إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأربعاء، 15 فبراير، 2012

"عن شيوخ الإخوان في الخرمة, وخالد بن لؤي" (صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية ج 4)

(الجزء الرابع)

"عن شيوخ الإخوان في الخرمة, وخالد بن لؤي"
الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, وعلى آله وصحبه وجنده, وبعد:
   فهذه وقفات عجْلى في بستان الإخوان الشذي, لنقطف شيئاً من ثماره, ولنشم بعض رياحينه وأزهاره, ولنمتّع البصر بمروجه ورياضه, وسنطل عليهم هنا من نافذتين؛ الأمير خالد, وبعض العلماء الذين وجّهوا دفّة المسيرة الإخوانية, وأُنبّه إلى أنّ الكلام عنهم هنا ليس استقصاء ولم يلتزم الاستيفاء, فليس في حوزة القلم الكثير, وعند غيري أكثر مما عندي فلعلّهم ينشطون لذلك, والشيء بالشيء يُذكر, والحَيَا يذكّر بأهل المرابع.
"الأمير الموفّق والقائد الحكيم والمجاهد المظفّر, خالد بن لؤيّ"
قال ابن غبيشان:

معه شريف الهدى ما هـو بملالي      مسلم روحـه يبي مرضات وجه الله
يا بو سعد جعلها تفـداك الأنذالي       ولعـل يفداك جنـد ما يخافون الله
   يجمل بنا ذكر شيئٍ من أخبار القائد خالد بن منصور بن لؤي لأن التاريخ لم ينصفه, فمع مقاماته العظيمة في الجهاد؛ إلا أن غالب الناس لا يُدركون حجم ذلك الأمر, وليس كلّ الناس جاهل به فبعض أهل نجد _كما ذُكر لي_ كانوا يضحّون عنه أضاحي في العيد الأكبر عرفاناً بجميله على الأمة, فرحمه الله تعالى.
     يُقال: إنّ أوّلَ أميرٍ للخرمة من قبل الشريف هو لؤيّ بن غالب بن زامل الشريف الّذي نُصّبَ من قبل شريف مكة, عام: ( 1206 ) (1) من قبل أمير مكة غالب بن مساعد تكريماً لوالده غالب بن زامل على طرده قبيلة الظفير من الحجاز, فكافأه بأن عيّن ابنه لؤيّاً أميراً على الخرمة, وعلى إثره توارث الأشراف إمارة البلدة إلى يومنا هذا, وآخرهم حتّى تاريخه ( 1430 ) _ بعد انقطاع دام نحو أربعين عاماً _ هو الأمير خالد بن عبد الله بن الأمير خالد بن منصور بن لؤي, من "العبادلة".
   والخرمة كانت ولا تزال من ديار قبيلة سبيع الكبيرة, ويسكنها ستة أفخاذ منهم,وهم حسب الكثرة بنو ثور والصملة والقريشات والمدارية وآل علي وبني عامر.
نزل الخرمة عبد الله أبو شوارب العبدليّ, وهو من ذرّية الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وصلى الله وسلم على جدّه . ثمّ إنّ عبد الله وُلد له ابنان ناصر ومنصور, أمّا ناصر فوُلِد له غالب الذي كان أمير الخرمة في أول أمر الإخوان, وهو والد منصور الّذي كان من كبار الإخوان, أمّا منصور بن عبد الله فوُلد له ثلاثة وهم خالد وهو أمير الإخوان وبعيجان ونائف .
وُلِدَ خالد في الخرمة من أسرة سلفيّة المعتقدِ هاشميّة المَحْتِدِ, وتربّى على صفاء الفطرة ونقاء العقيدة الّتي لم تتلوّث ببدع ذلك الزمان, وترعرع شيئاً فشيئاً في أكناف الكرم والنبل والشهامة, وتربى على الرّجولة والفروسية والشجاعة, وقبل ذلك على العبادة, وكان خير معين لابن عمه الأمير غالب بن ناصر بن عبد الله حتّى توفّي قرابة عام: ( 1332 ) فتولّى أمارة الخرمة من بعده .
 وبعد نحو ثلاث سنين وصلت الحسين في مكة أخبار سلفيّة خالد ودعوته, فاستدعاه  إليه, وأبقاه عنده بضعة أشهر, ثمّ بعثه مع ابنه عبد الله الملقب بـ"البيه" لمحاصرة من تبقّى من الأتراك في الطّائف إبّان الثورة العربيّة على الأتراك, ثمّ للمرابطة بوادي"العيص" شرق المدينة, ثمّ إنّ خالداً ترك ابن عمه "البيه" وانفتل معه بضعة رجال لنجد مهاجراً إلى الله ورسوله ولا نزكّيه على الله تعالى .
      ولم يكن خالد في بدايته بذلك المتديّن الّذي يلفت الانتباه بصلابة تقواه, حتّى دخل الدّين قلبه بِقُوَّةٍ وتدثر بدثار الدين, وتشرّب حب الشريعة, فغيَّر الإيمان وِجْهَتَهُ من حرب الترك مع عبد الله البيه, إلى حرب البيه وأبيه لمّا حاربا التّوحيد وأهله .
 وكان خالدٌ يحبّ البادية, ولا يعود لنخله إلّا مع القَيْضِ مع باكورة الرّطب كعادة أهل الخرمة . ثمّ ذهب لمكّة وحصل ما حصل حتّى تولى أمارة الخرمة بأمر الإمام عبد العزيز بعدما بايعه في الرياض . ويقال بل كان أميراً للخرمة أربع سنين بعد وفاة ابن عمّه غالب بن ناصر, فتولّى الإمارة وأقرّه عليها الحسين, وهذا هو الرّاجح . وبعد مبايعته للإمام عبدالعزيز أقرّهُ على إمارته للخرمة .
