إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الجمعة، 16 ديسمبر، 2011

صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية.(5). "دور الإخوان في توحيد المملكة, معركة تربة أنموذجاً".


صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية
(الجزء الخامس)
"أثر الإخوان على توحيد المملكة"
"معركة تربة أنموذجاً"

الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, وعلى آله وصحبه وحزبه, وبعد:
   قد جعل الله تعالى للإخوان دور عظيم وفضل جسيم في توحيد المملكة العربية السعودية, فقد كانوا قوات البلاد الضاربة في العمق البعيد, والسوط المؤدب للمناكف العنيد, ولله درّ الإمام عبد العزيز الّذي وفّقه الله لنشر كتب الدعوة السّلفيّة, والعقيدة السنيّة المرضيّة, وإرسال الدّعاة الصّادقين, والعلماء الربانييّن(١) لتوجيه وتفقيه ذلك الجيل المثالي الصّادق, الّذي ضرب أروع الأمثلة في التّضحية لدينه, بعدما كان من سُنيّات قلائل تائهاً بين سراديب الزّمان, ضالّاً في حنادس الظّلام, طعامُهُ دمُ جارِه, وفخرُهُ التّرابُ والنّاقةُ! فللّه الحمد أولاً وآخراً في بعثه لهذا الجيل الصّافي التّليد, الّذي جدّدَ سير صحابة محمّد صلّى الله عليه وسلّم في زمان الغربة والهوان . ورحم الله تلك الجماجم والعظام, الّتي ظلمها بعض المؤرخين ظلماً فادحاً وبخسوها قيمتها بخساً فاحشاً, فبدلاً من إعطائهم حقّهم من الثّناء والتبجيل والدّعاء, وهو أقلّ القليل من حقوقهم ومكانتهم, والغضِّ عن قليل هفواتهم وزلاتهم الّتي لا يخلوا منها بشر, فبدلاً من ذلك, رأينا بعض الكتابات المؤسفة من مؤرخين فيهم نوع سذاجة, أوكُتّابٍ سطحيين, أو أُناسٍ _ وهم قلة _ قد فاض حقد قلوبهم على أفواههم وأقلامهم, فلطخوا صفحة الإخوان البيضاء بكذب صريح, وبهتان قبيح, بما ظنّوه غطاءً لشمس حقيقتهم, ونور دعوتهم, وصدق جهادهم, والله الموعد! .
    وفي ظني أنّه لولا أنّ الله تعالى قيّض لهذه البلاد من مهدها أولئك الأماجد الأسود, والأشاوس الصيد، لم يكن الحال كالحال, والله أعلم, وله الحمد .
    ومن أراد أن يعرف فضل الإخوان على هذه الدّولة السّعودية, ورؤية قوّتهم الضّاربة, وكسرهم لميزان القوى الإقليميّة, فليتأمّل معركة تربة كمثال حيّ شاهد! وإذا أردت مزيد إيضاح فانظر تفاصيل المعركة, وتأمّل نوعية أولئك المقاتلين, الّذين لا يتكرر مثالهم إلّا بين مئات السّنين, فالزّمان بأشباههم ضنين, حين قَضَى الله قِلّة ذلك المثال, والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم .
     وسأقول كلمةً رُبّمَا لم تُكتب من قبل في كتاب ولم تسطر بمداد, ولكنّي أراها حقيقةً كالشمس في رابعة النّهار, وهي أنّه لولا أنّ الله تعالى يسّر أمر هذه السّرايا الإخوانيّة في الوقت المناسب, لربّما لم يكُ هناك حجازٌ سعوديٌ البتّة! بل ربّما - والعلم عند الله - لو سار دولاب ذلك الزمن بدون وجود الإخوان في رَحَاهُ, لَرُبَّمَا كانت الدّولة السّعوديّة الثّالثة نَسياً منسياً! ولتعرّضت لخطر التلاشي تحت ركام الزمان! وغبار الليالي والأيام! لا يُذكر منها إلا تاريخ مسطور في بضعة كتب! أو لربما تكون دويلة بين دول! لكن الله حفظ بها التوحيد والجهاد والدعوة السلفية الصافية النقية .
     وحتّى لا أكون متهوّكاً, أو مبالغاً، فلنتكلّم بلغة الأرقام ولنتأمّل معاً تلك الليلة الّتي أرسل فيها عبدالله "البيه" لوالِدِهِ: أنّه سيكلمه بعد شهر من البحرين بعد أن يضمّ نجداً والأحساء لمملكته الهاشميّة! وهو ما ردّ به الحسين على الإنجليز حين سألوه عن تحركات جيش ابنه عبد الله, فقال: خذوا الجواب من عبد الله من البحرين بعد واحد وثلاثين يوماً لا غير! وأرسل عبد الله كذلك للإمام عبد العزيز وكان في آخر شعبان: أنّه سيقضي عيد الفطر في الخرمة, والأضحى في الأحساء, وَصَدَقَ لولا عِنايةُ الله ولطفُهُ, فكلّ الحسابات الماديّة الأرضيّة تنطق بذلك, فجيشه الكثيف مع أنّه كان لا يُمَثِّلُ إلّا نسبةً من الجيش الحجازيّ لوالده, كان قوامة قرابة الأربعين ألفاً على بعض الروايات, ومعهم المدافع والرّشّاشات, والجنود النظاميّة, وفوق ذلك ألوف الجنيهات الصّفراء, والسبائك الحمراء, مُغَيّرةَ النّفوس ومُبَدِّلةَ الولاءات! الذّهب الّذي يُغْرِي الحاضرة فضلاً عن البادية! ويَجلب ولاءهم ويُحيله من ذلك الخندق للآخر كما هو معلوم, وفوق هذا كلّه بريطانيا الّتي أعطته الضّوء الأخضر لفعله, عِرفاناً منها لجميله عليها في مناصرته لها في حرب أعدائها الأتراك . بينما في الخندق الآخر, نجد جيش الإمام عبدالعزيز _ بدون الإخوان _ قرابة (12000 ) وبأقصى تقدير فلم يتجاوز ( 15000 ) من العارض وما جاورهم, وسلاحهم البنادق العتيقة القديمة! .
     لذا فلولا أنّ الله تعالى قد اقتضت رحمتُه وحكمتُهُ وُجُودَ أولائك الأسود الأشاوس, لربّما كُنَّا نقرأُ الآنَ ملحمةً ثانيةً لهدم الدّرعيةِ ولكن باسم جديد هو الرياض! وبباشا جديد وهو "البيه" وبشهيد جديد! ولكنّ الله سلّم, فله الحمد أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً, ولا يعني هذا إلغاء دور الإمام عبد العزيز وإنكار فضله, بل له فضل وريادة وتوجيه وإعانة رحمه الله وإياهم.
     وبالجملة فالملك عبد العزيز قد استفاد كثيراً من الإخوان, وكان لهم فضل كبير بعد فضل الله تعالى في تعزيز ملكه وبسط سلطانه كمّاً وكيفاً (٢) كما كان له فضل عليهم بإمدادهم بالعلماء والدعاة والكتب والسلاح, وأكثر ما عكّر صفاء جوّهم واتحاد وجهتهم؛ اتفاقاته المسبقة مع الإنجليز في ترسيم الحدود الشمالية, ممّا حداه فيما بعد للوفاء بهذا الالتزام ومنع الإخوان من تجاوز حدوده إلى دول الجوار, وهو ما كان يأباه فريق كبير منهم طمعاً في مواصلة الجهاد لفتح القدس وتحريرها من الصهاينة! بينما آثر الملك  عبدالعزيز بناء دولته, وتقويتها من الداخل, وتحصين حدودها وأقاليمها الشاسعة؛ إذ يرى أنه لا طاقة له بنزال الجيوش المدمرة في الشمال, وهي المغامرة التي قد تكون مقامرة! فلو خسرها لربما دُمّرت مملكته, وسُحق شعبه!. وعلى كلٍّ؛ فحكم الحاكم يرفع الخلاف المعتبر, والسمع والطاعة واجبان له عليهم, والمقصود: أن الملك عبد العزيز قد استفاد منهم وهم كذلك قد استفادوا منه, رحم الله الجميع .  
يا سِعْد من يسبق زمانه على ظهور      نجايب تدرك مسيرات الإخوان
روحه على كفه سعيد ومسرور       يقول وين أقرب طريق من جنان
يرمي شعيل النار ويصوّب ظهور        في ساعة صارت لهيب ودخّان
عِزِّه بدينه ما هو بالجهل مدمور       ما همه أصله من تميم وقحطان

"معركة تربة"
" الملحمة "
( 25شعبان 1337 )
     وفي الأشهر الثّلاثة الأولى من هذه السنة انتشر وباء حمّى الإنفلونزا _ولعلها الإسبانيولية_ وقد توفّي بسببها الألوف من أهل نجد منهم الأمير تركي بن عبد العزيز عن تسعة عشر ربيعاً, والّذي اشتهر ببسالته العسكريّة وهو أكبر أنجال الإمام – وبه يُكْنَى - وَوَلِيَ العهدَ من بعده سعود, حتّى سمّوها بسنة الرّحمة تفاؤلاً برحمة الله لموتاهم .
     وهي السّنة الّتي انتهت فيها الحرب العالميّة الأولى, والّتي كانت شرارتها قد اندلعت عام (1332) .
     كان أهل تربة قد بايعوا الإمام عبد العزيز بن محمد عام: (1212) في عهد الدّولة السّعوديّة الأولى(٣). 
    وتُعَدُّ معركة تربة للمتتبّعِ لتاريخ نجد الحديث, هي المعركة المفصليّة الحقيقيّة, الّتي غيّرت وجه الخرائط الجغرافيّة الحدوديّة الحديثة في جزيرة بني يعرب, فَقَبْلَها كان هناك توازنٌ في القوى الإقليميّة, وبخاصّة الوسطى ممثلة بنجد آل سعود, والشّماليّة بدولة أمراء الجبل آل الرّشيد, والشّمال الشرقيّ ممثّلة في الكويت وآل الصّباح, أمّا الشّرقيّة والجنوبيّة فوضعهما كان أقلّ من أن تُحسب له الرّهانات الكبيرة في توازن القوى الإقليميّة في ذلك الزّمان . فالبترول لم يُكتشف بعد في الشّرقية, وليس هناك كبير مُخرجاتٍ اقتصادية لليمن, أمّا بالنسبة إلى القوّة الرّابضة في الحجاز فقد كان يُحسب لها ألف حساب, ولم يفكّر أحدٌ ممن ذكرنا بأخذ شبر منه, دعك من مناكفتها فكيف بغزوها وطردها! لأنّها كانت مُحاطة بحواجز عالية؛ من تعظيم الأمّة للقتال فيها, مع ضميمة حمايتها من الباب العالي مباشرة, كذلك دخولها في دهاليز ووعود التّاج البريطاني, إضافةً إلى غِنى شريفها ذَهَبَاً وَنَسَبَاً, وحقّهم المستقرّ في نفوس العواّم بوصايتهم التّقليديّة على الأراضي المقدّسة قرابة الألف سنة . فعبد العزيز كان يُصارع الدّول القرينة له من الرّشيد والصّباح, أمّا الشريف فقد كان عبد العزيز يَرْضَى منه بالكفّ عنه, وترسيم الحدود ولو بشيء من الضّيم, دفعاً لجشع المارد الغشوم, ألا وهو الشّريف حسين بن علي, الّذي آذاه بتبعيّةِ العتبان له لمّا صبّ عليهم الذّهب والعساكر, وهم من هم في ميزان القوى القبلية؟! كذلك فهم الجيران القريبون من العارض حصن آل سعود الحصين بسواعد أهله وولائهم لبيت ملكه.
      بيد أنّ معركة تربة قلبت الطّاولة على المقامرين الدّوليّين الكبار, وألجمتهم أمام معادلة جديدة في توازن القوى ,كان بيدقها الرّابح وحصانها السّابق جيش الإخوان بإمامة عبدالعزيز, الذي عركته الحوادث بِثِفَالها, وغذّته المجامع بِلَبَانها, وَتَرْكَتْهُم هذه المعركة بين واضع كفّ حائرٍ على ذقنٍ أو قارعاً سنّ نادمِ! فحتّى المخابرات الإنجليزيّة لم تكن تتوقّع هذه القوّة الضّاربة من الجيش الوليد الفتيّ, وجنديّه المقدام الأبيّ, وقُدرتِه العجيبةِ على التّعبئةِ الكاملة في ظرف محدود, ووقت قصير, فمِن حين وصول الأمر بالجهاد, إلّا والجنود كلٌّ قد أخذ سلاحه على متنه, حاملاً خِرجَه وقد جهّزه بما استطاع من الذّخيرة, ومعه بضع تمرات في مزودته يقمن صلبه الباسق, ونُطفةَ ماء في قربته تكفيه عن طلب الإمداد "اللوجستي!" ثمّ انطلق على ذلوله إن كانت, وإلاّ رَكِبَ قدميه اللّتين عرَكَتْهُمَا حياةُ الباديةِ والصّحراء والشّظف والشّدّةِ, وَأَلْبَسَهُمَا الإيمانُ قوّة وشدّةً ومَضَاءً وتصميماً, فصارتا عينين نفّاذتين, فوق محرّكين نفّاثين لا يكلّان ولا يفتران من المشي الدؤوب, لحين الوثوب على أعداء الملّة وغُزاة الدّيانة, وما هو إلّا العدوّ أمامه والأمر بالهجوم خلفه, إلّا وترى البسالة النّادرة, والمهارة الفائقة, في جندلة الفرسان, وسحق الرجّالة, وقطف الهامِ, وإغراق العدو في الهزيمة, الّتي أجحظت عيون المراقبين دهشةً ورُعباً, وتعجّباً وفزعاً, حتّى أنّ أحد المؤرّخين الغربيّين لَيَتَفَاخَرُ عند بني جلدته أنّه قد رأى أحد الإخوان رؤيا عين! ثمّ أخذ يصف شكله ولونه وطوله وشعره ومشيته,كأنّما يصف مارداً يطرد عفاريت الشرّ بوجوده.
