة الله أن جعل منار الدين واضحًا جليًّا, وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم محفوظة نقيّة "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" فمن رام الفلاح فليبدأ من هنا. لا غلو ولا جفاء, فابعث نفسك على العمل واجتهد ولا تقصّر, ثم قف حيث وقف القوم, فلا خير في التقصير ولا خير في الغلو.
إبراهيم الدميجي
6/ 5/ 1435

الأحد، 2 مارس 2014

زهد وإحسان لا تصوّف وخرافة

زهد وإحسان لا تصوّف وخرافة
أن تصل مرتبة الإحسان التي أعلاها وأشهرها رسول الهدى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه, بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك" عليك بأمرين:
إحسان المعتقد, وإحسان المتابعة.
"فمن كان يرجو لقاء ربه فليعما عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا" صلاحًا بحسن الاتّباع وهجر الابتداع, وإخلاصًا بالبراءة من كل ما يشوب صفاء التوحيد من لوثات التشريك.
فإحسان السلوك يبدأ من هنا, وبهذا تتحقق لك الشهادتان قولًا وعملًا, فإن كنت كذلك فافرح بفضل الله تعالى, واحمده واشكره والهج بتقديسه وذكره, واسأله المزيد من فضله, والتثبيت على صراطه, وإن كنت على غير هذه الجادة _ إما دَخَلًا في معتقد, أو ابتداعًا في الاتّباع _ فلا تتعب نفسك, فعلى قدر الانحراف تكون المؤاخذه بعد إقامة حجة الله تعالى على نفسك.
فيا صاحبي اضرع إلى ربك, وانطرح بين يديه, وانكسر في سجودك مبتهلًا: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل, عالم الغيب والشهادة, أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
إبراهيم الدميجي