وبعد انتهاء المغازي الكبار, نزل أخوه نايف بن منصور " الوطاة " (2) وكان نائف قبل ذلك يريد "القنصليّة" (3) ولكن أبى عليه أخوه خالد وقال للملك عبد العزيز: لا تعطه أمراً على القنصليّة حتّى لا يذهب عنّي بعيداً, ولكن أعطه أمراً على الوطاة وهو ما حصل, فنزل عليه بعض القريشات من سبيع والسّميان من البقوم وبعض الأشراف .
ولخالد من الأبناء, عبد المحسن الأوّل وهو بِكْرُهُ واستشهد يوم الخرائق, وكان فارساً نادراً, وسلطان وهو الثّاني بعد محسن, وسعد وهو الأمير من بعده كان مقداماً مغواراً, وإن كان في سيفه رَهَقٌ وبطش, عفا الله عنه, قد حباه الله بقوّة جسد, وقوّة رأي, وقوّة قلب, ولمّا توفي بالطّائف غسّلَهُ الشيخ محمد بن رشيد رحمه الله, فكان يتعجب من كثرة مجافر البنادق (4) في جسده من المغازي(5).
ومن أبناء خالد كذلك زامل وحسين وعبد الله وعبد المحسن الثّاني .
لقد كان خالد مثالاً نادراً لصفات عديدة, قلّما تجتمع في شخص, من عمق التديّن, والحكمة , والرّأي المسدد , والحلم , والكرم , والشّجاعة , وتعظيم كلمة العلماء ولزوم غرزهم , وحفظ العهد وإتمام العقد , وحفظ البيعة لإمام المسلمين ولزوم طاعته وحرب من شقّ عصاه ونقض عهده, وإلى شيء من متفرق أخباره:
فمن حرصه على مصالح المسلمين واهتمامه بالعامة:
فيروى عن سليمان الحجي رحمه الله تعالى, قال: قال لي الأمير خالد رحمه الله: يا مطوّع, مسألتين استعن بالله وابدأ فيهنّ, حتى أساعدك عليهنّ وأنا حيّ؛ حسو العباسا (6) ومسجد قمزان (7) وكان حسو العباسا في حي السوق القديم, مطويّاً بالخشب, وكان الأمير يريد رصّه بالحجر, أما مسجد قمزان فقد كان عشّة, والأمير يريد بناءه بالطين واللبن, وقد تم تنفيذ هذين المشروعين الخيريين في آخر حياته أو في سنة وفاته رحمهما الله وتقبل منهما .
ومن زهده في الدنيا وإكرامه لأهل العلم:
أرسل له الملك عبدالعزيز له كسوة العيد في إحدى السنين, فأمر أهله أن يغسلوا ثياباً مستعملة عنده, وعيّد بها, وأعطى الكسوة الجديدة لأحد طلبة العلم. وعادات السادات سادات العادات.
وبعد فتنة السبلة تسوّر بعضهم قصره لينهبوه فلم يجدوا سوى تنك تمر مسوس! وهو الذي لو أراد لملأها ذهباً, فلم يكن إمامُه يرد له طلباً, ولكن أبى الزهد على الحرص فغنم.
قال أحمد شوقي:
وكن في الطريق عفيف الخطى     شريف السماع كريم النظر
وكن رجـلاً إن أتوا بعـده     يقـولون: مَـرَّ وهذا الأثر
ومن ذكائه وصدق فراسته وحزمه:
قال ثامر بن حمد بن هليمة رحمه الله تعال: كنا في غزوة من الغزوات, وكان معنا رجل له غنم كثيرة من أهل تلك الناحية, وقد لبس المعمّ, وكان يزورنا كلّ ضحى يستمع للحديث, ويتحدّث مع الإخوان, وقد جعل نفسه واحداً منهم, وفي ليلة من الليالي؛ سمع الأمير كلب هذا الرجل ينبح نباحاً متواصلاً, فقال لاثنين من الإخوان: اذهبا واختبئا بعيداً عن بيته, فربما تجدان أحداً خارجاً من عنده, فأتياني به ولا يشعر ذلك الرجل بشيء, فذهبا فوجدا مطيّة معقّلة, فراقباها من بعيد, حتى جاء صاحبها, وأطلق عقالها, وركبها فلمّا أبعدا عن بيت الرجل قربا من مطية الرجل واعتقلاه وأخذا بخطام ناقته يقتادانه للأمير خالد, فهدده الأمير بالقتل إن لم يخبره بالأمر, فأخبره أنه يأتي لهذا الرجل بين الحين والآخر, ويأخذ أخبار الإخوان منه, ثم يذهب بها إلى أمير تلك المنطقة, وهو بدوره يبعث بها إلى أمير الطائف, وذاك يبعثها لشريف مكة أوّلاً بأوّل . فأمر الأمير بحبسه, وفي الصباح جاء ذلك الرجل (الجاسوس) كعادته, فقال الأمير: خذه يا سعيد, ومرّ به أولاً على الرجل المربوط في الخيمة, حتى يراه جيّداً, ثم ضع الرصاصة في رأسه . أمّا صاحب المطيّة فقد عفا عنه الأمير, وانضم إلى الإخوان وصلح حاله . ( وفي البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أمر بقتل الجاسوس وهو عينٌ للمشركين, لمّا جلس إليهم, ثم وثب على راحلته, وذهب للعدو بأخبار المسلمين, فأمر الصحابة بلحاقه, فأدركه سلمة بن الأكوع فقتله. فقال صلى الله عليه وسلّم: ( من قتل الرجل؟ ) فقالوا: ابن الأكوع . فقال: (له سلبه أجمع )  .
