إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الاثنين، 11 أبريل 2016

الاعتصام بالله



الاعتصام بالله
الاعتصام بالله عصمة من الهلكة، ووقاية من الخلل، وأمان من الخذلان، وسلامة من عثرات الطريق.
وجوهر الاعتصام: صدق الاعتماد وتجريد التعلق وتمام الثقة ورسوخ اليقين. فمن اعتصم بماله قلّ، ومن اعتصم بعقله ضلّ، ومن اعتصم بجاهه ذلّ، ومن اعتصم بالله عز وجل لا قلّ ولا ضل ولا ذل، بل إلى ذرى المُنى يقينًا قد وصل.
ذلك أن الاعتصام بالله هو ركن التوفيق، فالمرء في كل أطواره وأزمانه متردد بين جلب الخير وثباته ونمائه، أو دفع الضر أو رفعه، ليس له حول وطول على الحقيقة البتة، إنما غاية جهده اتخاذ الأسباب المأمور بها من لدن المسبِّب الخالق البارئ، فهو لا شيء إلا بمعونة إلهه وسيده ومولاه.
وهذه الأسباب لا تستقل بحدوث تأثيراتها بل لا بد من صرف الموانع، ولا يكون شيء من ذلك إلا بمشيئة رب العالمين، فعاد الأمر طرًّا لمن بيده مقاليد الأمور وتصاريف الأشياء، فمن رام التوفيق فليلذ بذلك الركن، وليعتصم بمن لا يأتي بالخير ولا يدفع الشر سواه.
والمعتصم بالله حقًّا في تحصيل إيمانه فغايته الجليلة ليس وراءها مرمى، كيف لا، وهو بالله يسمع وبه يبصر وبه يبطش وبه يمشي؟ فلا يقوم لقوته قوة، ولا يتخلف عن معيته توفيق.
ومتى أحسن العبد الاعتصام بربه انتظمت له سائر أعماله وتيسرت له وانشرح صدره بها فإن الله شكور حميد.

إبراهيم الدميجي

سبعان ضاريان

سبعان ضاريان
   قلب المؤمن المسافر لربه والدار الآخرة يعترضه سبعان ضاريان؛ سبع الغضب وسبع الشهوة، والسعيد من وقاه ربه غائلتاهما، فالغضب يُلجم بالحلم وتذكّر مآل كاظمي الغيظ، والشهوة تلجم بالإيمان وتذكّر من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، ومن حرّك قلبه عندهما بتدبر قوله ربه: (أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون) أوشك أن يفلح بٌإذن الله.


