إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الجمعة، 20 ديسمبر، 2013

فإنَّ أباكُم كان راميًا!

فإنَّ أباكُم كان راميًا!
   قديما قيل: العادة تسبق القانون, ويعنون بالعادة المستقرة او المُلحّة.. وقد وجدت نفسي يومًا وجهًا لوجه مع إحدى تلك المتناقضات السريالية, والمفارقات الفوضوية!
اشتريت قطع سلاح في زمن أيام عصيبة من السوق السوداء بدافع الحاجة المعنوية أكثر من الحسية للزمان أو المكان أو الحال.. ثم قطعتُ أكثر من مئتي كيلٍ لأجل استخراج التصريح في مهلته المعلن عنها, كأنما يقال لنا: لا بأس أن تشتروه, لكن مروا عليّ يا كرام.
وزادني كلفًا في الحبّ أن منعت .. وحَبَّ شيء إلى الإنسانِ ما مُنِعَا
    في طريقك إلى دائرة ترخيص السلاح فأنت على خطر, فإن قُبض عليك أثناء الذهاب فأنت مذنب بجريرة حيازة السلاح غير المرخص, وإن كان بعد الترخيص فليس عليك شيء! والسؤال:  لماذا القفز على تلك المسافة بين شراء السلاح وترخيصه؟! لماذا لا تُكمل المنظومة بتوفيرٍ ورقابةٍ ورقابةٍ؟ فلا لحيازة السلاح عشوائيًا بأيّ نوعٍ أو كمية, ولا لمنعه مطلقًا. الحلّ – يا سادة - يكمن في التنظيم.
    لا شك أن بعض الشرّ أهون من بعض, ولكن العلاج ليس بهذا الشكل المكبِّل, إنّما بأمرٍ سابق لهذا, ألا وهو ترسيخ الثقة في المواطنة عبر السماح بهامشٍ حرٍّ منضبط, وذلك عن طريق السماح ببيع السلاح من نقاط بيع آمنة, مع تحمّل المشتري للمسؤولية, فتملّك السلاح ليس عيبًا, بل العيب ضده, ومتى كان السلاح يعيب العربي؟! فهَلاَّ سأَلْتِ الخَيـلَ يا ابنةَ مالِـكٍ؟!
    الإشكاليّة أن غالبيّة أهل الشرّ مسلحون, خلاف كثير من المسالمين الذين لا يتقنون حشو بندقية الهواء فضلًا عن مسدس أو رشاش! والأمر في القرى والأرياف أشدّ منه حاجة من المدن والحواضر الكبرى.
    وكم من عائلِ أسرةٍ احتاج في مضائق الأزمنة والأمكنة في الحواضر والبيد إلى سلاحِ نارٍ يردّ به عن حريمه, والسلطان والشُّرَطُ ليسوا بشمس شارقة على كل بقعة في كل حين, بل لابد من تأخرٍ هنا أو نقصٍ هناك, وما ثَمَّ بعد حفظ الله إلا الدفع باليد في زمنٍ قلّ وازع الأديان ورادع السلطان! هذا, وليس المراد بتملك السلاح استخدامه بقدر ما هو ردع من تسوّل له نفسه الاعتداء, فالأفراد كالدول, إنما الفرق في القدر والكميّة! 
   ثم إن تقنية الكشف الجنائي قد تقدّمت في كشف وتحديد السلاح بنوعية مقذوفه, وبهذا يندفع إشكال فوضى إطلاق النار.
    وبعد؛ فلماذا لا يُسمح ببيع الأسلحة وتنظيمها ككثير من دول العالم, ونزيد أَمَدَ المُنى فنقول: ما المانع من السماح بأندية للتدريب على السلاح أسوة بدول كثيرة لها تجاربها الأمنية الفذة؟
    والرمي خير مربّ للرجال, وقد قال تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم" وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ على المنبر هذه الآية فقال: "ألا إن القوة الرمي, ألا إن القوة الرمي, ألا إن القوة الرمي" وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم أنه قال: "ارموا واركبوا, وأن ترموا أحبّ إلي من أن تركبوا, ومن تعلّم الرمي ثم نسيه فليس منا" وفي البخاري: "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا".
    كنا ننعى على المتخنفسين, واليوم عليهم نترحّم! إذ جاءنا مالا طاقة لاحتمال فِطَرِنا به, من أجيال لبسَتِ التخنُّث والتأنث ثم رَبَتْ في مستنقع الانحطاط حتى كرعت في مباءة الجندر!
رب يوم بكيت منه فلما  ..  صرت في غيره بكيت عليه
    أَلَا إنّ في الخامة الشبابية والغريزة الرجولية للعرب حنين لا ينضب لمزاولة حمل السلاح ورمي النيران, فأفرغوا تلك الطاقة الإيجابية في نوادٍ منظّمة, وإلا فحال كثيرهم مزاولة تلك الهواية بفخر وابتهاج في الجبال والهضاب والشعاب!
وحبّذا إيجاب التجنيد الإجباري لمدة سنة على كل من بلغ ٢١ سنة, مع المرونة في تقديمه أو تأخيره بحدّ أقصى ثلاث سنوات. ولذلك فوائد كثيرة, منها تخريج الجيل الصاعد على معاني العزة والرجولية والخشونة والشهامة, فالتجنيد من أعظم أسباب إنضاجهم, وليس لنا بدٌّ من بناء جيل شبابي رجوليّ خشن, وليس بناعم رقيق يؤلمه حرّ الهجير وتخدشه نسمات الهبوب! فمثل هذا الجيل المتنعّم عبء لا عمق, ونذير خذلان لا نُجْع. والشاب لُحْمَةُ الوطنِ وسُداه.. فأحكموا نَسْجَهُ بمعالي الأمور, ولا تنقضوه بسفسافها, وإلا فلنخرط القتاد!
     وحتى أفلاطون في جمهوريته قد أكّد على ضرورة ذلك للشاب والدولة. فبُعدُ اليافع عن مدرج عشّهِ ينمّي فيه الإحساس برجوليته المبكرة, بقيامه على نفسه دون أبيه, ومخالطة أجناس لم يحتكّ بهم في سابق عمره, والتعوّد على الانضباط, وتعظيم أواصر الاجتماع وغير ذلك.
     ومن ثمرات ذلك جاهزيتهم عند النزال مع القوى الخارجية إقليميًّا ودوليًّا, بتكوين خطّ حماية شعبي, وعمق دفاعي تكتيكي واستراتيجي, فقد يكون له الحسمُ يومًا!
وجملة القول: إن من أمارات فناء الدول انغماس سوادها في الترف, فأَخْشِنُوا سواعِد حُماتِكم.
يُنادُونني في السِّلم يا بْنَ زَبيبة ٍ ..  وعندَ صدامِ الخيلِ يا ابنَ الأطايبِ
وخليقٌ بنا إعداد شبابنا, فليس هناك أمّة في الأرض حرّة بدون استعداد حربي وروح قتالية, مهما لبست من جوخ الوهم ومروط الكبرياء!
إطلالة:
 يعزُّ علي أن أرى:
 قمّةً ذابت في بركان غضب!
وقُلّةً غرقت في بحر طمع!
وشعلةً أطفأها طولُ مدى!
وكنزًا أضاعَهُ رَهجُ عجلة!
"ولولا أن ثبّتناك.."
إبراهيم الدميجي