ومن فراسته كذلك:
قال سيف بن سعد العبيسي رحمه الله تعالى: ضاع لرجل شاة, فأخذ يتجوّل في الشوارع ويسأل عنها, فمرّ على بيت قد عُرِف أهله بالسرقة! فشمّ رائحة الدسم من عندهم, فظنّ أنها شاته, فطرق عليهم الباب فلم يجيبوه, فدخل مسرعاً وذهب من فوره إلى المطبخ, وفتش القدر, وأخذ منه قطعة لحم فإذا هي لحم جزور! فصاح به أهل البيت: الحمد لله الذي فشّلك (أي: أخجلك بفعلك) تظنّ أنها شاتك, والله لنشكونك غداً للشيخ والأمير, تتهمنا بشيء لسنا من أهله! فأسقط في يد الرجل, وأخذ يعتذر ويطلب السماح . فلم تسمح نفوسهم بالعفو . فخاف الرجل على نفسه ولم ينم تلك الليلة, ومع الفجر ذهب للهجرة (هجرة خالد والإخوان) وصلّى مع الأمير, وأخبره الخبر, فقال الأمير: دعهم يشكونك, ولا يعلموا انك جئتني, ولا عليك إلا العافية, إن شاء الله .
ولمّا جاء وقت الجلسة, مرّ أولئك النفر على ذلك الرجل وقالوا: هيّا بنا إلى الشيخ . فقال: سمعاً وطاعة . وذهب معهم, فلمّا جلسوا إلى الشيخ (القاضي, ولعلّه ابن داود) ذكروا دعواهم ضده, وطلبوا من الشيخ إعطاءهم الحق من خصمهم في دخوله بيتهم بدون إذن, واتهامهم بأمر ليسوا من أهله . فلمّا همّ الرجل بالكلام, أمره الأمير بالسكوت, ثم التفت إلى المدّعين وقال: أنتم يا عيالي لحم الجزور هذا من أين جاكم؟ اشتريتموه من جزّار؟ أخبرونا به . أو مطعمكم إياه أحد؟ أخبرونا من هو . قالوا: سبحان الله! حتى أنت يا أمير تتّهمنا! .
قال: لا بد أن تخبرونا, وإلا جلدناكم . فلمّا رأوا أن الأمر جدّ وأنهم سيُجلدون, اعترفوا بسرقتهم للحم الجزور!.
ومن فراسته وهي عجيبة: "خبر الذهب المدفون":
قال عقاب أبو وطبان السميّ البقمي, وكان من رجال الشريف:
قال لي الشريف حسين: يا عقاب أريدك أن تذهب للبقوم في "قطان" (8) لعلنا نسبق خالداً عليهم فنستميلهم فيكونوا في نحر خالد دوننا, فخذ معك صاحباً واختر راحلتين من خيار الجيش . قال: فأخذت ابن أختي وكان قلبه على قلبي, وأخذنا اثنتين من خيار الجيش وحملنا معنا جنيهات الذهب الأحمر, فحملناها وركبنا إلى قطان, فلما وصلنا خيامهم إذ ليس فيها سوى النّساء, فسألناهنّ فقلن: الرّجال عند خالد بن لؤي منذ أربع ليال, فتركناهن ثمّ ذهبنا إلى ضُليع في جبل حضن, فأنخنا ثمّ أخذنا قُطَمَ الذّهب ودفنّاه, ثمّ برّكنا رواحلنا على مكان الدّفن حتّى نُعفيَ أثره, وقلت لابن أخي: يا ابن أخي هذه أمانة تبرّأت منها السّماوات والأرض, ونحن سنذهب لخالد ولا ندري ما وراءه! ثمّ انطلقنا لخالد, فوجدناه في عِشَّةٍ في حوقان مقابل قصر الدميجي, إذ لم تُبْنَ بعد عِشّةُ "المناخة" في الهجرة, فأنخنا عليه وقد أحاط به الرّجال وقد أنصتوا للشّيخ عبد الرحمن بن داود وهو يحدّثهم ويعظهم, فسلّمنا عليهم, ثمّ جلسنا ولمّا أنهى الشيخ حديثة قال خالد: عقاب أبو وطبان أرسله الشريف للبقوم, ولم يجد إلاّ النّساء وأرسل معه بذهب, والله ليكفينّ الإخوان سنتين أو ثلاث! . فقلت: خف الله يا ولد منصور أنا عقاب أبو وطبان مثل ما قلت, وقد أتيتك بجيش العدو وسلاحِهِ وجئت أبتغي الإسلام . فقال: ماذا تقول يا شيخ والله لو أخذت عليه العصا فضربته ضربتين لأخبرنا خبره, ائذن لي فيه يا شيخ . فقال الشيخ: اتّق الله يا خالد ألم تسمع ما قال؟ . فقال خالد: إيه يا عقاب! سَلِّمُوا عليه يا إخوان, واللهُ أعلمُ به! . قال: ونظرت إلى البقوم فرأيت أنّهم قد تغيّروا من بعدي وتديّنوا ولبسوا المعامّ, ولمّا صِدْنَا منهم غفلة سرينا وتركناهم, ثمّ أسرعنا الخطى للذّهب فاستخرجناه, ثمّ ذهبنا للشّريف وأعدناه له, وقلنا: يا سيدي هذه أمانة قد تبرأت منها السموات والأرض وهاهي بين يديك, وأخبرناه الخبر . وفي حديث أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنّ لله عباداً يعرفون الناس بالتوسّم ) (9). قال الأول وكأنما عنى خالداً رحمه الله:
إذا ما أجالَ الرأي أدركَ فكرُهُ      غرائبَ لم تخطُر ببالٍ ولا فكر
       ولا يجمعُ الأموالَ إلا لبذلها     كما لا يُساقُ الهديُ إلا إلى النحرِ
ومن تحرّيه وتأنّيه: 
في إحدى الغزوات شك في حقيقة القوم الذين أراد أخذهم, فأرسل عيناً له, وقال: ادخل بين القوم وتثبّت لي من حالهم . فذهب الرجل ومشى بين البيوت لعلّه يسمع ما يثبت أو ينفي من أنّهم تركوا الشريف ولم يبقوا من جنده. فبينما هو كذلك إذ سمع صوتاً من أحد البيوت بين الأم وابنتها وأبيها, والبنت هاجرة لزوجها قد طمحت عنه(ربّما لقلة ذات يده) وأبوها يقول لها: يا بنيّة زوجك فلان مقلّ, ولكن غداً يذهب للشريف ويغزو معه ويعطيك ويعطيك...) قال فعدت لخالد فأخبرته, فقال: قد علمت أنّهم قوم(أي أعداء) ولكن أحببت التثبّت, فصبحهم وأخذهم .