إبراهيم الدميجي

سلامة الصدر

سلامة الصدر
إن سلامة الصدر خلق شريف يتحلى به أهل النفوس السامية والرغائب العظيمة في فلاح الدار الآخرة، وكان السلف يحفظون لسالم الصدر هذه الخصلة ويحمدونه عليها.
قال اياس بن معاوية: كان أفضلهم عندهم أسلمهم صدورًا وأقلهم غيبة.
أما سلامة الصدر: فهي نقاء النفس من خَبَث الأخلاق الغضبية التي تكدّر صفاء الروح من الغل والحقد والحسد وما أشبهها فقلبه طاهر من كل ما يشينه تجاه ربه وسليم تجاه الناس فلا يحمل عليهم لأجل دنيا.
فالمؤمن يغضب لله ويكره لله ويقوم لله لا لدنيا مهما استدارت به خطوبها ومظالمها وزينتها.
وسلامة الصدر منحة من الله تعالى ومحض فضل من لدنه يختص به من أراد توفيقه من خاصة عباده، فالقلبُ قُلَّبٌ مالم يعصمه مولاه والصدر ضيّق ما لم يفسحه الله، والهم ملازم ما لم يرفعه الله.
إن سالم الصدر على عباد الله يعيش بين الناس وجنته في صدره وبستانه في قلبه وسعادته وسكينته في روحه، ينظر إليهم بعيني قلبه السليم وصدره الناصح الناصع الواسع فلا يرى شيئًا من نكدهم عليه يستحق ذلك المقابل فينقلب إليهم سليم الصدر حسن الظن محبًّا لهم كل خير يطيقه مسديًا لهم كل فائدة يسطِيعها لعلمه أنه لم يُخلق لحمل هموم دنيا وغموم فانية.
إنه فقط يحمل هم آخرته ويسعى لتحصيل رضى مولاه، فإن صادفه ظلم له أو أذى لم يتكدّر تكدّر الهلوعين ولم تضق نفسه بأمر هو عند الناس عظيم وعند الأتقياء تافه. فما كل ما راجت عند الناس عظمته عظيمًا وما كل ما تهالك الناس على تحصيله يستحق ولا كل ما حمل الناس هم إزاحته واجتنابه حقيق بذلك، فالميزان هو ميزان الآخرة، والمعوّل على رضوان الرحمن.
وتأمل سلامة صدر علي رضي الله عنه وحسن ظنه بالله وعمق فقهه ورسوخ علمه، فعن أبى حبيبة مولى طلحة قال: دخلت على علي رضى الله عنه مع عمران بن طلحة بعد ما فرغ من أصحاب الجمل قال: فرحّب به وأدناه وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله عز وجل: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) فقال: يا ابن أخ كيف فلانة؟ كيف فلانة؟ قال: وسأله عن أمهات أولاد أبيه قال: ثم قال: لم نقبض أرضيكم هذه السنين إلا مخافة أن ينتهبها الناس. يا فلان انطلق معه إلى ابن قرظة مُرهُ فليعطه غلته هذه السنين ويدفع إليه أرضه.
قال: فقال رجلان جالسان ناحية أحدهما الحارث الأعور: الله أعدل من ذلك أن نقتلهم ويكونوا إخواننا في الجنة. قال: قوما أبعدَ أرضٍ الله وأسحقها، فمن هو إذا لم أكن أنا وطلحة؟! يا ابن أخي إذا كانت لك حاجة فأتنا.
 وعن ابن بريدة الأسلمي قال: شتم رجل ابن عباس فقال ابن عباس: إنك لتشتمني وفيّ ثلاث خصال: إني لآتي على الآية من كتاب الله عز وجل فلوددت أن جميع الناس يعلمون منها ما أعلم منها، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به ولعلي لا أقاضي إليه أبدًا، وإني لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح ومالي به من سائمة.
وعن زيد بن أسلم أنه دخل على أبي دجانة وهو مريض وكان وجهه يتهلل فقيل له: ما لوجهك يتهلل؟ فقال: ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين، أما إحداهما: فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الأخرى: فكان قلبي للمسلمين سليمًا.
إبراهيم الدميجي

رجب/1437

أحسن إسلامك تفز بالمضاعفة لحسناتك

أحسن إسلامك تفز بالمضاعفة لحسناتك
لقد جاءت الأحاديث بفضل من حسن إسلامه وأنه تضاعف حسناته وتكفر سيئاته، والظاهر أن كثرة المضاعفة تكون بحسب حسن الإسلام، وهذا معنى شريف جدير بالتأمل والتدبّر والترغّب، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله عز وجل" رواه مسلم.


إبراهيم الدميجي

دع ما لا يعنيك


دع ما لا يعنيك
من انشغل بعيوب نفسه وتحصيل مصالحها اشتغل عن عيب غيره وتتبع أموره.
قال عمرو بن قيس الملائي: مرّ رجل بلقمان والناس عنده فقال له: ألست عبد بني فلان؟ قال: بلى، قال: الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا؟ قال: بلى، فقال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، وطول السكوت عما لا يعنيني.
وقال مورق العجلي: أمرٌ أنا في طلبه منذ كذا وكذا سنة لم أقدر عليه ولست بتارك طلبه أبدًا، قالوا: وما هو؟ قال: الكفّ عما لا يعنيني.
وعن الحسن قال: من علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه خذلانًا من الله عز وجل.
وقال سهل بن عبد الله التستري: من تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدق.
وقال معروف: كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله عز وجل.
واحفظ لسانك عما لا يعنيك.. فقد توفي رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل: أبشر بالجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أو لا تدري، فلعله تكلم بما لا يعنيه، أو بخل بما لا يغنيه" أخرجه الترمذي

