إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأحد، 3 يوليو 2022

المغالاةُ في الدِّياتِ

 المغالاةُ في الدِّياتِ

 

الحمد لله تعالى الحكيم في تشريعه، اللطيف في تدبيره، العليم الخبير ببواطن الأمور وظواهرها، أما بعد؛ فإن كبار الأمور وجلائل الأخطار قد تكون نتيجة لصغير الأشياء، كما قال طَرَفَة:

قَدْ يَبْعَثُ الأمْرَ الكَبِيرَ صَغِيرُهُ … حَتّى تَظَلَّ لَهُ الدِّماءُ تَصَبَّبُ

فلرُبَّ كلمة هنا أو عمل هناك ترتب عليهما خير عظيم أو شر جسيم، والأمور بمقاصدها، والحكيم الفقيه هو من عرف خير الخيرين وشرّ الشرين، وحبس نفسه على مقتضى علمه وحكمته، قال سبحانه: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا) وليست العبرة بقول لا يعضده عمل، ولا بعمل لا يقوم على نيّة خالصة، فإن استقامت الثلاث قام الدين ونهضت الشريعة واستقام الحال في العباد. والسعيد حقًّا من قفا أثر الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يبدّل ولم يقصر.

وهذه الأمة مبتلاة في دمائها من عدوها ومن أنفسها، والشيطان حريص على تزيين الشر وإملائه، ولا يزال يوسوس ويملي حتى إذا اندفق الدم الحرام تبرأ منه! والسعيد من وُعظ بغيره، والشقي من وعظته نفسه، ولات حين رجوع!

وإذا تبع الناس كبراءهم في العلم والحلم والعقل أوشكوا أن يفلحوا، فعن ذي الرِّمّة قال: شهدت الأحنف بن قيس وقد جاء إلى قوم في دم، فتكلم فيه وقال: احتكموا، قالوا نحتكم ديتين. قال: ذاك لكم. فلما سكتوا قال: «أنا أعطيكم ما سألتم. فاسمعوا: إن الله قضى بدية واحدة، وإن النبي ﷺ قضى بدية واحدة، وإن العرب تَعَاطَى بينها دية واحدة، وأنتم اليوم تطالبون، وأخشى أن تكونوا غدًا مطلوبين؛ فلا ترضى الناس منكم إلا بمثل ما سننتم!» قالوا: رُدَّها إلى دية.

ابتداءً ادعو الله تعالى أن يعتق رقاب المسلمين من سيوف الدنيا ونيران الآخرة، وأن يفك أسراهم، ويصلح ذات بينهم، ويهديهم سبل السلام، ويجمعهم في رحاب الجنات، إله الحق آمين.

إن شرع الله هو الخير بحذافيره، وعين الحكمة بتفاصيلها، وحسن العاقبة في الدارين، وأيّ زيادة أو نقص عنه فهو انحراف عن الحق والهدى والسعادة بقدره. ومن ذلك: التعامل مع القتل العمد، فالحالات فيه تختلف بحسب الأحوال، ولكن يجمعها تخيير أهل الدم بين الثلاث: العفو مجّانًا لوجه الله تعالى، أو القَوَد بالقتل قصاصًا، أو الدية، فلهم العفو أو القوَد أو العقل (1) وهي مقدار مئة من الإبل، وتقوّم من المال بمثلها.

 أما الصلح المسمى الآن بشراء الرقبة، وهو العفو عن القصاص إلى أكثر من الدية ففيه خلاف، فمن أباحه؛ فقد فسّر به الحديث الذي رواه أحمد بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن قَتَلَ مُتَعمِّدًا دُفِعَ إلى أوْلِياءِ المقْتُولِ، فَإنْ شاءُوا قَتلوا، وإنْ شاءُوا أخَذُوا الدِّيَةَ، وهِي ثَلاثُونَ حِقَّةً، وثَلاثُونَ جَذَعَةً، وأربعون خَلفةً، وما صُولِحُوا عَلَيهِ فَهُو لَهُمْ». (2) فقوله صلى الله عليه وسلم: "وما صُولِحُوا عَلَيهِ فَهُو لَهُمْ" هو الصلح المستأنف بما زاد أو نقص عن الدية، فقالوا: إنه نصّ في محل النزاع، فلا يجوز بحال العدول عنه إلّا لمرجّح ومسوّغ، وألحقوه بالدية، رفقًا بالقاتل وأهله، وتوسعة على ذوي المقتول، ولم يأت في الشرع منعه حتى نحتاج لمرجّح، فهو صلح على خصومة. وهذا قول الأكثرين، بل نُقل إجماعًا، وإن كان الخلاف ثابتًا، قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "من له القصاص له أن يصالح عنه بأكثر من الدية، وبقدرها وأقل منها، لا أعلم فيه خلافا". (3) وهو قول الحنفية (4)، والمالكية (5)، والشافعية في قول (6)، والحنابلة في الأصح المشهور. (7) (8)

وقد نقل ابن عساكر رحمه الله تعالى أن هُدبة بن خَشرم قتل قتيلًا، فبذل سعيد بن العاص والحسن والحسين لابن المقتول سبع ديات ليعفو عنه فأبى ذلك وقتله (9). وقالوا أيضًا: إنه صلح عن ما لا يجري فيه الربا فأشبه الصلح عن العروض (10). ولأنه عوض عن غير مال فجاز الصلح عنه بما اتفقوا عليه كالصداق وعوض الخلع.

 وجواز الصلح هو الراجح لجودة سند الحديث وعمل الصحابة به، ولكن هذا لا يمنع الإمام – خاصة مع قوّة الخلاف - من تقييد إطلاق الحكم بما يدفع المفسدة ويرفع الحرج ويدفع الضرر إثْرَ توسّع الناس فيه، والضرر يُزال، فلا بأس بقيود تمنع من التزيّد والمبالغة الشديدة وإرهاق الناس وإحراجهم. وليس في هذا تعطيل للحكم، بل هو قصر له على ما وضع له، ومنع الناس من الزيادة عليه، فغرضه معلوم وعلّته معقولة وهي إرضاء أهل الدم بزيادة على الدية ترغيبًا لهم في العفو بمقابل إذ لم يرتضوه مجّانًا لوجه الله تعالى. وضابط الزيادة هنا هو المبالغة عرفًا وبخاصة إن صحبها مشقة شديدة. ولهذا نظائر في الشريعة؛ كجلد الشارب ثمانين، وإمضاء طلاق الثلاث ونحو ذلك، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، والعلة هنا هي مراعاة حق أهل القتيل وأهل القاتل، أما القتيل نفسه فحقّه باق حتى قيامة الأشهاد بين يدي رب العباد. 

قال الجبرين رحمه الله تعالى: "والدية قدرت بمائة من الإبل، وإذا طلبوا القصاص كلهم، أو طلبوا مالًا كثيرًا فإن لهم ذلك، وقد روي أن بعض الصحابة عرضوا على أولياء المقتول أربع ديات.. وهذا يدل على أنه يجوز أن يزاد في الدية، ولكن هذا يسمى صلحًا عن الدم، وكأن القاتل يشتري نفسه، يقول: لا تقتلوني وأنا أعطيكم أكثر من الدية، أو يقول أهله وعصبته: نحن نشتريه منكم بما تطلبون، ولو طلبتم خمس ديات أو ست ديات أو عشر ديات أو نحو ذلك، فيجوز أن يصطلحوا على أكثر من الدية، ولكن الأولى العفو والصلح، والإنسان إذا عفا وأصلح فأجره على الله". (11)

أما من منعوا الصلح فقد فسروا الحديث على أن القصد بالصلح فيه إنما هو تخيير أهل القتيل بين الدية أو القَوَد إن لم يعفُو، وليس لهم غير ذلك. فقوله صلى الله عليه وسلم: "وما صولحوا عليه" أي: وما تصالح واتفق القاتل وأولياء الدم عليه من القصاص أو الدية، وقوله: "فهو لهم" أي: فما اتفقوا عليه من القصاص أو الدية هو الواجب لهم، أي: لأولياء الدم "وذلك" أي: كون الدية من الأصناف الثلاثة المذكورة؛ من الحقة والجذعة والخلفة "تشديد العقل" أي: تشديد الدية وتغليظها؛ لكون القتل عمدًا. (12)

وعليه؛ فلم يرد ما يسمّى بصلح الدم في التنزيل كتابًا وسنة، ولم يعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حكم به، وما نُسب إليه من ذلك لا يحتمله لفظه. وقد قال بذلك المنع: الشافعية في قول، والحنابلة في قول، اختاره ابن عَقيل (13)، وبعض المتأخرين كابن القيم (14). ومال إليه العثيمين احتياطًا (15). وعللوه بعدم قصده في الحديث، ولفظ الحديث عام يحتمل غيره، كأن يكون بطيب نفس بلا اشتراط وغير ذلك. فيبقى الأمر بقصر تخيير أولياء الدم على الثلاث على بابه. ودليل ذلك قول النبي ﷺ: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُودَى وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ». (16) فذكر الدية أو القصاص، وهذا يدل بمفهوم المخالفة على أنه لا خيار له فيما سوى ذينك، إن لم يرد العفو لله تعالى ابتداءً.

وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله تعالى: "الدم له دية مقدرة شرعًا لا يزاد عليها، لكنه يزاد عليها صلحًا، وقد كنا نميل إلى الوجه الأول، - أي: المنع من الزيادة على الدية - ثم تبين في الأخير بعد تصحيح حديث الترمذي صحة الوجه الثاني، فإن النبي ﷺ قال: "وإن صالحوا فلهم ما أخذوا" أي: ما اصطلحوا عليه، وهذه الزيادة حسّنها غير واحد، وملنا إلى تحسينها في الأخير في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ.

وعلى هذا يجوز الصلح بأكثر من الدية، ولكن من حيث الأصل ينبغي أن ننبه على مسألة ستأتينا في الديات وهي: أن القرابة والعصبة هم الذين يتحملون دية الخطأ في الأصل، (17) فإذا صالحوا بأكثر من الدية ألزموا القرابة أن يدفعوا ثلاث ديات أو أربع ديات، ويقع فيها من الإحراج والأخذ بسيف الحياء ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، فلا يجوز إحراج القرابة بمثل هذا، وإذا أراد أحدٌ أن يتبرع بدية ثانية أو ثالثة فلا يضرّ بقرابة القاتل؛ لأنهم لا ذنب لهم، والأصل أنهم يحملون ما في طاقتهم، فتحميلهم فوق طاقتهم وتحميلهم الديون من أجل جانٍ قد لا يستحق أن يبذل له ذلك، وقد يكون شريرًا؛ كل هذا لا يجوز.

فالمقصود: أن الأصل يقتضي أن يقتصر على الدية، وإن حصل صلح فيجوز أن يصالح على أكثر من الدية، وفي هذا قصة هدبة بن خشرم المعروفة ... والشاهد في كون هؤلاء الصحابة بذلوا أكثر من الدية، فاجتمع دليل السنة ودليل الأثر عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وعلى هذا فجمهور العلماء رحمهم الله تعالى على أنه يجوز في الصلح في الديات بأكثر من الدية". (18)

وقال أيضًا: "ومن أدران الجاهلية والعصبيات الممقوتة عند بعض الناس: أن أولياء المقتول إذا قالوا: لا نريد القصاص ونريد الدية، فإنه يُعتب عليهم، ويأتي أولاد العم والقرابة ويقولون: أنتم لا تقدّرون أباكم، وأبوكم لا يقدر بثمن، وما هذه الدية؟ أترضون بالمال دون دم أبيكم؟ أنتم كذا أنتم كذا ولربما هددوهم بالقطيعة -والعياذ بالله تعالى- وهذا من مضادة شرع الله تعالى، ومن المحادَّة، ومن الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.

فإن الله تعالى يحب العفو ويقول: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾. وهؤلاء -نسأل الله تعالى السلامة والعافية- بخلاء على أنفسهم، ويأمرون غيرهم بالبخل، فهؤلاء لا يجوز طاعتهم؛ لأنهم لا يريدون الخير لمن عفا أو أراد أن يعفو، فالذي يريد أن يعفو ويقول: أسامح لوجه الله تعالى، فأجره على الله عز وجل، والأفضل أن لا يأخذ شيئًا". (19)

وبعد؛ فمن تأمل مفاسد المغالاة في الديات ظهر له خطر ما يتجه إليه بعض الناس في هذا الزمن، فمن مفاسد المغالاة في الديات التالي:

أوّلًا: أن العاقلة – وهم العصبة - لا تتحمّل شرعًا دية القتل العمد، إنما تتحمل – ندبًا لا إلزامًا - دية الخطأ وشبه العمد، فكيف يحمّلونهم الآن دية القتل العمد، ثم يضاعفونها عليهم بعد ذلك أضعافًا كثيرة! فإن فعلوا وإلا وقع عليهم لوم الجُهّال.

ثانيًا: أن الدية ليس القصد منها بيع دم القتيل، بل هي تعويضٌ لأهله عن بعض فقدهم له، لذلك روعي قدرها أن تكون مئة من الإبل أو ما يساوي قيمتها، وهي عند أوساط العرب كافية مدى حياة ذويه إن أحسنوا تدبيرها، فهي كفاية العائل وزيادة، أما حقه الخاص فموفور عند الله تعالى. وعليه؛ فإن المبالغة في طلب مبلغ الصلح كأن فيه نوعٌ من بيع دم القتيل، وفي هذا إرخاص له مهما بلغت الأموال التي سعّروا بها دمه! والدنيا بأسرها لا تساوي عند أهله قيمته. وهذا المعنى الرديء غير مراد للشارع البتة، فليس للمؤمن الحرِّ ثمن سوى الجنة.