قال ذعار بن مناحي الشريف رحمه الله تعالى: قال الإمام عبد العزيز:  يا خالد يا عصابة راسي؛ بيني وبينك نجد لم ينظف! فجهّز خالد بسريّة, وحينما أقبلوا على "مراغان" عند "حلبان" أمساهم الليل, فقال خالد: انظُرُوا هل ترون أحداً من القوم هنا أو هناك؟ فنظروا فلم يروا أحداً فأمرهم بالنزول فنزلوا . ثمّ قال لهم خالد: احذروا الرّجال فإنّهم سوف يأتونكم جُرداً - أي بلا ثياب - فلا يقتل بعضكم بعضاً, ثمّ وضع أربعة من الحرس يسهرون على حماية السريّة, اثنان في كلّ جهة من جهتي الإخافة, فنام الحرسُ, ولم يشعروا إلّا بإطلاق النّار في الخيام, إذ أن القوم قد هجموا عليهم ليلاً وكانوا عُراةٌ_إلا من جهة العورة_ كما قال خالد! فقتلوا بعض الإخوان على حين غِرّةٍ,كمحيسن العدواني, وابن مصيبيح من بني عمر, ومغيب, وإذا أميرهم يقول: لقد عرفت خيمة خالد, وهذا المشط سأضعه في رأسه, وأقبل راكضاً لخيمة خالد فإذا منصور بن نايف الشريف, وزامل بن فدغوش, وشلش, دون خيمة خالد؛ فتناوشوه بالرّصاص حَتّى بَرَد .
ثمّ عاد خالد لإمامه عبد العزيز مبشِّراً بِكَسْرِ أولئك القوم, فإذا إمامه قد جهّز له مهمّةً أخرى وقال: فلانٌ ثوّر علينا _أي خرج_ عليك به, فكان يوم البدنة, فقد ثار أحد كبار الإخوان على الملك عبدالعزيز بعد السبلة, فطاردته سريّة خالد بمعيّته أهل الخرمة ومن تبعهم, ولمّا توغّل ذلك الرجل بجنده في نجد وأشمل, طاردوه حتّى نفد منهم الماء وكانوا على أمل الورد على عِدٍّ من العدود _وهي الآبار_ لكن لمّا أتوه إذ فيه جيف, قيل: إن فلاناً _المُطارَد_ قد رماها في القليب حتىّ يمنع خالداً ومن معه من الماء, ويقتلهم عطشاً .
قال غالب التّويم الشّريف: والله لَآخرُ جيفةٍ أخرجناها, لجيفة كلبةٍ قد يبس جلدها عليها, فلمّا أخرجوها إذ الماء مخضرّ من العفن قد مشى فيه الدّود, وقيل: كان فيها جثّة رجل! وكانوا على شفا هلكة, فأمر خالد بإخراج الجيف, ثمّ أمر بنزح البئر ثلاث مرّات حتّى صَفَت, وبقي ريح الجيف عالقاً في الماء, فأمر خالد الإخوان بأكل البصل ودلك شفاههم به, ثمّ أدنى الإناء إلى وجهه وجعل لحيته الطويلة تشخل الماء وتقي فمه من الشوائب, ثمّ سمّى الله وشرب, والإخوان ينظرون فلم يضرّهُ, فشربوا وسقوا خيلهم, ونجّاهم الله من الهلكة بعدما كادوا . ثمّ انطلقوا لِطِرَادِ ذلك الرجل ومن معه حتّى قطّعوهم حدود العراق . وبعدها بسنين عاد ذلك الرجل للملك عبد العزيز تائباً نادماً فأكرمه وقرّبه . وقديماً قال الضبّي: من خشن مقره حسن مفرّه, ولكن هيهات! فأين الفرار للمشركين من الفرار لدار المسلمين؟!.
  ونقول فلانٌ حبيبنا ولكن الحقّ أحبّ إلينا ممّا سواه, وأمرُ نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم فوق كلّ أمر, وسنّته ألزم علينا ممّا عداها, وهو الذي أمر بدفع صيال البغاة وقتالهم حتّى يفيئوا للحقّ, والحمد لله الذي ردّه للحق والهدى, والطيب من عُوده لا يستغرب, ولكلّ جواد كبوة, ولكلّ عالم هفوة, ولكلّ عاقل زلّة . والعبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات كما قرّره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى .
وقد قصّ ذلك الرجل -رحمه الله تعالى- قصّته فقال: حينما لَحِقَنَا خالد وأهل الخرمة نهار البدنة, وخيّموا في "مراغان" من دون "عفيف"  وتتبّعوا أخبار تحرّكاتنا, وعلموا بمكاننا, فقلت لأصحابي: خيّال العليا نوّخوا عِزِّي لقوم لا يطارد شيخها! . فقال أحد من معي وكان قد سكن الخرمة حيناً:  يا فلان لا تنوّخ, هؤلاء لا تعرفهم أنا الذي أعرفهم ليس لهم سُؤر, والله لئن نوّخت إنّه لمناخ الفرد والعبود _ممن سحقهم الإخوان سابقاً_ فحذف هذه الكلمة في قلوب أصحابي, فألحّوا عليّ, فهربنا حتّى عدّينا البدنة, ثمّ تفرّقوا عنّي, ووالله إنّ الغالي من أصحابي لهو أوّل من تركني, ولم يبق معي إلاّ القليل, فبقيت أمرُّ على بعض القبائل, فإذا أقبلت غمّضتُ عينيّ قليلاً كأن بي رَمَدٌ حتّى لا أُعرف, ثمّ ارتحلت مع مَدِيْدٍ من مطير للكويت, ومنها ذهبت لأبي حنيك "الجنرال غلوب" عند الشّريف, فبقيت ثمان سنوات في الأردن وإنّ الدّود ليرعى قلبي من الهمّ, من البعد عن أهل الدّين, وغربة الوطن, فصار حاله كما قال أبو الطيب:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى     عدوّاً له ما من مصـاحبته بدّ
 ثمّ أقبلت علينا كُتُب ابن سعود: أنّ من رجع لنا تائباً قبلناه, فأزمعت الرجوع, فنهاني من معي عن ذلك مخافة الغدر, فقلت: الحياة والموت قد استويا عندي! فقدمت فلم أر يوماً أكرهه بعد بحمد الله . وأعلنت ندمي وتوبتي ودخلت عليه في قصره في المربّع كأنّه الأسد بين الحضور, والنّاس قد كثروا عليه والمشايخ . فجلست في طرف المجلس . وبعدما انصرف الناس أقبلت عليه وحيّيته وقلت: السّماح أطال الله عمرك . فقال: التّوبة تجبّ ما قبلها والإسلام يجب ماقبله, ثمّ لم يلتفت لي حتّى أقبل الظّهر, ثمّ خرجنا وصلّينا, ثمّ عدنا وتغدّينا, ولمّا انصرفت أرسل لي رسولاً يخبرني بأنّ الملك ينتظرني بعد العصر, ففعلت فلمّا جلست وخرج أكثر من في المجلس سألني: يا فلان أنت حضري أم بدوي؟ فقلت: كلّ على أصله أطال الله بقاءك أنا بدوي . فقال: تعال إلينا غداً . فلمّا حضرت من الغد إذ بسيارتين من نوع الهاف مملوءتين عن آخرهما من الكسوة والأرزاق والخير. فقال عبد العزيز لمن هم عند السيارات: إذهبوا بها معه حتّى تنزلوه ما شاء من المواطن, ثمّ ضعوا له جميع ما في السّيارات, ثمّ عودوا بواحدة واتركوا عنده الأخرى .
بشاشة وجه المرء خير من القِرى     فكيف بمن يأتي به وهو ضاحكُ
قال: فذهبنا حتّى أتيت مكان كذا فقلت: هذا مكاني وبنيت فيه هجرة, رحمه الله تعالى. وفي عام (1364) كان عند الملك فيصل رحمه الله شاعر الزوران الشهير أحمد بن حمد الأزوري فأراد الملك الشاعر من ذلك الشاعر أن يُرادّهُ ويحاوره بالشعر عن طريق نظم القلطة, فوافق الشاعر لكنه تحرّز لنفسه بدهاء, إذا اشترط الأمان ليقول ما شاء, فوافق الملك, ثم بدأ الملك بقوله _وللأبيات روايات مختلفة وهذا هو المشهور_:

يا حمد اسمع كلام اباالسعود    ابن عبدالعزيز الفيصلي
يوم جينا عميت عين الحسود    واخذناها بالسيف الآصلي
يوم جينا واذا الديرة مهود    كل حاجر يفيض ويمتلي
فرد الأزوري:
مرحبا يا فهد جابك فهود    جابك الله وحظك معتلي
أنت خلوك في تال الجرود    مافتح بابها الا ابن لؤي
يوم جيتوا من العارض سنود    عبدلي اطّرد له عبدلي
مغازيه في الجنوب:
 بعد مشاركة سريّة خالد في إخماد فتنة "ابن رفادة" وبعد عودتهم إلى بلادهم, أرسل الإمام عبد العزيز ثلاثين سيّارة؛ للخرمة عشر, ولرنية مثلها, ولتربة كذلك . يطلب كبار البلد كي يكرمهم, وكان الإمام عبد العزيز نازلاً في قصر شِبرا في الطائف . فقال خالد لمرافقيه: لا يلبسنّ أحد منكم مشلحاً (10) ولا تحتّوا الغبار عنكم, ولا تضعوا أسلحتكم من أيديكم, فلمّا نظر الإمام عبد العزيز لهذا التّصرف, قال: يا خالد, أنت تكحِّلنا_أي: تستصغرنا_, أم تنصب_ أي تختال_ عند بنات عمّك الشّرايف؟ فضحك خالد قال: بل أنصب (11) عند بنات عمي . ثمّ أكرمهم الإمام عبد العزيز وكساهم ثمّ انصرفوا . وبعد أيّام انطلق غازياً غزوته إلى الجنوب وجيزان, الّتي لم يعد بعدها, رحمه الله تعالى . 
 وحين رجوعهم من عند عبد العزيز قال أحدهم:
مدري نسـافر على البابور       والا على اللي لهن حنّه (12)
أحدٍ على ركبهم مسـتور       وأحـــدٍ فرح يوم مرنّه
يتلن خالد ولد منصــور       واللاش مـــاهن  بيتلنه
وحسين بالمرجلة مذكـور       وابن بعـيجان ينصــنه
غزا الإخوان بقيادة الأمير خالد بن لؤي ثلاث غزوات للجنوب وضمّوه للملكة السعوديّة, كذلك فقد شارك سلطان بن بجاد في بعضها, ودخل اليمن مع الأمير فيصل بن عبد العزيز حينئذ.