إبراهيم الدميجي

ظلام الظلم

ظلام الظلم
إذا كانت البهائم موعودات بالعدالة فما بالك بالبشر؟!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتؤدنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء". رواه مسلم والجلحاء: التي لا قرن لها.
والظالم مأخوذ تالف مهما استطالت به أمنيته أو امتد ببغيه حبل غروره فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته"، ثم قرأ: { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } متفق عليه.


إبراهيم الدميجي

المهلكتان

المهلكتان
لقد تأملت سيء الأخلاق فما رأيت أشأم من خصلتي الكبر والحسد، ثم تأملتها في القرآن فوجدتهما سبب إبلاس إبليس في الشر وارتكاسه في الخذلان ووقوعه في اللعنة والرجم.
لقد حسد آدم وتكبّر عليه، فأخلِق بمن تشبّه به في سواد قلبه أن يمتنع الخير عن قلبه ومن قلبه، فحب الخير للناس محتاج لقلب واسع طاهر ونيّةٍ طيبة حسنة، وقبل ذلك لمحض توفيق من الرحمن.

إبراهيم الدميجي

المراء

المراء
المراء داء الفضلاء، فحتى أهل العلم والفضل لم يسلموا من وضر تلك الإحنةِ النفسانية – ومرجعها الحسد – فترى في ردود بعضهم على بعض – مع أهميتها - انتصار ظاهر للنفس وهضم قبيح لحق أخيه وإشاعة لعيبه الذي لا علاقة له بما رُدَّ عليه فيه، وتزَيّد وتكبّر ورتعُ عرضٍ حرام. ولو راجع الفقيه نفسه لرأى أنه منتصر لهواه لا لهداه، والله الحافظ الهادي المستعان.
ومن أكثر ما يفرّق بين الإخوان المماراة، فيقول الأول شيئًا فيخالفه صاحبه، فيدلي كلًّا بحجج تدعم مذهبه ورأيه، ثم يتعصب له وترتفع الأصوات، ثم يتحول محور الحديث لنقد ذات الشخص لا لقوله ورأيه، ثم تُستحضر المواقف البعيدة والقريبة، مع تلوينها بسوء الظنون وإظهارها بأقسى الألفاظ وأوحش التشبيهات، فتكون النهاية المؤسفة الفرقة والقطيعة والتسبب في عدم رفع الأعمال مع حرمان بركة الاجتماع ورحمته.
قال مالك: المراء يقسي القلوب ويورث الضغائن. وقال الآجري: عند الحكماء أن المراء أكثره يغير قلوب الإخوان ويورث التفرقة والوحشة بعد الأنس.
وأعظم من هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا زعيم ببيت في رَبَض الجَنَّة لمن ترك المِراء وإن كان مُحِقّا، وببيت في وَسَط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حَسنَ خُلُقَهُ". والمراء: هو الجدال. والربض: هو ما حول المدينة من العمارة ونحوها.


إبراهيم الدميجي

التعصب لغير الحق

التعصب لغير الحق
التعصب لغير الحق آفة سوداء في ثوب المؤمن، وهي تابعة للهوى، ودالة على ضعف التسليم لله ووهن الإسلام في القلب، فالإسلام عقد على الاستسلام لله واتباع دينه جملة وتفصيلًا، وفي الساعة التي يولّي المرء ظهره للحق معنقًا في طِوَل باطله فقد أطلق بعض ما عقَده من شعب الإيمان، وبحسب إطلاقه وحنثه وخُلفِه يكون بعده وخذلانه وخيبته.