ثالثًا: أن في المغالاة تعجيزٌ ومشقة وإضرار وتحريج للناس، وقد كانت دية الملوك في الجاهلية ألفًا من الإبل، أي: عشر ديات عاديّة، فأبطل الاسلام ذلك، فجاءنا اليوم من يطلب مئة دية بل تزيد، وصرنا نسمع من يطلب عشرات الملايين كستين مليونًا، بل مئة مليون ريال! وهذا مبلغ يوازي مئتين وخمسين من الديات! فانظر كيف انتقلوا – لما تجاوزوا دية الشرع - من دية ملوك الجاهلية عشر ديات إلى مئتين وخمسين دية، فأين هذا من الإسلام؟! فأمر الجاهلية مذموم مرذول مُطّرَح، قال صلى الله عليه وسلم: "ذهب أمرُ الجاهلية". (20)

رابعًا: أنها سبب لقطع أواصر القربى والأرحام، بيان ذلك؛ أنّ ذوي القاتل يقطعون وجوه أبناء عمومتهم، بل أفراد قبيلتهم وإن تباعدت بطونهم، في السعي لما يُسمّونه إعتاق الرقبة التعجيزي، ويلزمونهم بسيف الحياء بالمساهمة في جمع المبالغ حتى وإن كانوا فقراء مدقعين لا يجدون قوت عيالهم، فيضطرهم دفع معرّة تنقّص الناس لهم إن لم يساهموا إلى إثقال ظهورهم بالاستدانة أو دفق ماء وجوههم بالاسترفاد! وصاروا على علّاتهم يحاولون صيانة وجوههم وستر أعراضهم عن مقاريض الناس، فيستدينون كيما يساهموا بمبالغ لم يكلّفهم الله بها ابتداءً، إنما يفعلون ما يفعلون دفعًا لعادية الشامتين بأن فلانًا – فعل الله به كذا وكذا - لم يقف مع قومه، ولم يساهم معهم في عتق تلك الرقبة القاتلة، ويتهمونه بالبخل والشحّ، والازورار عن مواقف القبيلة، وينتقّصون رجولته، ويزدرون شيمته، ويغمزونه بنقص مقداره، لأنه لم يساهم في تحمّل تلك الملايين التي ما أنزل الله بها من سلطان، أما من عجز عن المشاركة فحسبه اقتلاعهم شيمته وتسويدهم وجهه وإثلامهم عرضه، فينشأ عن ذلك البغي قطيعة وإحِنٌ وشحناء وبغضاء، وهذا الأمر ليس محصورًا في المساهمة في ديات الدماء، بل في غيرها. ولست في ذلك مبالغًا، فقد تأذّى فيه فئامٌ عندي خبرهم، علمًا أن الفقير لا يُطلَب لعقل الدم، والله المستعان.

هذا؛ وقد تأخذ القبيلة النخوة والحمية والعصبية المجردة لإنقاذ ابنهم القاتل عمدًا وعدوانًا من السيف، وقد لا يكون صالحًا بل ولا عاقلًا رشيدًا، ويعقدون الاجتماعات والاحتفالات والمخيمات وينشدون ما يسمى بالشيلات، مع الغفلة المطبقة لدى كثير منهم عن محاويج القبيلة وأيتامها وأراملها!

ولا يعني ذلك بحال ذم التعاون، إذ أن التعاون على البر والتقوى قد أمر به الرحمن تبارك وتعالى، ويُشكر كثيرًا من فعله وساهم فيه ودلّ عليه وأعان، وهو باب شريف عزيز من أبواب الجنة وشعائر الشريعة وشعب الإيمان. وأصل المساهمة في جمع الدية – حتى وإن كانت على صلح - هي من شيم الإيمان وأعمال البر والتزكية، فأوصي نفسي وغيري بالمبادرة إليها، والمشاركة في سُهمانِها رأيًا وجاهًا وجهدًا ومالًا في سبيل رفع السيف عمّن استحقّه قضاءً بإرضاء ذوي الدم بما يقدر عليه أوساط الناس، فإن غالوا وعجّزوا الناس وأشبهوا الأمر ببيع الدماء افتخارًا واستطالة وعُلوًّا؛ فهنا يختلف الحال! فينبغي والحال هذه الاحتساب في هذا الأمر بردّه إلى جادة عمل المسلمين عبر القرون بالدية المشروعة أو بالصلح المعروف، أما التزيّد والمغالاة فليست من أعمال البر بسبيل.

وبالجملة؛ فلا بد قبل الهمّ بالمساهمة والتعاون على احتمال الدية من ملاحظة أمرين:

 الأول: أن هذا المأمور به هو من البر والتقوى، لا الفخر والبغي والزيادة.

 الثاني: أن يكون بقدر الاستطاعة، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وهي في الأصل مندوبة مستحبة لا فريضة لازمة، وكل امرئ له أولويات، فقوت العيال أولى وألزم، قال صلى الله عليه وسلم: "كَفَى بِالمَرْءِ إثْمَاً أنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ". (21) أما إن زاد ماله عن حاجة عياله وكفايتهم فجاد الله على من جاد، "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه". (22)

خامسًا: أن الغلواء في قيمة الدية لا يخلو من مفاخرة بقيمة الدماء، لسان حالهم: أنّنا القوم نفتدي صاحبنا بعشرات الديات، وأنا قد جمعناها في وقت يسير، أو يقول الآخرون: لا يذهب وترنا إلا بها لعلو كعبنا على من سوانا، فيفتخر الطرفان بتلك المغالاة، فانقلب الصلحُ فخرًا، وسبيلُ المعروفِ منكرًا، وشِعَارُ البِرّ شرًّا!

 واعتبر ذلك بما تراه من احتفالات ورقص وأشعار ومفاخرة على غيرهم من الناس بأن قيمة الرجل منهم عن دياتِ كثيرٍ ممن دونهم، وهذا معنًى أبطله الإسلام جملة. وصار حالهم فيه شبه من وجه بمعاقرة الأعراب فخرًا وسمعة وصيتًا، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن مُعَاقَرَةِ الأعراب». (23) ومعاقرة الأعراب: أن يتبارى الرجلان من العرب في الجود والسخاء، فيعقر هذا إبلًا  ويعقر هذا إبلًا، حتى يُعجِز أحدُهما صاحبه. وهذا من فخر الجاهلية، وإنما نهي عنه لأنهما لم يُريدا به وجه الله تعالى، وإنما أرادا إتلاف المال رياءً وسمعة ومفاخرة.

وإنّ مِن علل تحريم النياحة منع الفخر، فكانت العرب اذا مات شريفُهم يعظّمون أمر موته، وينحرون الجزر ويطعمون الطعام وينعونه في القبائل لينتشر ذكره وصِيْتُه في الناس، فرجع بنا الحال للفخر، (والله لا يحب كل مختال فخور) وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ، قال: "إنَّ اللَّهَ أذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجاهِلِيَّةِ وفَخْرَها بِالآباءِ، إنَّما هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وفاجِرٌ شَقِيٌّ، النّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ وآدَمُ خُلِقَ مِن تُراب". (24)

سادسًا: أن فيها تسهيلًا لقتل النفس التي حرم الله، لأن القاتل يغلب على ظنه فداء قبيلته له ولو بعديد الديات، فيترتب على ذلك التساهل في سفك الدم الحرام، وقد يقول حمالُ الحطب للغرّ الطائش: اقتل فلانًا وسيسعى الناس في فكاكك.. ونحو ذلك، فيتخوّضُ في الدماء المعصومة بغير حق!

 وقتلُ المؤمن بلا حق هو أعظم الجرائم في الإسلام بعد الشرك بالله تعالى، والله تعالى يقول: (ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا)، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا أتاه، فقال: أرأيت رجلًا قتل رجلًا متعمّدًا؟ قال: (جزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما)، قال: لقد أنزلت في آخر ما نزل، ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا، ثم اهتدى؟ قال: وأنّى له بالتوبة، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ثكلته أمه: رجل قتل رجلًا متعمّدًا، يجيء يوم القيامة آخذًا قاتلَه بيمينه، أو بيساره، وآخذًا رأسه بيمينه، أو بشماله، تشْخبُ أوداجُه دمًا في قبل العرش، يقول: يا رب؛ سل عبدك فيم قتلني؟". (25) وقال صلى الله عليه وسلم: "لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ في فُسْحَةٍ مِنْ دِينهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَماً حَرَامًا". (26)

سابعًا: قال تبارك وتعالى: (ولكم في القصاص حياة)، ففي القصاص حكمة وخير وزجر للناس عن محارم الله تعالى، فالقتل أنفى للقتل، ومن الناس من لا يزَعُهُ عن المحارم إلا سيف السلطان، ومن أعظمها الدم الحرام، فإن رضي أهل الدم بالعفو فيا حسن ما اختاروه إن رأوا في عفوهم إصلاحًا، لأن العفو لا يكون محمودًا إلا إن غلب على الظن إفضاؤه للإصلاح لا ضده، فالله تبارك وتعالى قال: (فمن عفى وأصلح فأجره على الله)، وإن رضوا بالدية فهو خير وأجر وذخر، فإن عزموا القصاص فالواجب من الجميع الرضا بحكم الله تعالى، فهو خير كله، قال سبحانه: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون). ومن محكّات صدق الإيمان التسليم لحكم الرحمن، قال سبحانه: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما).

ثامنًا: من مفاسد المبالغة في الديات دخول السماسرة على خط جمعها، وليس كل من بذل جاهه مُتّهم – حاشاهم - بل الأصل في المسلمين السلامة، وهم على باب خير عظيم وبرٍّ شريف، ولكن ثَمَّ فئة لوّثت وكدّرت مشرب القوم هداهم الله تعالى، فقد صارت بأخرةٍ تجارةً رائجةً لدى بعض من يتصيّد في الخفاء لعاعة دنيا من دماء الموتى!

كما أن بعضهم هو من أسباب رفع سقف الديات لانتفاعهم بمقدارها نسبة وتناسبًا، فيجتهد في رفعها ليزيد كسبه، فيأكلون أموال الناس بالباطل، ويوغرون مسارب القلوب ويوقدون مراجل الغضب في صدور أهل القتيل، ثم يطلبون منهم المغالاة والتعجيز في طلب الفداء بما فوق الدية بأضعاف، ثم يلتحفون سربال الليل لذوي القاتل بدعوى الإصلاح، وقد اشترطوا لأنفسهم من أهل القتيل نسبة من دية الصلح!

أظهروا للنّاس زهدًا ... وعلى الدينار داروا

لو سما فوق الثّريّا ... ولهم ريشٌ لطاروا

تاسعًا: أن هذه المبالغات قد تُتّخذ سُنّة بين الناس وعادة، فيقول القائل: ليس ابننا بأقل شأنًا من آل فلان؛ فيشتد الحال بأهل الجاني وتُلحِفَهم المشقة من جهة، وقد يعجزون فيمتنع أهل الدم عن العفو إلا بتلك المبالغ، فيفوت الجاني وأهله فرصة كانت الشريعة قد هيئتها لرفع السيف بالدية المشروعة إن رضي عامة الناس بها.

عاشرًا: أن فيه إشغالًا لمشايخ القبائل وخاصتهم وللناس ولرجال الدولة بأمور لا تكاد تنقطع، فالقتل العمد في هذا الزمان كثير خطير، وقد تساهل الناس في أمره ووسائله ومقدّماته وتوابعه وأوزاره بما لا يجوز السكوت عنه، والصلح خير، ولكن ما زاد عن حده انقلب لضده، ومن ذلك التساهل في قتل النفس التي حرم الله، فإنا لله وإنا إله راجعون.

تلك عشرة كاملة، ولعل فيها للمتأملين فوائد، إن كانت خيرًا فمن الله، وإن كانت غير ذلك فمن نفسي والشيطان، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

وبالجملة؛ فبما أن العمل الآن على جواز هذا النوع من الصلح فلربما يحسن تقييد قدره لمصلحة الناس، ودمع المعرّة والمشقة عنهم، فلو أن ولاة الأمر بالسلطة والقضاء نظّموا ذلك، وشدّدوا على أهل التزيّد وحزموا الأمر، وحجزوا الناس عن المبالغة الشديدة في اشتراط ديات هائلة لكان رشدًا ورفقًا وخيرًا.

ولو أن الناس تعاونوا فيما بينهم في إنكار ذلك والاحتساب فيه؛ لكان خيرًا للناس، وليست هذه الحروف عن قلّة اهتمام بتحرير الرقاب من الاقتصاص، لكنها محاولة لردّ أهل العقل والحلم لسبيل الرشاد، ولو أن الامر كان ابتداء لهم ما وصل الحال بالناس لما نراه، ولكن علت أصوات، وسارت في الناس أبيات، حينها عجز الحليم عن رد السيل الجارف من رؤوس ملأتها حُمّيّا حَميّة الجاهلية.

مَتى تَصِلُ العِطاشُ إلى ارتِواءٍ … إذا استَقَتِ البِحارُ مِن الرَّكايا

ومن يثني الأصاغِرَ عَنْ مُرادٍ … وقَدْ جَلَسَ الأكابِرُ فِي الزَّوايا

إذا اسْتَوَتِ الأسافِلُ والأعالِي … فَقَدْ طابَتْ مُنادَمَةُ المَنايا

هذا وتحسن الإشارة إلى أمور متعلقة بما ذكرنا فهي من متمماتها، فمن ذلك:

أن دية القتل الخطأ وشبه الخطأ على العاقلة، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ. فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا، وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَضَى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بِدِيَةِ الْمَرأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا».(27) قال ابن قدامة رحمه الله: «ولا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أنَّ دية القتل الخطأِ على العاقلة، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كلُّ من نحفظ عنه من أهل العلم، وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قضى بدية الخطأِ على العاقلة، وأجمع أهل العلم على القول به، ولا خلاف بينهم في أنها مؤجلةٌ في ثلاث سنين». (28) فتكون الدية على العاقلة، والكفارة من مال الجاني.

 والمراد بالعاقلة: عصبة الجاني، مأخوذة من العقل؛ لأنها تَعقل الدماء؛ أي؛ تُمسكها من أن تسفك، يقال: عقَل البعير عقلًا. أي: شدَّه بالعقال، ومنه العقل؛ لأنه يمنع من التورط في القبائح. فالعاقلة هي الجماعة الذين يعقلون العقل، وهي الدية، يقال: عقلْت القتيل، أي: أعطيت دِيته، وعقلْت عن القاتل، أدّيت ما لزمه من الدِّية. فالعاقلة هم عصبته، وهم الأب، والأجداد من جهة الأب، والإخوة الأشقاء والإخوة من الأب وأبناؤهم، والأعمام وأبناؤهم، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد. قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى: "والعاقلة هم العصبة سواء كانوا وارثين أم غير وارثين، فالزوج والأخ من الأم وأبو الأم ليسوا من العصبة". (29)

ويقسم الحاكم الدية على العاقلة حسب القرابة والغنى، فالأقرب يتحمل أكثر من البعيد، والأكثر غنى يتحمل أكثر، والفقير لا شيء عليه. وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: "الحكم بالدية على العاقلة إنما هو في الخطأ أو شبه العمد، أما دية العمد المحض فلا تحملها العاقلة، بل هي على الجاني خاصة، وإذا تراضى أفراد العاقلة على التحمل معه أو مساعدته في الدية فلا بأس".(30)

وأما الكفارة؛ فهي واجبة على القاتل، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، وهي المذكورة في قول الله تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ).