الجمعة، 6 ديسمبر، 2013

على ضِفَافِ فولتير


على ضِفَافِ فولتير

   هنا يرقد فولتير. هذا ما كُتب على شاهد قبره في المدفن المخصص لعظماء الأمة في باريس.
   فولتير (1694 - 1778) هذا الاسم البركاني الرنان, واللقب الأدبي المحلّق, الذي استطاع أن يهز أركان أوروبا الفكرية والاجتماعية والسياسية في القرن الثامن عشر؛ حقيق بأن نقف على ضفافه ولو على عجل, ونذكر بعض الفوائد الإنسانية والعبر التاريخية من حياته, وقد قص الله في القرآن قصص الغابرين "فاقصص القصص لعلهم يتفكرون" وأفاد العلامة السعدي رحمه الله من كتاب كارنيجي "دع القلق" ولخص منه في "الوسائل المفيدة"
   إن النظر لمثل هذا الرجل يثري الفكر, شريطة الحصانة بالعلم الدافع للشُّبه التي لا ينفك عنها أمثاله, فإن كان وإلا فالعافية لا يعدلها شيء, وهذا من المُلَحِ النادرة لا العوائد المستمرة, والنافذة قد يأتي منها نسيم عليل, وقد يخالطه الأذى. وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله عن مثل هؤلاء: "كتب المنطق سبب في نفاق من لم يكن خبيرًا بعلوم الأنبياء".
ذكره ديورانت في قصة الحضارة في نحو خمسمئة موضع, بل ولقّب ما يسمى بعصر التنوير عصر فولتير, فجعله على رأس هرم الفكر الأوروبي إذ ذاك. وقال عنه: "ربما كان فولتير أعظم المفكرين حيوية ونشاطًا في كلّ التاريخ!" وقال عنه هيجوك: "لقد كان اسمه يصف القرن الثامن عشر كله, لقد كان لإيطاليا نهضة, ولألمانيا إصلاح، لكن فرنسا كان لها فولتير".
   ولد مريضًا هزيلًا مما حدا ممرضته أن تقول: "إنه لن يعيش أكثر من يوم" فطال عمره فمات عن أربعة وثمانين عامًا, بعدما كتب مئة كتاب إلا كتاب, وملأ زمانه جلجلة فكريّة! وإن غلبه برود المنطق وجفاف الفلسفة على حرارة الروح وطراوة المشاعر.
   قال عنه والده بعد إياسه من تفوّقه في التعليم والعمل: إن ابني لا يصلح لشيء, ولا يرجى منه خير. ولم يعلم أن نصف ملوك وعظماء ومفكري أوروبا سيلقون له أَزِمَّةَ عقولهم وأعنّة تقديرهم! كفردريك الكبير, وكاترين إمبراطورة روسيا, وكتب له كريستيان الرابع ملك الدنمارك معتذرًا عن تأخره في الإصلاحات التي تبنّاها.. وفي مرّة غضب على أحد الباعة فلكمه على أذنه فما كان من سكرتيره إلا أن قال للبائع مواسيًا – وتأمّل -: يا سيدي لقد تلقيت لكمة من أعظم رجل في العالم! وشيّع رفاته عند نقله نحو سبعمئة ألف.
   وقد انتبهت "نينو دي" لملامح النبوغ في هذا الصبي فوهبته ألفي فرنك ليشتري كتبه التي كانت نواة تحصيله الفكري.. وفي هذه لفته لتلمُّحِ الموهوبين بين شبابنا, وإفساح المجال لتفجير عيون الإبداع والابتكار والتميز لديهم, فالنباهة لا تكفي وحدها في التفوق ما لم يصاحبها بيئة صالحة ومحضن لائق.
      نبّه الناس لنبوغه النقدي الساخر في ميعة شبابة بإلقائه الحجر الذي حرّك الراكد المجتمعي, فحينما باع الوصي على عرش فرنسا نصف خيول الاصطبلات الملكية صاح بقلمه الهادر بين الجماهير: كان من الأفضل إطلاق نصف الحمير التي ملأت البلاط الملكي! فانتقم الرجل بإلقائه خلف أسوار الباستيل.. ومن هناك ولد فولتير الجديد, وتحدّد المسار الحادّ المتفجّر لمن بدأ فتل الحبل الذي شنقت به الجماهير لاحقًا الملكية والباباوية, وهزِّه العنيف للباب السامق للسجن الثلاثي "الاستبداد والإقطاع والخرافة" في العصر الأوروبي الوسيط. فابتدأ ذلك الشاب في زنزانته بتبني اسم جديد هو فولتير أما اسمه الحقيقي فكان "فرانسوا أريت".. وفي هذا معتَبَرٌ أن تهذيب الفكر الاجتهادي إنما هو بنقده وتعريته لا بتغطيته, إلا إن كان سامٌّا مخاتلًا, فتُدرأ فتنته, لا سيما القطعيات فالقلوب ضعيفة والشبه خطافة.
   وإني لأعتب أشد العتب على من نظروا للإسلام فقاسوه بالبابوية في العصور المظلمة التي ثار عليها فلاسفة التنوير كفولتير وأصحابه, فشتّان بين هُدى الإسلام وخرافة الكنيسة! قال فولتير: "إن لديّ مئتي مجلد في اللاهوت المسيحي, والأدهى من ذلك أنى قرأتها كلها, فكنت كأنما أقوم بجولة في مستشفى للأمراض العقلية!" ولئن كان سبينوزا قد شرّح البيبل؛ ففولتير قد دفنه خارج أسوار أذهان الفلاسفة.
لقد كان فولتير واسع الاطلاع, شجاعًا صريحًا, يطعن بحرْبَةِ الهزل أشد ما يكون الجد!
    كان رجلًا يقف دون مبادئه, وليس مجرد منظّر عاجز كسول, ولما قال عبارته الشهيرة: "قد أخالفك القول, ولكني سأدافع حتى الموت عن حقك في أن تقوله" أثبتها في هجومه الشديد على السلطة السويسرية لمنعها وإحراقها كتاب روسو مع اختلافه الجذري مع ذلك الكتاب, بل كان يرى – بسخريته اللاذعة - أن نسبة روسو للفسلفة كنسبة القرد للإنسان!