 لسان حالهم:
جيش من الكفر مهزوم إذا صَدَقَت       نيّات قومي إلى أعـلى أعاليها
نمشي حفاة على الرّمضاء تأسرنا       فردوس ربي فلا الدّنيا تدانيـها
نسعى بعزم وفي الأنفال شرعـتنا        يا أبلـغ الله أجـناداً أمانيها
      فتربة تعتبر البوّابة الطّبيعيّة للطّائف, والّذي هو بدوره البّوابة الطبيعيّة لمن أراد دخول مكّة المكرّمة المشرّفة.
      وقبل معركة تربة كانت بريطانيا تُراهن على الشريف وتغريه وتُمنّيه, بينما كانت تعلّل عبدالعزيز بالكثير من الوعود وبالقليل من الوفاء, حتّى كانت كاسحةَ المعاركِ في تربة, وَظَهَرَ ضعف الشّريف وقلّته وهزيمته, أمام الطّرف الأقوى والحظ الصاعد في ميدان السّياسة والحرب, إنّه عبد العزيز بكتائب الإخوان العاصفة وسراياهم القاصفة.
     وكانت سياسة بريطانيا قبل تربة في صفّ الملك حسين دون عبدالعزيز الذي كان يخطب ودها راغبة عنه ولم تُرعِهِ بالاً, وفي تقرير الكرنل "ويلسون" المعتمد البريطاني في جدة إلى الجنرال "وينغت" المندوب السّامي في القاهرة قال: ( ولا يُخامرني أدنى شكّ في أنّ من الضّروري حقّاً أن يُعيد الملك حسين احتلال الخرمة وأن يَطرد خالد من تلك المنطقة ...الخ)(٤) وفي تقرير آخر بَعَثَهُ بعد عدّة أشهر, لماّ ازدادت قوّةُ الإخوان التي وصلت أصداء انتصاراتها خارج الحدود قال _ بعد أن قارن بين الملك حسين والإمام عبدالعزيز_: (هذان هما الرّجلان اللذان كما يبدو لي يجب أن تختار حكومة صاحب الجلالة بينهما وأن تختار سريعاً ) (٥).   
     وبعد هذه المعركة حَسَمَت بريطانيا أمرها, ورأت قوّة جيش عبد العزيز الجديدة الكاسحة, فأخذت العجوز الماكرة بريطانيا تخطب ودّ عبد العزيز وتتزيّن له, علّهُ يرتبط معها بعهود ومواثيق جديدة, تنفعها وتحيّد أعداءها وقرناءها الكبار, كروسيا وفرنسا بل وألمانيا - قبل سقوطها الأول- الّلاتي بَدَأْنَ بإرسال الوفود لعبد العزيز وكلٌّ له أَجِنْدَتُهُ وأهدافه, خاصّةً أنّ الحرب العالميّة قد وضعت أوزارها . واستنفذت بريطانيا جهد الحسين وسرقت عسله وشمعه, فاحترقت ورقته وصار عِبْئَاً عليها . أمّا ابن رشيد في حائل فانتهى أمرُهُ وَحَسَمَتْ أَمرَها فيه بعد تربة! وكيف ذاك؟  فالجواب: أنّ من انتصر على جيش الشريف العربيّ الترّكيّ النّظامي الحديث, فليس من الحكمة إغضابه بدعم جيش قد غربت شمسه وآذن مأتم ملكه.
      ونعود إلى ثرى المعركة, فبعد معركة القُرَيْنِ تسامع الإخوان في أرجاء الجزيرة بأحداث الخُرمة, والحملات العسكريّة الظّالمة عليها, في حوقان وجبار والحنو والقرين, والخامسة في تربة تمهيداً لغزو الخرمة وما بعدها شرقاً, فتتابعت أرسالهم وأفواجهم من كلّ فجّ من بيشة ورنية والغطغط والرّين وسنام وساجر ونفي والأرطاويّة ...وغيرها, فجاء سلطان بن بجاد بن حميد أمير برقا من الغطغط بألف ومئتين من المجاهدين(٦) وجاءت قحطان بقيادة معيض العبّود من الصبيخة من تثليث, كذلك حمود بن عمر ومن معه من قحطان, وجاء الدّواسر بقيادة ابن قويد, كذلك عمر بن ربيعان أمير الرّوقة ومن معه, أمّا أهل بيشة فجاؤا تحت خمس وعشرين راية, وتكاملت جموع فرسان التّوحيد, وبينما هم في سيرهم لقيهم عند الدوّارة أهلُ عشرِ ركائبٍ من القواودة البقوم, فبايعوا خالد بن لؤي على الكتاب والسّنّة, وهو بدوره قد بايع عبدالعزيز من قبل, وأخبروه بجيش الشريف وقوّاته وعددها وعتادها وأماكنها, وأبلغوا الإخوان أنّ جيش الشريف أفسد في الأرض, ثمّ أقبلت عليهم امرأة وصاحت فيهم ووصفت فسق القوم بهنّ, قال أحدهم: والله لكأنّي أراها الآن قد تحلّب ثديُها وهي مرضع, وتصيح في القوم عند خيمة القيادة: كيف وَسِعَكُمُ القُعُودُ بينما التّركُ يفعلون الأفاعيل بالحريم؟! فاخضلّت لِحَى الإخوان من البُكاء, وقال بعضهم: انتظروا وصول إمامكم فهو في الطريق, وقال آخرون: بل أغيثوا إخوانكم . وكانت كلمة الفصل عند علمائهم الّذين قالوا: حَرُمَ القُعُودُ.
أقول وقـولوا معي يا أباة       بصوت يطول أعالي القممْ
إذا الدّين أضحى ينادي رجالاً       فلا خير فينا إذا لم نقمْ
ولا خير فيمن يصيح به الدّين       صيحة غـوث فلم ينتقمْ
    فساروا ثمّ أناخوا على "القويعيّة"_ بين الخرمة وتربة _ ونادى خالد فيهم: لا يبت أحدٌ إلّا وذلوله عند رأسه, ثمّ باتوا لصبح أكبر معركة لهم في تاريخهم.
     وجهّزَ الشّريف حسين طوابير من جيوشه فجهّز ابنه عبدالله "البيه" معه الكثير من التّرك والشوامّ والعِراقيين الّذين رافقوه بعد حصاره للمدينة النبوية وَفَلِّ جيشِها التركيّ واستسلام الباشا, ومعهم الجموع من مكّة والطّائف من القبائل الموالية للشّريف, وخرج في جيش كثيف يدقّ الحجر من كثرته وثقله, لا تعدّه الأقلام, قدّرهُ بعضهم بخمسة وعشرين ألف مقاتل, وقال آخرون بأنّ عددهم قرابة ثلاثين ألف مقاتل, منهم خمسة آلاف من الجنود المدرّبين النّظاميّين, والبقيّة من الأعراب والمتطوّعة _ وبعضهم قد أوصل العدد إلى أربعين ألفاً -. وقال آخرون: كانت القوات النّظامية ستّة أو خمسة آلاف, ومن البادية عشرة آلاف . وقال بعضهم: إنّ القوّات النّظاميّة ثمانمئة والأعراب عشرة آلاف, والله أعلم . والجيش يجرّ المدافع والسّلاح الّذي غنمه من التّرك, كذلك الّذي أمدّته بريطانيا به.
    أمّا جيش الإخوان, فقرابة الخمسة آلاف, وقيل بل ثلاثة آلاف فقط, وبهذا _ إن صحّ هذا العدد_ يكون الواحد من الإخوان يقابله العشرة من العدو ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين) (الأنفال: 65). والأقرب أنّهم خمسة آلاف مقابل خمسة عشر ألف, أما الباقي فمبالغ فيه والله أعلم.     
      ثمّ إنّ الشّريف خيّم على سفح جبل حضن شهراً كاملاً عند عشيرة, وأصابه الغرور الشّديد لكثرة جموعه, ولمّا أرسل له الإمام عبد العزيز مستفسراً عن سبب اقترابه من الخرمة, ومتوعّداً إياه إن قدم بالعذاب الإخواني, ردّ عليه عبد الله بأنّه سيصوم رمضان في الخرمة والأضحى في الشّرقيّة _ بعد سَحْقِه لنجد وسيره على جثّتها للشرقيّة بالطبع بزعمه _ وكتب لوالده حسين: بأنّه بعد شهرين سيكلّمه من البحرين بعد أن يضم نجداً والشّرقيّة لمملكته! . وقد ودّ بعدها لو كان قد قنع من الغنيمة بالإياب!.
     ومما كتبه لعبدالعزيز كذلك في ذلك الكتاب – وهي كلمات تدل على فصاحة عالية, وبلاغة باذخة, ولكن ليته كان على المنهج الأسمى والفعل القويم, ومنها: "وهل تذكر رجلاً من قريش, ثم من بني عبد مناف, ثم من بني هاشم, جده الرسول صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب؛ يقعقع بالشنان؟! ويردع بمثل تلك الأقاويل؟!"(٧). 
      ثمّ دخل الشريف عبد الله "البيه" تربه, بعد معركةٍ مع صالحي أهلها دامت ساعة ونصفاً, وقيل بل لم يحدث قتال أصلاً, وهذا ما دعى شاكر الشريف أن يقول له فيما بعد _ كما ذكره العبيّد _ لماّ حذّره من أهل الخرمة, واحتجّ عليه عبد الله بسهولة دخوله تربة, فقال شاكر: إنّ تربة هي الّتي دعتك لنفسها أمّا الإخوان فهم أمامك فخذ حذرك . وكان دخوله لتربة في  (21شعبان 1337 )  ثمّ أَسَرَ بعض الموحّدين الّذين كانوا يستخْفون منه حتّى لا يقتلهم بتهمة الوهّابيّة, فوضع فيهم الحديد وعددهم اثنا عشر رجلاً, ثمّ أهان منهم اثنان وقال أنتم تكفروننا؟ فقالا: لا نكفّر إلّا من كفّره القرآن والسّنّة . ثمّ أمرهما بتكفير الإمام المجدّدّ محمّد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى, فأبيا ذلك وهما عامر بن مسيّب (٨) والثّاني هو الطُعَيْمِي, ويقال إنّ الشّريف "البيه" قال لهما: كفّرا محمد بن عبدالوهاب . فصاح أحدهما: الكافر أنت وليس محمد بن عبد الوهاب, قال: سأقتلكما . قالا : إن قتلتنا فهي الشّهادة.
وقَوْلي كُلّمَا جَشَأت وَجَاشَت      مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي
      فلمّا أعيته الحيلة في استخلاص ما يريد من الشّماتة بالموحّدين, ولِما أراد الله لهما من الشهادة في سبيله, ولا نزكيهما على الله, أمر الطّاغية بوضعهما على فم المدفع, ثمّ أطلق قنابل المدفع الّتي نثرت أشلاءهما الطّاهرة الشّاهدة بحجم الظلم والاستعباد والجبروت من ذلك الطّاغية الفاسد البائد, الّذي لم يَعْلَم أنّهُ بعد أربع ليال سيفرّ هارباً بثياب نومه جريحاً على فرس عُرْيٍ ليس لها لجام, بعد أن صَرّعَت جندَهُ شَفراتُ البِيْضِ, ومُرهفات الهنادي, بأيدي الموحّدين أنصارِ الموحّدين ( ولا يحيق المكر السّيِءُ إلاّ بأهله ) (فاطر:43).
فما هو إلّا الوحي أَو حَدُّ مُرْهَفٍ      تُزيلُ ضُباهُ أَخدعَي كُلّ مائلِ
فَهَذَا شِفَاءٌ للّنفوسِ من العَمَى      وَهَذَا شفَاءُ العِيّ مِنْ كُلّ سَائلِ
 فما راع "البيه" وهو في خيمته إلّا وإخوان من أطاع الله يصيحون مكبّرين مهلّلين في أرجاء صيوانه بعد أن ذبحوا علوجه الترك, وغسلوا الأرض بدمائهم لأنّهم دنّسوها البارحة بمعاصيهم وبغيهم وفجورهم, وسَالَت أرواحُهم على ضُبَاتِ سيوف الحنفاء أنصار الملة من الإخوان، وأحدهم يهتف مكبراً وقد وصل لخيمة البيه: صبي التوحيد وأنا أخو من أطاع الله! لكن الحكيم أمهله لحكمة أرادها جلّ جلاله، لعل منها أن يشهد  سقوط أمبراطورية والده، وحتى يستمر مسلسل إذلاله، وهو الذي لا يقعقع له بالشنان بزعمه! فتذله العرب ثم تذله العجم والروم، ولكل باغ مصرع، وعليه تدور الدوائر، وما يد إلا يد الله فوقها، وعند الله تجتمع الخصوم، (إن ربك لبالمرصاد) (الفجر: ١٤). 
        قال محمد الوابلي: والله لقد قرنونا بالسّلسلة وسجنونا ونحن اثنا عشر رجلاً كي يقتلوننا بعد الطعيمي وابن مسيّب بتهمة أننا وهّابية, ولم يطلقنا إلّا الإخوان.
       وقال محمد العلي العُبيّد في مخطوطته النجم اللامع: إنّ عبد الله البيه قد أمر بحصر كلّ المقيمين من أهل نجد بتربة, فحصروا ثمّ حبسوا في أحد المنازل هم ونساؤهم, وبلغ عددهم مئة وأربعون, وأمر بتجهيز الرّواحل في الصّباح كي يُرسَلوا للطّائف ومكة وجدة على أنّهم أُسَارا حرب من "المديّنة" - أي المتديّنين -  ولكنّ الله سلّم, ففي الصّباح كان الفرج قد لاح بإذن الله تعالى, ثمّ بسيوف أهل التّوحيد الأقحاح, الّذين سطّروا على ثرى تربة ملحمةً بطوليّةً بِطُولِ الزّمان, وهتفت سيوفهم بنصر الإسلام, ونطقت رماحهم بعزّة الإيمان, رحمهم الرحيم الرحمن.
      وقُتِلَ من الإخوان الكثير, فقد كانوا يرمون بأجسادهم على فوّهات المدافع والرّشّاشات, ليتحرّروا من رِبْقَةِ أجساد الدّنيا للخلود الأبديّ في نعيم الجنّات, لا حرمهم الله مقصودهم ولا نزكيهم عليه. واختلفت الرّوايات في عدد شهدائهم فمن قائل بأنّهم قد بلغوا (400) ومن قائل ( 500 ) ومن قائل ( 150 ) إلى غير ذلك, والله أعلم.