والدية في القتل العمد مُغلَّظة في كلِّ الأحوال، ولا تجب في مال العاقلة، وإنما تجب في مال القاتل الجاني بلا خلاف، ولا تؤجَّل الدية فيه على مذهب جمهور أهل العلم؛ لأنَّ التأجيل مستثنى في الخطأ لإجماع الصحابة رضي الله عنهم، فثبت معدولًا به عن أصل وجوب الدية في الحال فلا يلحق به. (31)

وبالله التوفيق، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله.

إبراهيم الدميجي

4/12/1443

aldumaiji@gmail.com

.............................

1.    القَوَد: القصاص، لأنه يُقاد إلى القصاص اقتيادًا، أما العقل فهو الدية، إما لأن الإبل تجمع ثم تُعقل بفناء أولياء القتيل، أو هي من العاقلة وهم عصبة القاتل، وهم يتحمّلونها في القتل الخطأ وفي شبه العمد، أما قتل العمد فمن مال القاتل، أما الكفارة فهي من ماله بكل حال.

2.    أحمد (٢ / ١٨٣) قال: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا أبو النضر وعبد الصمد قالا: ثنا محمد، ثنا سليمان يعني بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «من قتل …» الحديث بألفاظ مقاربة، وعند الترمذي (١٤٠٦) بلفظ: «من قتل مؤمنا متعمدًا...» الحديث بلفظ: "وما صالحوا" وزاد: "وذلك تشديد العقل". قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن صحيح. وعند ابن ماجه (٢٦٢٦) وزاد بعد قوله: "خلفة" قوله: "وذلك عقلُ العمد"، وزاد في آخره: "وذلك تشديد العقل". وقد حسنه الألباني (٢/‏٨٧٧) وجاء في السنن الكبرى للبيهقي (١٦١٢٩) بنحوه.

3.    المغني (١١/ ٥٩٥)، ولا يقال إن مراده في الأقل لأنه أقرب مذكور؛ لأنه أعقبه بالأدلة على الزيادة، وفي العدة لبهاء المقدسي (ص: ٥٢٨): "وإن صالح القاتل عن القود بأكثر من الدية جاز" قال شيخنا: لا أعلم فيه خلافًا".

4.     ينظر: المبسوط للسرخسي (٢٦/ ٩٣، ١٠٢)، تحفة الفقهاء (٣/ ٢٥٤).

5.     ينظر: المدونة (٣/ ٣٨٣)، جامع الأمهات (ص: ٤٩٨).

6.     ينظر: روضة الطالبين (٩/ ٢٣٩)، تحفة المحتاج (٨/ ٤٤٨).

7.     ينظر: الإنصاف (١٠/ ٤)، المبدع (٧/ ٢٤٢).

8.     عن: موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (١١/‏١٦٠)

9.    وهو هُدبة بن خشرم بن كرز العذريُّ الشاعر، وكان قتل زيادة بن زيد العذريَّ، وأقرَّ على نفسه بالقتل بين يدي معاوية. وكان لزيادة ولد صغير اسمه المسور، فأمر معاوية بحبس هدبة حتى يكبر ولد زيادة، فإن شاء أن يأخذ بوتر أبيه أخذ، وإن شاء أن يقبل منه الدِّية قبل. فلم يزل هدبة مسجونًا بالمدينة ست سنين، حتى أدرك المسور، فبذل له أشراف أهل المدينة عشر ديات في أبيه ليخلّصوا هدبة فأبى إلاّ القود وقتله بأبيه.

وكان ممَّن عرض عليه الديات الحسين بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عمرو، وعمرو بن عثمان بن عفان، وسعيد بن العاصي، ومروان بن الحكم، وسائر الأقوام من قريش والأنصار. وكان زيادة أبوه كلما نازع هدبة فيما كان بينهما قال:

سأجزيكمو ما دمت حيًّا فإن أمت … فيومٌ لكم نحس إذا شبّ مسورُ

فكان كما قال قتله مسور صبرًا. قال ابن المسيّب: هدبة أول مصبور بالمدينة بعد عهد رسول الله ﷺ.

وذكر المدائني أن المسور قد كان اختار العفو وأخذ الدية حتى قالت له أمه: "والله لئن لم تقتل هدبة لأنكحنه! فيكون قد قتل أباك ثم نكح أُمك، فتسبك بذلك العرب!"، فحرفته بذلك عن مذهبه، ومضى على الاتئار من هدبة وقتله.

وكان هدبة من المتجلِّدين عند القتل. ولمّا قُدِّم للقتل نظر إلى امرأته فدخلته غيرة، وقد كان جُدع في حربٍ، فقال:

فإن يكُ أنفي بانَ منه جمالُهُ … فما حَسَبي في الصالحين بأجدعا

فلا تنكحي إن فرَّق الدهرُ بيننا … أغمَّ القَفا والوجهِ ليس بأنزعا

فقالت: قفوا عنه ساعةً، ثم مضت واصطلمت أنفها وأتته وقالت: أهذا فعلُ من له إلى الرجال حاجةٌ؟ فقال: الآن طاب الموت. ثم أقبل على أبويه وكانا يبكيان فقال:

أبْلياني اليومَ صبرًا منكُما … إنّ حزْنًا مِنكُما اليومَ أشَرْ

وانظر: تاريخ دمشق (٧٣/ ٣٦٨). سمط اللآلي في شرح أمالي القالي لأبي عبيد البكري (١/‏٢٤٩) الجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة (١/‏٤٨٣)

10.                     المغني (١١/ ٥٩٦).

11.                    شرح عمدة الأحكام لابن جبرين (٦٦/‏٨)

12.                    وانظر: مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه، والقول المكتفى على سنن المصطفى، لمحمد الأمين الهرري (١٥/‏٣٠٣)

13.                    ينظر: ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٣١٦)، شذرات الذهب (٦/ ٥٨).

14.                    ينظر: زاد المعاد (٣/ ٣٩٩)، الإنصاف (١٠/ ٤)، القواعد لابن رجب (١/‏٣٠٧)

15.                    قال العثيمين رحمه الله تعالى: "هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء؛ منهم من يقول: إنه لا بأس أن الإنسان يأخذ أكثر من الدية مُصالحةً، ومنهم من يرى أنه لا يجوز أن يأخذ أكثر؛ لأن الشرع جعل للنفس قيمة لا يجوز تعديها، فأخْذ أكثر منها تعدٍّ لحدود الله، فنقول لأولياء المقتول: إما اقتلوا وإلا خذوا الدية، أما أن تأخذوا أكثر لا يحل لكم؛ لأن الشرع عيَّن البدل والمبدل منه؛ المبدل منه القصاص والبدل هو الدية.

وقال بعض العلماء: إنه يجوز أن نصالح بأكثر، واستدلوا بقصة هدبة بن خشرم، حينما أمر معاوية رضي الله عنه بقتله، فدفع الحسن وجماعة دفعوا سبع ديات، ولا يُقتل، ولكن أولياء المقتول صمموا أن يُقتل، قالوا: فهذا فعل فعله الصحابة، وما فعله الصحابة فهو حجة إذا لم يُوجد ما يمنعه.

أما الذين قالوا: إنه لا يجوز، فاستدلوا بقول النبي ﷺ: «مَن قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ». وذكر الدية أو القصاص، وهذا يدل على أنه لا خيار له فيما سوى ذلك، ولا شك أن الاحتياط ألا يأخذ الإنسان أكثر من الدية إذا كان يريد العفو، ولا يحب أن يقتص فنقول: خذ الدية، ولا تقتص". أهـ. الشرح الصوتي لزاد المستقنع (٢/‏٣٥٨١) وقال: "رجح ابن القيم رحمه الله تعالى أنه ليس له إلا الدية فقط؛ لأنه ورد في حديثٍ رواه الإمام أحمد - لكن في سنده محمد ابن إسحاق وقد عنعن - أن الرسول ﷺ حين قال: "القود أو الدية أو العفو"، ثم قال: «فإن اختار الرابعة فخذوا على يديه». أي: لا توافقوه. ولهذا رجح ابن القيم أنه ليس له أن يصالح بأكثر من الدية؛ لأن الشرع ما جعل له إلا هذا أو هذا؛ فإما أن تقتص أو الدية، والغالب في هذا أنه إذا قيل له: ما لك إلا الدية؛ فإنه يختار القود". الشرح الممتع على زاد المستقنع (١٤/‏٦٢)

 قلت: ولفظ الحديث المذكور: «من أصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث، إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم». أخرجه أحمد (٤/ ٣١)، وأبو داود (٤٤٩٦)، وابن ماجه (٢٦٢٣)، والدارمي (٢٣٥١). وضعفه الألباني في الإرواء (278 / 7) والأرناؤوط في تخريج سنن أبي داود (٦/‏٥٤٧) والخبل: الجرح. وكذلك ضعفه الشيخ عبد المحسن العباد، وقال في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه" أي: إذا طلب شيئًا أكثر مما حُدّد له وقُدِّر، وهو أحد هذه الأمور الثلاثة، أو حصل منه اعتداء أو شيء لا يجوز الإقدام عليه، فيؤخذ على يده ويمنع، وليس إلا أحد هذه الأمور الثلاثة فقط.. وسواءً كانت تلك الدية هي المقدرة أو أكثر منها؛ لأن أخذهم للدية هو مقابل تنازلهم عن حق لهم، وإذا لم يعطوا ما يريدون فلهم أن يقتلوا القاتل قصاصًا، وإذا طلبوا شيئًا وأعطوا إياه فإنه يسقط حقهم في القتل قصاصًا". شرح سنن أبي داود (٥٠٥/‏٩) وانظر: الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم (٣/‏٢١٧) وحاشية السندي على سنن ابن ماجه (٢/‏١٣٧).

16.                    البخاري (٣/ ٤١٦) (6880)، ومسلم (١/ ٦١٦) (٤٤٨)

17.                    لأن العصبة لا تتحمّل دية القتل العمد، إنما تتحمل دية الخطأ وشبه العمد.

18.                    شرح زاد المستقنع للشنقيطي (6/٣٥٥)

19.                    شرح زاد المستقنع للشنقيطي (6/٣٥٥)

20.                    أبو داود (2 / 250) (2276) وصححه الألباني.

21.                    أبو داود ( 1692 ) والنسائي ( 9176 ) وحسنه الألباني، ورواه ابن حبان (10 / 51) (4240) وصححه الأرناؤوط.

22.                    مسلم (2699)

23.                    أبو داود (2822) وصححه الألباني.

24.                    الترمذي (٣٩٥٥) وحسنه الألباني.

25.                    أحمد (2142) والترمذي ( 2 / 171 ) والنسائي ( 2 / 164 ) وصححه الألباني والأرناؤوط.

26.                    البخاري 9/2 ( 6862 ). والفسحة: السعة.

27.                    البخاري (٣/ ٤٢٣)، ومسلم (٢/ ٨٠٢) (١٦٨١)

28.                    المغني لابن قدامة (٧/ ٧٧٠-٧٧١) وانظر: الإجماع لابن المنذر (١٢٠) وعن ابن عباس رضي الله عنهما - ولا مخالف له من الصحابة - قال: «لا تحمل العاقلة عمدًا، ولا ما جنى المملوك، ولا صُلحًا، ولا اعترافًا». أخرجه البيهقي، (٨ / ١٠٤) وحسنه الألباني في الإرواء (٢٣٠٤) والعمد معروف، وأما جناية العبد فلأن الاعتبار في العاقلة العصبة أما المملوك فخارج عنها، وأما الصلح فلأنه قد يختار في القضية أمرًا يضرّ بالعاقلة، وأما الاعتراف فدفعًا لذريعة الحيل، حتى لا يتفق الطرفان بأن يعترف أحدهما فتحمل عاقلته عنه.

29.                    الشرح الممتع (77/11)

30.                    فتاوى اللجنة ( 21/238 )

31.                    انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (٢١/‏٥٢)

 

الاثنين، 3 يناير 2022

(وما أدراك ما عِليّون)

 

(وما أدراك ما عِليّون)

 

الحمد لله، وبعد؛ فعليّون وصفُ مبالغة للعلوّ والارتفاع، فهو أعلى الأمكنة وأشرف المراتب وأقربها من الله تعالى، فالله تعالى في أعلى العلوِّ كما وصفه رسوله صلى الله عليه وسلم في دعائه: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء". رواه مسلم (2713). وتحته مخلوقاته، فأقربها منه أشرفها، فلفظ عليّين يدل على المبالغة في العلوّ. فأعلى عليّين هي منزلة الوسيلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول، ثم صلّوا عليّ؛ فإنّه من صلّى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشفاعة". رواه مسلم ( 384 ). فإن كانت الوسيلة من الفردوس الأعلى فهي أعلاه، وإن كانت منفصلة عنه فهي فوقه، والمُتبادر إلى الفهم أنها منزلة في أعلى الفردوس الأعلى من جنّة الرحمن، وفي معنى الوسيلة القرب، وهي هنا القرب من الرحمن جل جلاله مكانًا ومكانَةً.

والفردوس الأعلى في المرتبة الأعلى من علّيّين، -وقد يكون عليّون مختصّ بالفردوس في بعض إطلاقاته-، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان؛ كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها"، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نبشّر الناس؟ قال: "إن في الجنة مئة درجة، أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تُفجّر أنهار الجنة". رواه البخاري (2790). فالجنة مُقبَّبةٌ، وأوسطُ القبّة أعلاها كرأس الكُرَة، وعن أنس رضي الله عنه أن أم الربيع بنت البراء - وهي أم حارثة بن سراقة-، أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، ألا تحدثني عن حارثة - وكان قتل يوم بدر - فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، فقال: "يا أم حارثة، إنها جنانٌ في الجنة، وإنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى". رواه البخاري (2809).

ومراتبُ الجنة العُلى – كأهل الغُرَف- عليّون بالنسبة لمن دونهم من أهل الجنة، فمراتب أهل الغرف عالية، وقد يكونون هم أهل الفردوس، وقد يكونون أدنى منهم لأن مراتب الجنة كثيرة جدًّا وساشعة المسافات. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ أهلَ الجنة ليتراءون أهلَ الغرف من فوقهم كما تراءون الكوكب الدرّي الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم"، قالوا: يا رسول الله؛ تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: "بلى والذي نفسي بيده، رجالٌ آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين". رواه البخاري (3256) ومسلم (2831).

والجنة كلها عليّون بالنسبة لما تحتها، كما في الحديث الطويل للبراء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فيقول الله تعالى: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض". أخرجه أحمد (18733) وأبو داود (3212 و4753) وصححه الألباني. فالجنة كلها عليون بالنسبة لأهل الأرض، والأبرار المقتصدون هم من المؤمنين الذين يُكتب كتابهم في عليين، كما قال سبحانه: (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين)، وإن كان السابقون المُقرّبون أعلى منهم منازل.