    كان فولتير لا يرى بأسًا من تديّن الناس بل قد يراه صالحًا - ولو كان خرافة – لأن الإيمان بجزاءٍ غيبي يمنع من كثير من المظالم, ولكن كانت حوادث تولوز, وبشاعة تصرفات الكنيسة الكاثوليكية حيال البروتستانت بتعذيبهم وقتلهم, هي الشرارة التي أوقدت لهيبه, ونفخت نار تنّينه القلميّ, فحمل على الكنيسة أشدّ الحملات, ورماها بالسهام المصمية, وصرخ بشعاره الفولتيري: اسحقوا العار! فصادفت عند الناس سهلًا ومرحبًا.
     ثم ثنّى بالحرب على الملكية والإقطاع, وتفرّس تفرسًا يدعو للإعجاب حين قال: "كل شيء أراه يُنبئ عن ثورة مقبلة, ولن أُمتّع برؤيتها". نعم, فإيقاد النار تحت القِدْر لا يكفي لفورانه ما لم يساعده عامل الزمن, وعُمرُ الدول أطول من عمر الأفراد.
    والعجيب أنه بعد أن كفر بكل الأديان, بنى كنيسة قال عنها: إنها الكنيسة الوحيدة التي بنيت في أوروبا لعبادة الله. وكتب إنه مؤمن بالله, لكن ليس كإيمان الطوائف المختلفة, بل مؤمن بوجود الله, وهو الإله القوي الخالق الذي يجزي بالحسنة ويأخذ بالسيئة.. وفي هذا بيانُ إلحاحِ طَرْقِ الفطرة المستمرّ على جدران قلب الإنسان بالغًا ما بلغ من الإلحاد والتجديف! ففي كل نفس حاجة واضطرار لإله تألهه وتسكن إليه. ولا بد من ظهور جوعةِ التديّنِ صريحةً في نفوس أعتى المادّيين, وبخاصة عند دنو شمس مغيبهم, وهكذا فعل فولتير, فأظهر عبادته قبيل رحيله، بعد أن أنقضت ظهره كآبات الفلسفة.. وهكذا تبخّرت دعاوى المادية!
    لقد مرّ فولتير – القارئ النهم والناقد اللسن – بمراحل ألقت كل مرحلة بظلالها على مكتوباته, فمن ذلك أن تصوّره لنبينا صلوات الله وسلامه عليه كان مشوشًا في البداية, بسبب تلقّفه ما كتبه عنه المتعصّبة, فوافقهم في ذلك, وكتب ما يسوء وجه الحقيقة, لكنه لم يلبث أن تراجع عن كثير مما قال بعد أن طالع كتاب "سيرة حياة محمد" لبولونفيرس, فألف كتابه "بحث في العادات" مدح به الإسلام وأشاد بنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم, وكتب بشيء من الإنصاف والإجلال, وإن لم يصل لمستوى جوته وتيولستوي إنصافًا ومحبة وشوقًا.
    لقد كان فولتير – مع تسجيلنا لضلاله - فيلسوفًا أديبًا, إذ جمع سلاسة البيان وإشراق الأسلوب كأنما استعار قلم جوته وبرنارد شو مع عمق التركيز في الفكرة, وحسن تصوير مشهد النفس الداخلي بتناقضاتها كدوستويفسكي وشكسبير, مع قدرة مدهشة على الخيال المُجَنِّحِ, كما في روايته "ميكر وميجاس" واستحداثه زوّارًا من نجم كلب الجبار وحديثهم مع البشر.. ثم نراه يختلس ذهن القارئ بخفة تبز يد الجراح فيحقن المشهد بفحوى تصوّره عن متعة الحياة, وأنها في الفكر والتأمل فحسب, فهو لا يقصد الإمتاع السردي والحبك القصصي بقصد ما كان يستبطن القصص بمادة فكرية جدلية, كروايته الشهيرة "كنديد" مثلًا.. فتلتقط النفس الباطنة المضامين التي تبقى بعد زوال متعة القراءة!
   إذن فكلّ هذه العتاد للأديب المتفوق قد جمعه فولتير, مع تميّزه بأهم صفة طرّزت أدبه, ألا وهي قدرته العجيبة على صبّ المضامين الفكرية في القوالب الأدبية, سواء كانت شعرًا أو قصة أو مسرحية أو نثرًا.. فالعبقرية الفكرية في حاجة لنواقل أدبية, تُبلّل جفافها, وتفرّق سأمها على متون الإمتاع.
   وهذه المَلَكَةُ الفنيّة لا زالت عزيزة المنال عند غير قليل من أدبائنا وروائيينا من ذوي المنزع الخُلُقي الطيب والمنبت الفكري النظيف, أما من سواهم فيا ليت أنّهم يكسرون أقلامهم التي لا تشي سوى بتسطيح الأفكار, أو هدم القيم, أو تحريك كوامن غريزية لدى فئات مُعَذَّبَة, فيؤْذَوْنَ أو يُؤذُون..
   ولئن قلّبت مدوناتهم الأدبية؛ ألفيت كثيرَهَا مجرد تصويرٍ مكرور, أو دوران في حلقة ضيقة, أو سرد قليل العُقَدِ, أو حتى سرقات أدبيّة, والأدهى من ذلك فقرها للفنّ الرِّسالي! فالفنُّ رسالةٌ ومبدأ.
 والأديب المحترف قادر على التسلل داخل حدود الشعور واللا شعور, فيتسلل برفق لمنطقة محظورة على غيره, فيقف على صحيفة القلب والعقل, فيكتب فيها مُنشئًا ومُغيّرًا لتصوّراتٍ وأفكار, ومقويّا أو مضعفًا لنوازع وغرائز.. وهنا مكمن الخطر بطرفيه! بيد أن ذلك الدخول لا يتأتى إلا لمن ملك مفاتيح الولوج للخزانة العقلية عبر بوابة المشاعر الأدبية.. فهي حِمَى مستباحٌ له!
    وهذا سرُّ نفوذ الأدب في الناس, فغالبهم يُصغون لمشاعرهم أكثر من عقولهم, فحرّك إذن بيراعتك تلك المشاعر, ثم يَمّمْها حيث شئت, أمّا إن استطعت حَقن تلك المشاعر والصور والأخيلة بحجج وأفكار بطريق خفيّ يوحي بأنّ المتلقّي هو من اكتشفه؛ فإنك ههنا تكون قد تربّعت على عرش الأدب الموجِّه, وملكت أزمّة مشاعر الجمهور..