    قبل معركة تربة بيوم أو ساعات, ناوشت بعض خيل الشريف تجريدة للإخوان عند مكان يقال له "العِرْقَين" فقتلوا أحد كبار الإخوان وهو من قحطان من أهل الرّين, ثم إنّهم جزّوا رأسه وحملوه للشريف, وقالوا: هذا رأس واحد من كبار المديّنة, فنظر الشريف عبد الله البيه, ثمّ قال: تريد الجنة والله لن تراها عينك!.
وأخذ المدفع يزفر ويزمجر فسمعه الإخوان وظنّه أحدهم رَعْدَاً, فقال: كريم كريم (٩) أبشروا بالمطر هذا الرّعد . فقالوا له: هذا رعد لن تربّع فيه العشار! هذه بندقية الشريف الكبيرة تزلزل . ( فلا تخشوهم واخشوني ) (البقرة:150).
     وكان الإخوان يقولون:
استعـنا بالإله المعـتلي      يوم النصارى تعتزي بجنودها
     وكانوا قد أرسلوا للإمام عبد العزيز وهو في الرّياض بسرعة القدوم للموقعة الفاصلة, فأرسلوا شبيب بن جميع بكتابهم إليه فوصل بعد أربعة أيام فأعطاه الكتاب, فتغير وجهه وتغيض على الإخوان لأنهم حركوا عليه الشريف! وهو ليس على استعداد الآن لمواجهته, فخشي شبيب أن لّا يعجل الإمام بالنّجدة, لذلك فمن حين خروجه من مجلسه قعد عند جدار القصر وأخذ يرتجز أبياتاً بصوت عال ومنها:
من تدبّر تالي الأنفالِ      جانا قدام يجيه داعينا
     وَأَسْمَعَ الإمامَ وتسامع من حول القصر من أهل الرياض, وبدأ بعضهم يرتجز معه ويعرضون عرضة الحرب النجدية, فناداه الإمام وأعطاه كتاباً للإخوان: إنّي إليكم بالأثر, وعلى الله الظفر . فقال الإخوان: مرحباً بالإمام.
      أرسل الملك عبد العزيز كتاباً للشريف "البيه" مع صِيتان قال: خُذِ الكتاب ولا تَعُد إلا بردّ الشريف معك . فذهب صِيتانُ إلى تربة وكان عبدالله البيه قد دخلها فأناخ على ابن عمّه هَوْصَان المقاطي(١٠) وكان هوصان عند الشريف كابن جميعة عند عبد العزيز, أي وزيراً لعطايا البادية, فقال: ما تريد؟ قال: كتاباً معي من عبد العزيز إلى معزّبك _ أي الشريف _  فقال هوصان: خِبت ياصيتان لن يأخذ منك الشريف شيئاً, الشريف يريد الرّياض والشّرقية, ومعه هذا الجيش الّذي تراه فلن يردّه إلّا بحر الشّرقيّة, وهو لايراكم شيئاً من الاحتقار . فقال: اذهب بي إليه ولا يهمّك ما يكون . فقال: نَمِ الآن وَغَدَاً لكلّ حادث حديث . فباتا فلمّا أصبحا قال: والله ماغمضت عيني على نوم, فطول ليلي وأنا بين جاءكم وجاءكم, أرِحني من الكتاب, وادخلني على الشريف, أو خذ كتابي له . قال انتظر, فلمّا ارتفعت الشّمس وقام الشّريف من تصفيرته - أي نومه بالضّحى - ذهب لكتائبه يتفقّد أحوالها فقال هوصان: قُمْ ياروقيّ هذا الشّريف عند فرسه, فقام صيتان وقال: ياسيدي (١١) أنا صيتان معي كتاب لك من عبد العزيز جئت من أمس ولم أجد من يأخذ كتابي, فلمّا أنهى كلامه صعّر له خده, ثمّ أعرض عنه, وركب فرسه وكأن لم يكن عنده أحد من احتقاره لعبد العزيز والإخوان . ثمّ أن هوصان قال لصيتان: اهرب قبل أن تُقتل فمثلك مقتول منهوب! ففرّ صيتان بكتابه وانطلق, ولمّا وَصَلَ لـ"العِرْقَيْن" (١٢) إذِ الإخوان قد أناخوا فيها, وأمامهم رُتْبَة للشريف _ أي كتيبة _ من بني سفيان في مكان يقال له: "ركبة الذراعين" وتناوشت الخيل واشتبكت, واستشهد اثنان من كبار الإخوان؛ أحدهما من بني عمر والآخر من قحطان, ثمّ إنّ صيتان لمّا سأله الإخوان وقد اجتمعوا عليه؛ هوّن عليهم أمر الشريف وقال: لم يمنعكم منه إلّا ذنوبكم, وليس معه إلّا دراويش الحجّاج . ثمّ إنّه أناخ على ابن بجاد, ففرح به سلطان وسأله الخبر, فأخبره أنّ جنود الشريف كالجراد قد جمع التّرك وقبائل الحجاز والقصيم, معه المدافع الجرّارة والرّشّاشة, وأنّهم لا يرونكم شيئاً, ولا أقوى منهم إلّا الله, ونصحه ببياتهم في الّليل, فقال سلطان: سيكفيناهم الله . إذهب إلى خالد وأخبره الخبر, فذهب لخالد وأخبره ثمّ قال: لكن سينصركم الله عليهم, فقال خالد: وما حملك على ذلك؟ فقال: لأنّهم لا يصلون, يؤذّن ابن حجلان فربّما أتاه الواحد والإثنين, وربّما صلّى وحده! فقال خالد: اذهب لسلطان فأخبره, قال: أخبرته.
     قال محمد العبيّد: ( ثمّ اجتمع كبار الإخوان وقادة الكتائب وعقدوا مجلس شورى, فأشار عليهم خالد بن لؤي بقوله: أرى أن نرسل رسولاً لعبدالله نُهدِّدُهُ ونتوعّده فإنّ هذا سوف يشتّت ذهنه من الانزعاج, ثمّ إنّه لن يأخذ بمشورة من عنده من أهل الحزم فهو ماقد علمتُهُ من معاشرتي له: لا يريد ذلك, حتّى لا يُقال: أصاب برأي غيره . فوافقه الإخوان فأرسل أمّ سلطان العبّود (١٣) فأرسلوها برسالة شفهيّة وفيها: يقول الإخوان: إنّا مصبّحينك فجر الغد! فإن كنت يا عبد الله ولد الحسين وأتيت من عَصَب ظهره, فاثبت إذا هلّلنا عليك وعلى جندك! . فأوصلت المرأة الرّسالة من الرأس دون القرطاس كما قال عبيّد العلي الرشيد:
يادارنا من جاك جيناه عجلين      بالليل نسري والعصر والقوايل
فان كانهم عنا بالانشاد محفين      فمن الراس ما نعتاز رد الرسايل
    ثمّ إنّ المرأة سألت عن شاكر بن زيد بن فواز, نائب البيه فأخبرته الخبر, فدخل من حينه على البيه وأخبره, ولم يزد عبد الله أن ردّ عليه: قد بلغ بك الجبن إلى هذا الحدّ, كيف يجرؤ المدينّة على هذه النيران الملتهبة معنا, الّتي سيأكلهم شررها قبل لهبها! فارجع لفراشك وَنَمْ واترك عنك الوساوس . فرجع شاكر وخرج متعثّراً في ثيابه, ثمّ التفت عبد الله إلى من عنده, وجمع عشرة من كبار القوّاد, ومنهم شرف بن راجح بن فواز الشريف, وعبدالله بن دخيل الله, رئيس عقيل وكانوا زُهَاءَ ألفين كلّهم من أهل نجد, وغازي بن محمد بن صالح الحارث الشريف, وسلطان العبّود قائد الخيل, وعبد الله بن عسيلان شيخ المعابدة, فاتفق رأيهم على سحب الجند لداخل تربة وأن يتحصّنوا بها إلى الصباح, لكنّ عبداللهً رفض ذلك قائلاً: أتريدونا أن ندخل تربة وننجحر فيها, ونهزم أنفسنا قبل هزيمة عدوّنا لنا . فقال غازي الحارث: يا عبد الله هؤلاء الإخوان والله لا ينهزمون حتىّ تقتلهم جميعاً, وقومك ليسوا بقوم بيات. فسفّهَ عبد الله رأيهم, غَيْرَ أنّه أَمَرَ قوّاد العسكر بتنظيم عسكرهم ومدافعهم ) (١٤) ثمّ اجتمعت كتائب الإخوان وسارت مع "ريع الثنية" بقرب قرية "شِعْر" (١٥) ثمّ أناخت في "القويعيّة" (١٦) ثمّ اجتمع كبارهم في الثّلث الآخر من الّليل عند السَّحَر على رأس خالد بن لؤي, وسلطان بن بجاد, وسلطان أبا العلا وغيرهم, وكانوا عند قويعيّة المرازيق, وتشاوروا في تكتيك المعركة ووقت الهجوم, فاتّفقوا على تقسيم الكتائب الهجوميّة إلى ثلاثة أقسام, فقسم على الذّراعين والرّكبتين من جهة الحرّة, وقسم مع بطن الوادي باتّجاه السّوق, وقسم على رمادان وخيمة الشريف.
     وقال سلطان بن بجاد: يا خالد سر مع بطن المسيلة حتّى تدخل مخيّم البيه والسوق ورمادان ومنيف, وأنتم يا أهل الحرّة العمريّة والصّملة فمع الحرّة وأمامكم كتيبتان للشريف كلّ كتيبة قوامها ثمانمئة مقاتل, وأنا معي الخيل على راس الحيّة يا موسى سنهجم على مطرح الشريف, ويعني بها الجنود النظامية بعد الخنادق والمتاريس . فسعوا وهم يرتجزون:
هبّت هبوب الجنّة      وين أنت يا باغيها
    وقاتلوا وهم يتلون: (إيّاك نعبد وإياك نستعين)(الفاتحة:4) (١٧) وكانت خيل سلطان بن بجاد أسبق في الوصول لمخيّم الشريف الذي فرّ بعدما كاد.
     ولتوضيح التّقسيم المذكور نقول: القسم الأوّل وهم العمريّة والصّملة: فَيَهجمون من الجهة اليمنى لاحتلال المرتفعات الواقعة شمال غرب مخيّم الشريف للهجوم على الكتيبتين الرابضتين هناك, ثمُّ يقطعون خطّ الرّجعة على الشريف وعلى جنده, ومن ثَمّ يكون الوصول لمخيم الشريف وقتله.
     وأمّا القسم الثاني بقيادة خالد بن لؤي: فينطلقون إلى الجهة اليسرى عبر الوادي الذي يحدّ تربة من  الشّرق, فيسير هذا القسم حتى يلتفّ على الجيوش النظامية من الخلف, ويدخل مركز القيادة ومخيّم الأمير عبد الله.
     وأمّا القسم الثالث فبقيادة سلطان بن بجاد: فيتقدّمون مباشرة جهة الجنوب الغربي باتّجاه الجيش النّظامي المواجه للإخوان, وهو ما كانوا يُسمّونه بالمطرِح, وفيه القوّة الرئيسيّة لجيش الشّريف, وقِطع المدفعيّة والرشّاشات, وثِقَل الجيش المدرب, بقيادة الّلواء حلمي باشا.
  ثمّ إنّ الشّريف قد وضع له حُبوراً وسَرَايا دون تربة, حتّى تعيق تقدم الإخوان. 
وفي ثلث الليل الثّاني قام الإخوان من رقادهم كما قدّمنا آنفاً, إن كانوا قد ناموا أصلاً, واستعدّوا للّقاء الفاصل وهبّت رياح الجنّة فيما نرجو, ويُقال: إنّهم لحرصهم على التّبكير للمعركة ظنّوا الفجر قد ظهر فصلّوا, ثمّ تبيّن لهم أنّه الفجر الكاذب فانتظروا حتّى صلّوا الفجر بعد طلوع الصّادق . ويقال: إنّ الّذي قد صلّى بهم ابن بجاد, وقرأ سورتي الإخلاص في الرّكعتين؛ الكافرون في الأولى, والإخلاص في الثّانية . وقيل : بل صلّى الشّيخ ابن حسين, ومن جَمَال صوته أمّنت الكتائب الأخرى على قراءته الحمْد . ثمُّ: يا خيل الله اركبي (١٨). 
     صلّى الإخوان الصبح, ولمّا فرغ الشّيخ من صلاته قام سلطان بن بجاد فقال: يا شجاع الجِلْد, وهو حامل رايته, قال: نعم . فقال: لا تركُز البيرق_اللواء_ إلّا في وسط خيام جيشهم . وفعلاً تقدّم ولمّا وصل لخيام الأمير وقف وركز البيرق (١٩) وتتابعت عليه الخيل, لسنابكها وَهجٌ, ولهدّها رَهج, ولِصُدُورِها ضَبْحٌ, ولكرّها قَدْحٌ, قد ثار نقعها في البيداء وأرعد حمسها الأعداء.
نَمْشِيْ حُفَاةً عَلَىْ الرَّمْضَاءِ تَأْسُـرُنَا      فِرْدَوْسُ رَبِّيْ فَلَا الدُّنْيَا تُدَانِيـهَا
نَسْعَىْ بِعَزْمٍ وَفِي الأَنْفَالِ شِـرْعَتَنَا       يَا أَبْلَغُ الله أَجْـنَاداً أَمَـانِيـهَا
    فساروا وأقبلوا على سهل تربة, وكان تعداد الأخوان من الخرمة قرابة الألف أو ينقصون قليلاً, ومن الغطغط ألف ومئتان تقريباً, ومن البقيّة قرابة الثّلاثة آلاف مقاتل, فصار مجموعهم خمسة آلاف, وأمامهم جيش كثيف مدرّب مسلّح, يفوقهم بثلاثة أضعاف على أقلّ التّقديرات, وستّة أضعاف على تقديرات أخرى .