 وقد جاء عن السلف في معنى "علّيين" أقوال، منها: السماءُ السابعة، وقائمةُ العرشِ اليُمنى، والجنة، وعند سِدْرَةِ المنتهى، وقيل: في السماء عند الله تعالى. وقيل : هو اسمٌ لدِيوَان الملائكة الحَفَظَة، تُرْفَع إليه أعمالُ الصالحين من العباد، وقيل: أراد أعْلَى الأمْكِنَة وأشْرَفَ المرَاتِب من اللّه في الدار الآخرة. قال الطبري رحمه الله في تفسيره (24 / 293): "فبيَّن أن قوله: ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ معناه: في عُلُوٍّ وارتفاع، في سماءٍ فوق سماء، وعُلُوٍّ فوق عُلُوٍّ. وجائزٌ أن يكونَ ذلك إلى السماء السابعة، وإلى سدرة المنتهى، وإلى قائمةِ العرش اليُمنى، ولا خبرَ يقطعُ العُذْرَ بأنه معنيٌّ به بعضٌ دون بعض. والصوابَ أن يقال في ذلك كما قال الله جل ثناؤه: إن كتابَ أعمالِ الأبرار لفي ارتفاعٍ إلى حدٍّ قد عَلِمَ الله جلَّ وعزَّ منتهاه، ولا علمَ عندنا بغايته، غير أن ذلك لا يقصرُ عن السماء السابعة؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك". أهـ. هذا وقد وردَ في بعض طرقِ حديثِ البراء بن عازب: "اكتبوا كتابَ عبدي في علِّيِّين في السماء السابعة". وانظر: زاد المسير (9/57)، وتفسير ابن كثير (8/374) وغريب الحديث لابن الجوزي (2 / 124) وقال ابن الأثير في النهاية (3/294): "ويعرب بالحروف والحركات كقنّسرين وأشباهها على أنه جمع أو واحد".

وقال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (5 / 183): "قال أبو مطيع البلخي في كتاب "الفقه الأكبر" المشهور: سألت أبا حنيفة عمّن يقول: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض. قال: قد كفر؛ لأن الله عز وجل يقول: { الرحمن على العرش استوى }، وعرشه فوق سبع سماواته. فقلت: إنه يقول: على العرش استوى، ولكن لا يدري العرش في السماء أو في الأرض، فقال: إذا أنكر أنه في السماء كفر؛ لأنه تعالى في أعلى عليين؛ وأنه يُدعى من أعلى لا من أسفل". وقال في فتاويه (6 / 12): "والمقرّبون هم فوق أصحاب اليمين الأبرار الذين كتابهم في عليين، { وما أدراك ما عليون . كتاب مرقوم . يشهده المقربون . إن الأبرار لفي نعيم . على الأرائك ينظرون . تعرف في وجوههم نضرة النعيم . يسقون من رحيق مختوم . ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون . ومزاجه من تسنيم . عينا يشرب بها المقربون}. قال ابن عباس: يشرب بها المُقَرّبون صِرْفًا، وتُمزج لأصحاب اليمين مزجًا".

وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم (15 / 208): "قوله صلى الله عليه وسلم (2444): "اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرّفيق"، وفي رواية: "الرفيق الأعلى"، الصحيح الذي عليه الجمهور أن المراد بالرفيق الأعلى الأنبياء الساكنون أعلى عليين، ولفظةُ رفيق تطلق على الواحد والجمع، قال الله تعالى: (وحسن أولئك رفيقا). وقيل: هو الله تعالى، يقال: الله رفيق بعباده، من الرفق والرأفة، فهو فعيل بمعنى فاعل، وأنكر الأزهري هذا القول. وقيل: أراد مُرتفقَ الجنة". وقال ابن القيم في الروح (1 / 45): "هذا مع القطع بأن روحه الكريمة في الرفيق الأعلى، في أعلى عليين، مع أرواح الأنبياء". والله أعلى وأحكم.

 

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

 

حبُّ الدُّنيا

 

حبُّ الدُّنيا

 

الحمد لله، وبعد؛ فإن من غرائز النفوس التي لا تكاد تنفك عنها حب الدنيا، قال تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والحرث)، وقد أرشد سبحانه بعد بيان حالنا الضعيف مع زينة الدنيا إلى ما ينبغي لنا حقًّا أن نرتقي إليه، فقال تبارك وتعالى: (قل أؤنبؤكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله). وقال سبحانه مُعَرِّيًا غريزة بني آدم: (وتحبون المال حبا جما)، وقال سبحانه مبيّنًا حقيقة الدنيا وحال الغافلين معها: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما)، ثم نقل الوصف مباشرة للآخرة فقال: (وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله) أي: اختاروا مصيركم، واحرثوا لآخرتكم، واعملوا لمنازلكم غدًا. وتدبر قوله تعالى ورجمته بنا حين زوى كثيرًا من ترف الدنيا عنا، فقال سبحانه: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيها يَظْهَرُونَ﴾ قال الحسن رحمه الله تعالى: "لولا أن يكون الناس كفارًا أجمعون، يميلون إلى الدنيا، لجعل الله تبارك وتعالى الذي قال، ثم قال: والله لقد مالت الدنيا بأكثر أهلها، وما فعل ذلك، فكيف لو فعله؟! ذكره الطبري في تفسيره (٢١/‏٥٩٨).

 وروى أحمد (14037) والنسائي (7/61) بسند جيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حُبّب إلي من دنياكم النساء، والطيب، وجُعلت قرة عيني في الصلاة". وروى البخاري (٥٤٣١) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كانَ رَسول اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ الحَلْواءَ والعَسَلَ». ونحو هذا من الطيبات المعينة على عبادة الله تعالى. فحبُّ الدنيا غريزة هذبتها الشريعة، وأكثرها محتاج لمجاهدة قلب حتى يكتفي منها بالبُلغة للوصول لغايته في الدار الآخرة، والعاقل هو من لم يُحبّ الدنيا لذاتها بل بما تفضي به إلى مرضاة الله.

 قال ابن تيمية رحمه الله في الصفدية (2 / 272): "ليس في الدنيا من اللذات أعظم من لذة العلم بالله وذكره وعبادته، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة"، هكذا لفظ الحديث، لم يقل: حبّب إلي ثلاث، فإن المُحبّب إليه من الدنيا اثنان، وجعلت قرة عينه في الصلاة، فهي أعظم من ذينك، ولم يجعلها من الدنيا".

 ومن أمثلة محبة العلم أن ابن هطيل رحمه الله تعالى كان مُوْلعًا بشرح الرضى على كافية ابن الحاجب، لا يفارقه في أغلب أوقاته، فلما حضرته الوفاة طلب هذا الشرح، ثم وضعه على صدره، وقال:

تمتَّعْ من شَميمِ عَرَارِ نجدٍ  ...   فما بعد العَشيّةِ من عَرَارِ

وبالجملة؛ فحب الدنيا غريزة هذّبها الشرع، إنما المذموم هو المبالغة في زينتها، والتنافس في حطامها الذي يقسّي القلب فيغفل عن معالي الآخرة. وترك زيادة الترفّه والتنعّم جادة نبوية لا مطلق الطيبات، فقد قال سبحانه: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون). وفي صحيح البخاري معلقًا (10/264). - وقد وصله النسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده- باب قول الله تعالى: { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده }، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلوا واشربوا والبسوا وتصدّقوا في غير إسراف ولا مَخْيَلة". وقال ابن عباس: "كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك اثنتان: سَرَفٌ أو مخْيَلةٌ". وأخرج البيهقي في السنن الكبرى (17186) أن ابن عباس لما ذهب لمناظرة الخوارج قالوا له: مرحبًا بك يا أبا عباس فما هذه الحُلّة؟ قال: قلت: ما تعيبون عليَّ؟! لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن ما يكون من الحلل، ونزلت: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق).

ولنا في الأنبياء أسوة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «بَيْنا أيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرادٌ مِن ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ، فَناداهُ رَبُّهُ: يا أيُّوبُ، ألَمْ أكُنْ أغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرى؟ قالَ: بَلى وعِزَّتِكَ، ولَكِنْ لا غِنى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ». رواه البخاري (٢٧٩) قال القَسطلاّني رحمه الله في إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (١/‏٣٣٣): "قوله: "ولكن لا غِنى بي عن بركتك": أي خيرِك، واستُنبط منه فضل الغِنى لأنه سمّاه بركة، ومُحالٌ أن يكون أيوب صلوات الله عليه وسلامه أخذ هذا الماء حبًّا للدنيا، وإنما أخذه كما أخبر هو عن نفسه لأنه بركة من ربه تعالى لأنه قريب العهد بتكوين الله تعالى، أو أنّه نعمة جديدة خارقة للعادة، فينبغي تلقّيها بالقبول، ففي ذلك شكر لها وتعظيم لشأنها، وفي الإعراض عنها كفرٌ بها، وفيه جواز الاغتسال عريانًا؛ لأنّ الله تعالى عاتبه على جمع الجراد، ولم يعاتبه على الاغتسال عريانًا". أهـ. باختصار. وبالله التوفيق.

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

 

هل النافع الضار من أسماء الله الحُسنى؟

 

هل النافع الضار من أسماء الله الحُسنى؟

 

الحمد لله، وبعد؛ فإن أسماء الله تعالى توقيفية، فلا يثبت منها شيء إلا بالدليل الصحيح من الكتاب والسنة. علمًا أن باب الإخبار عن الله تعالى أوسع من باب الأسماء والصفات، فإذا لم يثبت الاسم وكان معناه صحيحًا فيجوز حينها الإخبار به عن الله تعالى، وعلى ذلك فلا يُعبّد بهذا الاسم، فلا يقال: عبد النافع وعبد الضار ونحوهما لأن التسمية بهما لم تثبت، والمنع من التسمية بعبد النافع ونحوه لا لأنه يوهم نقصًا ولكن لأنه لم يثبت بالنصّ أنّه من الأسماء الحسنى، أما التسمي بعبد الضار فلا يجوز بحال، وفيه سوء أدب مع الله تعالى وسوء ظن به عز وجل.

وكذلك؛ فلمّا كان الإخبار عن الله تعالى بأنه الضار فإنه قد يوهم نقصًا، فقد نص أهل العلم على أنه لا يُذكر إلا مقرونًا بالإخبار عنه بأنه النافع، كما هو الحال في القابض الباسط والخافض الرافع والمعز المذل ونحوها.

وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى (1 / 93) في تعليقه على حديث ابن عباس عند الترمذي (2516) مرفوعًا: "واعلم أنّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك..."، الحديث. قال: "فهذا يدل على أنه لا ينفع في الحقيقة إلا الله ولا يضر غيره". وقال شيخنا العلامة عبد الرحمن بن ناصر البراك حفظه الله تعالى: "الضار ليس من أسماء الله تعالى، بل من أسمائه التي ورد ذكرها في بعض الروايات "النافع الضار"، يعني الكلمتان اسم واحد، فهو سبحانه النافع الضار؛ لأنه سبحانه هو خالق كل شيء، خالق الخير والشر". أهـ. ضمن جواب لسؤال في موقع طريق الإسلام. وقصد بالاسم الواحد الازدواج والتقابل، فاسم الضار يكمّله اسم النافع، واسم المانع يكمله اسم المعطي وهكذا، وهذا في الإخبار عن أفعاله تعالى، ويستقيم كذلك عند من صحّحوا الحديث في سرد الأسماء- . وبنحوه قال شيخنا العثيمين كذلك في لقاءات الباب المفتوح، اللقاء رقم: (6).

قلت: والحديث الذي عدّ النافع والضار من أسماء الله الحسنى رواه أبو هريرة رضي الله عنه وأخرجه الترمذي (3507) وضعفه الألباني وآخرون من جهة رفع الأسماء الحسنى المسرودة. وقد ذهب جماعة من الحفاظ كابن كثير وابن حجر إلى أن سرد الأسماء الحسنى فيه مدرج في الحديث.

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى تأصيلًا نافعًا في هذا الباب فقال في بدائع الفوائد (1 / 177): "أسماء الله تعالى منها ما يطلق عليه مفردًا ومقترنًا بغيره، وهو غالب الأسماء، كالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم، وهذا يسوغ أن يُدعى به مفردًا ومقترنًا بغيره، فتقول: يا عزيز، يا حليم، يا غفور، يا رحيم. وأن يفرد كل اسم. وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع.

 ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده، بل مقرونًا بمقابِلِه كالمانع والضار والمنتقم، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفوّ، فهو المعطي المانع الضار النافع المنتقم العفوّ المعزّ المذل، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله؛ لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاءً ومنعًا ونفعًا وضرًّا وعفوًا وانتقامًا.

وأما أن يُثنى عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد، ولذلك لم تجيء مفردة، ولم تطلق عليه إلا مقترنة، فاعلمْه. فلو قلت: يا مذلّ يا ضارّ يا مانع، وأخبرت بذلك؛ لم تكن مثنيًا عليه ولا حامدًا له حتى تذكر مقابلها". وبالله التوفيق.

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

 

حديثُ الفُتون

 

حديثُ الفُتون

 

الحمد لله، وبعد؛ قال شيخ المفسرين أبو جعفر الطبري رحمه الله في تفسيره: "واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (وفتناك فتونا) فقال بعضهم: ابتليناك ابتلاءً واختبرناك اختبارًا.  قال ابن عباس في قوله: (وفتناك فتونا) يقول: اختبرناك اختبارًا. وقال: ابتليت بلاء. وعن قتادة: ابتليناك بلاء. وقال الضحاك: هو البلاء على إثر البلاء. وقال آخرون: معنى ذلك: أخلصناك. وعن مجاهد (وفتناك فتونا): أخلصناك إخلاصًا. وكذلك عن سعيد بن جبير. قال أبو جعفر: وقد بيّنا فيما مضى من كتابنا هذا معنى الفتنة، وأنها الابتلاء والاختبار". تفسير الطبري (18 / 306، 310، 311) مختصرًا.

وقال السعدي: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} "أي: اختبرناك، وبلوناك، فوجدناك مستقيمًا في أحوالك أو نقلناك في أحوالك، وأطوارك، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه" تفسير السعدي (1 / 504) وقال البيضاوي: { وفتناك فتونا } "وابتليناك ابتلاء أو أنواعًا من الابتلاء، على أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بالتاء كحجوز وبدور في حجزة وبدرة، فخلّصناك مرّة بعد أخرى، وهو إجمال لما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن ومفارقة الأُلّاف، والمشي راجلًا على حذر، وفقد الزاد، وأجر نفسه.. إلى غير ذلك". تفسير البيضاوي (1 / 50) وقال الشربيني في تفسير السراج المنير (2 / 501): "فإن قيل: إنّه تعالى عدّد أنواع مِنَنه على موسى في هذا المقام، فكيف يليق بهذا الموضع: (وفتناك فتونا)؟ أجيب بجوابين:

 الأوّل: فتنّاك أي: خلّصناك تخليصًا، من قولهم: فتنتُ الذهب إذا أردت تخليصه من الفضة أو نحوها.