إطلالة: المثاليةُ شاقّةٌ في عالمٍ فوضوي!
إبراهيم الدميجي
aldumaiji@gmail.com

الاثنين، 25 نوفمبر، 2013

يا بَعْضي دَعْ بَعْضًا

يا بَعْضي دَعْ بَعْضًا
الحمد لله, وبعد: فأصل هذا المثل السائر أن زرارة بنِ عُدَس زَوَّج ابنتَه من سُوَيد ابن ربيعة، فكان له منها تِسْعَةُ بنين، وأنّ سُويداً قَتل أخًا صغيراَ لعمرو بن هِنْد – الملك, قتيل عمرو بن كلثوم - وهَرب سويد ولم يَقْدِر عليه ابن هند، فأرسل إلى زرارة: إنِ ائتني بوَلده من ابنتك، فجاء بهم، فأمر عمرو بقَتْلهم، فتعلًقوا بجدّهم زُرارة. فصاح باكيًا: يا بَعْضي دَعْ بَعْضاً، فذهبت مثلاً.. تلك قصة المثل الأولى, فما قصته الثانية؟!
لا شك أن الجسد الإسلامي الواحد يشكو ما آل إليه حال أعضائه وأطرافه من التنازع والتخالف والتناحر بشكل مروّع - ولهذا حديث آخر إن شاء الله - وحديثي اليوم ليس من ذلك القبيل، بل هو رنين صدى آخر!
فقصة المثل الحالية للمتلمّس اللمّاح هي ما نشاهده ونسمعه من تندّر مكرور وتنابز مؤلم بين أبنائنا وبناتنا, وبخاصة بعد سيادة وسائل التواصل الاجتماعي التي أضفت على حياة الناس لونًا جديدًا من المتعة الذهنية والبصرية والسمعية, وهذا سوى المنافع العلمية والدعوية والإغاثية, وكذا ما يجري مع ركام سيلها من سموم وبواقع فكرية وأخلاقية..
ومقصودي هنا هو ما يُتداول من طُرفٍ ونكات ومواقف تخيّلية تنبئ عن واقع يحاكي بعض جيراننا الذين اشتهروا في العقدين الماضيين بحسّ الدعابة وعفوية النكتة، فسبقهم شبابنا في هذا المضمار الذي لا يدركُ سابقُه مجد ولا فخار سوى بيان الأسى والإحباط والفراغ والتيه الذي تزمّله وتدثّره غير قليل من شبابنا وفتياتنا! وحبيبنا صلى الله عليه وسلم يقول فيما رواه أحمد وأبو داود بسند حسن: "ويل للذي يحدِّثُ فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له"
لقد ازدادت حدّة التعاليق اللّامِزَةُ بيننا بشكل مسفٍّ، وقد مالت الكفّة للذكور حتى كادت رمانة الميزان أن تندقّ, - لا لضعف أخيلتهن, ولكن لخفرهن وحيائهن - لولا ردود قولٍ منهن تنزل عليهم كـ" الصواقع" الملتهبة والشهب المحرقة.. وما هذا منهن سوى ردّات فعلٍ واستجابة انفعال, - وإن كان غير مضطرد - فهن لا يبتدئن في الغالب ولكن أحيانا يغالين في الانتقام, ومردّ كل ذا نقص عقل الطرفين!
أحبتي: الألقاب المتنابَزُ بها كثيرة ومتغيرة ومتجددة, لكنها لا تذهب بعيدًا حتى يعود الوصفان جذعان: فيبقى وصف الرجال للون بعض أعضائهن وبخاصة موضع السجود بالسواد (سواد الركب!) ونعتهن لهم بلباسهم الداخلي هزءًا (أبو فنيلة وسروال!) فهذا هو الثابت والباقي متغير ويدور عليه, وربما زحفت عليه بعض الألقاب الرنانة الجديدة التي تستحلب دمع الضحك عند طرف ودمع الحزن لدى آخر.. خاصة إن كان الكسر لدى ربّات القوارير الهشّة! وإن الأذى عليهن ليصل الذروة حال مقارنتهن الانتقائية مع نساء بلد آخر.
يختل بعضهم الحجة بقوله: ننقد لنظهر الخلل فيسهل علاجه بعد الإحساس به, والجواب: إن كثيرًا من النقد يعزز الداء أكثر مما يرفعه, وبخاصة بمعيّة السخرية والهزء, ويكفينا عموم زجر ربنا: "ولا تنابزوا بالألقاب"
والمخجل المؤسف أن بعضهم يسفّ الوصف بأشياء خاصة جدّا, بل ربما نزل بعضهم للعورات! وفي الصحيحين: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت"
إن بعض تلك النكات لإسفافها واتضاعها لدركات النزول الأخلاقي، وحقنها بمادة حقد سوداء؛ ليخيل إليك أن الأصابع التي كتبتها لا تنتمي لهذا البلد ولا ساكنيه, إنما هي كتلة حقد ذات أصابع! وما هي منهم وإن كانت منهم, بل حقيق بها ضربُ غرائب النُّوق, وإبعادُها خلفَ العَيّوق!
لستُ ضد المرح والطرائف والانشراح وتلطيف الوقت وإحماضه، لكن قد جعل الله لكلّ شيء قدرًا.
وصيتي للطرفين بحفظ الوقت عن الغفلة، وحفظ القلم فهو أحد اللسانين، وغدًا إعتاق من غِلِّ الكلِم أو إيباق!
 وأهمس في آذان أحبتي: إن كثيرًا مما يُتداول، وبخاصة ما كان فيه خفضٌ وإغماضٌ بسبب خلق الله فلا يخلو من تنكّرٍ للأصل, وضعف وفاء للمجتمع الذي رعاك ورباك, وحنّ عليك, وحينما ناديته.. لبّاك. وكما قالت العامة: الذي ليس فيه خير لأهل بلده لا خير فيه.
وتلك الطُّرفة التي قذفتها للناس ليس لك من مغنمها شيء, فكل ما يتداول يستحي واضعه من نشره باسمه! ولكن الذي يبقى هو المغرم والوزر. وإن لم يكن الناس يدرون من ابتدأ تيك "النكتة" فالعليم الخبير لا تخفى عليه خافية! وفي مسلم: "ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها, ووزر من عمل بها من بعده, من غير أن ينقص من أوزارهم شيء"
إذن فالقضية أوزار متتابعة, يأخذ بعضها برقاب بعض, في سلسلة سنين وعقود وقرون, وقد يصل الوزر لحمل ذنوب الملايين من الخاطئين!
يقول أحدهم: أنا لا أخصّ أحدًا بعينه حتى لا تكون غيبةً لشخص معين معروف, يقف خصمًا لي غدًا.
وجوابه: ربما الأمر أشد! فالشخص المعيّن قد يُسامح, فإن لم يفعل فهو خصم واحد يأخذ من حسنانك لوحدِهِ, ولكن هل تأمن أن يصفّ غدًا أمامك عشرة ملايين مؤمنة من بنات بلدك كلّهن يتطلعن لحسناتك اللاتي كنت بها فرحًا مستبشرًا بقبولها, فلا تدري إلا وهي تُقسم بين هؤلاء: هنا بعض أجر صلاة, وهناك أجر صدقة, وهناك أجر بِرٍّ.. ثم هل تأمن نفادَ ذيّاك الرصيد, فتحمل أوزارهن, فهل تطيق حمل أوزارك فضلًا عن أوزار النساء؟! والمرأة كذلك بالنسبة لجموع الرجال غدًا، فاللهم سلم سلم. وحديث المفلس حقيقّ بالتدبر وقَمِنٌ بالتذكير دومًا. والعبرة هنا في المظالم عامة, وعلى قدر الحاصل يكون التحصيل, وبحسَبِ المظلمة يجري الاقتصاص!
فلا تكتب بخطك غير شيء   ...   يسرّك في القيامة أن تراه
يا صاحبي: تقول: إن العموم لا يضر أحد, فكيف لك بذلك؟ فتخيل معي مجلسًا من - عشرات أو مئات المجالس - فيه شابة من بنات بلدك, وفي المجلس ذاته امرأة أخرى من غير البلد, فتقرأ عليها تلك (الطرفة!) أو أن ترسلها لها برسالة! فهل تصوّرت مدى الأذى النفسي الذي يلحقها؟ وهل تظن أن الأنثى بجلافتك وصلافتك وجمودك لا تتأذى بمثل ذلك؟!
إن الأنثى روح رقيق فأدنى خدش يؤلمه.. ونسمه شذيّة فأقل أذى يتلفها.. ووردة غضّة فأهون مسّ يُذويها.. وفؤاد خفّاق فأيسر حرف يُمِضُّه..
وفي النهاية هي أمك, هي أختك, هي بنتك, هي جارتك, هي زوجك.. هي الأنثى التي زعمت يومًا أنها.. "حبيبتك"!
إطلالة:  خفقُ الفؤاد بالحُبّ كالمِلْحِ.. بل كالسكّر؛ إن فُقِدَ كسدَتْ الحياةُ، وإن زاد تلِفَتْ..
إذا لعب الرجال بكل شيءٍ   ...   رأيت الحبَّ يلعب بالرجالِ