     وكان عن يمين جيش الإخوان وشمالهم رجلان على ناقتين صفراوين يُذَكِّرَانهم بأمر العلماء بِحُرمة قتل الضعفة, فيصرخان بقوّة: اسمعوا يا إخوان: إن المريض والطفل والمرأة والشيخ الكبير لا يُقتلون, ارفعوا عنهم البنادق, لا يقتل إلا رجل خائن, ومن كذبنا فليسأل الشيخ ابن عتيق. والآخرون بحالهم ومَقالهم: سَمْعَاً وطاعة.
ما نبي منك يا عبّاد الأصــنام      كود تقرأ الكتاب وتتبع السنة
     ومشوا ولأرض الحزم وئيدٌ, وتنزّلت عليهم السّكينة, وأحدهم يقول لصاحبه: كم من واحدٍ مِنّا غَداً في مثل هذه السّاعة ميّت! (٢٠) فالحرب سجال وعثراتها لا تُقَال, اللهم رحمتك ونصرك.
    وقابلوا خيلاً للشّريف في شِعب "رِيحان" فكسروهم, ثمّ تقدموا لتربة وكان حامل لواء خالد في مغازيه فهد الهلقمي القحطاني, وهو أوّل من نزل هجرة خالد, وفي معركة تربة كثرت رايات الإخوان, وكلُّ قبيلةِ تحت رايتها أمّا القيادة العامّة فهي لخالد بن لؤي, ومستشاره الأعلى هو القائد سلطان بن بجاد, الّذي يكاد أن يكون هو القائد لكثرة أهل الغطغط في ذلك النهار, وأهلُ الغطغط هم أوّل من دخل قصر منيف في تربة . ويقال: إنّهم أَمَّنُوا مَنْ بداخله لمدّة ساعةٍ واحدةٍ لتسليم أنفسهم, وبعد السّاعة سَحَقُوا مَنْ وَجدوا سَحْقَاً, ويُقال: إنّ عدد من كان في الحصن "قصر منيف" قرابة الأربع مئة, وذكر الرّيحاني: أنّ مِمَّن كان في القصر عون بن هاشم الشريف, وكان وقتها صغيراً، وذكر عن نفسه: أنّه بقي بعد المعركة سنة كاملة وهو يرى الماء أحمراً لغزارة ما رأى من الدّم, وتعجّب مِنْ تَرْكِ الإخوان القتال وقت الصّلاة ودخولهم المسجد لأدائها, وذكر أنّ معه شاكر بن زيد, وأنهما هربا أثناء صلاة الإخوان الظهر.  
       وذهب آل عمر والصّملة مع الحرّة, وهجموا على الكتائب الأماميّة من جهة الحرّة. وكانت رَحَى المعركة من الصّبح حتّى الظّهر, وبعدها هَمَدَتِ الأَرواح . فهجم الإخوان قبل بزوغ شعاع شمس ذلك اليوم الّذي كان رصاصهم أسبق إلى أعناق أعدائهم منه, فهجموا هجوماً كاسحاً يسبقهم التكبير, غير مبالين بالمدافع الرّشّاشة الّتي حَصَدَتْهُمْ حَصْداً, وألقت أوائلهم على أواخرهم صرعى, لكن سلعة الله غالية, والله قد اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة, فكانوا لا يفرّون ولا يتراجعون, ولمّا رأى رُماةُ المدافع والرشّاشات هؤلاء الّذين كلّما عضّتهم النّيران ازداد إصرارهم وتفانيهم؛ همّوا بالهروب والانهزام, لكن أنّى لهم ذلك, ففي أرجلهم سلاسل الحديد قد قُيّدوا في مدافعهم, قيّدهم قائدهم البغداديّ الّلواء حِلْمِي باشا, ثمّ ثنى ركبته معهم وأخذ مدفعاً رشّاشاً بعد أن قيّد نفسه فيه, ثمّ ألقى بالمفاتيح بعيداً حتّى يريَهم شدة بأسه وتضحيته بنفسه معهم! (٢١) فوصلهم رجال التّوحيد, وحرّاس الملّة, وطلّاب الجنّة, فذبحوهم بالسّيوف الهندية, وألهبوهم بالرّماح السمهرية, والقَنَى المشرفيّة, حتىّ لم يبق منهم عين تطرف, ولا عرق ينبض, وكانوا كأمس الدابر, وليله الغابر! كأنما عنترة واقف يصف حالهم بقوله:
حكّمْ سيُوفَكَ في رقابِ العُذَّل      واذا نزلتْ بدار ذلَّ فارحل
وإذا الجبانُ نهاكَ يوْمَ كريهة ٍ      خوفاً عليكَ من ازدحام الجحفل
فاعْصِ مقالَتهُ ولا تَحْفلْ بها        واقْدِمْ إذا حَقَّ اللِّقا في الأَوَّل
واختَرْ لِنَفْسِكَ منْزلاً تعْلو به      أَوْ مُتْ كريماً تَحْتَ ظلِّ القَسْطَل
فالموتُ لا يُنْجيكَ منْ آفاتِـهِ       حصنٌ ولو شيدتهُ بالجندل
موتُ الفتى في عزّةٍ خيرٌ له      منْ أنْ يبيتَ أسير طرفٍ أكحل
ورميتُ مهري في العجاجِ فخاضهُ      والنَّارُ تقْدحُ منْ شفار الأَنْصُل
خاضَ العجاجَ محجلاً حتى إذا      شهدَ الوقعية َ عاد غير محجل
ولقد نكبت بني حريقة َ نكبة ً      لما طعنتُ صميم قلب الأخيل
لا تسقني ماءَ الحياة ِ بذلةٍ      بل فاسقني بالعزَّ كاس الحنظل
   ثمّ هجم الإخوان من جهاتهم الثّلاث على جيش الشّريف, وذبحوهم مذبحة عظيمة جداً, وتحصّن باقي جيش الشريف الّذي لم يهرب في السّوق, واستصعب على الإخوان دخوله إلّا في اليوم الثّالث حين قطعوا عنهم الماء (٢٢). 
     وقد اشتهر عن الإخوان أنّهم في بدء أمرهم لا يأسرون ولا يمنعون (٢٣) ولعلّهم رأوا أنّ الدّولة الفتيّة النّاشئة إذا دخلت في حروب مع المشركين, فعليها أن لاّ تأسر ولا تقبل الفداء في مراحل الجهاد الأولى ( فشرّد بهم من خلفهم ) (الأنفال: 57) فالله تعالى قد عاتب نبيّه صلى الله عليه وسلم لمّا أخذ الفداء في أسرى بدر فقال تعالى: ( ما كان لنبيّ أن يكون له أسرى حتىّ يثخن في الأرض ) (الأنفال: 67) لذا فقد أكثرَ الإخوان القتل في عدوّهم وأثخنوهم إثخاناً, وصار قتلى الشريف أُلُوفاً, عِلماً بأن الإخوان قد أمّنوا عدوهم مرّتين, فمرةً في قصر منيف قبل اقتحامه, ومرّة في السّوق, لمّا استسلم من فيه واشترطوا الأمان فأمّنهم خالد وأطلقهم وكانوا أربعمئة كما أسلفنا, أمّا أربعمئة منيف فقُتلوا إذ لم يستسلموا, ولم يرع الشريف إلّا والإخوان قد وصلوا خيمته, وَأَحَدُ أهل الغطغط يكبّر ويهلل ويقول وقد وصل صيوانه ودخل خيامه: صبيّ التوحيد وأنا أخو من أطاع الله, فذُهل "البيه" وصُعِقَ! ثمّ بادر فرسه الّتي ساقها إليه شاكر فركبها عُرْياً, ولم يصل الطائف إلّا وقد حَفِيَت أفخاذه, ومعه ثلاثة عشر من قوّاده, ومنهم شاكر ابن عمه, قال محمد بن صعيبان السبيعي, وقد كان معه في هروبه, قبل أن يهديه الله للحق, ويعود للإخوان قال: لمّا ابتعدنا عن تربة وصرنا في مأمن من فتك كتائب الإخوان قال شاكر شامتاً: هاه يا عبد الله اليوم صارت شاكريّة! يُعيّرُهُ ويذكِّرُه بقوله حين ردّ عليه قوله: إنّ الإخوان لا يهربون ولا يدبرون ولا يردّهم شيء, فقال عبد الله حينها:وهل هي شاكريّة؟ أي لستُ مثلك حين هزموك في الحنو, فلمّا سمع عبد الله شماتة شاكر نهره وقال: ليس هذا بوقت الشّماته, ثمّ إنّه بكى واستعبر فسُئل عن ذلك فقال: أبكي أبناء النساء الذين أرسلتهم ولم أردهم لأهلهم! (٢٤) _يعنى القتلى من جنده_ ثمّ هرب بمن معه إلى الأُخيضر, وأرسل لوالده يخبره بالفاجعة, وكان معه في الأخيضر أربعمئة هجّان ومئة وخمسين خيّالاً . ثمّ ذهب عبد الله للطائف في يوم تالٍ, وكلّمَ والده هاتفيّاً فلمّا نهره وأغلظ عليه, قال له: هل تريدني أن أنتحر! فأمره بالعودة للأخيضر, فقال: كيف أعود وليس معي رجل واحد! . وَأَصْلُ المكالمة موجود في تقرير الوثائق البريطانية (٢٥) . وذكر التّقرير كذلك أنّ الضّبّاط السّبعة الّذين نجوا من القتل قد وصلوا للطائف بملابس النّوم! وقد حصر التّقرير أعداد جيش البيه بـ(800) من الجيش النّظامي, ومعهم نسبة كبيرة من المتطوّعين الأتراك من بقايا الحامية التركيّة في المدينة النبويّة, الّذين رافقوا عبد الله بعد دخوله للمدينة النبوية, واستسلامهم له, و(10,000) من البدو و(12) مدفعاً و(20) رشاشاً.
يَا رَاقِدَ الّليلِ مَسْـــرُوراً بِأَوّلِهِ       إِنَّ الحَوَادِثَ قَدْ يَطْرُقْنَ أَسْحَاراً
    أمّا في رسالة الإمام عبد العزيز للأمير سعود بن عبد العزيز الرّشيد الّتي يبشره فيها بالنّصر, والّتي كانت بتاريخ: (الأول من رمضان لعام: 1337) فكان   فيها: ( أنّه كان مع جند الشريف (4000) تركي انضمّوا إليه من حامية  المدينة, و (7000) رجل من الحجاز, مع (20) مدفعاً, و(40) رشّاشاً, ومؤن وعتاد يحملها على (10,000) بعير . بينما جماعة "إخواننا"لم يزد عددهم على (2000) ومن هؤلاء (500) لا سلاح لهم سوى السّيوف والسّكاكين ..... وبدأ الإخوان بتقدّمهم في منتصف الليل, وحين وصلوا الصّبح استعانوا بـ"لا إله إلّا الله" ضدّ الشريف ومدافعه, وهجموا عليه من الصّباح, ودامت المعركة النّهار كلّه واللّيلة التّالية, حتّى اندحر الشريف ورجاله .....وأرسلوا لي الأخبار السّارّة حين غادرت القنصليّة (٢٦) لتوّي وأنا الآن قرب الخُرْمَةِ في طريقي إلى تربة مصليّاً لله طالباً التّوفيق . وقد فقد الإخوان (150) رجلاً و (50) سربة ولا يعرف أحد منهم ) (٢٧) وفي مخطوطة العبيّد: أنّ جند الشريف كانوا (13000) والقتلى منهم: (9000)  أمّا جيش الإخوان فكان ( 3500 ) وشهداءهم (350).
       إذن فقد اختلفت تقديرات الشهداء والقتلى كما أسلفنا, فالشّهداء تراوحت روايات أعدادهم بين الخمسمئة والمئة وخمسين, وقُدِّرَ القتلى من جند الشريف بين الخمسة آلاف والخمسة عشر ألفاً, منهم مئة وثمانون من الأشراف, وقيل لم ينج من الجيش النّظامي للشريف سوى ثمانية عشر رجلاً منهم ستّةُ ضبّاط, والله أعلم, لكن المؤكد أنّ جثث القتلى في قصر رمادان قد ارتفعت حتىّ السّور الخارجي.
     وقال العبيّد: وكان قد انتدب عشرة من الإخوان على قتل الشريف عبد الله البيه, وعلى رأسهم تركي بن شبيب بن حِجْنَة أمير النفعة من برقا, فتعاهدوا على قتله أو الموت دونه, فكبسوه في خيمته, ولم يكن بها غيره سوى شاكر وعبداً له يقال له: ريحان . فتقدّم شاكر مسرعاً بالفرس لعبد الله, وأركبه وخرجا من الباب الآخر للخيمة . وفي رواية أخرى أنّ العبد شقّ الخيمة لسيّده, فلمّا وصل الإخوان فراشه لم يدركوا سوى العبد فذبحوه(٢٨). وقال: عايض بن مهرس وهو من رؤساء الشّلاوا: كنت فيمن فرّ مع الشريف عبدالله وابن عمه شاكر بن زيد, وكان معي أربعة من أصحابي مع الشّريف, ثمّ أدركَنَا آخرون من جماعتي فانهزمنا جميعاً حتّى مسّنا الظُّهر, فنزلنا في ظلّ شجرة, فاتّكأ البيه عليها وقال: يا أصحاب هل معكم زاد؟ فقلت: نعم . فقُمت إلى جراب معي فيه تمر وإقط, وفرشت له جاعداً فوضعته فيه, ثمّ صَببت عليه السّمن من عُكّةٍ كانت معي, فقدّمته للأمير ومن معه, فأكل ثمّ زَفَرَ من صدره زفرةً, وقال: قاتل الله الدنيا, ومن يغترّ بها! بالأمس كان يأكل في كفايتنا ثلاثة عشر ألف, واليوم نحتاج لزاد بدوي!)(٢٩).          