إبراهيم الدميجي

حب الرئاسة

حب الرئاسة
حب الرئاسة من فروع حب الدنيا، وهو آخر ما يسقط من رؤوس الصدّيقين، فترى الرجل من أزهد الناس في المال والمتاع حتى إذا هزهزه منصب أو رئاسة تهالك على تحصيله ونسي ما كان يوعظ به، والله المستعان.
ولحبها علامات: قال شيخ الإسلام: "وطالب الرئاسة - ولو بالباطل - ترضيه الكلمة التي فيها تعظيمه وإن كانت باطلا ، وتغضبه الكلمة التي فيها ذمه وإن كانت حقا.
والمؤمن ترضيه كلمة الحق له وعليه، وتغضبه كلمة الباطل له وعليه؛ لأن الله تعالى يحب الحق والصدق والعدل ويبغض الكذب والظلم".


إبراهيم الدميجي

المزاح

المزاح
المزاح لا بأس به على الندرة أو في المرّة تلو المرّة، بحيث لا يكون طبعًا معتادًا، ولا يكون كذبًا ولا مشتملًا على محرم ولا أذى، وقد كان صلى الله عليه وسلم يفاكه أصحابه ويداعبهم ويمازحهم لكنه لا يقول إلا حقًّا وصدقًا وبإدخال السرور والفرح بلا أذية.
أما إن طغى المزاح على المرء بحيث لا يكاد يخلو مجلسه من دعابات وفكاهات حتى يعرف بها فليس هذا بجيد، ويزيد الأمر إن استمرأ إضحاك الناس على الناس فهناك تُبذر بذور الضغائن السامة للإخوّة والماحقة للألفة والاجتماع، وكم من كلمة أراد بها صاحبها المفاكهة والممازحة نتجت حربًا وقتلًا، والعاقل من اتعظ بغيره.
وبالجملة فالمزاح لا بد أن يكون بقدر، وأن تحفظ له آدابه وأوقاته وأشخاصه، فليس كل وقت يصلح له ولا كل شخص يتقّبله ولا كل حال يكون مناسبًا له. وبالله التوفيق.


إبراهيم الدميجي

الأربعاء، 16 مارس 2016

لكل أديب..


لكل أديب..
لا تخجل من بوحٍ خلا من عيب..
ولا تأنف من بثٍّ يريح صدرك إن لم تُطق احتماله..
اكتب وارسم جذل طفولتك على صفحة السماء بحروف مدادها شعاع شمس البكور..
تفاءل بعناية خالقك وانتعش بحسن ظنك..
ولا بأس من نقلٍ  يثري تجربتك، فاختيار المرء قطعة من عقله.
كم هو سام ذلك اليراع الذي يخط بأوتار مشاعرك أجمل خيوط نبض فؤادك المفعم بأمل يتألم من خيبة عابثة..
وروح تهفوا أن تعانق شمس الأصيل لكنها مثقلة باجترار ماضيها الدفين تحت أكوام نفوس لا تستحق أن تنتمي لحبها يومًا ما.
اكتب غير ملتفت وراءك.. وخذها حادية شادية من كل محب لحروف تنبض أصدق مشاعر القلوب وتضيء بأجمل مشاعل الأرواح..
وكلنا لك قائلون: سلم بوحك يا عزيزي وجبر الله كسرة قلبك..
فكل أديب معذَّب، والدم القاني الذي ينزف حروفك من أسلة قلمك قد وصل وغذّى قلوبًا ألهبها عطش الخريف...

إبراهيم الدميجي

الجمعة، 12 فبراير 2016

الثلاثاء، 5 يناير 2016

يسقيك,, إبراهيم الدميجي


وفي البلايا من النعم خبايا


افرح بالله


وبشر الصابرين..


الأنس بالله تعالى


الجمعة، 1 يناير 2016

تفكر واشكر.. نعم عظيمة حقيقة بالتدبر والشكر


اتقوا الظلم..


يا صاح



الظلم ظلمات..