إبراهيم الدميجي
aldumaiji@gmail.com

الجمعة، 15 نوفمبر، 2013

جمالٌ تشربه العيونُ صِرْفًا


جمالٌ تشربه العيونُ صِرْفًا

محمد وعبد العزيز: سلام الله عليكما..
 يا من لنجدٍ سريتما.. ولجرحِ سالٍ نكأتُما.
أبا أسامة وليغفر لك الله: قد علمتَ ما قلمي إلا ابن لبون, فعلامَ تُقْحِمهُ سبْقَ البُزْلِ القَنَاعِيسِ؟! ثم لم تقنعْ حتى أتيتني بفحلِ البيان ابن مسعود!
أبا أسامة, ويحك! هلّا أقلت العثار, أو هل نسأت الخيار..
 فلي فؤادٌ جريح.. بل بالمآسي ذبيح..
 يرى بمقلتيه شؤونًا..
 سَحَّتْ شؤونًا لديه..

تمسي الكُماةُ وتُصبح..
 تروي قناها وتنضح.. 
كيما ضباها تُطوّح..
فقد ملكت فأسجح..

أعبدَ العزيز, مالَكَ ولِي؟! دعني ففي الأحشاء من وجع السنين ما يكفي..
مات قيسٌ ونَبِيهٌ والمرقّشُ وعروةُ بعد أن شرب الحب نَقِيِّ عظامهم..
 وأسلَمَهُم لنائبات المنايا..

فدع السَّالي يمرُّ رويدًا, يركب الطيف بأحلام الزمن.
أما علمتَ يا بن الأكرمين أن خيرًا للمُدنِفِ أن يسلو..
 ففي السلوان عن ذكر المنازل نصفُ راحة..
 أرأيتَ عينًا للبكاء تُعارُ؟!