وهناك قال هاضل بن ناجي: (13)
نمشي بحد الهنـادي في سبــيل الله      في راي عبد العزيز الميسم الحامي
مهب ترقــد عيونه ليلها كــله      حُـرّ على ماكـره الماكر العالي
من دون بيت الحرم كني على مـلّة      يا هني من يستعي وسطه بالاحرامي
 قال مناحي بن غبيشان: حجّ الملك عبد العزيز في إحدى السنين فزاره الإخوان من أهل الخرمة وهو في عشيرة (14) قال فدخلنا وسلّمنا وأكرَمَنَا من جنيهين جنيهين, ثمّ قال: كما ترون إنّي ذاهب للحجّ, فمن أراد الحجّ معي فمرحباً وإلاّ فهو في إذن بالرجوع, فقمت أمامه على ناقة لي صفراء وقلت:
يالله ياللي تنثر الماء من السـماء        يجـيله من غُرّ السحاب دفوق
إنك تثبتنا على ســنة الـنبي       وتطعـمنا في دين الرسول وفوق
تعاهد خالد وسلطان على التقى      أمـراء ضواري هرجهم صدوق
لا رفعوا بأصواتهم ثم هــلّلوا        ينـبـت للقـلب التقي عروق
فرأيت تغيّراً في وجه عبد العزيز إذ لم أذكره فقلت:
عساك يا عبد العــزيز الله يعزك       ويذل من يفــتق عليك فتوق
اهتزت الأمصار واستسلم البـحر        وعطاك الانجليزي جزيته مطبوق
إمـامنا قوّاد حمـر الســـرايا       مودع على كبـد العدو حروق
أنا احمد اللي نصرنا على بني محلوق
قال: إيه إيه يامناحي .
وقد غزا خالد الجنوب ثلاث مرات, إحداها كان قائداً لسريّة من ضمن ثلاث سرايا لحرب الأدارسة, وعلى الأخريتان محمد بن شهيل وعمر بن ربيعان, ثمّ أردفهم بجيش كثيف بقيادة الأمير عبد العزيز بن مساعد بن جلوي, حتّى قضوا على حكم الأدارسة. وفي الغزوة الأخيرة للجنوب مرّ برنية, وارتحل معه أميرها الشاعر فيحان بن صامل الشّريف, الذي وصف تلك الغزوة, ورثى قائدها بشعر من أعذب القريض وأجزله, وارتحل معه كذلك ابن غنّام, وجماعة من الإخوان, إضافة إلى كتيبته من أهل الخرمة, وكان في رأسه جرح من المعركة, وقيل: بل كان مريضاً من حين خروجه من الخرمة, ويزعم البعض أنّه أصيب برصاصة من إحدى المعارك, وهذا لم يثبت, والعلم عند الله.
 وازداد به المرض, وحينما وصل جيشه أبها, قال له كبار جنده: أقم هنا أيّها الأمير ومن شئت من أصحابك, فبقي بعدهم ثلاثة أيام, ثم لحقهم إذ لم يطب نفساً بالبقاء خلفهم, وأصرّ على مواصلة القتال ضدّ الأدارسة في حرب صبيا حتّى مع اشتداد المرض به في أبها, وحينما نزل من العقبة لم يطق الجلوس على شداده, فتعاقب أصحابه حمله على خشب كالنّعش, فلمّا مرّوا بشعب "البَيْض" بقرب وادي بيش, ازداد مرضه, فنزلوا في بطن الشّعب, وفي الضّحى أسلم الرّوح لبارئها, رحمه الله تعالى سنة: ( 1352 ) وقد جاوز السبعين عاماً, وكانت فترة إمارته قرابة الثلاثين عاماً, قد ملأها جهاداً في سبيل الله تعالى .
نُعدّ المشـرفيةَ والعوالي     وتقـتلنا المنون بلا قتال
ونرتبط السوابق مقربات     وما ينجين من خَبَبِ الليالي
نصيبك في حياتك من حبيب    نصيبك في منامك من خيال
 ولمّا دفنوه جاءهم أمر عبد العزيز بأن ابنه سعداً خليفته في الإمارة .
قال بعضهم معلّقاً على إمارة سعد:
لا غدا خالد سعـد يمرق بديله     مثل حُرّ اصطفق شرق وشامي
مثل سيف الهند ياكل في مشيله     في نحــرهم بين مرميِّ ورامي
 فسعى بعضهم في إبعاده عن الإمارة لشدّته وسطوته, إذ لم يكن فيه ليونة والده ولكن عبد العزيز ألزمهم بسعد, لعلمه بكفاءته لأعباء الإمرة وقيادة ذلك الجيش, فهو ابن بجدة الحرب, خاصّة في ذلك الوقت العصيب والجيش لا زال في حروبه في الجنوب .
 وبعد تكرار بعض الإخوان حتّى من بعض بني عمومته, وإلحاحهم على الإمام عبدالعزيز, أقال سعداً عن الإمرة, فركب إليه سعد وهو غاضب ولما استوى له المجلس عند إمامه قال: أربعة عشر كون - أي غزوة - قد جرّدتُ لك بنودها الحُمُر ضدّ أعدائك, وأَبِي لم تنفضخ عينه في قبره بعد, حتىّ أخمدت لك الجنوب بعدما كان يفور, وهذا جزائي منك! فقال الإمام عبد العزيز: أنا أخو نورة وش ذا الكلام؟ فقال: وأنا أبو نورة أقول الّذي سمعت . فكظم الإمام عبد العزيز غيظه رحمه الله تعالى, فالملوك لا يرضون الاعتزاء أمامهم, وسعد قد اعتزى أمامه, فحلم عليه وحفظ له سابقته, ولما خرج سعد قال الإمام لمن عنده: لا تعجبوا, فهو قول وفعل! وأعاده للإمرة بعدما توجّس محبّوه من فتك الإمام به, وقد توفّي الأمير سعد سنة: ( 1385 ) رحمه الله تعالى .