فَنَفْسَـكَ لمُ ْوَلَا تَلُمِ المَطَايَا       وَمُتْ كَمَداً فَلَيْسَ لَكَ اعْتِذَارُ
    وتعاهد مجموعة من الإخوان أهل الخرمة على قتل الباشا قائد الجيش النظامي وهو اللّواء محمّد محمود حلمي وأصله عراقي, وكان قد قيّد نفسه بالسّلاسل في مدفعه الرشّاش, ورمى المفتاح بعدما قيّد جنوده وراءه, وكان أمامه جديّر صغير يتَّقي به, فأقبلت عليه المجموعةُ بكلِّ بسالة وقوّة فَسَحَقَ مقدّمتَها بمدفعه, وهو يهوشهم بمدفعه هَوْشَاً مروّعاً, لكنّ الله عقره بأن أَوْصَلَ منهم ستة؛ وهم هذال بن رشدان, وقطيم بن ختّام, وحمود العماني, ومطلق بن عليان, وعبدالهادي الطاحون, ولبيّد, فأوّل من وصله محمد العماني فأطار الباشا ذراعه بمدفعه من مقطع الكوع فسقط على ظهره, ثمّ أسرع قطيم إليه لكن رصاصة المدفع سبقته فرمته بعيداً, ثمّ ألحق به عبدالهادي برصاصة على فخذه, ثمّ أرخى المدفع على قدم هذّال فَعَقَرَهُ, ولم يبق منهم من يطيق القتال سوى مطلق بن عليان الّذي قفز عليه من أعلى الجدار, فَعَدَلَ الباشا رشّاشه عليه فأطارت رصاصاته عمامته, ونجّاه الله ثمّ قفز عليه بالنّمشة (٣٠) فأطار رأس الباشا صائحاً:  صبيّ التوحيد وأنا أخو من أطاع  الله .
كأنّما عناهما عنترة:
  ومدجّج كره الكماة نزاله        لا ممعنٍ هرباً ولا مستسـلم
جادت يداي له بعاجل طعنة      بمثقّف صَدْقِ الكُعُوب مقوَّمِ
برحيبة الفرْغين يَهدي جرسُها     بالّليل معتسَّ الذّئاب الضرّم
فشككت بالرمح الأصم ثيابه       ليس الكريم على القنا بمحرّم
فتركته جـزر السباع ينشنه       ما بين قلّة رأسـه والمعصم
لمّا رآني قـد نزلـت أريده       أبدى نواجـذه لغير تبسّم
فطعـنته بالرمح ثم علوته       بمهنّد صافي الحديدة مِخْذَم
عهدي به مدّ النهار كأنما     خُضب البنان ورأسه بالعِظلم
    ثمّ أخذ حزامه واحتزم به, وأخذ شرشوره (٣١) وعلّقَهُ على كاهله, وأخذ بندقيته أمّ ركبة (٣٢) وبعد المعركة عاد مطلق بن عليان حاملاً الكثير من البنادق ممّن قتلهم, فسأله الشّيخ ابن حسين: من يشهد لك بقتلك أصحابها؟ فقال: تشهد لي يميني, ثمّ إنّه قد أتى من الإخوان من شهد له ببعضها فأخذها رحمه الله.
سلي الرماح العوالي عن معالينا   واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا؟
لماّ سعينا فما رقّت عزائمنا     عمّا نروم ولا خابت مساعينا
وللدماء على أثوابنا علق     بنشره عن عبير المسك يغنينا
بيض صنائعنا سود وقائعنا    خضر مرابعنا حمر مواضينا
نغشى الخطوب بأيدينا فندفعها   وإن دهتنا دفعناها بأيدينا
     وفرّ العسكر, ومن لم يفرّ أكلته سيوف الأخوان ورصاصهم . ولمّا تكلّم قوّاد الشّريف معه قبل اللقاء وحذّروه تلك الليلة من هجوم الإخوان وبياتهم  قال: لا عليكم, الإخوان ليسوا بشيء ولن يأتوا, فما طلع الشّفق إلّا وسيوف الموحّدين تلمع ظمآنة لدماء الباطل وأهله, كما قال ابن كلثوم في معلقته:
قريناكم فعجّلنا قِراكم        قبيل الصبح مرداة طحونا
نطاعن ما تراخى الناس عنا       ونضرب بالسيوف إذا غشينا
بسمر من قنا الخطّيّ لُدْنٌ        ذوابل أو ببيض يختلينا
نجذّ رؤوسهم في غير برّ       فما يدرون ماذا يتّقونا
بشبّان يرون القتل مجداً       وشيب في الحروب مجربينا
   ولمّا أصبح الإخوان أخرجوا الجنائز الكثيرة من قصر رمادان, وذلك أنّ الجند الأحياء دخلوا تحت جثث الأموات, حتّى وصلت الجنائز للسُقُف كما يُروى, فصار الإخوان يسحبون الجثث, ومن وجدوه تحتها ألحقوه بها.
   استُشهد من بني عمر في تربة خمسة وأربعون رجلاً, على رأسهم أميرهم جبر بن عبيدان السبيعي, وقيل إنه استشهد في معركة الخرائق.
   واستُشهد عبد الله بن حامد, الّذي كان يقول: الّلهم اجعل قتلنا مقبلين غير مدبرين؛ فأصابته الرّصاصة مع نحره رحمه الله . كما قيل:
وَلَسْنَا عَلَى الأَعْقَابِ تدْمَى كُلُومنا       وَلكِـنْ عَلَى أَقْدَامِنَا يَقْـطُرُ الدَّمُ
   وقتل من التّرك الكثير, منهم قائدهم اللّواء حلمي باشا, وهو الّذي حذّره غازي الحارث من هجوم الإخوان ليلاً فلم يعبأ به, وقتل معه سعيد جودة .
   وقال رجل من إحدى القبائل: كنّا تسعمئة جندي من آل فلان مع الشريف ولم يبق منا بعد تربة غير تسعة والبقيّة قتلوا .
   وكان رجال من إحدى القبائل ينشدون:
نحماك ياساحق الريحان        من فصاع المديّنة
يالابتي يا بني ( فلان )        جانا من الشرق غيّره
   وَكَذَبَ فالإخوان قد بلغوا في العفاف الذّروة رحمهم الله, بل لم يكونوا يسبون الحريم, بل ولا يُلحقون بهن أذىً إنّما بطشهم في المقاتلة من الرجال, الّذين رأى الإخوان أنّهم قد أرتدّوا عن الإسلام وخرجوا من الملّة, بحرب التّوحيد وأهله, ونقض لا إله إلّا الله بتولي المشركين, وبمعاونتهم ونصرهم ضدّ جند الإيمان.
      وللقسط نقول: إن تكفير هؤلاء وأشباههم ليس بإجماع من علماء الوقت, بل قد وقع اختلاف في شأنهم, وهذه من المسائل الخلافية التي اختلفت فيها مدارك العلماء وفتاواهم, فهناك طائفة من أهل العلم لم تر تكفير أولئك, ولهم في ذلك حيثيات؛ منها دخولهم تحت ولاية ترفع اسم الإسلام, وتطبق جلّ أموره وتشريعاته, مع كونهم يقيمون الإسلام في أنفسهم, هذا مع ضميمة الإعذار بالجهل لهم, ومن دخل في الإسلام بيقين فلا يُخرج منه إلّا بيقين, وغاية ما هنالك أنّهم عصاة وبغاة واجبٌ قتالهم, لكنهم لم يخرجوا من الملة . وهذا قول وجيه كما ترى من أدلته وقوتها, من غير غضّ ولا حطّ للقول الآخر فله حظه كذلك من قوة النظر والاستدلال والوجاهة, ومن اشتبه عليه الأمر فليتوقف فالعافية لا يعدلها شيء, والله أعلم.
       وعلى كلّ حال فمن أداه اجتهاده من أهل العلم على الحكم على هؤلاء وأشباههم فلا يلام على اجتهاده, ولا ينكر على قوله, ولا يعادى على فتواه, ولا يثرّب على حكمه, وكلٌّ مُطالب بطرد أصله ودليله, وكلٌّ مجتهد متعبد لله تعالى بما يؤديه إليه اجتهاده, لذا فلا يُلام من كفّر ببرهان, أو لم يكفّر ببرهان, فالمسألة اجتهادية على كل حال . والله تعالى أعلم.
       وغنم الإخوان العديد من الأسلحة الثقيلة والخفيفة, والذخيرة الوفيرة, والغنائم الجزيلة, وفي تقرير وزير الحربيّة لدولة الشّريف الصّاغ محمود القيسوني يوضح جزءاً من تلك الغنائم: (أنّ الإخوان وصلوا خيمة الشّريف, ودخلوها وذبحوا كلّ من فيها ولم ينج إلّا عبدالله البيه وشاكر بأعجوبة, وخُتمت المعركة بفناء القوّة النّظامية تماماً, إلّا سبعة ضبّاط, اثنين منهم مجاريح, وهما رئيس أركان حرب الفرقة, وقومندان المدفعيّة, نجيا بمعجزة والتحقا بالأمير فأرسلهما للطّائف. وقوّة البدو لم ينج منها إلّا ربعها . والمدافع وعددها ثمانية والرّشّاشات وعددها (16) كلّها فقدت مع قائد الفرقة, وعدد الضبّاط الّذين فقدوا (50) ضابطاً والجنود (600 ) ......)(33).
   وهرب من هرب من جند الشريف ولسان حاله يقول كما قال عمرو بن معدي كرب:
ولو أن قومي أنطقتني رماحُهُم            نَطَقْتُ ولكن الرّماح أَجَرّتِ (٣4)
 وَجَمَعَ الإخوان الغنائم انتظاراً لإمامهم عبد العزيز الّذي كان في طريقه إليهم, ويُقال إنّ معه اثني عشر ألفاً من الجنود . وأرسلوا له البشير فلقيه على "البديّعة" عند عرق "القنصليّة"  ثمّ وصل الإمام بعد ثلاث ليال, ولمّا وصل جيشه إذِ الكثير منهم يلبس العقال فأنكر عليهم بعض جهلة الإخوان, بل ربّما ضربوا بعضهم إنكاراً عليهم للِبسِ العقال, ويأمرونهم بالمعمّ, حتّى نهاهم المشايخ وردوهم عنهم.
      وقبل قسم الغنيمة رفض بعض كبار الإخوان إعطاء إمامهم من الغنيمة! بحجّة أنّه لم يشاركهم, فحجّهم بالقضاء, وذكر أنّه كان يسير إليهم الليل والنهار لإدراكهم ومشاركتهم, فحكم له الشّرع بالخمس.
   وأقام الإمام عبد العزيز عشرة أيام بتربة لتصريف أمورها, ثمّ عاد بثقل جيشه بعد أن عيّن عليها عبدالرحمن بن معمر أميراً وترك معه حامية صغيرة, وقد كان وَصَلَهُ بلاغٌ سريعٌ شديد اللّهجة من بريطانيا ونصّه: ( إنّ حكومة صاحب الجلالة ترغب في تحذيركم بكلّ جدّ بأنّكم يجب أن تأمروا فوراً بانسحاب قوّاتكم من الحجاز ومن منطقة الخرمة, وإن لم تفعلوا ذلك فإنّها ستعتبر أنّكم قد اتّخذتم منها موقفاً عدائيّاً مؤكّداً . وفي تلك الحالة ستقطع عنكم حالاً بقيّة الإعانة الماليّة, وإنّكم ستخسرون بصورة نهائيّة جميع الامتيازات الّتي منحتكم إيّاها معاهدة سنة 1915 م ) (35) وقد تمهّل الإمام عبد العزيز بضع سنين قبل أن يدخل الطّائف, واكتفى بمناوشة الإخوان لحصون ومعاقل متفرقة للشريف, والسبب والله أعلم هو أنّه كان لا يحسب الحساب للشّريف نفسه, ولكن لمن هم خلف الشريف من القوى العالميّة؛ كتركيا وإن كانت قد خرجت منهزمة لكن لا تزال لها قوّة وطموح, وبريطانيا وهي حامية الشّريف, وفرنسا التي كانت تخطب ودّه, ففي برقيّة من المعتمد البريطاني في جدّة إلى المكتب العربي في القاهرة: ( استخبارات في مكّة تفيد بأن الفرنسيين يتآمرون مع ابن سعود ضدّ المصالح البريطانية والمحرك الرئيسي "دوبوي" وهو الآن في مكة مع ( 12 ) مغربيّاً ...) (36)
     إذن فبريطانيا قد هدّدته بإلغاء كلّ ما بينها وبينه من المعاهدات والامتيازات التي قيّدت من حركته, وقلّلت من حريّة مناورته, كما في البلاغ المذكور بعاليه؛ إن لم يخرج عن تربه والخرمة, بل وأمرته أن يترك الخرمة وتربة منطقة محايدة, لكنّه راوح مكانه وناور بدهاء, فلم يواجهها برفضه, كما لم ينصع لرغبتها بل بقي في ثكناته, وإن كانت قد رضيت منه بالكفّ عن دخول الطّائف, وكانت عازمةً على ضربه بالطيران لو فعل! فقد أرسلت لجدّة ست طائرات حربيّة, لكنّها لم تلبث أن سحبتها بعد تصرف الشريف الأرعن مع "فلبي" (37) لماّ كان عنده في جدّة, فلم يأذن له أن يعود للرّياض عن طريق البرّ، فرحل عن طريق البحر وغضبت دولته لغضبه؛ فسحبت الطائرات, ومصائب قوم عند قوم فوائدُ.
     وكان الإخوان قد ألحّوا على إمامهم بفتح الحجاز, وتأذّوا من مضايقة سرايا الشّريف لهم, واكتفوا من الإمام بالإذن فقط لهم بالهجوم, ففي رسالة الأمير خالد في (6ربيع الأول 1338): ( لقد كتبت لكم باستمرار وأبقيتكم على اطّلاع بالأوضاع منذ العام الماضي, وقد قوبل كلّ ما كتبته عنه وعن شؤونه بتجاهل مضطرد من جانبك, ونتيجة لذلك آلت الأمور إلى ما قسم الله, إنّي في حال كذاك الذي يصفه المثل القائل: اسأل مجرب ولا تسأل طبيب, إنّ هذا الرجل "الشريف" مضلّل وأفكاره ليست كأفكارك ......ثمّ ساق كلاماً طويلاً في بيان حال الشريف وخداعه, وأورد بعض الأدلة على هجوم سرايا الشريف على تجمّعاتٍ الإخوان ......إلى أن قال: وعليك الآن أن تختار بين أمرين: إمّا أن يعود أبناء الشّريف من الطّائف إلى مكّة ويكفّ عن عدوانه, وإلّا فسنقوم بمناجزته فوالله العظيم ما عدنا نستطيع الإحجام بعد الآن . أيّها الرجل: أعط أهل الجنوب الإذن وأنّ عددهم سيكون كافياً ( لمقابلة الشريف ) من دون إزعاجك أو إزعاج بقيّة المسلمين . ولا تحسبنّه (الشّريف) بكثير علينا يا عبد العزيز, فلا شيء يُشعره بالقوّة سوى الله ثمّ صبرك أنت في الماضي, فهو يواصل الإقدام وأنت تواصل الإحجام .....) (38). 