لك الله يا عبد العزيز! لا تعد لمثلها فقد أوجعتني..
 وأقولها صادقًا؛ فإني كلما قصدت لذيّاك السبيل: تهيج في صدري أمورٌ لا أطيقُ لها دفعًا, تضطرم وتفور.. كالقدر استجمعت غليانًا..
 فتمور بي المشاعر كأني قاربُ صيّادٍ غشيته أمواجٌ كالجبال..
 قد درّتِ عليه السماء ُكأفواهِ القرب برعود واجفة, وبروق قاصفة..
فلا يملك رُبَّانُهُ حينها إلا الدعاء بالسلامة, وانتظار الفرج..
 هذا مع شوبٍ من نصولٍ وقَنًا وأَسَلٍ تدقُّ معاليق الفؤاد.. وتهشم عُوجَ الحنايا..
 فتثور من ذلك المحتدم سحابةٌ بيضاء تُعْتِمُ البصر والبصيرة..
فلا تنجلي الغمامة حتى تنبجسَ المقطوعةُ أيًّا كانت..
 بعد أن تطرح أباها صريعًا!..
وكلُّ حيٍّ هالك!

يا صاحبي: إن في رقيق الأدب شعرًا ونثرًا أيًّا تَوَجَّهت ركائبه خيطَ إبرَيْسم..
 أَرَقُّ من شُعاعٍ في عينِ طفلٍ فرح بقدوم والده من غربة..
 وأصفى من دمعة عاشقٍ على جَدَثِ صاحبته..
 بيد أن ذلك الخيط يجرُّ معه عُجَرَ الذكرى وبُجَرَ الآهات الماضيات..
وقد ظنَّ الملوّعُ وكَذَبَ الظنُّ طَمَّهنَّ في قعر الأطلسي..
 فإذ بها تعود شابّةً لعوبًا ضحوكًا.. غادرة!
بينا يسير القلبُ في ستارةً من تيسير، قَنِعًا بخفقةٍ من فؤادٍ رغيبٍ، قد تجلّد للغِيَر، وتلفّع بالرِّضا، وهجَرَ الكواعبَ رقيقاتِ الحواشي، من ربات حجال الأدب..
 أَعْنِي بهنَّ الخواطرَ شعرًا ونثرًا..
 اللاتي يشغلكَ جمالُ نثرِهِنَّ عن حسن نظْمِهِنَّ..
 ويُنسيك لطف شِعْرِهن عن شهد نثرهن..
فتُمسي من شُغْلٍ بهنّ ونسيانٍ لغيرهن خارجَ المعقول!
 غِيَابًا لا كالجنون, ونشوةً لا من قهوة ابن كلثوم..
 فتغيب عما حولك زمانًا ومكانًا..
يودُّ خليلُك لو رآك حينها: فناءَ العاذِلِ, وبُعْدَ الكاشح..
كيما يسرقُ معك رقيقةً من رقائق أحلام أهل الهناء..

أيها الخاطِر الخَطِر, ما دهاك حتى تَحُلَّ عِقَالَ عقلي؟!
بينا فؤادي قد سَلَا عن رُعودِ خفْقِ الأفئدةِ؛ إذ بك يا غفر الله لك, ترمي سويداءه بسهم قد عَجَمَ عودَهُ بيانُ الصاحبِ وابنِ العميد، وراشَ نبلَهُ ابنُ معمرٍ ولبيد، وَحَدَّ نصلَهُ المسعود، فرميتني وقصدت السويداء..
 فليهنك صيدك، ولك العزاء فقد استسمنتَ ذا وَرَمٍ، ولو وفّرت سهمَك لغيرِ فؤادي لأوشكت أن تحظى بِفَرَا، ولكن هيهات هيهات! فقد نفذ نصلُكَ الفتَّاك لقلب المُضنى العليل، وسبق سيفُك عَذْلي، وصولُك هَرَبي، فمرحبًا بكما على شطء الأدب، وحياكما في بستان المحبين, وخُذَاهَا تحفة النزول:
‏لهفي على شدوٍ قديمٍ قد أفلْ
يحكي بِلُبِّي سهمَ ناعِسَةِ المُقَلْ
هلّا تَرَفَّقَ فالجوى بلغ المحلْ
بُح أو فَمُتْ متشحّطًا والدمّ طَلْ

خذاني معكما لنركب زورق الأمل, تسوقنا أطراف أنامل هبّات الصَّبَا.. فلها أسرارٌ لا تبوحها لسوى أهلِ ذيَّاك السبيل..
 أعني النسيبَ الرقيق المحتشم.. والأدبَ العالي المحتدم..
 أحيانًا كرموز الأحباب, لا يفهمها سوى من تجرّعَ العذابَ العذْبَ من المِقَةِ..
 أو مَلَكَ "شيفرة" البديع تذوقًا أو إنشاءً..
وأخرى نراها جزْلَةً سهلةً ممتنعة، يرومُ بَدْعَها من شاء..
حتى إذا مَدَّ يمينَه لتناول كَفِّها ابتعدت كهالة البدر في ليلة إضحيان..
تتماوجُ بين عينيه كمُحَيا صبيّةٍ تنظر في غديرٍ أترعَهُ صوبُ غادية..
وثالثةً كغرامِ رسائل كنفاني لغادة..
 أو ابن زيدون لولّادة..
 صادقةً باكيةً آسيةً..

يا صاحباي: ألا يُذِيبنَّ بالجَوَى فؤاديكما مشهدُ ذاك القمريُّ ينوحُ لقمريّته وهي ترنو اليه بخَجَلٍ وجَذَل.. وتُسارِقُ مقلتيه بعينين كادتا أن تذبلا حنانًا وحبًّا ولهفًا..
ويكأنَّه ينشدها قول الأول وهو يهتزّ لنشوة الذكرى الرغيبة:
عيناكِ شاهدتان أنَّكِ من ... حَرِّ الهوى تجدين ما أَجِدُ
بِكِ ما بِنَا لكن على مَضَضٍ ... تتجلّدينَ وما بنا جَلَدُ

وَلِمَنْ يفتلِ عند ذكر الأدب شِدقه, ويلوي عن محاسنه كشحه: دعْ قارب أفئدتنا يُبحر رخاءً ويسير هوناً، كمشوق إلى لقاء مشوقة، وأنثارُ وبل إلى كبد يبابٍ صادي..