ومن باب ذكر الشيء بالشيء؛ فيُروى أنّ الأمير فيصل بن عبد العزيز _ الملك فيما بعد _ لمّا فتح الحديدة ومعه جموع الإخوان, ذهب كبير من كبراء اليمن ويُسمّيه الإخوان: أحمد حنّة, إلى الإمام عبدالعزيز, وقال: إن أخذتم الحديدة فخذوا اليمن كلّه فهي عصب اليمن وميناؤه . ثمّ دارت المفاوضات حتّى ردّ الملك إليهم الحديدة, على أن يسلم اليمن نجران للإمام عبد العزيز, وعلى أن يسلم كذلك الأدارسة الذين كانوا عنده. في شروط أُخَرَ, واعترض الأمير فيصل على تسليم الحديدة, وقال فيما يُروى: لئن أعطيتهم الحديدة لأقتلن نفسي! فقال الإمام: إن قتلت نفسك فأنت في النار (15) وأبنائي سواك أربعون, وأمّا اليمن فلا نريد حرمانهم من مصدر رزقهم, وقد أخذنا نجران .
ومما رُثِي به رحمه الله تعالى:
  ممّا قيل في الأمير خالد إضافة لما ذكرنا في تفاصيل المغازي: رثاه الأمير فيحان بن ناصر بن صامل الشريف أمير رنية بقصيدتين رائعتين, تحكيان ملحمتة رحمه الله, وهاتان القصيدتان إحداهما بالعربي الفصيح, والأخرى بالعاميّة الدّارجة, وقد أحسن في الاثنتين, فلّله درّه من شاعر مصقع, ومجاهد وفيّ .
قال في داليته الشهيرة:
لك الحمد يا مولاي يا ذا المحـامد       على السـرّ والضرّاء في كل وارد
فجعنا فسلمنا بما كان قد جــرى       لموت الهـمام الشهم غيظ المعاند
لقد ساءنا شخص على البَيْضِ قد ثوى   رجــعنا فخلفناه في القبر واحد
فيا قبر فيك الجود والدين والنـدى      تضـمّنه أضلاع الذي فيك راقد
وإني لبـاك ما بقيت وذاكـــر      مآثر شيـــــخ مجده متزايد
وإني لبــاك ما بقيت وذاكـر      كـريم المســاعي فضله غير نافد
وسيّد حي من لؤي بن غـالب       ســــلالة أسياد كرام أماجد
فبتُّ قــرين الحزن والهم ليلتي       وقد أخضـبت خدي دموع شدائد
يقول أناس هالهــم كثر عبرتي       أصابك جن أم من الموت شـارد؟
فقلت لهم لا ذا ولا ذاك صابني        ولكن أصيب القلب من موت خالد
تقوى بدين الله والـتزم الهدى        ونال العــلى والفخر يوم التجالد
صـبور على حلو الليالي ومرها      ومسعـر حرب يتلف النفس ماجد
له فتكات في الأعادي شهـيرة       فدونك منـها في رمـادان شاهد
ومنها بجبار فالقرين ومثلــهـا      على الحـنو منها شاكر فر شارد
ومنها بأطراف الحجاز وقائــع       علــيهن في كل البلاد شواهد
ولا تنس يوم الطائف الذي كان بعده    طوافـك حول البيت لله عابد
وتنشره أم القرى في صحافــها      وتنـــقله عنها جميع الجرائد
وقائد جيش من سبيع عرمـرم        وقامـع أهل الكفر من كل مارد
وفيهم من الأشراف كل مجـرب      بأيديهم صـــنع عديم الفوائد
لقد حاز فخر العقل والمجد مذ نشا     وجمــع شراد المعالي الشوارد
وقامع حق النفس في شهــواتها     ولو حـل في العالين فوق الفراقد
سيبكونه الفقراء من بعد ما مضى      لقـد كـان ذخراً لهم في الشدائد
وتثني له الخرمة بكاها وشجـوها     ونســوانها تبكي وأهل المساجد
وإني لأرجو الله جل جــلالـه     يذيـق العـدا من نسله في الموارد
وما هو إلا فرع خارج من أصوله     وهـل تلـد الأجواد إلا الأجاود
وهل تنبت الأشجار إلا غـصونها     ونسـل الأفاعي مثلُها في الأساود
فيا راكبين العيس من كل ضـامر     مـوصـلة الجدين تطوي الفدافد
إذا ما رأت شخص الزميل تخـالها      تفـر كأمثــال النعام الشوارد
صهابية العثنون وجنــاء حائل      وتشـرد كالسكران إذ ظل شارد
تمل هداك الله مني رســـالة      إلى خير من يجلس متكي عل المساند
إمام الهدى عبد العزيز أخو الندى    مذيـق العدا كأس الردى في الموارد
أما قصيدته الأخرى فهي:
أول بادي مانقــــول        صـــلاة على الرســول
عدد من لزم الحـــجول        يطـوف بالبيــت الحـرام
والـثاني جانا نضــــاد        بكتـــاب فيه الجهــاد
قربنا جيش جــــيـاد        يشــــبه لجول الــنعام
ما شري من بيـــت المال        مـخــتارينه في الــحلال
ركبه شيــبان وعيــال        بامـتـــثال أمر الإمــام
أول زهـابه في بيـــشة         أربعة أريل من العيشــــة
تقدم خالد في جــيــشة        مـتـــغانم أبها قـــدام
ما قصـر عبدالوهـــاب        أبرق لهــم في الـــزهاب