اتقوا الظلم..
واعجبًا للظالم كيف يهتني بنوم وهو يعلم نصر الله للمظلوم.
تنامُ عينُك والمظلوم منتبه   يدعو عليك وعينُ الله لم تنمِ
كيف يطيب له نَفَسٌ وهو يسمع قول الجبار جل جلاله: (وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما)
أَمَا وَاَللَّهِ إنَّ الظُّلْمَ شُؤْمٌ      وَمَا زَالَ الْمُسِيءُ هُوَ الظَّلُومُ
 إلَى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِي      وَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الْخُصُومُ
سَتَعْلَمُ فِي الْمَعَادِ إذا الْتَقَيْنَا     غَدًا عِنْدَ الْمَلِيكِ مَنْ الظَّلُومُ
الظلم ظلمة في الدنيا وظلمات في الآخرة..
روى أحمد بسند صحيح أن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ مِنْ أَخِيهِ، مِنْ عِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ حِينَ لَا يَكُونُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ، أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَجُعِلَتْ عَلَيْهِ"
لا تستعجل عقوبةَ الظالم فهي محيطة به. روى الشيخان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إن الله ليملي للظالم ، فإذا أخذه لم يفلته )) ، ثم قرأ : { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } [ هود : 102]
كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ : أَمَّا بَعْدُ فَإِذَا مَكَّنَك اللَّهُ الْقُدْرَةَ مِنْ ظُلْمِ الْعِبَادِ فَاذْكُرْ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَيْك ، وَاعْلَمْ أَنَّك لَا تَفْعَلُ بِهِمْ أَمْرًا مِنْ الظُّلْمِ إلَّا كَانَ زَائِلًا عَنْهُمْ - أيْ بِمَوْتِهِمْ - بَاقِيًا عَلَيْك -أَيْ عَارُهُ وَنَارُهُ فِي الْآخِرَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ آخِذٌ لِلْمَظْلُومِ حَقَّهُ مِنْ الظَّالِمِ، وَإِيَّاكَ إيَّاكَ أَنْ تَظْلِمَ مَنْ لَا يَنْتَصِرُ عَلَيْك إلَّا بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. { وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ } .
فكيف رأيت الحقّ قرّ قراره ... وكيف رأيت الظلم آلت عواقبه
وتذكر حديث المفلس واعلم أن ميزان الآخرة منضبط على معيار واحد يميّز العدل من الظلم (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) غافر 17، عدل ينجى ويسعد، وظلم في الجحيم يركس { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ }
ان معول الظلم ليهدم جبال الحسنات، وكلما اشتدت المظلمة اشتد الهدم.
ياصاحِ: ليت الحلالَ سلم، فكيف الحرام؟ كان لبّان يخلُط اللبن بالماء، فجاء سيل فأهلك الغنم، فجعل يبكي ويقول: اجتمعت تلك القطراتُ فصارت سيلا. ولسان الجزاء يناديه " يداك أوكتا وفوك نفخ " .
كم بكت في تنعّمِ الظالمِ عينُ أرملة، واحترقت كبد يتيم؟ (وَلَتَعلُمَنّ نَبَأَهُ بَعدَ حين) واعجبا من الظّلمةِ كيف ينسون طي الأيام سالف الجبابرة، وما بلغوا معشار ما أوتوا، أما شاهدوا مآلهم؟ (فَكُلاً أَخَذنا بِذَنبِهِ) أما رحلوا بالندم؟ (فَما بَكَت عَلَيهِم السَماءُ والأرض).
ويحك، لا تحتقر دعاء المظلوم، فشَرار نار قلبه محمول بريح دعائه إلى سقف بيت الظالم، نباله تصيب، وبوعد الله لا تخيب. (وعزتي وجلالي لأَنصُرَنّكَ وَلَو بَعدَ حين).
ويامن ظُلمت: اصْبِرْ عَلَى الظُّلْمِ وَلَا تَنْتَصِرْ، فَالظُّلْمُ مَرْدُودٌ عَلَى الظَّالِمِ، وَكِلْ إلَى اللَّهِ ظَلُومًا فَمَا رَبِّي عَنْ الظَّالِمِ بِالنَّائِمِ.. وَمَا يَدٌ إلَّا يَدُ اللَّهِ فَوْقَهَا.
شتان من بات وقلوب العباد عند ربها تدعوا له وتثني عليه، وبين من دموعهم ترفَع شكايتها بالدعاء عليه! وفي الصحيحين: "واتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّها لَيْسَ بَيْنَها وَبَيْنَ اللهِ حِجابٌ"
‏ربما تنام وعشرات الدعوات ترفع لك، من فقير أعنته، أو جائعٍ أطعمته، أو حزين أسعدته، أو مكروب نفست عنه.. وعند الله في ذاك الجزاءُ.