ألا وإن بعض من بَسَطَ المداد في تيك السابلة, قد جاوز الغاية في التّهتّك وخلع العِذار, لكني من خطل ذلك على حذر..
 فإن لم يكن الأدب رافدَ عفاف, وموقد شرف فلا كان..
 وجملة الكلام: لعل قُصارى هذه الكلمات أن تُذهب عن نفس المُعَنَّى قتامَهَا..

وهل تسير قوافل الأدب إلّا على رواحل الخيال؟
 وخلف سجف الحقيقة يكمن أبداع الذائقة..
 فدعني أُعْنِقُ في خيالي بلا طِوَلٍ.. فما استروحَ أهلُ النبل والرهافة إلا بعد أن كرعوا في ذلك المشرب؟ ومن رام رقَّة الطبع فليأخذ بسبيل ذلك المرتع, وليتجول بخاطره في ذلك المنتجع، فما لذة اللبانات إلا وصل ما هنالك..
إن طيف الخيال يا عبل يَشفي..

وكأني بفقيه أهل المدينة عبيد الله بن عتبة بن مسعود, وهو يخاطب نفسه بجلال وصبابة:
ألا مَنْ لنفسٍ ما تموتُ فينقضي   ...   عَناها ولا تحيا حياةً لها طعمُ
أَأَتْرُكُ إتيان الحبيب تأثُّماً   ...   ألا إنَّ هُجران الحبيب هو الإثمُ
فذُقْ هجرَها قد كنت تزعم أنه   ...   رشادٌ ألا يا ربَّما كذب الزعمُ
ووقفت امرأة على عُروة بن أذينة، وهو من فقهاء المدينة وعُبّادها، وكان من أرقّ الناس تشبيباً، وأحلاهم منطقًا, فقالت له: أنت الذي يقال فيك الرجل الصالح وأنت تقول:
إذا وجدتُ أُوارَ الحُبّ في كَبِدي  ...  غدوتُ نحو سِقاء الماء أَبتَرِدُ
هبني بردتُ ببرَد الماء ظاهرَه  ...  فَمن لنارٍ على الأحشاء تَتّقِدُ
والله ما قال هذا رجل صالح!
وكذَبَتْ, فلم يكن مُرائياً, ولكنه كان مَصْدوراً فنَفث..

وقيل لابن المسيب: إن قوماً من أهل العراق لا يرون إنشاد الشعر!
 فقال: لقد نسكوا نسكاً أعجمياً!

عَلِّلَاني بمُقْلَةِ الخِشْفِ إنّي
من هواها يذوب مني وريدي
عللاني بنظرةٍ منه تشفي
عللاني بطارفي وتليدي
من مُحيّا سقى عيوني بشربٍ
عللاني.. ثم ازحفا بالبنودِ

يا صاحبي: ثَمَّ مستوى من الكَلِمِ يحوي شرايين يتدفَّقُ فيها نوعٌ عزيزٌ من متعةِ الأنْفُسِ..
لا يُشَمُّ ولا يُمَسُّ ولا يُرَى..
لكنه يسمو بعطفيك للأعلى برفقٍ يَبُزُّ الوالدةَ الحنون..
 وشذىً يحكى أرجَ الربيع..
 ولطفٍ يربو على رَخْصِ كَفِّ الرضيع..
 ونعومةِ نهدِ المُعْصِر..
تقرأها ويقرؤنها في "زمكان" متّحد، ولكن..
 ويكأنك تقرأ من بينهم لغةً أخرى!
فتهتف بنفسك الظمأى: أنِ اجرَعي راح البيان المترع بمعاني السحر الحلال..
 قد نُسجت من سندس اللفظ البليغ..
 فانبجسَ من عين صفائها سلسللُ نثرٍ برَّاق..
 وانفجر من معدن حكمتها جلجلُ نظمٍ دفّاق..
 فغدا مزيجُها لونٌ لا نظير في عين الأديب لجماله..
 وَدَّ هنيهةً لو اسطاعَ حبسَ الزمن..
أو فليكُنْ بسجنهما دهرًا يرتشفُ حلاوته شيئًا بعد شيءٍ، ومعنًى بعد لفظٍ، وصورةً تلو نبضٍ.. وأَجْمِلْ بأبكار الزمان!

إن توافقا أمست بناظره وأذنه كألذّ ما سجعت به بلابل الأقلام..
 وصدحت خلاله خرائدُ الأفهام..
 فترتشِفُهُ رقائق الأسماع..
 وتطربُ لرحيقِ سُلَافِهِ هشاشاتُ القلوب..
 إذا جرت نفثاته في الأفهام؛ قالت: أهذه بنت فكرة, أم بنت كرْمة..
 كيف إن كانت من شفتَيْ من هجم خيالها على قلبك الآن..
أيدري الدمعُ أي دمٍ أراقا؟!

آهٍ من دبيبِ راحِ الفِكَرِ في تجاويف الفؤاد..
ليهنِكَ يا من تذوّقت الجمال..
قد ذاب شهدُهُ في حرارة جوى الصَّبِّ الملهوفِ لعناق أبكار المعاني..
 وضمِّ خرائد المباني..
 ونجوى خودِ الأَخيلَةِ..
فاستوى أمامه السطرُ النوراني على سابلةِ العاشق المتيّم..
 يهديه قصدًا للثمِ الشفةِ العطشى له..
قد ذبلت لترويه..
 وازدانت لتسقيه..
 ولا تذهب بعيدًا يا رفيق فؤادي, فما ثَمَّ منها سوى المعاني!
 أما الحقائق فدونها ضرب يدمي النواصيا!

ألا ما أشدّ ما يقاسيه القلم إن هفَتْ رئته لنوع من المعاني لا يتأتّى إلا كمجيء نوعٍ نادر من طيرٍ مهاجرٍ, كأن ريشه من نسج شمسِ الأصيل..
 وصدرَهُ كندف غيمِ الصباح..
 وعينَهُ كطلِّ قطرات النَّدى على وجنةِ زهرةِ خزامى على كثيب الدهناء..
إن المعاني تارة تكون أقرب لأَسَلَةِ اليراعِ من قطرةِ مِدَاده..
وأخرى تكون أبعدَ من السِّمَاكِ الرَّامح..