 الثاني: أنّ الفتنة تشديد المحنة، يقال: فُتنَ فلان عن دينه، إذا اشتدّت عليه المحنة حتى رجع عن دينه، قال تعالى: {فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله}، وقال تعالى: {ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين}. ولما كان التشديد في المحنة يوجب كثرة الثواب عدّه الله تعالى من جملة النعم.

فإن قيل: هل يصح إطلاق الفتّان على الله تعالى اشتقاقًا من قوله تعالى: (وفتناك فتونا)؟ أجيب: بأنّه لا يصح، لأنّه صفة ذمّ في العُرف، وأسماء الله تعالى توقيفية، لا سيّما فيما يوهم ما لا ينبغي". أهـ.

هذا وحديث الفتون حديث مشهور وفيه عبر لكل مؤمن، وقد رأيت إيراده لمناسبته حال المؤمن في رضاه عن ربّه تعالى وهو يقلّبه بين ثنايا قدره ورحمته وأعطاف قضائه، وحكمته وأكناف لطفه وبرّه. وهو موقوف على ابن عباس رضي الله عنهما ولعله نقل كثيرًا منه عن كعب الأحبار مما أورده عن بني إسرائيل مما لم يُكذّبه شرعنا، فعند أحمد (10130) عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج". وقال الإمام الشافعي رحمه الله في ذلك: "من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجيز التحدث بالكذب، فالمعنى: حدّثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم، وهو نظير قوله: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم، ولا تكذبوهم"." نقله عنه الحافظ في فتح الباري: (6/ 388).

وبما أن السند لابن عباس جيّد فابن عباس حبرٌ بحرٌ يعلم النافع فيرويه وغيره فيطويه وهو الناصح العليم والناقد البصير رضي الله عنه، وحديث الفتون قد أخرجه الإمام النسائي في السنن الكبرى (11326) والإمام الطبري (16/125) عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقد صحح سنده البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (6/234) وصححه سليم الهلالي في صحيح الأنباء (2/498) وقال الهيثمي في المجمع (7/ 66):"رواه أبو يَعْلى، ورجالهُ رجال الصَّحِيحِ غير أَصْبَغَ بنِ زيد والقاسم بن أبي أيُّوب وهما ثقتان". وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (2/ 196) وبنحوه في تفسيره بعد سياق الحديث بطوله: "هكذا ساق هذا الحديث الإمام النسائي، وأخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، في تفسيرهما من حديث يزيد بن هارون. والأشبه والله أعلم أنه موقوف، وكونه مرفوعًا فيه نظر، وغالبه متلقى من الإسرائيليات وفيه شيء يسير مصرح برفعه في أثناء الكلام، وفي بعض ما فيه نظر ونكارة، والأغلب أنه من كلام كعب الأحبار. وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضًا، والله أعلم".

والحديث بطوله عن سعيد بن جبير رحمه الله قال: سألت عبد اللهِ بنَ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما عن قولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لموسى صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه: 40]، فسألْتُه عن الفُتونِ؟ فقال: استأنِفِ النَّهارَ يا ابنَ جُبيرٍ؛ فإنَّ لها حديثًا طويلًا. قال: فغدوْتُ على ابنِ عبَّاسٍ لأنتجِزَ ما وَعَدني مِن حديثِ الفُتونِ، فقال:

 تذاكَرَ فِرعونُ وجُلساؤُه ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَ إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن أنْ يجعَلَ في ذُرِّيتَه أنبياءَ ومُلوكًا؛ فقال بعضُهم: إنَّ بني إسرائيلَ لينتظِرونَ ذلك ما يشُكُّون فيه، وقد كانوا يظنُّونَ أنَّه يُوسفُ بنُ يعقوبَ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فلمَّا هلَكَ قالوا: ليس هكذا كان، إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ وعَدَ إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. قال فِرعونُ: فكيف تَرَونَ؟ فائْتَمَروا، واجتمَعوا أمْرَهم على أنْ يبعَثَ رِجالًا بالشِّفارِ، يَطُوفون في بني إسرائيلَ، فلا يَجِدون مولودًا ذكَرًا إلَّا ذَبَحوه، ففَعَلوا ذلك، فلمَّا أنْ رَأَوا أنَّ الكبارَ في بني إسرائيلَ يموتونَ بآجالِهم، والصِّغارَ يُذْبَحونَ، قالوا: أتوشِكونَ أنْ تُفْنوا بني إسرائيلَ، فتَصيروا إلى أنْ تُباشِروا مِن الأعمالِ والخدمةِ الَّتي كانوا يَكْفُونكم؟ فاقْتُلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فيقِلَّ نَباتُهم، ودَعُوا عامًا، فلا تَقْتلوا منهم أحدًا، فيشِبَّ الصِّغارُ مكانَ مَن يموتُ مِن الكبارِ، فإنَّهم لنْ يَكْثروا بمَن تَسْتحيون، فتخافوا مُكاثرتَهم إياكم، ولنْ يَفْنَوا بمَن تقتُلونَ، فتحتاجونَ إليهم، فأجْمَعوا أمْرَهم على ذلك، فحمَلَت أُمُّ موسى بهارونَ عليهما السَّلامُ العامَ الَّذي لا يُذْبَحُ فيه الغِلمانُ، فولدَتْه عَلانيةً، فلمَّا كان مِن قابلٍ حمَلَتْ بمُوسى عليه السَّلامُ، فوقَعَ في قلْبِها مِن الهَمِّ والحزنِ. فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ، ما دخَلَ عليه في دهو بَطْنِ أُمِّه ممَّا يُرادُ به، فأوحَى اللهُ تعالى إليها: {وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7].

 وأمَرَها أنْ إذا ولَدَتْ أنْ تجعَلَه في تابوتٍ، ثمَّ تُلْقِيه في اليمِّ، فلمَّا ولَدَت فعَلَت ذلك به، فألْقَته في اليمِّ، فلمَّا توارى عنها ابنُها أتاها الشَّيطانُ، فقالت في نفْسِها: ما فعَلْتُ بابني؟! لو ذُبِحَ لبِثَ عندي فرأيْتُه وكفَّنْتُه كان أحَبَّ إليَّ مِن أنْ أُلْقِيَه بيدي إلى دوابِّ البحرِ وحِيتانِه، وانتهى الماءُ به حتَّى أرفَأَ به عند فُرْضَةُ مُسْتَقى جواري امرأةِ فِرعونَ، فلمَّا رأيْنَه أخذْنَه، فهمَمْنَ أنْ يفتحْنَ التَّابوتَ، فقالت بعضُهنَّ: إنَّ في هذا مالًا، وإنَّا إنْ فتحْناه لم تُصدِّقْنا امرأةُ الملِكِ بما وجَدْنا فيه، فحمَلْنَه بهيئةٍ لم يُحرِّكْنَ منه شيئًا، دفعْنَه إليها، فلمَّا فتحَتْه رأتْ فيه غُلامًا، فأُلْقِيَ عليه منها محبَّةٌ لم تُلْقَ مثْلُها على البشَرِ قطُّ، وأصبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فارغًا مِن ذِكْرِ كلِّ شَيءٍ إلَّا مِن ذِكْرِ مُوسى عليه السَّلامُ، فلمَّا سمِعَ الذَّابِحونَ بأمْرِه أقبلوا بشِفارِهم إلى امرأةِ فرعونَ ليذبَحُوه -وذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ- فقالت للذَّبَّاحينَ: أقِرُّوه؛ فإنَّ هذا الواحدَ لا يَزيدُ في بني إسرائيلَ حتَّى آتِيَ فِرعونَ فأسْتَوْهِبَه منه، فإنْ وهَبَه لي كنْتُم قد أحسنْتُم وأجمَلْتُم، وإنْ أمَرَ بذبْحِه لم أَلُمْكم، فأتَتْ به فرعونَ، فقالت: قُرَّةُ عينٍ لي ولك، قال فِرعونُ: يكونُ لك، فأمَّا لي فلا حاجةَ لي في ذلك. قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "والَّذي أحلِفُ به، لو أقَرَّ فِرعونُ بأنْ يكونَ له قُرَّةَ عينٍ كما أقَرَّت امرأتُه، لهداهُ اللهُ به كما هدى به امرأتَه، ولكنَّ اللهَ حرَمَه ذلك".

 فأرسَلَتْ إلى مَن حولَها، مِن كلِّ امرأةٍ لها لبنٌ، تختارُ لها ظِئرًا، فجعَلَ كلَّما أخذَتْه امرأةٌ منهنَّ، فترُضِعُه، لم يَقْبَلْ ثَدْيَها، حتَّى أشفَقَت عليه امرأةُ فِرعونَ أنْ يَمتنِعَ مِن اللَّبنِ فيموتَ، فأحْزَنَها ذلك، فأمرَتْ به، فأُخْرِجَ إلى السُّوقِ وتجمَّعَ النَّاسُ، تَرْجو أنْ تجِدَ له ظِئرًا يأخُذُ منها، فلم يَقْبَلْ، وأصبَحَتْ أُمُّ موسى والهةً، فقالت لأُخْتِه: قُصِّيه -يعني: أثَرَهُ- واطْلُبِيه، هل تسمعينَ له ذِكْرًا؟ أحيٌّ ابْني أمْ قد أكلَتْه الدَّوابُّ؟ ونسِيَت ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها فيه، فبَصُرتْ به أختُه عن جُنُبٍ وهم لا يَشعُرونَ، والجُنُبُ: أنْ يبصِرَ الإنسانُ إلى الشَّيءِ البعيدِ وهو إلى جَنْبِه لا يشعُرُ به، فقالت مِن الفرحِ حين أعياهم الظُّؤارُ: أنا {أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص: 12]، فأخَذُوها فقالوا: ما يُدريك ما نُصْحُهم له؟ هل يعرِفونَه؟ حتَّى شكُّوا في ذلك -فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ- فقالت: نصيحَتُهم له وشفقَتُهم عليه رغبةً في صِهر الـمَلِك، ورجاءَ مَنفعتِه، فأرْسَلوها، فانطلَقَتْ إلى أُمِّها فأخبرتْها الخبرَ، فجاءتْ أُمُّه، فلمَّا وضعَتْه في حِجْرِها، نزَا إلى ثَدْيِها، فمَصَّه حتَّى امتلَأَ جَنباهُ رِيًّا، وانطلَقَ البشيرُ إلى امرأةِ فرعونَ: أنْ قد وجَدْنا لابْنِك، فأرسَلَتْ إليها، فأُوتِيتْ بها وبه، فلمَّا رأت ما يصنَعُ، قالت لها: امْكُثي عندي؛ تُرْضِعي ابني هذا، فإنِّي لم أحجِبْه شيئًا قطُّ، فقالت أُمُّ مُوسى: لا أستطيعُ أنْ أدَعَ بيتي وولدي، فيَضيعَ، فإنْ طابتْ نفْسُك أنْ تُعْطِيَنه، فأذهَبَ به إلى مَنْزلي، فيكونَ معي لا آلوهُ خيرًا فعلْت، وإلَّا فإنِّي غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي، وذكَرَت أُمُّ مُوسى عليه السَّلامُ ما كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها، فتعاسَرَت على امرأةِ فرعونَ، وأيقنَتْ بأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يُنْجِزُ موعودَه، فرجَعَتْ إلى بيتِها بابنِها مِن يومِها، فأنبَتَه اللهُ نباتًا حسنًا، وحفِظَه لِمَا قد قَضى فيه، فلم يزَلْ بنو إسرائيلَ وهم في ناحيةِ القريةِ مُمْتنعينَ يَمْتنعونَ به مِن السُّخرةِ ما كان فيهم.

فلمَّا تَرعرَعَ قالت امرأةُ فرعونَ لأُمِّ مُوسى: أريدُ أنْ تُرِيني ابني، فوعَدَتْها يومًا تُرِيها فيه إيَّاه، فقالتِ امرأةُ فِرعونَ لخُزَّانِها، وظُؤورتِها، وقَهارِمَتِها: لا يَبْقينَّ أحدٌ منكم إلَّا استقبَلَ ابني اليومَ بهَديَّةٍ وكَرامةٍ؛ لِأَرى ذلك فيه، وأنا باعثةٌ أمينًا يُحْصِي ما يصنَعُ كلُّ إنسانٍ منكم، فلم تَزَلِ الهدايا والكرامةُ والنِّحلةُ، تَستقبِلُه مِن حينِ خرَجَ مِن بيتِ أُمِّه إلى أنْ دخَلَ على امرأةِ فرعونَ، فلمَّا دخَلَ عليها بجَّلَتْه، وأكرمَتْه، وفرِحَت به، وأعجَبَها، ونحَلَت أُمَّه؛ لحُسْنِ أثَرِه، ثمَّ قالت: لآتيَنَّ به فِرعونَ، فليَنْحَلَنَّه، وليُكْرِمَنَّه، فلمَّا دخَلَتْ به عليه، جعَلَه في حِجْرِه، فتناوَلَ مُوسى لِحيةَ فرعونَ، فمَدَّها إلى الأرضِ، فقال الغواةُ مِن أعداءِ اللهِ لفرعونَ: ألَا ترى إلى ما وعَدَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ إبراهيمَ نَبِيَّه عليه السَّلامُ أنَّه يرِثُك، ويَعْلوك، ويصرَعُك، فأرسَلَ إلى الذَّبَّاحينَ، وذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ، بعدَ كلِّ بلاءٍ ابتُلِيَ به، أو أُرِيدَ به فُتونًا. فجاءت امرأةُ فِرعونَ تَسْعى إلى فرعونَ، فقالت: ما بدا لك في هذا الغلامِ الَّذي وهَبْتَه لي؟ قال: ألَا تَرَيْنَه يزعُمُ أنَّه يصرَعُني ويَعْلوني؟ قالت: اجْعَلْ بيني وبينك أمرًا تعرِفُ فيه الحقَّ؛ ائْتِ بجَمْرتينِ ولُؤلؤتَينِ، فقَرِّبْهما إليه، فإنْ بطَش باللُّؤلؤتَينِ واجتنَبَ الجَمْرتينِ، عرَفْتَ أنَّه يعقِلُ، وإنْ تَناوَلَ الجَمْرتَينِ ولم يُرِدِ اللُّؤلؤتَينِ، علِمْتَ أنَّ أحدًا لا يُؤثِرُ الجَمرتينِ على اللُّؤلؤتينَ وهو يعقِلُ، فقُرِّبَ ذلك إليه، فتناوَلَ الجَمرتَينِ، فانْتَزَعوهما مِن يَدِه، وخافت أنْ يحرِقَا يدَيْه، فقالت المرأةُ: ألَا ترى؟! فصرَفَه اللهُ عنه بعدما كان قد هَمَّ به، وكان الله عَزَّ وجَلَّ بالغًا فيه أمْرَه.