   ولكنّ الإمام بحلمه, ودهائه, وبعد سياسته, كان يقابل حماسة الإخوان بالهدوء والوعد بالفرج القريب, وكما قال زهير:
وَمَنْ لَا يُصَانِعْ في أُمورٍ كَثِيرَةٍ       يُضَرَّسْ بِأَنْيَاٍب وَيُوطَأْ بِمَنْسمِ
    فهو لا يريد كُرَاعَ النّعجةِ فقط؛ بل كبدها ورأسها وكلّ أعضائها . فبعد مضيّ ستّ سنين, ولمّا هدأت العاصفة الانجليزية, ولانت الأوضاع فكّر بالحجاز كلّه, فالفرصة قد واتته فتركيا كانت أعجز من أن ترسل الأمداد لقتاله بالنيّابة فضلاً عن نزاله مباشرة . أمّا فرنسا فكانت مشغولة بحروبها, وبريطانيا لا يهمّها إلّا مصالحها فحيث كانت فهي معها, وكان الإمام في تلك الفترة قد أحسن التّعامل معها, ومضى في ملاطفتها ومن ثمّ تحييدها عن صراعه مع حسين, وحينئذٍ انفرد بالكعكة وفتح الحجاز بسيوف الإخوان (39). 
    نعم إنّهم الإخوان الّذين قال عنهم الكولونيل فيكري: لقد ظهرت قوّة أصيلة ليست من تلفيقاتنا . وصدق الكذوب .
وقد قلت في تلك المعاني الحهادية وهي منتخبة من مرثيتي في القائد خطاب رحمه الله:
صَحَى القلب من ذكر الصبابة والجوى      نأى القلب عن حسن عن الله لاهيا
أيا طول يومي ثمّ يا طول ليلتي         إذا هيْعَةٌ ثارت وما كُنت راميا
فهمّي رضى ربي بقتلي لكافرٍ          برمي رصاص الحقّ جمراً غواشياً
لئن قرّب العُبّاد كبشــاً وأنعُماً          وضحّوا لمولاهم بعيراً فما ليا؟
فيا رب فاقبـلها قرابين راحتي        فئاماً من الكفار أضحت بواليا
يظن بي المغرور ظن سفاهة        ولا عجباً فالكنز في القلب خافيا
سيعلمُ من قد فاز فوزاً ورفعةً        إذا جندل المخذول تحت السّوافيا
فياليت شـعري أين ميتة من ثوى         قتيلاً كليلاً من قتال البواغيا
ومن مات مثل الكلب من شبع بطنهِ      وقد مات خوّاراً جباناً ولاهيا
لك الحمد يارباً عظيماً نوالهُ        ببعثك جنداً في زمان التهاويا
وكم من ولي للإله قد ارتوى        ثرى الأرض من كَلْمٍ له ويقاسيا
يقوم فيدعو والأنام بغفلةٍ       ويصبح صنديداً هصوراً مصاليا
لئن نثر الكفّار كلّ سهامهم        فما ينصر الإسلام غير إلهيا
فلندعونّ الله ليلاً وبكرة       وليصدقنّ اللهَ في الحرب لاقيا
ومن صَدَقَ الجبّارَ يجبر كسره       ومن نصر المولى له النصر ساعيا
فيا قوم قوموا فاصدقوا في لقا العدا       فمن كذب الرحمن فالقصم ماحيا
وأبشر أخا الإيمان فالفتح قادمٌ        وإن أجلب الشيطان كلّ النواديا
زمانك لو تدري زمان زعازعٍ        فكُنْ صادق الإيمان صلباً وقاسيا
فصلباً على الباغي رحيماً بمؤمنٍ        كثير النّدى سمحاً وللمال حاثيا
فمن كان صلب الدين صحّ فؤادهُ        ومن كان رُخواً فهو للدّون ساعيا
اذكر نعيم العدن واذكر لظى لظىً        واحذر فقد يلقيك من لا يباليا
واسكب من العبرات دمعاً سواجماً        فما أقرب الغفران إن كنت باكيا
واسجد سجود الذل واطلب نوالهُ       فإن إله الحقّ يحيي البواليا
واعلم بأن الدّين توحيد ربنا        فوحّد وكن دوماً حنيفاً وداعيا
ولا تنس أن ترضى عن الله دائماً        فقد فاز عند الله من كان راضيا
وسابق إلى الطاعات تُعطى رضاءهُ       ومن يرض عنه الله حاز المعاليا
أبُنَيّ عظِّم في الجَنَان لسنُّةٍ         وأبشر فنور الله نعم السنانيا
وادع إله الحق يمنحْكَ ميتةً        بكبد الوغى شعثاً صريع العواديا
بعيداً ونائيْ الدار في أرض غربةٍ         خرجت سليم القلب تتلو المثانيا
فمن يطلب العليا يبيت مسهّداً        وليس بميْتِ القلب للّهو ساريا
ويصبح صوّاماً كثيراً دعاؤهُ       إلى الله يمضي وهو للّهو قاليا
يحُنُّ تراب الأرض من صدق دمعهِ      ويشبه حين الوتر إحدى السواريا
سخيّاً بذي الدّنيا ضنيناً بدينه      سحاباً كما الأجبال سوداً غواديا
ولا تكسلنْ حبي عن العلم ساعةً       وما فات ولّى في ليال خواليا
واسأل إله العرش يحييك عالماً      فمـن ذاق شهد العلم عاف الغوانيا
أيا سامعاً فافهم هُديت مقالتي       وأرع لها سمعاً من القلب صاغيا
لقد هبّت الأرواح نصراً ونجدةً       فحيهلاً بالحرب زادت شعاعيا
فئيهاً حماة الدّين جاء عدوّكم       يريد بكم كيداً عظيم الدواهيا
فإن تستجيبوا للكفور فخبتمُ       ألا حَبّذَا قرماً عن الدّين حاميا
أيا مبتغي الفردوس عجّل وأقبلنْ       وكن صادق الإقبال عند التلاقيا
فإن تحيَ عشت العز في كل لحظةٍ      وإن كانت الأخرى ستلقى المراقيا
لئن قرّب الرّحمن عبداً وأنت لا      فأعظم به خُسراً شديداً وكاويا
أترضى قعوداً يا جبان مع النساء      وقد صاح صوت في الرّجال مناديا
تذكّرْ هداك الله يوم قيامةٍ       به النار تُذكى من لحوم الطّواغيا
أما عرف المسكين شدة حرّها      فياويح واخُسْراً لمن كان عاصيا
لئن كان للإسلام قومٌ ودولةٌ       فهذا أوان للنّهوض بداليا
فيا ربِّ ياذا الجُود والطَوْل والندى      ويا ربَّ أملاكاً عِظاماً ثمانيا
ويا كامل الأوصاف هبلي شهادةً       وختِّم حياتي بالسرور الموتيا
ويا ربّ علّمني وزدني تعلّماً       وأخلص همومي يا عليماً بحاليا
ويا ربّ قطّعني وفرّق مفاصلي       بجوف طيور أو بطون العوافيا
ويا ربّ حاسبني حساباً ميسّراً       ولا تشوين وجهي بذات الصواليا
ويا ربّ عاملني بما أنت أهلهُ       فذنبي عظيم والرّحيل دنا ليا
ويا ربّ فارفع لي مقامي إلى العلى     فأنت كريم فاجزلن لي نواليا
ويا ربّ إنّي من عبيدك خاضعٌ       وقد ذلّ منّي كلّ خاف وباديا
أيا منتهى حبّي وغاية مقصدي       أغثني إله الحقّ غيثاً يمانيا
أيا ربِّ فاغفر لي ذنوباً عظائماً       واجبر أيا جبّار كسر الجنانيا
أعزّ إله الحقّ أمّةَ أحمدٍ       فقد سامها الكفار ذلاّ مصاليا
فلا حول عندي يا إلهي وقوّةً       ومن أنزل الحاجات بالله ناجيا
فأسأل ربّي أن تكون منيّتي       بعيداً عن الأوطان للشّرك غازيا
فخذ من دمائي يا سميعاً لدعوتي      فما أطيب الآلام إن كنت راضيا
لئن عَزّ ديني واستبيحت جوارحي     فأين مقام العزّ إلا مقاميا؟
وصل إله الناس ما مات مسلمٌ     على خير من أرسلت للكفر ماحيا
عليه سلام الله في كلّ ليلةٍ      وفي كلّ يوم من جديد الزّمانيا
تمّت وأدعو الله يرحم غربتي     إذا كان تُرْبَ القبر قسراً وساديا

وقال صاهد الدّعجاني:
جتنا الركايب خالد كازها لنا       جتنا والكافر ما هو بببعيد
قمنا بخوف واستعنا بالله        في دبرة اللي نزّل التّوحيد
عشرين يوم في أرض الله نمشي      في دبرة اللي نشكره ونزيد
عقّلنا ثم مشينا عليهم        والليل مقفي والنهار جديد
يوم المكاين دندنت ماجنبوا          نادى المنادى ياهل التوحيد
يا فزّ قلبي يوم ردوا للكَرَد           ثم جـلّدوهـم حي ذا التجليد
تجليدهم في رقاب دولة حلمي       العسكر اللي فرّدوا تفريد
جانا الشريف مليّم كل الدول        مع دولة السلطان والعبيد
ختمتها وصلاة على النبي       وعداد ما صلوا صلاة العيد

وقال حمد بن زيد:
الحمد لله ذي الآلاء مولانا          حمداً كثيراً على ما كان أولانا
وأشكر الله شكراً لا نفاد له        وليس نحصي لذي الآلاء شكرانا
وحسبنا الله مولانا وناصرنا         على الذي رام للإسلام خذلانا
قد أتى ابن حسين الوغد في خيلاء    بالكبر والفخر والإعجاب سكرانا
على ذوي الدين والإسلام ذا حنق     بالغيض والحقد والعدوان ملآنا
يقود جنداً كثير العد ذا عدد          كادت تضيق به أفواه ريعانا
بدواً وحضراً وأسقاطاً ملفقة           من كل قطر وأتراكاً وسودانا
جاءوا بهول عظيم من مدافعهم       مع المكائن تحكي ضوء نيرانا
قد سلسلوا لقدها أصحابها حذراً      من أن يفروا إذا وقت الوغى حانا
جاءوا يريدون إطفاء لنور هدى       وينقضون من الإسلام أركانا
ويسلبون بني الإسلام دينهم         ويلزمونهم يدعون أوثانا
فمن أتى تربة يستدعي جميعهم      فمن أطاع له أولاه إحسانا
وظل يقتل من لا يستجيب له       وبالشريعة والإخلاص قد دانا
سبى بيوتهم بغياً وهدّمها         كما سبا لهمو بالظلم نسوانا
فيا لها محنة تعرضت العباد لها       خسفاً ورجفاً وزلزالاً وأحزاناً
خطب به سُرّ من في قلبه مرض       وفتحوا أعيناً منهم وآذانا
وميز الله أهل الزيغ أجمعهم        وأظهر الله للمرتاب أضغانا
وثبت الله أهل الصدق فيه ولم       يزدهم غير تسليم وإيمانا
وهذه سنة في الامتحان مضت       حتى يكن أكرم الخلق أرجانا
فبينما نحن في هم وفي كرب    كادت تضيق به يا صاح أحشانا
إذ فل عبد العزيز الشهم رايته      وجاد في النفس في مرضات مولانا
وسار بالعزم والإقدام مشتملاً        بالحزم مؤتزراً ما كان كسلانا
في عصبة من بني الإسلام دينهم      يوم التحام الوغى تصريع أقرانا
وحارب النوم مع حلو الطعام ولم    يشرب لذيذ الماء لو كان عطشانا
وظل كالأسد المؤذى بغابته       له زئير لم يقل غضبانا
حتى أخرج من آذاه في دمه      ومنه يخضب أظفاراً وأسنانا
لما شامت به الصدق نيته      ونال من ربه أجراً ورضوانا
جاء البشير له بالنصر يخبره        وبانخذال الذي قد رام طغيانا
على يدي معشر من جنده صدقوا      ما عاهدوا الله إسراراً وإعلانا
رئيسهموا خالداً من كان منتمياً      إلى لؤي حليف المجد مذ كانا
أكرم به من أمير صادق وفى       بالعهد والوعد لا قدما خوانا
لازال توفيق مولانا يمد له        وزاده الله إيمانا وإحسانا
كذا من بالوفى والصدق ساعده    أعني به ابن بجاد الشهم سلطانا
مع ساكني الغطغط المستوطنين كذا    من في سنام ومن في الرّين سكانا
كذا من كان في صبحاء مسكنه     قبائل تنتمي حقاً لقحطانا
قوم لقد آمنوا بالله خالقهم       وهاجروا ووقوا إثماً وعدوانا
وجاهدوا في سبيل الله بل صبروا     وصابروا لذوي الإشراك أزمانا
تعلم العلم في الإصباح همهم       وينقضي ليلهم ذكراً وقرآنا
وجامع الأمرين تطلب لوصفهم      نهارهم أُسُد وفي الليل رهبانا
إذ جاء صيتان من عند الخبيث بما      يهيج منه قلب ذا الإيمان أشجانا
وقال إخوانكم بالأمس قتّلهم       وضل يسبي لأهل الدين نسوانا
فبادروا بالبكا حتى كأنهم       ثكلاً أعاد عليهم الدهر أحزانا
ونكسوا الرؤوس فلا ترى لهم      إلا النشيج ودمعاً كان هتانا
ثم استعانوا برب الناس خالقهم      على قتال الذي قد رام طغيانا
ومن أراد عن الممشى يثبطهم      قالوا ما قد سمعت قول صيتانا
جاءوه حفر من الأرض خندقها      أعد فيها ديناميتاً ونيرانا
والجند كلهمو للحرب حزبهم      وأظهروا من عظيم الكيد أفنانا
فما استكانوا لذاك الهول بل صبروا     واستمنحوا الله تثبيتاً وإيمانا
فمذ رأوهم باعوا لله نفوسهم      وأعلنوا الذكر والتكبير إعلانا
سلّوا السيوف وبانوا من ثيابهم      واستبدلوها سراويلاً وأكفانا
وخالطوهم عباد الله في خنادقهم     وأثخنوهم بحد السيف إثخانا