ثمّة نفوسٌ رهيفة, إن استقبلت روحك ملأتها انشراحًا وبِشرًا..
 ووجوهٌ جميلةٌ, إن تذكَّرْتَ قسماتها ارتمت ذاكرة الجمال خجْلَى على أهدابها..
 وأحاديث حِبٍّ يجتني التذكار منها ما تمنّى..
ويا من مَرَّ على روضتنا ولم يفهم المعنى..
يا من لم يمضغ الشيح والقيصوم, إليك عنّا..
جُزْ بخيرٍ.. جُدْ بسترٍ.. وامض لشأنك عنّا..
لا تلمنا إن خلعنا جبة القاضي وبحنا..
بعفافٍ قد سَمَرْنا.. وصيانٍ قد حَرَسْنا..
يا كثيف الطبع عنا.. عن جَنَانَا لا تسلنا..
أحسن الظن ودعنا..

ليس هذا يا مُنانا نوحُ باك في يتامى..
تلق أرجًا يجتنيه.. ضوع أزهار الخزاما..

يا صاحبي: قديمًا كُتبَ الأشخاصُ برموزٍ لأغراض شتى, رَهَبًا أو تحليةً في ذهن المنسجم.. تأمل ما كتب الهنود على لسان الحيوان "كَليلة ودِمْنَة" وفي ذا التلميح غنًى عن التصريح..
لا تقل: كلا, لا ولا تقل: لم هذا وكيف؟!
فالقصور يلحقه التقصير عن إدراك ما تتكلّس المعاني بجوهَرِهِ! فيضربها بمعول الفكر وكرّ النظر.. فلا تسمع لماء عين المعاني رِكزًا!..
فمثلُ تيِك المعاني تحتاج لقهوة سوداء كالحٌ لونها, مُرّةٍ كالحنظل, عذبةٍ كَسَحِّ الدِّيَمِ, في مكان خال من الإنس والجانّ..

 فما هي إلا هنيهات حتى يصْفُوَ الذهن بانقشاع سحائب شُعَبِ الهموم..
 ويعفو الخاطر بجودٍ غزير..
 فينحدر إليها سيلٌ جرّارٌ من مشاعر الفؤاد المُضْنَى بأثقال الأشباح..
 المفعم بطيب أرواح الإصباح..
 قد صَرَعَ خيالاتها بشبيبةِ روحه, وكهولة تجاربه..
يمدُّهُ هاطلٌ مدرارٌ وغيث صدوقٌ من دموعٍ كانت حبيسة الأجفان!
 قد أَبَتْ عِزَّةُ أنفِهِ قبلها إلا تيك القَسوةِ الممضَّةَ بخنجر الأسر العذب المعذب.. هذا حينًا..

 وحينًا آخر تطول تلك الزفرات فتسري في اللجَّةِ ليلةً بتمامها..
بعدها تجري الرياح اللقاح بفكرِهِ مع الغيوم السابحات حتى يأذن الله بأمره..
فبينا ذهنه يسبَحُ في بحر ساكن؛ إلا ورنت مقلته لضياء أدفأَ جوانحه التي لحقها بردٌ من نسيم السَّحَرِ..
 إنه برد له خصوصية لدى أهيلِ الأدب..
لا يحس بلذيذ لذعه أهلُ الكثافة.. فإن صادفوا مثله انقلب جليدًا مُحْرِقًا..
أما هنا فهو لذع يدب رويدًا على أطراف الجوانح..
 ثم يفيض شذًى وعبقًا حتى يُرى ثَمِلٌ وما ثمّ شرابُ جسد..
 لكنه شراب نفس لم تملك أن غرقت في لجة نشوتِهِ..
 فنطقت بعد عِيِّها بحروفٍ لم يزُرْهَا سحبانُ وائل..
 ولم يحملها فؤادُ ابن الملوّح..

إيهٍ يا بن مسعود.. يا سليل البديع يا باسق البيان: إني مُنبيك عن عينٍ ماؤُها أحلى من عذب المطر..
 وشذاها أرقُّ من فتيت المسك والعنبر..
 تنساب بنعومةٍ على رَضْرَاضٍ كياقوت عُمَان..
 قد حفّتها أزاهير الأقحوان..
 وخلطتها ورود العرار وشقائق النعمان..
تجري بجوارِ كثيبٍ كأنّه خَدُّ عذراء..
 قد جرَفَ الماء أسفله فنحت على ذراعه خَتْمَ الحسن..
 وضَوَّعَ من عَذِيِّ رَمْلِهِ عَبَقَ النقاء..
 ثم جرى ماء الحياة حتى هوى من عليائه بوهج شلالِ نورٍ يشعُّ جمالًا وألقًا وبهاءً..

لقد كاد من فرط جماله أن تشربه العيون صرفًا!..
لِصوتِه نَغمات يتصاغر لجرسها بيتهوفن وموزار..
 وقَسَماتٍ وألوانٍ تمنَّى لو رآها دافنشي وأنجلو..

إن رمت ذيّاك المكان فأرعني فؤادك أفتّش لك في زواياه عن مكان لتلك الرغيبة التي لا تُرى سوى بعينِ أديبٍ.. وما أُراكَ إلا هو..
فلقد تذوّقت من عذب تغريدِ يراعتك ما قد علمت أنك من أهل ذيّاك المنزل..

 فلِقُطّانِهِ لغة لا يتناولُ عقيقها وزمردها من لم يذق من نِيلِها وفُراتها..
يَرِدُ الجُموعُ حوضَها فيصدُرون رُواءً لحظة شربهم منها..
لكنّ مَنْ أَعْمَقَ دلوَهُ حتّى لامَسَ عينَها؛ فإنه يصدُرُ منها أشدّ عطشًا منه قبل الورود..
 فيعودُ كيما يكرعُ فيزداد لها ومنها وبها ولعًا..
 فلا يسلو عن حبها..
 ولا يروى من رشفها..
 حتى يُسلِمَ الروح!
وواهًا ثم واهًا لغربة الأديب في صحراء الجفاء..

إبراهيم الدميجي
@aldumaiji
aldumaiji@gmail.com