فلمَّا بلَغَ أشُدَّه وصار مِن الرِّجالِ، لم يكُنْ أحدٌ مِن آلِ فِرعونَ يخلُصُ إلى أحدٍ مِن بني إسرائيلَ معه بظُلمٍ ولا سُخرة، حتَّى امْتَنعوا كلَّ الامتناعِ. فبينما مُوسى عليه السَّلامُ يَمْشي في ناحيةِ المدينةِ، إذ هو برجُلينِ يَقْتتلانِ؛ أحدُهما فرعونيٌّ، والآخرُ إسرائيليٌّ، فاستغاثَه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فغضِبَ مُوسى عليه السَّلامُ غضبًا شديدًا؛ لأنَّه تناوَلَ وهو يعلَمُ منزلةَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن بَني إسرائيلَ، وحِفْظَه لهم، لا يعلَمُ النَّاسُ إلَّا إنَّما ذلك مِن الرَّضاعِ إلَّا أُمُّ مُوسى، إلَّا أنْ يكونَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أَطْلَعَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن ذلك على ما لم يُطْلِعْ عليه غيرَه. فوكَزَ مُوسى عليه السَّلامُ الفرعونيَّ، فقتَلَه، وليس يراهما أحدٌ إلَّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ، فقال مُوسى عليه السَّلامُ حين قتَلَ الرَّجلَ: هذا مِن عمَلِ الشَّيطانِ؛ إنَّه عدُوٌّ مُضِلٌّ مُبينٌ، ثمَّ قال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ}، إلى قولِه: {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: 16]. {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص: 18] الأخبارَ، فأُتِيَ فِرعونُ فقيلَ: إنَّ بني إسرائيلَ قد قتَلَتْ رجُلًا مِن آلِ فرعونَ، فخُذْ لنا بحَقِّنا، ولا تُرخِّصْ لهم، فقال: ابْغُوني قاتِلَه ومَن شهِدَ عليه؛ فإنَّ الملِكَ وإنْ كان صَفْوُه مع قومِه، لا يستقيمُ له أنْ يُقِيدَ بغيرِ بيِّنةٍ، ولا ثَبَتٍ، فانْظُروا في عِلْمِ ذلك آخُذْ لكم بحَقِّكم، فبينا هم يَطوفونَ لا يَجِدونَ شيئًا، إذا موسى عليه السَّلامُ قد رأى في الغدِ ذلك الإسرائيليَّ يقتُلُ رجُلًا مِن آلِ فرعونَ آخرَ، فاستغاثَه الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فصادَفَ مُوسى عليه السَّلامُ قد ندِمَ على ما كان منه، فكَرِهَ الَّذي رأى، فغضِبَ الإسرائيليُّ وهو يُريدُ أنْ يبطِشَ بالفرعونيِّ، فقال للإسرائيليِّ -لِمَا فعَلَ أمس واليومَ-: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} [القصص: 18]. فنظَرَ الإسرائيليُّ إلى مُوسى عليه السَّلامُ بعدما قال له ما قال، فإذا هو غضبانُ كغضَبِه بالأمسِ الَّذي قتَلَ به الفرعونيَّ، فخاف أنْ يكونَ بعدما قال له: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} إيَّاه أراد، ولم يكُنْ أراده، إنَّما أراد الفرعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ، فحاجَزَ الفرعونيَّ، فقال: {يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص: 19]؟ وإنَّما قال ذلك؛ مخافةَ أنْ يكون إيَّاهُ أراد مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يقتُلَه، فتنازَعَا. فانطلَقَ الفرعونيُّ إلى قومِه، فأخبَرَهم بما سمِعَ مِن الإسرائيليِّ مِن الخبرِ حين يقولُ: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص: 19]، فأرسَلَ فرعونُ الذَّبَّاحينَ ليقتُلوا موسى عليه السَّلامُ، فأخَذَ رُسلُ فرعونَ الطَّريقَ الأعظمَ يَمْشون على هَيئتِهم يطلُبونَ مُوسى عليه السَّلامُ، وهم لا يخافونَ أنْ يفوتَهم، فجاء رجُلٌ مِن شِيعَةِ مُوسى عليه السَّلامُ مِن أَقْصى المدينةِ، فاختصَرَ طريقًا قريبًا حتَّى سبَقَهم إلى موسى عليه السَّلامُ فأخْبَرَه. فذلك مِن الفُتونِ يا ابنَ جُبيرٍ.

 فخرَجَ مُوسى عليه السَّلامُ مُتوجِّهًا نحوَ مدينَ لم يلْقَ بلاءً قبلَ ذلك، وليس له علمٌ بالطَّريقِ إلَّا حُسْنَ الظَّنِّ بربِّه عَزَّ وجَلَّ، فإنَّه قال: {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص: 22]. {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} إلى {تَذُودَانِ} [القصص: 23]، يعني بذلك: حابستَينِ غنَمَهما، فقال لهما: ما خطْبُكما مُعتزلتَينِ لا تَسْقيانِ مع النَّاسِ؟ قالتا: ليس لنا قُوَّةٌ نُزاحِمُ القومَ، وإنَّما ننتظِرُ فُضولَ حياضِهم، فسقى لهما، فجعَلَ يغرِفُ بالدَّلْوِ ماءً كثيرًا، حتَّى كانتا أوَّلَ الرِّعاءِ فراغًا، فانصرَفَتا بغنَمِهما إلى أبيهما، وانصرَفَ موسى عليه السَّلامُ، فاستظَلَّ بشجرةٍ، وقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، فاستنكَرَ أبوهما سُرعةَ صُدورِهما بغنَمِهما حُفَّلًا بطانًا، فقال: إنَّ لكما اليومَ لشأنًا، فأخبَرَتَاه بما صنَعَ موسى عليه السَّلامُ، فأمَرَ إحداهما أنْ تَدْعُوَه له، فأتَتْ موسى عليه السَّلامُ فدَعَتْه، فلمَّا كلَّمَه قال: {لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 25]، ليس لفِرعونَ ولا لقومِه علينا سُلطانٌ، ولسْنا في مَمْلكتِه.

 قال: فقالت إحداهما: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]، فاحتمَلَتْه الغَيرةُ على أنْ قال: وما يُدريكِ ما قُوَّتُه؟ وما أمانَتُه؟ قالت: أمَّا قُوَّتُه: فما رأيْتُ في الدَّلوِ حين سَقى لنا، لم أرَ رجُلًا قطُّ في ذلك المَسْقى أقوى منه، وأمَّا أمانَتُه: فإنَّه نظَرَ إليَّ حين أقبلْتُ إليه وشَخَصْتُ له، فلمَّا علِمَ إنِّي امرأةٌ، صوَّبَ رأْسَه لم يرفَعْه، ولم ينظُرْ إليَّ حتَّى بلَّغْتُه رِسالتَك، ثمَّ قال لي: امشِي خلفي، وانْعَتي لي الطَّريقَ، لم يفعَلْ هذا إلَّا وهو أمينٌ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقَها، وظَنَّ به الَّذي قالت له. فقال له: هل لك {أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ}، إلى قوله: {مِنَ الصَّالِحِينَ} [القصص: 27]، ففعَلَ، فكانت على نَبِيِّ اللهِ موسى عليه السَّلامُ ثمانيَ سنينَ واجبةً، وكانت سنتانِ عِدَةً منه، فقَضَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عنه عِدَتَه فأتمَّها عشْرًا. قال سَعيدٌ: فلَقِيَني رجُلٌ مِن أهلِ النَّصرانيَّةِ مِن عُلمائِهم، فقال: هلْ تَدْري أيَّ الأجلينِ قضى مُوسى عليه السَّلامُ؟ قلْتُ: لا، وأنا يومئذٍ لا أدري، فلقِيتُ ابنَ عبَّاسٍ، فذكَرْتُ ذلك له، فقال: أمَا علِمْتَ أنَّ ثمانيًا كانت على نبيِّ اللهِ عليه السَّلامُ واجبةً، لم يكُنْ نبيُّ اللهِ ليَنْقُصَ منها شيئًا، وتعلَمُ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ كان قاضيًا عن مُوسى عليه السَّلامُ عِدَتَه الَّتي وعَدَ، فإنَّه قضى عشْرَ سنينَ. فلقِيتُ النَّصرانيَّ، فأخبَرْتُه بذلك، فقال: الَّذي سألْتَه فأخبَرَك أعلَمُ منك بذلك؟ قلْتُ: أجل، وأَولى.

 فلمَّا سار مُوسى عليه السَّلامُ بأهلِه كان مِن أمْرِ النَّارِ ما قَصَّ اللهُ عليك في القُرآنِ، وأمْرِ العصا ويَدِه، فشكا إلى ربِّه عَزَّ وجَلَّ ما يتخوَّفُ مِن آلِ فرعونَ في القتيلِ، وعُقدةَ لسانِه، فآتاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ سُؤْلَه، وحَلَّ عُقدةً مِن لسانِه، وأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى هارونَ عليه السَّلامُ، وأمَرَه أنْ يلقاهُ، واندفَعَ مُوسى عليه السَّلامُ بعصاهُ، حتَّى لقِيَ هارونَ عليه السَّلامُ، وانطلَقَا جميعًا إلى فرعونَ، فأقاما حِينًا على بابِه لا يُؤْذَنُ لهما، فقالا: إنَّا رسولَا ربِّك، قال: فمَن ربُّكما يا موسى؟ فأخبراهُ بالَّذي قَصَّ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عليك في القُرآنِ، قال: فما تُريدانِ؟ وذكَّرَه القتيلَ، واعتذَرَ بما قد سمِعْتَ، وقال: أريدُ أنْ تُؤمِنَ باللهِ، وأنْ تُرْسِلَ معي بني إسرائيلَ، فأبى عليه، وقال: ائتِ بآيةٍ إنْ كنْتَ مِن الصَّادقينَ، فألقى عصاه فإذا هي حيَّةٌ عظيمةٌ، فازعةٌ، فاغرةٌ فاها، مُسرعةٌ إلى فرعونَ، فلمَّا رآها فِرعونُ قاصدةً إليه خافها، فاقتحَمَ عن سَريرِه، واستغاثَ بمُوسى عليه السَّلامُ أنْ يكُفَّها عنه، ففعَلَ، ثمَّ أخرَجَ يَدَه مِن جَيْبِه، فرآها بيضاءَ مِن غيرِ سُوءٍ، يعني: مِن غيرِ برَصٍ، فرَدَّها، فعادت إلى لونِها الأوَّلِ.

 فاستشارَ الملَأَ حولَه فيما رأى، فقالوا له: {إن هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ} [طه: 63] الآيةَ، والمُثْلى: مُلْكُهم الَّذي هم فيه والعيشُ. فأَبَوا على مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يُعْطُوه شيئًا ممَّا طلَبَ، وقالوا له: اجمَعْ لهما السَّحرةَ؛ فإنَّهم بأرضِك كثيرٌ، حتَّى نغلِبَ سِحْرَهما، وأرسَلَ في المدائنِ، فحُشِرَ له كلُّ ساحرٍ مُتعالمٍ، فلمَّا أَتَوا على فرعونَ، قالوا: ما يعمَلُ هذا السَّاحرُ؟ قالوا: يعمَلُ الحيَّاتِ، قالوا: فلا واللهِ ما أحدٌ في الأرضِ يعمَلُ السِّحرَ والحيَّاتِ والحبالَ والعِصِيَّ الَّذي نعمَلُ، فما أجْرُنا إنْ نحن غلَبْنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصَّتي، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شَيءٍ أحببتم، فتَواعَدوا يومَ الزِّينةِ وأنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى.

 قال سعيدٌ: فحدَّثني ابنُ عبَّاسٍ: أنَّ يومَ الزِّينةِ اليومُ الَّذي أظهَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيه مُوسى عليه السَّلامُ على فِرعونَ والسَّحرةِ هو يومُ عاشوراءَ. فلمَّا اجتمعوا في صَعيدٍ، قال النَّاسُ بعضُهم لبعضٍ: انطَلِقوا، فنتخبَّرْ هذا الأمْرَ، {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء: 40]، يعنون مُوسى وهارونَ عليهما السَّلامُ؛ استهزاءً بهما، فقالوا: يا موسى -لِقُدْرتِهم في أنفُسِهم بسِحْرِهم- إمَّا أنْ تُلْقِيَ، وإمَّا أنْ نكونَ نحن المُلْقينَ، قال: بل ألْقُوا. {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} [الشعراء: 44]، فرأى مُوسى عليه السَّلامُ مِن سِحْرِهم ما أوجَسَ في نفْسِه خِيفةً، فأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إليه: أنْ ألْقِ عصاك، فلمَّا ألقاها، صارت ثُعبانًا عظيمًا فاغرةً فاها، فجُعِلَتِ العِصِيُّ بدَعوةِ مُوسي عليه السَّلامُ تلتبِسُ بالحبالِ، حتَّى صارتْ جُرُزًا إلى الثُّعبانِ تَدخُل فيه، حتَّى ما أبقَتْ عصًا ولا حبلًا إلَّا ابتلعَتْه. فلمَّا عرَفَ السَّحرةُ ذلك، قالوا: لو كان هذا سِحرٌ لم يَبلُغْ مِن سِحرِنا كلَّ هذا، ولكنَّه أمْرٌ مِن اللهِ، آمنَّا باللهِ ربِّنا وما جاء به مُوسى عليه السَّلامُ، ونتوبُ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ ممَّا كنَّا عليه. وكسَرَ اللهُ ظهْرَ فِرعونَ في ذلك الموطنِ وأشياعِه، وأظهَرَ الحقَّ، وبطَلَ ما كانوا يعمَلونَ، فغُلِبوا هنالك وانقَلَبوا صاغِرينَ. وامرأةُ فِرعونَ بارزةٌ مُتبذِّلَةٌ تَدْعو بالنَّصرِ لمُوسى عليه السَّلامُ على فِرعونَ، فمَن رآها مِن آلِ فرعونَ ظَنَّ أنَّها إنَّما تبذَّلَتْ للشفقةِ على فِرعونَ وأشياعِه، وإنَّما كان حُزْنُها وهمُّها لمُوسى عليه السَّلامُ.