الجمعة، 28 فبراير 2014

في أصول لغة العرب.. وهل كان خليل الرحمن عربيًّا؟

في أصول لغة العرب.. وهل كان خليل الرحمن عربيًّا؟

الحمد لله وبعد: فتنقسم اللغة العربية القديمة إلى قسمين: شرقية وهي الأكدية (البابلية والأشورية) وهي لغة عرب ما بين النهرين والهلال الخصيب، وغربية وهي تنقسم إلى قسمين: شمالي (الكنعانية والفينيقية) وهي ممتدة من شمال جزيرة العرب إلى حوض البحر المتوسط، ويتفرع عنها الموءابية والعبرية والآرامية، وجنوبي (عربي شمالي وعربي جنوبي) وهي ممتدة من وسط جزيرة العرب إلى جنوبها مع سواحل أفريقيا الشرقية والحبشة، وتمتد شمالًا حتى تدخل العراق.
وقد يستقيم لنا القول: إن اللغة العربية قد مرت بثلاث مراحل: الأولى هي العربية القديمة كالعاديّة والثموديّة والأكديّة والفينيقية. والمرحلة الثانية: هي العربية المتوسطة كالآشورية والبابلية والكنعانية وما تفرع عنها من عبرية وآرامية وجنوبية. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة العربية الحديثة (الفصحى).
وإيضاحًا لذلك نقول: إن أقدم الحضارات المشهودة على ظهر الأرض هي الحضارة السومرية (ويُعتقد أنهم بقايا قوم نوح عليه السلام الذين نجوا من الطوفان) ويرجح البعض أن أوّل أمرهم كان قبل (6000) من الميلاد، علمًا بأنه لم يبق من الشعوب سوى ذرية نوح عليه السلام، قال تعالى: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ [الصافات: 77]. فنوح  عليه السلام هو أبو البشر الثاني.
ويقال: إن نسل نوح عليه السلام ثلاثة وهم: سام حيث بقي نسله في الهلال الخصيب والشام وجزيرة العرب وشمال إفريقيا، وحام ويُظن أن نسله في جميع إفريقيا ــ خلا شمالها ــ، ويافث وقد انتشر نسله في آسيا وأوربا (مع اختلاط هذه السلالات في كثير من المناطق).
والسومريون يعودون ــ أو غالبهم ــ إلى الشعوب السامية المتفرعة من سام بـن نوح عليه السلام ، وإليهم ترجع أقدم حضارة إنسانية معروفة، وهم أول من شق القنوات الزراعية وأنشأ السدود وصنع بعض الصناعات البدائية، كذلك إليهم تنسب أقدم الكتابات البشرية وهي المسمارية (وهي أنماط منحوتة على الحجر أو الطين أو المعادن) ثم تبعها اختراع الكتابة التصويرية (أي نقش الصور ورسمها لتدوين المراد، كلغة المصريين القدماء) ثم تبعتها الأبجدية الأولى (أي كتابة الأحرف الصوتية اللسانية) على يد الفينيقيين العرب ولا زال معمولًا بها حتى الآن. مع التنبيه إلى تعليم الله تعالى لآدم عليه السلام أسماء كل شيء، وقدرته على الخطاب، فالموضوع في الكتابة وليس النطق.
ثم نشأت على أنقاض الحضارة السومرية الحضارة الأكدية (3000ق.م) بشقيها الآشوري والبابلي، وما تفرع عنها من الكلدانيين (الذين بعث إليهم إبراهيم عليه السلام) كذلك الكنعانيين الساميين الذين فارقوا حضارتهم السومرية إلى جزيرة العرب أولًا, ثم انتقل كثير منهم إلى حوض المتوسط الشرقي والجنوبي وبعض الغربي, وبقي بعضهم في حرّان.
وبالتحليل الجينوغرافي (دراسة السلالات عن طريقة الجينات الوراثية) قامت به الجامعة الأمريكية في بيروت، تبيّن أن 99% من شعوب شرق حوض البحر المتوسط وجنوبه يعودون إلى جين J2 وهو نفس الجين الذي يحمله سكان جزيرة العرب.
ومع هجرة الساميين إلى جزيرة العرب استوطن بعضهم جنوبها الغربي وبنوا حضارات مشهورة، كذلك فقد وصلوا للسواحل الأفريقية وتوغلوا إلى وسط إثيوبيا.
أما الفينيقيون الساميون فإنهم انتقلوا من شرق جزيرة العرب إلى شرق حوض البحر المتوسط وجنوبه ــ كما أسلفنا ــ وأسسوا حضارة عريقة وعظيمة امتدت إلى جزر بعيدة في المحيط الأطلسي، بل وصلت تجارتهم لأمريكا الجنوبية إذ وجدت بضائعهم مع بقايا حضارات القارة الأمريكية الجنوبية القديمة كالمايا وغيرها, وهي البضائع التي تحمل شعارات الفينقيين وبعض رسوم آلهتهم الوثنية.
وعلى أنقاض الفينيقيين قامت حضارة جديدة ــ غير ساميّة ــ وهي حضارة الإغريق (اليونان) الذين خرّجوا الفلاسفة المشاهير كسقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم، وأسسوا المعابد الوثنية خاصة في أثينا وهي الحضارة الهيلينية، ومن أشهر قوادهم وحكامهم الإسكندر المقدوني.
ثم على أنقاض الإغريق قامت حضارة جديدة آتية من سهول أوروبا, وهي الحضارة الرومانية التي عُمّرت طويلًا واشتهرت بالطغيان والجبروت, كحال من سبقها من بعض الحضارات الكبرى، وكانت نهايتها في مصر والشام والعراق وآسيا الصغرى على يد الأمة المسلمة، لكنها بقيت بعد ذلك طويلًا في شرق وجنوب وعمق أوروبا.