فلما رأوا فعلهم فيهم وصبرهم     ألقوا سلاحهم ذلاً وإذعانا
وظل جند الله بالبيض حصدهم      حصاد زرع هشيم حصده حانا
وجفت منهم الأرواح وقد خرجت     أو هارب في بقاع الأرض هيمانا
لا إنما جملة الأتراك قد قتلوا      صاروا طعاماً لغربان ونسرانا
وسوف يأتي نسر الجو مصرعهم      والذئب يشبع فيها للحم أزمانا
لم ينج منهم سوى قوادهم هربوا     على جيادهم ذعراً لما كانا
وخلفوا خلفهم رغماً مدافعهم      مع المكائن مع بر وعقيانا
كذا ذخائرهم صارت وما جمعوا     فيئاً يقسم في الإخوان سهمانا
هذا لعمري هو الفتح الذي طلعت   به شموس الهدى والشرك قد بانا
فتح به فتحت أبصار أفئدة     غلق عليها ظلام الريب قد رانا
فتح به أعين الإسلام قد فتحت      فأبصرت بعد دمع كان هتانا
فتح به عاد حزب الله منتصفاً      من الوضيع عدو الله قرنانا
فتح به ارتجفت أرض الحجاز كذا     أرض العراق ومن بالشام سكانا
وذلك من فضل مولانا ومنته     العظمى تمهيد عز الدين مذ كانا
أعني حليف التقى عبد العزيز ومن    قد شاد الدين والتوحيد أركانا
فكان أهل الهدى والدين شيعته      وعضده وله جنداً وأعوانا
لقد تولاهم بعد هجرتهم      حتى بنا لهم مدنا وبلدانا
بنا مساجدهم فيها وأتحفهم      مشائخاً كملوا علماً وعرفانا
فعلموهم أصول الدين أجمعها      وبينوا لهم التوحيد تبيانا
وقد جباهم بأموال وأسلحة     وكم أنالهم رفداً وإحسانا
وكان ركناً شديداً في الملمة لهم      ولطفه بهم ديناً وإيمانا
أكرم به من إمام عادل فطن    يخوض نار الوغى إن وقتها حانا
كم فرج الله كرب المسلمين به     وأذهب الله به أغماماً وأحزانا
قد كان فوق السهى في المجد منزلة     وفاق في الجود والإقدام أقرانا
لا ياراكباً فوق وجناء عذافرة      سامت سنيناً لدى الدهنا وصمانا
حثّ المسير ولا تسأم لشقته    واطو الفيافي صاح عجلانا
إلى الإمام الهمام الشهم من حمدت    أفعاله وحمى للدين أركانا
أبلغه مني تسليماً وتهنئة    أحلى من الشهد أو ماء لظمآنا
وناده برفيع الصوت مجتهداً     ليهنك بالنصر والفتح الذي كانا
فعش هنيئا مريئاً في السرور وفي      عز ونصر ولا تخش خذلانا
فقد حباك اله الناس خالقنا      ملكاً عظيماً وذكراً في الورى كانا
فاشكر إلهك تزدد من فضائله    وكان أفضاله بالشكر هتانا
وخف من الله رب الناس وارض به    وراقب الله إسراراً وإعلانا
ولازم العدل فيمن توليته    واجعل لك القسط مكيالاً وميزانا
وقربن ذوي التقى وعزهم      واجعلهم لك إخوانا وخلانا
واحذر مصاحبة الفساق قاطبة     وكل مذم ومرتاب وخوانا
لا تطلعهم على الأسرار منك ولا      تجعلهم لك عمالاً وأعوانا
إن الخبيث وإن أبدى تنسكه       فسوف تبدي له الأيام أضغانا
نقول هذا لكي نبدي مناصحة     وأنت أعلمنا في ذا وأدرانا
فاسمع نصيحتنا واغفر لزلتنا      وأول عوراتنا سراً وكتمانا
هذا ومني سلام كما طلعت      شمس وما قمر من أفقه بانا
على الإمام رفيع الصيت والدكم     نجل الأفاضل الكرام غيث من كانا
أكرم به من أخي عدل حليف تقى     لازال غيثاً بوبل الجود هتانا
كذا الشيخ عبد الله قدوتنا    وصفوة الجيل من شيب وشبانا
     قلت : ومن أحسن ما قيل في وصف معركة تربة بعد قصيدة حمد بن زيد السابقة , هي قصيدة الكفيف العصيمي من أهل "سنام" قالها من سويداء قلبه قد خرجت منه حرّى إذ لم يطق ولم يشترك معهم بسنانه إنّما نصرهم بلسانه, فقد كان كفيفاً لكنّ قصيدته هذه قد سارت بل طارت بها ركائب الإخوان لجزالتها وحسن وصفها, قال رحمه الله تعالى:
جسمي هنيّا وقلبي مع الإخوان       وانا أحمـد الله وقسم الرب راضينه
يا ناقل السيف نقله تو مازاني      ياليت منهو حضر به واقتضى دينه
لا والله هل المهيّا ترّك العاني        يستنقض العملة اللي بيني وبينه
يا طول ماني بضحك كل ماجاني      واليوم كني قذاة وطرت في عينه
سر يا نديبي ترحّل فوق مرمالي       من فوقه العصا والخرج شارينه
واسلم وسلم على ابن بجاد سلطاني    في الغطغط اللي هل التوحيد بانينه
واهل سنام نهار الهوش ظفراني      يسعون بسيوفهم والموت ناسينه
لبسوا معم جديد هبل الأكفاني       تبايحوا والكل منهم كاتب دَينه
يازين سدح الزنايج في رماداني        قصر خراب هدام طايح طينه
أمطر عليهم مخيل وقت الآذاني       وَبْلِه رصاص على الكفار مرخينه
خَلوت عليهم إمام طير حوراني      يوم جا يبيهم واثر الإخوان كافينه
وقال مناحي بن غبيشان :
عنها طردنا الترك هم والأشاريف        يوم الردي عنها تقافت ظعونه
بارودنا مع السحر له رفاريف        يشدي البرّاق تراعد مزونه
واللي مكذبني ينشد منيف        وبين الركب رسمه تشوفه عيونه
راحت مواقفنا على شارع السيف      قدامنا العربان ما ياصلونه
ربيطهم يطلق بليّا تخاليف        ومن أول قد حالت الترك دونه

وقال آخر:
إن الحسين الذي أبدى عداوته     للمسلمين رأى عقب الوغى ترحا
أزجى الجموع وغرته مكائنه      فباء بالذل مخذولاً ومكتسحا
أتاه قوم إذا اشتد اللقا صُبُرٌ      لا يرهبون شواظ الحرب إن لفحا


                                                                          ........يتبع

إبراهيم الدميجي
1433/1/22
aldumaiji@
..........................................................................
(١) لأسرة آل سعود فضل عظيم في نشر الدين الصافي والدعوة الماجدة السلفية, وإذا أردت مصداق ذلك فانظر لحال جزيرة العرب قبل ولايتهم, أو عند ضعف حكمهم ولين شوكتهم, أو ظهور تفرقهم, كما قال أبو الطيب:
والضد يظهر حسنه الضد       وبضدها تتميز الأشياء
فمن ذلك أنه لما اختلف أبناء الإمام فيصل عبد الله وسعود وتفرقت قلوب العباد وتشتت نظام البلاد؛ اضمحلت على إثر ذلك سطوة الدين في تلك البقاع, وضج العلماء برفع تلك النوازل, وتأمل قصيدة الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى, يحثهم على التعاضد لأجل رفعة الدين, ومنها:
متى ينجلي هذا الدجى والدساكر      متى ينتهض للحق منكم عساكر
متى تتجدد منكم دعوة حنفية       يكون لها بالصدع ناه وآمر
فحتى متى هذا التواني عن العلا        كأنكم ممن غيبته المقابر
ألم يكن للإسلام منكم منكم مناقب    ألم يك للأخلاف منكم مفاخر
وفي آية في الفتح قد جاء ذكركم(أ)        وقد حرّك التفسير فيها أكابر
أيا مفخر العوجاء ذو البأس والندى      أجيبوا جميعاً مسرعين وبادروا
(أ) يقصد قوله تعالى: (ستدعون إلى قوم أولِي بأس شديد) (الفتح:16) فسرها بعضهم ببني حنيفة, وآل سعود من بني حنيفة. والعوجاء في البيت التالي هي الملّة الحنيفية, ومن أبيات الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى:
حنا هل العوجا ولا به مراواة      شرب المصايب مثل شرب الفناجيل
 (٢) حتّى وإن قيل بأن التديّن قد صار ظاهرة قبل انتباه الإمام له, فلما تبين له تنامي التدين علم أنه سلاح عظيم لمن سبق إليه, وأنه موج قادم يكتسح من خالفه, فاغتنم الفرصة, واهتبل المرحلة, وأحسن التعامل مع هذه الظاهرة, وتوجيه هذا التيار؛ لإقامة ملك آبائه وأجداده _ نقول: حتّى وإن كان هذا الاتهام صحيحاً _ فللإمام فضل عظيم في توجيه التدين واحتضانه ورعايته, فهو أشبه الولاة في عهده بسمت السلف الصالح وبهديهم وبدعوتهم وجهادهم, وعنده من التأله والعبادة ومشورة أهل العلم والرأي, ما جعله موفقاً مسدّداً, رحم الله الجميع .
 وننبه أن بعض الأبيات والقصائد مكتوبة باللهجة النجدية العامية.
(٣) كما ذكره ابن بشر (١ / ٢٠٣). 
(٤) الوثائق الريطانية ( 3 |432 ).
(٥) الوثائق  البريطانية  ( 1 | 628 ) .
(٦) ومن لُطْفِ الله تعالى أنّ أَمْدَادَ أهلَ الغطغط قد وصلت أوائلها, نصرة لأخوانهم أهل الخرمة مع بداية عدوان الشريف عليهم، فلم تفتهم سوى معركتي حوقان(رجب ١٣٣٦) والسوق(رجب ١٣٣٦)أما معارك جبار(١٧رمضان١٣٣٦) والحنو(يوم عرفة ٩ / ١٢/ ١٣٣٦) فكان لهم حضور مشكور ومشاركة فذة وبخاصة معركة الحنو وأهلُ الغطغط بالذّات من بين المهاجر الأخرى _بدون قصورٍ ولا نقصٍ فيهم_ من شأنهم بعد توفيق الله لهم أن يقلبوا موازين القوى العسكريّة لصالحهم, وذلك لاستبسالهم العجيب, وطلبهم الشّهادة, وحرصهم على  الموت, وتشهد لهم بذلك معركتا الحنو وتربة, فقد كانوا هم أجرأَ الإخوان على المدافع الرشّاشة للأعداء, فيسعون على هيئة صفوف متراصّة ( كأنهم بنيان مرصوص ) (الصف: 4) ومتتابعة, وكلّما جُندلَ صفّ قام الّذي خلفه على أثره, حتّى يتمكّنوا من رماة المدافع الرّشّاشة, فينحرونهم بحرابهم, ويذكّونهم بسيوفهم, مكبّرين مهلّلين, فللّهِ درّهم من مغاوير, وما أعظم مقاماتهم في الجهاد, فقد بلغوا الذّرى العالية, ولكم قدّموا من الشّهداء هم وباقي الإخوان من جميع المهاجر الذين لا نهضمهم حقّهم, ولا يكاد الناظر فيهم يفرّق بينهم, في همّتهم, أو زيّهم, أو جسارتهم, أو عبادتهم, فاتحدّت العقيدة, واتحدّ الهدف, واتحدّت الغاية, وحُقّ لهم ذلك فسلعة الله الغالية دونها خرط القتاد, والجود يفقر والإقدام قتّالُ .
      وللعلم فهذا البحث ليس مفصّلاً محلّلاً لأخبار الإخوان في أرجاء الجزيرة, إنّما هو ذكر لبعض جهودهم في الحجاز خاصّة, مع الإشارة إلى بعض أخبارهم الأخرى على سبيل الإيجاز دون البسط, وهذا لا يعني أنّ من لم نذكر دون من ذكرنا من أهل الخرمة أو الغطغط, فهناك الإخوان الّذين كانوا على الثّغور الأخرى, كالشّمال وغيرها, من مطير أهل الأرطاوية, الّذين لهم مواقف مشهودة, وتكفيهم فخراً وقعتا حائل والجهراء, وما قدّموا فيهما من فائق التّضحيات والشّهداء,كذا الإخوان من العجمان أو حرب أو غيرهم, ممن لهم إسهامات جبّارة في إعزاز بلد التّوحيد والشّريعة, حرسها الله وبارك فيها . والسعيد من كان ديدنه الإخلاص والاتّباع, لا الرياء والابتداع .
إِذَا نَحْنُ أَدْلَجْنَا وَأَنْتَ إِمَامُنَا      كَفَى لِمَطَايَانَا بِذِكْرِاكَ هَادِيًا
(٧) في الحديث: ( من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه ) رواه مسلم.
إذا افتخرت بأقـوام لهم حسبٌ      قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا
    إذن فقد اكتمل غرور الشريف وتيهه وعلوه في الأرض, ورحم الله أبا العتاهية حين قال:
إِذَا اسْتَوَت لِلنّمْلِ أَجْنِحَةٌ      حَتّى يَطِيْرَ فَقَدْ دَنَا عَطَبُه
وأعظم وأبلغ من ذلك قول ربنا ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ) (الأنعام: 44). إذن فالقوة المادية راجحة للشريف رجحان الحصا بالعصى والحديد بالعهن! ولكن سنن الله تعالى حاضرة ولا تتخلف كما قال سبحانه: ( وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ) (النور: 55) فشرط التمكين هو التوحيد, وقال تعالى: (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به لينصرنّه الله ) ( الحج: 60).