حُرمةُ الدماء المعصومة

حُرمةُ الدماء المعصومة
الحمد لله وبعد: فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم الناسَ من فتن آخر الزمان، وأمر المسلم بالاعتصام بحبل الله ودينه، وعدم الانسياق خلف الأهواء والفتن، فقال صلى الله عليه وسلم: " وإنَّ أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها. وسيُصيبُ آخرها بلاءٌ وأمورٌ تنكرونها، وتجيءُ فتنةٌ فيُرقِّقُ بعضها بعضًا.. فمن أحبَّ أن يزحزحَ عن النارِ ويدخلَ الجنةَ، فلتأتِه منيَّتُه وهو يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ، وليأتِ إلى الناسِ الذي يحبُّ أن يُؤْتَى إليهِ " رواه مسلم.
ألا إن أعظم ذنب بعد الشرك بالله تعالى هو قتل النفس الحرام. قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ [الإسراء: 33].
وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالَ في حَجَّةِ الوداعِ: "هذا يومٌ حرامٌ وبلَدٌ حَرامٌ، فدماؤكم وأموالُكم وأعراضُكم عليكم حرامٌ مثلُ هذا اليومِ وهذا البلدِ إلى يومِ تلقونَهُ وحتَّى دَفعةٌ دَفَعها مسلِمٌ مسلِمًا يريدُ بها سوءًا، وسأخبرُكم مَنِ المسلمُ؛ من سلمَ النَّاسُ من لسانِهِ ويدِهِ، والمؤمنُ من أمِنهُ النَّاسُ على أموالِهم وأنفسِهم، والمهاجرُ من هجرَ الخطايا والذُّنوبِ والمجاهدُ من جاهدَ نفسَهُ في طاعةِ اللَّهِ تعالى" رواه البزار بسند صحيح.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال المؤمن في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصِب دمًا حرامًا»؛ أخرجه البخاري.
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: "إن من ورَطَات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها: سفك الدم الحرام بغير حِلِّه"؛ أخرجه البخاري.
بل قد حرَّم الله مجرد الإشارةَ إلى مسلمٍ بسلاحٍ أو حديدة، سواءٌ كان جادًّا أو مازِحًا؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «لا يُشِر أحدُكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزِعُ في يده فيقع في حُفرةٍ من النار»؛ متفق عليه. وفي روايةٍ لمسلم: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنُه حتى ينزِع، وإن كان أخاه لأبيه وأمه».
إن القتل بغير حقٍّ جريمةٌ مُزلزِلة، وخطيئةٌ مُروِّعة، سواءٌ كان المقتول من أهل المِلَّة، أم كان من أهل العهد والذِّمَّة؛ فعن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَزوال الدنيا أهونُ على الله من قتل مؤمنٍ بغير حقٍّ»؛ أخرجه ابن ماجه.
وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل مُعاهَدًا لم يرَحْ رائحةَ الجنة، وإن رِيحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا» أخرجه البخاري. وعند النسائي: «من قتل قتيلاً من أهل الذِّمَّة لم يجِد ريح الجنة».
والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.
إبراهيم الدميجي
20|3|1437