وعليه نقول: إن الفينيقيين العرب هم أول من أبدع الأبجدية المعمول بها حاليًّا، وعنهم أخذت اللغات الأخرى أبجدياتها، بل أخذوا حتى أشكال الكثير من حروفها، ذلك أن الفينيقيين كانوا أمة تجارة وتواصل مع الأمم الأخرى, فاحتاجوا لتدوين كثير من أمورهم, فتفتقت عبقريتهم عن تلك الأبجدية الفريدة، ومن أمثلة ما أخذته الأمم عنهم في أبجدياتها ما نراه في اللغة الإنجليزية الحالية، فإن كثيرًا من حروفها يتطابق شكلًا ونطقًا مع الحروف الفينيقية مثل (Y- u- a – B- D- H- K- L- M- N)، وقد أخذوا حروفًا أخرى فينيقية وأبقوا على شكلها مـع تغيير في نطقها مثل (O- Q- R- W- X) مع ترك اللاتينية والإنجليزية بعض الحروف الفينيقية لثقل نطق حروفها عليهم، لكنها بقيت في اللغة الأم العربية حتى زماننا هذا، وذلك مثل (ح ـ خ ـ ص ـ ض) وغيرها، وبعد تفرق الفينيقيين في المساحات الشاسعة تغيرت لهجاتهم حتى صارت لغات مستقلة كالعربية والعبرية الكنعانية والفينيقية المعروفة والآرامية، وهذه الأخيرة خرجت من رحمها عدة لغات أخر كالنبطية لكن أشهرها السريانية.
 والمشهور أن السريانية هي لغة إبراهيم عليه السلام، ولا زالت الكنيسة السريانية تحتفل بعيد نجاة إبراهيم عليه السلام من النار التي أوقدها له أعداؤه، وكان أول أمر إبراهيم عليه السلام في بابل التي كان مركزها وسط العراق (بقرب مدينة الحلة حاليًّا) وعلى هذا فالآرامية (التي يشتهر أنها لغة المسيح عليه السلام) هي فرع عن الكنعانية الفينيقية العربية القديمة.
 وعلى هذا فإن إبراهيم عليه السلام كان عربيًّا – بهذا الاعتبار - لأن لغته هي السريانية المتفرعة من الآرامية، وكان يتكلم مع زوجات ابنه إسماعيل عليه السلام في مكة ويفهمن كلامه وهن جرهميات عربيات، ثم أخذت اللهجات تتمايز وتتطور مع نحت الزمن لها حتى صارت لغات مستقلة عن اللغة الأم العربية التي تطورت كثيرًا في عهد إسماعيل كما في مسند أحمد بسند صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أول من فتق لسانه بالضاد إسماعيل»
ثم أخذت تلك اللغة في الرقي والتطور والسمو حتى بلغت المقام الرفيع والسقف الأعلى على الإطلاق في العهد القرشي حيث خلّدها القرآن الكريم فكانت سقفًا أعلى لا يتجاوز لأنها عربية مُبِيْنَة (فصحى) ﴿بلسان عربي مبين﴾ [الشعراء: 195]
 لهذا فقد كانت قريش تفتـخر ببيانها على بقية العرب العرباء قبل الإسلام، بل تصفهم بالعجمة مقارنة بلغتهم الفصحى، وقد أقرت لها العرب بذلك التميّز وحكّمتها في أشعارها وبيانها.
ولك أن تقارن اللغة العربية الفصحى بأي لغة عالمية من شرق العالم لغربه فسترى الفرق الشاسع والفارق المبين بينها وبينهن سواء كان في عدد الكلمـات حيث فاقت العربية الإنجليزية 400%، هذا عدا الاشتقاقات المختلفة والجذور الدلالية التصريفية، وسهولة التعريب، كذلك عدد المترادفات للمعنى المتقارب جدًّا حتى إن من لا يعرف العربية يظن أن تلك المترادفات تأتي لمعنى مطابق, ولكن في الحقيقة أن كل كلمة تؤدي معنى مستقلًّا وإن كانت تـخدم المعنى نفسه، ولكن على حسب فصاحة المتكلم تتنوع خياراته ويصيب كبد المعنى برمي لفظه المطابق له.
إذن فاللغات السامية تفرقت, وبقيت منها اللغة العربية بلغاتها المختلفة, إذ العربية القديمة فرع عن السامية، ولك أن تتصور أن اللغات الإفريقية الأمهرية والهروية والسواحلية أصولهن عربية، ويجتمعن مع العربية السائدة في تراكيب وتصاريف بعيدة الجذور الزمانية, حتى صارت لغات مخالفة للفصحى السائدة في الزمن الحاضر.
وهناك من الباحثين من ينازع في كون الآرامية والسريانية تعودان في أصولهما للعربية, بل يرجعونهما رأسًا للسامية القديمة، وهذا قول وجيه، والأمر في ذلك واسع، وليس بين أيدينا سواء في تاريخ الحضارات أو اللغات سند أو دليل قطعي يرجح أيًّا من تلك النظريات.
 والله سبحانه وتعالى قد أنعم على الإنسان بأن علمه البيان والإفصاح عما في خاطره، وسرد ما في خبايا عقله، وفارق بعقله ولسانه الحيوانات المعجمة التي لا تبوح بمكنوناتها إلا بصوت مجرد من حركات اللسان، قال تعالى: ﴿الرحمن. علّم القرآن. خلق الإنسان. علّمه البيان﴾ [الرحمن: 1ــ 4].
بارقة: الكتاب كالإنسان. فالعاطفة روحه, والأحكام دمه, والدلائل عقله, والأخبار أعضاؤه. فعلى قدر تمامها ونقصها تكون حياته.
إبراهيم الدميجي
aldumaiji@gmail.com

صحيفة الاقتصادية