(8) عامر بن مسيّب أو المسيّب: من طلّاب العلم, وكان حافظاً للقرآن, وقد بقي زماناً مع الإخوان في الخرمة مع مفرّح, ثمّ ذهب لتربة لدعوة الناس للتّوحيد, وصار له قبول هناك, حتّى لحق بربّه شهيداً ولا نزكّيه على الله .
 (٩) كريم: تقولها العامة في نجد تفاؤلاً بنزول الغيث, أي اللهم يا كريم أغثنا .
(١٠) قتل نهار معركة تربة في خيمته, وجدوه قد دخلت الرصاصة مع بطنه وخرجت من ظهره, ومن ثم خرج أخوه راقي الفرد المقاطي طالباً لثأره حتى ألحقه الإخوان به عام: (1342) .
(١١) أتباع الشريف أو ضيوفه الذين ليسوا في مقامه, يخاطبونه بالسيادة, فيقولون: يا سِيْدِي_ مُخففة_ أي: يا سَيّدِي .
(١٢) بين الغريف وتربة, وهي الآن قرية تابعة لمحافظة تربة .
(١٣) سلطان العبّود: قائد خيل الشريف, قُتِل في اليوم التّالي أي في معركة تربة, وكان من خاصّة الشريف.
(١٤) مخطوط النجم الّلامع ص ( 205 ) بتصرّف .
(١٥) شِعر: قرية صغيرة على الجنوب من الغريف بنحو ثمانية أكيال .
(١٦)قرية شمال تربة بينهما مرحلة .
 (١٧) من شعارات الصحابة رضوان الله عليهم في حروبهم ومغازيهم: (إياك نعبد وإياك نستعين) (الفاتحة: 4) وَ (حم . لا يُنصرون ) وَ ( يا منصور: أمت, أمت )
(١٨) قيل: إنّ بعضهم أمّن بعد كل آية من الفاتحة! من مسارعتهم للجهاد .
(١٩)البيرق: هو اللواء, ويكون لكل جيش لواء واحد, يجتمع الجيش عليه بجميع فرقه, ولكل فرقة, أو قبيلة راية, فالرايات كُثُر واللواء"البيرق" واحد . وقد يطلق تجوزاً على اللواء راية بشرط أن تقيّد براية القائد العام للجيش .
 (٢٠) كان عبدالله بن رواحة رضي الله عنه يرتجز وهو في طريقه لمؤته, التي لم يعد منها:
إذا أديتني وحملت رحلي        مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك أنعم وخلاك ذم          ولا أرجع إلى أهلي ورائي
وجاء المسلمون وغادروني        بأرض الشام مشتهي الثواء
وردك كل ذي نسب قريب       إلى الرحمن منقطع الإخاء
هنالك لا أبالي طلع بعل         ولا نخل أسافلها رواء
(٢١) وهذا العمل في غاية الشجاعة, أو الغرور!
(٢٢) بعد أن هرب أحد سكّان السّوق من السوق وأخبر الإخوان بمنبع الماء ومجراه فقطعوه .
وقبل التّسليم صاحوا في الإخوان بالأمان, وأن يستسلموا وهم في وجه خالد, فكان كما قالوا فأطلقهم جميعاً وكانوا أربع مئة .
 (٢٣) بوّب البخاري رحمه في كتاب الجهاد من صحيحه: ( باب: الفتكِ بأهل الحرب ) وساق حديث جابر رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من لكعب بن الأشرف؟ ) .
    والحق: أن الإخوان في تعاملهم مع المخالفين كان فيهم شدة بالغة! وهذا ما ساعد على انتشار النفرة منهم, وزرع العداوات لهم في قلوب الناس, وفي ظني القاصر؛ أن لو كان فيهم سماحة ولين ورفق مع المخالفين لكان حالهم أفضل, وانتشار دعوتهم أسرع, ولعل شدتهم كانت راجعة إلى أمور ثلاثة:
 ١- تكفيرهم لكثير ممن حاربوهم _ وليس هذا مجال الفصل والبيان في ذلك _ بل روي أن بعضهم لم يكن يترحم على والديه ممن مات قبل الدعوة, ومعلوم شدة سلف المسلمين وقسوتهم مع المحاربين من الكفرة: (وليجدوا فيكم غلظة ) (التوبة: 123) ( فشرد بهم من خلفهم ) (الأنفال: 57) وأمره صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل لما وُجد وهو متعلق بأستار الكعبة! وقوله للآخر لما قال يا محمد: من للصبية؟ فقال: النار! وأمر بقتله. وتأمل كيف تصرّف الصحابة مع المرتدين وكيف قتلوا بعضهم, بل قد أحرق أبو بكر وعلي رضي الله عنهما بعض المرتدين بالنار! وغير ذلك من قصد تشريد وترويع وإفزاع من خلفهم . (وقد سبق تفصيل ذلك في فصل التكفير والقتال ).
٢- كانت الفترة بين التعليم والوعظ وبين الجهاد قليلة نسبة إلى حجم مسؤوليات الجهاد وفتوح البلدان المحسوبة على الإسلام والتعامل مع أهلها, وهذا ما نتج عنه جهل بعض أتباعهم مما سبب بعض الممارسات الفردية غير المقبولة التي جُيّرت وسحبت وعُممت على نهجهم ودعوتهم .
٣- لماّ كانت مادتهم وسوادهم الأعظم من البادية؛ فقد يتصرف بعضهم بخلفيات بدوية في بعض تعاملاته وتصرفاته مع المخالف, فمعلوم شدة طبع البادية, وفي رسالة الدويش للملك عبدالعزيز: (فلم تتركنا كحالنا الأول يأكل بعضنا بعضاً, ولم تطلق أيدينا في المشركين!) . وإن كانت هذه ليست مضطردة لكن الشدة في خلق أهل الوبر أظهر منها في أهل المدر, حتى في الحرب فالبادية أسرع وأشجع, والحاضرة أصبر وأمكر, وكما قال ابن خلدون أو غيره: قوة الجيش وسعده؛ بقلوب باديته وبطشهم, وبعقول حاضرته وصبرهم, فتدبير الحاضرة بسواعد البادية .                           
    وسكان المناطق المدارية والصحراوية عموماً لا يستغرب من أخلاقهم الشدة والقسوة, وتسلط القوة الغضبية, ولكن القاعدة النبوية المضطردة "إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيء إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَىْءٍ إِلاَّ شَانَهُ " خرّجه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم. وهذا لفظ عام لا يخرج منه إلا ما استثني, كفعله صلى الله عليه وسلم ببعض أعدائه. إذن فالقاعدة الرفق والاستثناء العنف, والإمام البخاري رحمه الله عقد باباً في صحيحه وسمّاه: (باب الرفق في الأمر كله) .
    والرفق قد أمرت به الشريعة في غير ما نص؛ فمن تلك النصوص ما رواه البخاري عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا في قصة سلام يهود: "مَهْلاً يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّه" .
   وروى مسلم عَنْ جَرِيرٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَال: "منْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ". وروى مسلم أيضاً عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللّه صلى الله عليه وسلم قَال: "يا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِى عَلَى الرِّفْقِ مَا لاَ يُعْطِى عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لاَ يُعْطِى عَلَى مَا سِوَاه".
   فهذه النصوص النبوية الصحيحة تدل دلالة واضحة في الأمر بالرفق والإتيان به، وأنه لا يكون في شيء إلا زانه وجمله وحسنه، ولا ينزع من شيء إلا شانه وأنقصه وأفسده .
  والرفق ضد العنف والشدّة، ويُراد به اليسر في الاَمور والسهولة في التوصل إليها، وأصل الرفق في اللغة هو النفع، يقال: رَفَقَ به، وله، وعليه, رِفقاً . والرفق هو لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل وهو ضد العنف .
    قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لحديث عائشة المتقدم: والمعنى أنه يتأتى معه من الأمور ما لا يتأتى مع ضده، وقيل المراد يثيب عليه ما لا يثيب على غيره، والأول أوجه، وله في حديث شريح بن هانئ عنها أن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه، وفي حديث أبي الدرداء: "من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير".وأخرجه الترمذي وصححه وابن خزيمة.الفتح:(10/ 449)
   وقال سفيان الثوري رحمه الله: لا يأمرُ بالمعروف ويَنهى عن المنكرِ إلاّ من كان فيه خصالٌ ثلاثٌ: رفيقٌ بما يأمرُ، رفيقٌ بما ينهى، عدلٌ بما يأمر، عدلٌ بما ينهى، عالمٌ بما يأمر، عالم بما ينهى . الورع للإمام أحمد: (161) . وكان ابن القيم رحمه الله كثيراً ما يرددها في ثنايا كتبه .
   وقد استطردت في هذا الموضوع لأهميّته,وهجر الكثير عن الاتصاف به!وما فائدة العلم إذا لم نتطبع به؟!. 
وقال ابن القيم رحمه الله في النونية:
وهو الرفيق يحب أهل الرفق         يعطيهم بالرفق فوق أمان
    وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله في شرحه لهذا البيت: "ومن أسمائه سبحانه الرفيق, وهو مأخوذ من الرفق الذي هو التأني في الأمور والتدرج فيها، وضده العنف الذي هو الأخذ فيها بشدة واستعجال . والتفسير لهذا الاسم الكريم مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "إن الله رفيق يحب الرفق, وإن الله يعطي على الرفق مالا يعطي على العنف" فالله تعالى رفيق في أفعاله حيث خلق المخلوقات كلها بالتدريج شيئا فشيئا بحسب حكمته ورفقه، مع أنه قادر على خلقها دفعة واحدة وفي لحظة واحدة . وهو سبحانه رفيق في أمره ونهيه فلا يأخذ عباده بالتكاليف الشاقة مرة واحدة، بل يتدرج معهم من حال إلى حال حتى تألفها نفوسهم وتأنس إليها طباعهم، كما فعل ذلك سبحانه في فرضية الصيام وفي تحريم الخمر والربا ونحوهما . فالمتأني الذي يأتي الأمور برفق وسكينة، اتباعا لسنن الله في الكون واقتداء بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم  تتيسر له الأمور, وتذلل الصعاب" .
     لقد كان الرفق معلماً واضحاً وصفة مشهودة للنبي صلى الله عليه وسلم, والمتأمل في السيرة النبوية سيرى ذلك جلياً بيّناً في كل أمور النبي صلى الله عليه وسلم .
   روت عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه ) متفق عليه .
   والأمة عموماً والدعاة والمجاهدين خصوصاً حقيق بهم تحقيق الرفق في مجمل وتفصيل حياتهم مع نفوسهم ومع من تحت ولايتهم أو نطاق دعوتهم وعملهم وجوارهم, وقد دلت التجارب على أن الرفيق المتأني يبلغ ما لا يبلغ سواه . وعلى كل حال فحال الحرب غير حال السلم, والتعامل مع المحاربين قد يحسن فيه نواح من الشدة والتشريد, والموفق من وزن الأمور على ضوء الوحي القولي والعملي والله المستعان .
(٢٤) نص عبارته: ( أبكي عيال النسا اللي وديتها ولا رديتها! ).
(٢٥) ( 4/225).
(٢٦) القنصلية: منهل للبادية, أسفل وادي الخرمة, يحدّها عرق سبيع غرباً, وهي على الشرق من الخرمة, تبعد عنها مرحلتان تقريباً.
    وتفع الخرمة على خط طول: (41) درجة, و(58) دقيقة شرقاً, وعلى دائرة عرض: (21) درجة, و(54) دقيقة شمالاً.
 (٢٧) الوثائق البريطانية: ( 4/231). وتأمّل هذه رسالة خاصة وسريّة من الملك عبدالعزيز للرشيد, وقبل قليل مرّت مكالمة الشريف لوالده, والكلّ في سجلّات المخابرات البريطانية!! .
(٢٨) قال ابن محيرش أو حتيرش الحطّابي وكان من قوّاد الشريف: كنّا مع الشريف في الخيمة نتشاور في الأمر, فما راعنا إلّا ضرب السّيوف يميناً وشمالاً, وأصحابها يصيحون: صبيّ التّوحيد وأنا أخو من طاع الله, وفي رواية: وأنا أبو محمد .
(٢٩) المخطوط ص: ( 207) وما ضاعت عَبرةٌ كانت لصاحبها عِبرة! فهل اعتبر؟! .
(٣٠) النّمشة: وتسمّى الكَرَدَة, سيف قصير
(٣١) الشرشور: هو حزام الرّصاص للمدفع الرشّاش .
(٣٢) بندقيّة أمّ ركبة: ويقال لها أمّ خمس وهي أجود البنادق في وقتهم .
 (33) الوثائق البريطانية ( 4 | 196 ) .
 (٣4) الجِرار: عود يعرض في فم الفصيل حتى لا يرضع من أمه . وهذا تشبيه بليغ, ومكان الجرار هنا يحتمل أنه قد قصد به فم الشاعر نفسه لما كانت رماح قومه الهاربة مانعة له من مدحهم, أو أنه قصد بالجرار في فم الرماح ومنعها من الرواء من دم الأعداء وهذا أبلغ, والأول اختيار الجاحظ في البيان والتبيين .
 (35). الوثائق البريطانية ( 4/ 248 ) وهذا ديدنهم, فهم لا يعطوا إلا ليأخذوا....فهل من معتبر؟!
(36) الوثائق: (4|400) .
(37) جون فلبي, أو عبدالله فلبي بعد ادّعائه الإسلام مندوب بريطانيا عند عبد العزيز .
(38) الوثائق:( 4|421) .
(39) على القول بأن له يداً مباشرة في دخول الإخوان الطائف ومكة .

هناك تعليق واحد:

  1. شكرا على الموضوع الرائع
    لمعرفة اخر اخبار سيارات تويوتا

    ردحذف