فلمَّا طال مُكْثُ مُوسى عليه السَّلامُ لمواعيدِ فِرعونَ الكاذبةِ، كلَّما جاءه بآيةٍ وعَدَه عندها أنْ يُرْسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا مضَتْ أخلَفَ موعِدَه، وقال: هل يستطيعُ ربُّك أنْ يصنَعَ غيرَ هذا؟ فأرسَلَ اللهُ عليه وعلى قومِه الطُّوفانَ، والجرادَ، والقُمَّلَ، والضَّفادعَ، آياتٍ مُفصَّلاتٍ، كلُّ ذلك يَشْكو إلى موسى عليه السَّلامُ، ويطلُبُ إليه أنْ يكُفَّها عنه، ويُواثِقُه على أنْ يُرسِلَ معه بني إسرائيلَ، فإذا كَفَّ ذلك عنه، أخلَفَ موعِدَه ونكَثَ عهدَه. فأُمِرَ موسى عليه السَّلامُ بالخُروجِ بقومِه، فخرَجَ بهم ليلًا، فلمَّا أصبَحَ فرعونُ ورأى أنَّهم قد مَضَوا، أرسَلَ في المدائنِ حاشرينَ، فتبِعَهم بجُنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ، وأوحى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إلى البحرِ: أنْ إذا ضرَبَك مُوسى بعصاهُ، فانفرِقْ له اثنتَيْ عشْرةَ فِرقةً، حتَّى يجوزَ موسى عليه السَّلامُ ومَن معه، ثمَّ الْتَئَمَ على مَن بقِيَ بعدُ مِن فرعونَ وأشياعِه، فنسِيَ مُوسى عليه السَّلامُ أنْ يضرِبَ البحرَ بالعصا، فانْتَهى إلى البحرِ وله قصيفٌ؛ مخافةَ أنْ يَضرِبَه موسى عليه السَّلامُ وهو غافِلٌ، فيصيرَ عاصيًا اللهَ عَزَّ وجَلَّ.

فلمَّا تراءى الجَمْعانِ وتقارَبَا، قال أصحابُ موسى: إنَّا لمُدْرَكونَ، افعَلْ ما أمرَكَ به ربُّك عَزَّ وجَلَّ؛ فإنَّك لم تكذِبْ ولم تُكْذَبْ، فقال: وعَدَني ربِّي عَزَّ وجَلَّ إذا أتيْتُ البحرَ، انفرَقَ لي اثنتيْ عشْرةَ فِرقةً حتَّى أُجاوزَه، ثمَّ ذكَرَ بعدَ ذلك العصا، فضرَبَ البحرَ بعصاه حين دنا أوائلُ جُندِ فرعونَ مِن أواخرِ جُندِ مُوسى عليه السَّلامُ، فانفرَقَ البحرُ كما أمَرَه اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وكما وُعِدَ مُوسى عليه السَّلامُ، فلمَّا أنْ جاوَزَ موسى عليه السَّلامُ وأصحابُه البحرَ، ودخَلَ فِرعونُ وأصحابُه، الْتَقى عليهم البحرُ كما أُمِرَ.

 فلمَّا جاوَزَ مُوسى عليه السَّلامُ البحرَ، قال أصحابُه: إنَّا نخافُ ألَّا يكونَ فِرعونُ قد غرِقَ، فلا نُؤمِنُ بهلاكِه، فدعا ربَّه عَزَّ وجَلَّ، فأخرَجَه له ببدنه حتَّى استيْقَنوا بهلاكِه. ثمَّ مَرُّوا بعدَ ذلك {عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]، إلى {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 139]، قد رأيتُمْ مِن العِبَرِ، وسمِعْتُم ما يَكْفيكم، ومَضَى.

 فأنزَلَهم مُوسى عليه السَّلامُ منزلًا، ثمَّ قال لهم: أطيعوا هارونَ عليه السَّلامُ؛ فإنِّي قد استخلفْتُه عليكم، وإنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي عَزَّ وجَلَّ، وأجَّلَهم ثلاثينَ يومًا أنْ يَرجِعَ إليهم فيها، فلمَّا أتى ربَّه وأراد أنْ يُكلِّمَه ثلاثينَ يومًا، وقد صامهنَّ: ليلَهنَّ ونهارَهنَّ، وكرِهَ أنْ يُكلِّمَ ربَّه عَزَّ وجَلَّ ورِيحُ فَمِه رِيحُ فَمِ الصَّائمِ، فتناوَلَ مُوسى عليه السَّلامُ مِن نباتِ الأرضِ شيئًا فمضَغَه، فقال له ربُّه عَزَّ وجَلَّ حين لقاه: لِمَ أفطرْتَ؟ -وهو أعلَمُ بالَّذي كان- قال: يا ربِّ، إنِّي كرِهْتُ أنْ أُكلِّمَك إلَّا وفَمِي طيِّبُ الرِّيحِ، قال: أوما علِمْتَ يا مُوسى أنْ رِيحَ فَمِ الصَّائمِ أطيبُ عندي مِن رِيحِ المِسْكِ؟ ارجِعْ حتَّى تصومَ عشْرًا ثمَّ ائْتِني، ففعَلَ مُوسى عليه السَّلامُ ما أُمِرَ به.

 فلمَّا رأى قومُ مُوسى عليه السَّلامُ أنَّه لم يرجِعْ إليهم للأجَلِ ساءَهم ذلك، وكان هارونُ عليه السَّلامُ قد خطَبَهم، فقال لهم: خرجْتُم مِن مِصْرَ ولقومِ فرعونَ عندي عواري وودائعُ، ولكم فيهم مثلُ ذلك، وأنا أرى أنْ تحتَسِبوا ما لكم عندهم، ولا أحلَّ لكم وديعةً اسْتُودِعْتُمُوها، ولا عاريَّةً، ولسنا برادِّين إليهم شيئًا مِن ذلك، ولا مُمْسِكيه لأنفُسِنا، فحفَرَ حفيرًا، وأمَرَ كلَّ قومٍ عليهم شَيءٌ مِن ذلك؛ مِن متاعٍ أو حِليةٍ أنْ يَقْذِفوه في ذلك الحفيرِ، ثمَّ أوقَدَ عليه النَّارَ، فأحرَقَه، فقال: لا يكونُ لنا، ولا لهم.

وكان السَّامريُّ رجلًا مِن قومٍ يَعْبُدون البقرَ جيرانٍ لهم، ولم يكُنْ مِن بني إسرائيلَ، فاحتملَ مع مُوسى عليه السَّلامُ وبني إسرائيلَ حين احْتملوا، فقُضِيَ له أنْ رأى أثرًا، فأخَذَ منه بقبْضَتِه، فمَرَّ بهارونَ، فقال له هارونُ عليه السَّلامُ: يا سامريُّ، ألَا تُلْقي ما في يدَيْك؟ وهو قابضٌ عليه لا يَراه أحدٌ طوالَ ذلك، فقال: هذه قبْضةٌ مِن أثرِ الرَّسولِ الَّذي جاوَزَ بكم البحرَ، ولا أُلْقيها لشَيءٍ إلَّا أنْ تَدْعُوَ اللهَ إذا ألقيْتُها أنْ تكونَ ما أُرِيدُ، فألْقاها، ودعا اللهَ هارونُ عليه السَّلامُ، فقال: أريدُ أنْ يكونَ عِجْلًا، واجتمَعَ ما كان في الحُفرةِ مِن متاعٍ له، أو حِلْيةٍ، أو نحاسٍ، أو حديدٍ، فصار عِجْلًا أجوفَ ليس فيه رُوحٌ، له خُوارٌ. قال ابنُ عبَّاسٍ: لا واللهِ ما كان له صوتٌ قطُّ، إنَّما كانت الرِّيحُ تدخُلُ مِن دُبُرِه وتخرُجُ مِن فَمِه، فكان ذلك الصَّوتُ مِن ذلك.

فتفرَّقَ بنو إسرائيلَ فِرَقًا؛ فقالت فِرقةٌ: يا سامريُّ، ما هذا فأنت أعلَمُ به؟ قال: هذا ربُّكم عَزَّ وجَلَّ، ولكنَّ مُوسى عليه السَّلامُ أضَلَّ الطَّريقَ. وقالت فِرقةٌ: لا نُكذِّب بهذا حتَّى يرجِعَ إلينا مُوسى، فإنْ كان ربَّنا لم نكُنْ ضيَّعْناه وعجَزْنا فيه حِينَ رأيْناه، وإنْ لم يكُنْ ربَّنا، فإنَّا نتَّبِعُ قولَ مُوسى عليه السَّلامُ. وقالت فِرقةٌ: هذا عمَلُ الشَّيطانِ، وليس بربِّنا، ولا نُؤْمِنُ، ولا نُصدِّقُ. وأُشْرِبَ فِرقةٌ في قُلوبِهم التَّصديقَ بما قال السَّامريُّ في العجلِ، وأعْلَنوا التَّكذيبَ، فقال لهم هارونُ عليه السَّلامُ: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ} [طه: 90]، وإنَّ ربَّكم ليس هكذا، قالوا: فما بالُ مُوسى عليه السَّلامُ؛ وعَدَنا ثلاثينَ يومًا ثمَّ أخلَفَنا، فهذه أربعونَ قد مَضَت؟! فقال سُفهاؤُهم: أخطَأَ ربَّه، فهو يطلُبُه ويتبَعُه.

 فلمَّا كلَّمَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مُوسى عليه السَّلامُ وقال له ما قال، أخبَرَه بما لقِيَ قومُه بعده. {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه: 86]، وقال لهم ما سمِعْتُم في القُرآنِ وأخَذَ برأْسِ أخِيه، وألْقى الألواحَ مِن الغضَبِ، ثمَّ عذَرَ أخاه بعُذْرِه، واستغفَرَ له، وانصرَفَ إلى السَّامريِّ، فقال له: ما حمَلَك على ما صنعْتَ؟ قال: قبَضْتُ قبضةً مِن أثرِ الرَّسولِ وفطِنْتُ لها، وعُمِّيَت عليكم، فقَذفْتُها؛ وكذلك سوَّلَت لي نَفْسي. قال: {اذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ} إلى قولِه: {نَسْفًا} [طه: 97]، ولو كان إلهًا لم يُخْلَصْ إلى ذلك منه. فاستيقَنَ بنو إسرائيلَ بالفتنةِ، واغْتَبَطَ الَّذين كان رأيُهم فيه مثلَ رأيِ هارونَ عليه السَّلامُ، فقالوا بجماعتِهم لمُوسى عليه السَّلامُ: سَلْ لنا ربَّك عَزَّ وجَلَّ أنْ يفتَحَ لنا بابَ توبةٍ نصنَعُها؛ فيُكَفِّرَ عنَّا ما عمِلْنا، فاختارَ موسى عليه السَّلامُ قومَه سبعينَ رجُلًا لذلك -لا يأْلُو الخيرَ- خيارَ بني إسرائيلَ، ومَن لم يُشْرِكْ في العجلِ.

فانطلَقَ بهم ليسأَلَ لهم التَّوبةَ، فرجَفَتْ بهم الأرضُ، فاستحيا نبيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من قومِه ووفْدِه حين فُعِلَ بهم ما فُعِلَ، فقال: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155]، وفيهم مَن قد كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ اطَّلَعَ على ما أُشْرِبَ قلبُه من حُبِّ العجلِ وإيمانِه به؛ فلذلك رجَفَت بهم الأرضُ. فقال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156] إلى: {فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157]، فقال: رَبِّ سألْتُك التَّوبةَ لقومي، فقلْتَ: إنَّ رحمتي كتبْتُها لقومٍ غيرِ قومي، فليتَكَ أخَّرْتَني حين تُخْرِجُني حيًّا في أُمَّةِ ذلك الرَّجلِ المرحومةِ، فقال اللهُ له: إنَّ توبتَهم أنْ يقتُلَ كلُّ رجُلٍ منهم مَن لقِيَ مِن والدٍ أو ولدٍ، فيقتُلَه بالسَّيفِ لا يُبَالي مَن قتَلَ في ذلك الموطنِ، وتاب أولئك الَّذين كان خفِيَ على موسى وهارونَ عليهما السلام ما اطَّلَعُ اللهُ عليهم من ذُنوبِهم، فاعتَرَفوا بها، وفعَلوا ما أُمِروا، وغفَرَ اللهُ للقاتِلِ والمقتولِ.

ثمَّ سار بهم مُوسى عليه السَّلامُ مُتوجِّهًا نحوَ الأرضِ المُقدَّسةِ، وأخَذَ الألواحَ بعدما سكَتَ عنه الغضبُ، وأمَرَهم بالَّذي أُمِرَ به أنْ يُبَلِّغَهم من الوظائفِ، فثقُلَ ذلك عليهم، وأبَوا أنْ يُقِرُّوا بها، فنتَقَ اللهُ عليهم الجبلَ كأنَّه ظُلَّةٌ، ودنا منهم حتَّى خافوا أنْ يقَعَ عليهم، فأخَذُوا الكتابَ بأيمانِهم وهم يَصْغُون ينظُرونَ إلى الجبلِ والأرضِ، والكتابُ بأيديهم وهم يَنظُرونَ إلى الجبلِ؛ مخافةَ أنْ يقَعَ عليهم، ثمَّ مَضَوا إلى الأرضِ المُقدَّسةِ، فوَجَدوا مدينةَ قومٍ جبَّارينَ خَلْقُهم مُنْكرٌ، وذكَرَ من ثِمارِهم أمرًا عجَبًا من عِظَمِها، فقالوا: يا موسى، إنَّ فيها قومًا جبَّارينَ لا طاقةَ لنا بهم، ولا ندخُلُها ما داموا فيها، فإنْ يَخْرجوا منها فإنَّا داخِلونَ، قال رجُلانِ من الَّذين يَخافونَ مِن الجبَّارينَ: آمنَّا بمُوسى عليه السَّلامُ، فخرَجَا إليه، فقالا: نحنُ أعلَمُ بقومِنا، إنْ كنتُمْ إنَّما تَخافونَ ما رأيتُمْ من أجسامِهم وعدَدِهم، فإنَّهم لا قُلوبَ لهم، ولا مَنعةَ عندهم، فادْخُلوا عليهم البابَ، فإذا دخلْتُموه فإنَّكم غالِبونَ. ويقولُ أناسٌ: إنَّهما من قومِ مُوسى عليه السَّلامُ. وزعَمَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ أنَّهما من الجبَّارينَ آمَنَا بمُوسى، بقولِه: {مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} [المائدة: 23]: إنَّما عَنى بذلك: مِن الَّذين يَخافونَ بني إسرائيلَ. {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، فأغْضَبوا مُوسَى عليه السَّلامُ، فدعا عليهم، وسمَّاهم فاسقينَ، ولم يدْعُ عليهم قبلَ ذلك؛ لِمَا رأى منهم من المعصيةِ وإساءتِهم حتَّى كان يومئذٍ، فاستجابَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ له، فسمَّاهم كما سمَّاهم مُوسى عليه السَّلامُ فاسقينَ، فحرَّمَها عليهم أربعينَ سَنةً يَتِيهون في الأرضِ؛ يُصْبِحون كلَّ يومٍ، فيَسِيرونَ ليس لهم قرارٌ، ثمَّ ظلَّلَ عليهم الغمامَ في التِّيهِ، وأنزَلَ عليهم المَنَّ والسَّلوى، وجعَلَ لهم ثيابًا لا تَبْلى، ولا تتَّسِخُ، وجعَلَ بين ظَهرِهم حَجرًا مُربَّعًا، وأمَرَ مُوسى عليه السَّلامُ فضرَبَه بعصاهُ، فانفجَرَ منه اثنتا عشْرةَ عينًا، في كلِّ ناحيةٍ ثلاثةُ أعينٍ، وأعلَمَ كلَّ سِبْطٍ عينَهم الَّتي يَشْربون منها، فلا يَرْتحِلونَ من مَنزلٍ إلَّا وجدوا ذلك الحجرَ منهم بالمكانِ الَّذي كان منه أمسِ". والحمد لله رب العالمين.

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

 

فقه مسلكيّ في شأن التشدّد في حراسة الخَطَرات

 

فقه مسلكيّ في شأن التشدّد في حراسة الخَطَرات

 

الحمد لله، وبعد؛ فإن النية شأنها عظيم، ولا قبول للعمل إلا بها، ولكن هذا لا يعني أن ينتهي الأمر بصاحبها للوسواس، فمن الناس من يتشدّد في شأن الوساوس والخطرات، ويتكلف حراسة النية وملاحظتها بشكل ينغص عليه عيشه وعيش من حوله، ويشتت جمعيته على الله تعالى من حيث أراد جمعها. وليس تصوّر هذا وتحديث النفس به شرط لسلوك الصراط المستقيم، لأنّ العبد إذا آمن أنّ الله خالق كل شيء ومالك كل شيء ومدبّر كل شيء؛ فإنّه بذلك ينتظم كل توجهات وتصوّرات وأعمال قلبه، وهذا كافيه في الحقيقة، وهذه التفاصيل المسلكية الدقيقة إنّما تصلح لمن شغل نفسه بهذا وانهمك فيه وانغمس في مجاهدات القلب به.

 وقلتُ: تصلح له؛ لأنّ من اشتغل بذلك فإن لم يوفّق لتفصيل شيخ مُسدّد، وإلا فيُخشى عليه من أمرين: أولاهما: متالف الوساوس، حين يخلو بفكره مع نفسه بلا قيدِ عِلم. والثاني: مزالق الأباطيل، حين يأخذ بيده شيخ خرافة أو سالك بدعة.

هذا، وبيان خداع النفس وخطراتها وتلبيسات الشيطان وتسويلاته فيها ومداخِله في النيات ونحوها طيّب وفاضل، لكن لا بد من العلم والحكمة والأناة في تناولها تأصيلًا وتطبيقًا، فقد يُوفّق الكاتب في ذلك فيجلو للقارئ رينًا كان بقلبه، أو يدفع شبهة محيّرة لعقله، أو خطرةً مقلقةً للبُّه، فيُريح قلبه من ثقل همٍّ ليس مكلّف به، وكم من حرفٍ أراح صدرًا! وفي المقابل قد تقصر أفهام بعض الناس عن إدراك مقصود المؤلف، وقد يفوت المصنّف قيدٌ أو تبيان ونحو ذلك، بل قد لا يُوفّق أصلًا للهدى في تقعيده وتأصيله، فيَضِلّ ويُضلّ!

ومن ذلك أن الحارث المحاسبي رحمه الله لما صنّف كتابه الرعاية في الخطرات والوساوس قرأه فئامٌ من أهل الاجتهاد والإخلاص؛ فشوّش عليهم جمعيّة قلوبهم لأنّه فتح أذهانهم لمجاهدة وتحقيق ودفع أمور عاديّة تجري على كلّ الناس مما لم يكلّفهم الله بها، فاجتهدوا فوق طاقتهم بمراقبة تلك الخطرات والوساوس وتنقيبها وتقليب النظر فيها، فعاد عليهم ذلك بالقنوط واليأس والفشل والكآبة، وتشتّتْ جمعيّتهم، وتفرّقت نيّاتهم، فانقطع كثير منهم عمّا كانوا فيه من الخير والنسك قبل دخول ذلك الكتاب عليهم!

 وقد تنبّه الإمام أحمد لذلك فمنع من الحارث وكتبه بل ومن مصاحبته. وقد ذكر ابن الجوزي رحمه الله في تلبس إبليس (ص: 161) أنّ أبا زرعة سُئل عن المحاسبي وكتبه، فقال للسائل: "إيّاك وهذه الكتب، بدع وضلالات، عليك بالأثر؛ فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب. قيل له: في هذه الكتب عبرة! فقال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه عبرة. بلغكم أنّ مالكًا أو الثوري أو الأوزاعي أو الأئمة صنّفوا كتبًا في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء؟!".

وعليه؛ فإنّ التدقيق والتعمّق المتكرر الشديد في النّية وطبيعة النفس ووسواسها قد يوصل المرء للحيرة والاضطراب، ومن ثمّ الانقطاع والفشل، بل والخَبَل أحيانًا عند بعض من يقصر فهمه عن دفع وارد فكره.

وتأمّل هذه الحروف النفيسة للشيخين: قال ابن القيم رحمه الله في أقسام النفوس وطبائعها وانقسام الناس بالنسبة إليها: "وسألت يومًا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذه المسألة وقطع الآفات والأشغال بتنقية الطريق وبتنظيفها. فقال لي جملة كلامه: النفس مثل الباطوس -وهو جُبُّ القَذَر-، كلّما نبشته ظهر وخرج، ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه وتعبره وتجوزه فافعل، ولا تشتغل بنبشه، فإنك لن تصل إلى قراره، وكلما نبشت شيئًا ظهر غيره.

فقلت: سألت عن هذه المسألة بعض الشيوخ، فقال لي: مثل آفات النفس مثل الحيّات والعقارب التي في طريق المسافر، فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها والاشتغال بقتلها انقطع ولم يمكنه السير قطّ، ولكن لتكن همّتك المسير والإعراض عنها وعدم الالتفات إليها، فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله، ثم امض على سيرك. فاستحسن شيخ الإسلام ذلك جدًّا وأثنى على قائله". وانظر: المدارج (2/ 313، 314)، مجموع الفتاوى (2/ 479)، المستدرك على مجموع الفتاوى (5 / 229) وبالله التوفيق.

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

 

حبُّ الأنصار إيمان وبغضهم نفاق

 

حبُّ الأنصار إيمان وبغضهم نفاق

 

رجال الأنصار الذين اصطفاهم الله على الناس لنصر نبيّه واحتضان دعوته، وحرب الأحمر والأسود دونه، لهم حق عظيم على الأمة، ولهم سابقة جليلة لا يُلحقون إليها، وهم شعار رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان الناس دثاره، وهم من أشجع الناس، وأكرم الناس، وأصدق الناس، وأطيب الناس، قال ابن عباس رضي الله عنهما في الأنصار رضي الله عنهم: "ما استلّت السيوف، ولا زحفت الزحوف، ولا أقيمت الصفوف، حتى أسلم ابنا قَيْلَة". يعني الأوس والخزرج. ذكره في غرر الخصائص الواضحة (1 / 176).

والأوس والخزرج من بني عمرو بن عامر، من الأزد. وهم من وُصفوا بأنهم يكثُرون عند الفزع، ويقلّون عند الطمع. قال كعب بن زهير يمدحهم:

من سرَّه كَرَمُ الحياة فلا يزلْ ... في مِقْنَبٍ من صالحِ الأنصارِ

تَزِنُ الجِبالَ رَزانَةً أَحلامُهُم  ...  وَأَكُفُّهم خَلَفٌ مِنَ الأَمطارِ

الباذلين نفوسَهم لنبيّهم ... يوم الهياج وسطوةِ الجبّارِ

وَالناظِرينَ بِأَعيُنٍ مُحَمَرَّةٍ  ...  كَالجَمرِ غَيرِ كَليلَةِ الإِبصارِ

والمُكرِهينَ السَمهَرِيِّ بِأَذرُعٍ  ...  كَصَواقِلِ الهِندِيِّ غَيرِ قِصارِ

يتطهّرون كأنّه نسكٌ لهم ... بدماء من علقوا من الكفارِ

والذائدين الناس عن أديانهم  ...   بالمَشْرَفيّ وبالقَنا الخطّارِ

والباعثين نفوسهم لنبيّهم  ...  للموت يوم تعانقٍ وكرارِ

وإذا حللت ليمنعوك إليهمُ   ...  أصبحت عند معاقل الأعقارِ

وَهُم إِذا خَوَتِ النُجومُ فَإِنَّهُم ...  لِلطائِفينَ السائِلينَ مَقاري

وَهُمُ إِذا اِنقَلَبوا كَأَنَّ ثِيابَهُم  ...  مِنها تَضَوّعُ فَأرَة العَطّارِ

وَالمُطعِمَونَ الضَيفَ حينَ يَنوبُهُم ... مِن لَحمِ كومٍ كَالهِضابِ عِشارِ

وَالمُنعِمون المُفضِلونَ إِذا شَتَوا  ... وَالضارِبون عِلاوَةَ الجَبّارِ

ورثوا المكارم كابرًا عن كابرٍ   ...  إنّ الكرامَ همُ بنو الأخيارِ

والمشرفية: نسبة إلى مشارف من أرض العرب، والخطاّر: الرمح حين يهتز لارتفاعه وانخفاضه. والمعقل: الملجأ. والأعقار: الأسد. وفأرة العطار: حويصلة غزال المسك التي يستخرج منها المسك بعد خلطه بمواد أخرى. رضي الله عنهم وأرضاهم.

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

 

مفردةُ العارفِ بالله تعالى

 

مفردةُ العارفِ بالله تعالى

 

الحمد لله، وبعد؛ فلدى بعض المتكلمين في السلوك مفردات غير معروفة لدى السلف، قد زاحمت مفرداتهم حتى عطلتها عند بعض الناس، منها أهل المعرفة بالله، والعارف بالله ونحو ذلك، ويعنون بذلك العلم بالله تعالى. والأمر في هذه التسمية واسع إن شاء الله لسلامة لفظها ومعناها، وفي التنزيل: (أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون)، فالمعرفة هي العلم، ولفظ العلم أشرف لأن الله تعالى يوصف بالعلم ومن أسمائه العليم، وقد جاء الثناء في الشرع على العلماء، والعلماء في لسان الشرع هم أهل العلم بعلم الآخرة القرآن والسنة، لا علوم أهل الدنيا.

وقد جاء النص بلفظ المعرفة عند الشيخين في حديث إرساله معاذًا إلى اليمن، -إن صحّ هذا اللفظ بحروفه دون معناه، لأن أكثر الرواة رووه بألفاظ أخرى-، كما في البخاري (1458) ومسلم (19): "فليكن أوّل ما تدعوهم إليه: عبادة الله عز وجل، فإذا عرفوا الله؛ فأخبرهم: أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات.." الحديث. قال الحافظ في الفتح (13 / 354): "الاحتجاج به يتوقّفُ على الجزم بأنه صلى الله عليه وسلم نطق بهذه اللفظة، وفيه نظر، لأن القصة واحدة، ورواة هذا الحديث اختلفوا هل ورد الحديث بهذا اللفظ أو بغيره، فلم يقل صلى الله عليه وسلم إلا بلفظ منها، ومع احتمال أن يكون هذا اللفظ من تصرف الرواة لا يتم الاستدلال. وقد بينت في أواخر كتاب الزكاة أن الأكثر رووه بلفظ: "فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم اطاعوا لك بذلك.." ومنهم من رواه بلفظ: "فادعهم إلى أن يوحّدوا الله، فإذا عرفوا ذلك.." ومنهم من رواه بلفظ: "فادعهم إلى عبادة الله، فإذا عرفوا الله..". ووجه الجمع بينها: أن المراد بالعبادة التوحيد، والمراد بالتوحيد الإقرار بالشهادتين، والإشارة بقوله ذلك إلى التوحيد، وقوله: "فإذا عرفوا الله"، أي عرفوا توحيد الله، والمراد بالمعرفة الإقرار والطواعية، فبذلك يجمع بين هذه الألفاظ المختلفة في القصة الواحدة، وبالله التوفيق". أهـ.

وهم قد أرادوا بقولهم: "العارف" أن يخصوه بمن له حسن معاملة مع الله تعالى ومزيد تعبّد وتعلق وعلم بالله تعالى، فيقولون: إن العارف هو العالم بالله، أما العالم فهو العالم بشرع الله. ولا يقصدون بذلك أن العالم بالشرع ليس عالمًا بالله تعالى، ولكن يقصدون أن من علماء الشريعة من ليس لهم كبير اهتمام بالعلم بالله تعالى وصفاته والتقرب إليه بخفي العبادة والمناجاة والأنس به والشوق إلى لقائه ونحو ذلك من أعمال القلوب الزاكية المزكية، وأنه يوجد من الناس من قلّ علمه بالعلم بتفاصيل العبادات والمعاملات في الشريعة لكنه قريب من الله بقلبه وقالبه دائم القنوت له والتقرب لمرضاته فسموه لذلك: العارف.

ولا منافاة في الحقيقة في بينهما، فقد يفتح الله تعالى لعبده من هذا أو هذا، وقد يجمعها له، فأحق الناس بالعلم بالله هم العالمون بشرعه، فهم يأخذون علمهم من معدن الوحي الكتاب والسنة، وهما فقط سبيل العلم بالله تعالى، ومع كثرة طرق نصوص الوحي للقلب فإنها تثمر الإيمان وزيادته ويقينه وثماره وتزكيته وتلك هي عين مرادهم من المعرفة. ولما سئل الإمام أحمد رحمه الله عن علم معروف الكرخي أجاب: "معه رأس العلم؛ خشية الله".

 وبالجملة؛ فمراعاة ألفاظ الشرع الثابتة كالعالم والعابد أولى وأسلم وأجمل، وهي سمت السلف وجادّتهم وألفاظهم، فحراستها ونشرها أحتم من مزاحمتها بما كان دخيلًا أو مدخولًا. وهذا أصل مسلكي عزيز. وبالله التوفيق.

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com