أظـهر مدحه يالنجــاب       إذا لفـــــــيت الإمام
ملفانا في أبها عـــــسير     صـــخن عـــلينا الأمير
رضــينا بأمر القديـــر       تـــسلـــيم لأمر العلام
وبعد مانـــزلنا البيـض        تــــوفي ذاك الــمريض
والدمـع مني يفيـــيض        مــن مـوت الليث الصمصام
يا قبر ياللي ملــــحود         دفن فــــيك معدن الجود
ومدبر حمــر الجــرود        موته ثــلم في الإســـلام
وقايعه في الكـــفــار         ما تـخـــفى مثل النـهار
جعـله يــنجا من الـنار          يســـكن مع حور الخيام
فــنه غيث لليتـــمان         يـجري مصــروف العميان
يـخفي عطايا الإحســان        ويصــــلي والناس نيام
في قصـره حسو الرجــال       ينــقــض ملوي الحبال
أقـول إنه في الرجـــال        مــثل القـمـر في الظلام
يـبكونه رجال ســبـيع       لا جـا الــدهـر مابه بيع
كــم قد هجا من جويـع       بالشــــحم  فوق الطعام
يـــبكونه أهل الإسـلام       والمـــشـــايخ والإمام
والأرامـــل والأيتــام       والخـــــرمة تبكيه اشمام
الى ذكر بالخير خـــالـد        يكــتب في التاريخ مجاهد
غــيض الكافر والمعـانـد         واللــي يرتـكب الحرام
ذا قليــل من كثـيــر         من مناقــــب ذا الأمير
اللي في العـــالم شهـير        وشــــهودي كل الأنام
فلــما مات بعده عيـال        ليث من نسـله أشبال(16)
رحم الله الأمير خالد ولا أقول فيه إلا كما قال أبو تمام:
ألا أن في كف المنية مهـــجةً      تظلُّ لها عين العُلى وهي تدمعُ
هي النفس إن تبك المكارمُ فقدَها     فمـن بين أحشاء المكارم تُنزع

"مشايخ الإخوان في الخرمة"
      منهم الشيخ إبراهيم الحِجّي المطرفي الهذلي (بن حجي) الّذي كان يعلّمهم القرآن الكريم, وكذلك سليمان الحجّي, أمّا القضاة فقيل إنّ أوّل من جاء للخرمة منهم هو الشّيخ عبد الرّحمن بن عبد العزيز الرّشيد العجمي (بن رشيد). وكان صغير السّنّ حين قدم للخرمة, قيل كان قاضياً, وقيل بل واعظاً مرشداً والثاني أقرب . وقد قدم معه أخوه الأكبر العلّامة محمد الرشيد فقد أتى معه في بدء أمره للاطمئنان عليه, وكان أبوهما عبدالعزيز الرشيد قد قتل في وادي الرّمة في طراد الخيل بعد معركتي البكيريّة والشّنانة وكان من الفرسان البواسل, ويقال إنّه كان أوّل قتيل من جيش الملك عبد العزيز في الرّمة لمّا كانوا يطاردون خيل ابن رشيد والأتراك الذين معه (17) ومات وترك هذين الابنين الّذين سافرا من الرّس إلى الرياض مشياً على أقدامهما لطلب العلم! فكانا يقرءان مع جملة من الطلبة على عدد من المشايخ لكل فنّ شيخ, الأصل على عبد الله بن عبد اللطيف, والفقه والنحو على حمد بن فارس, والفرائض على ابن راشد, وحصّلا علماً غزيراً, حتّى قدم إلى الملك عبد العزيز وفد من الخرمة, فيهم عبد المحسن بن شاهين الشريف, واتّفق بهما أعني الشّيخ محمداً وأخاه عبد الرحمن, عبد المحسن بن شاهين عند أحد الأصحاب, رحم الله الجميع, وهو لا يعرفهما, فختم المجلس عبدالرحمن بقراءة شجيّة, فسمع قراءته عبد المحسن بن شاهين, فأتاهما وطلب من عبدالرحمن أن يأتي معه إلى الخرمة داعياً إلى التّوحيد, ومعرّفاً معلّماً له, وطلب من الملك أن يطلب منه ذلك, فكأن الملك عبد العزيز تصاغر سنّه, فقال عبد المحسن: نحن البادية كإبلنا تَحُنُّ إلى الصوت الجميل وتتبعه! وطلب من عبد الرحمن الذّهاب والنّقلة والسّكن معهم, فمال عبد الرحمن إلى ذلك, فسمح له أخوه الأكبر محمد, فأتى معه في البداية حتّى يطمئن على بقيّةِ والده وهو أخيه الأصغر عبد الرحمن, وأقبلت عليه قلوب الراغبين إلى ما دعا إليه من التّوحيد والرّقائق والزّهد في الدّنيا, والتّفقّه في الدّين, وحسن الخلق, والرّحمة بالخلق, وغير ذلك وتأثر به الأشراف والسّبعان من أهالي الخرمة, ومن جاورهم, وتزوّج أمّ أولاده من القريشات من سبيع, فلمّا أقبلت ثورة الرِّمَايةِ للحرب والفُرقان بين أهل الحقّ والباطل, وسمع بها أخوه محمد جاء إليه ليأخذه ويرجع به خشيةً عليه, فلمّا وصلهم وهم في البرّ, وتبيّن لهم مقصوده, وذكر له أخوه محمد مراده, إذا هو راغب ومرغوب, فقال لأخيه محمد: أنا على ما ترغب إن رغبت رجوعي معك وإن رغبت بقائي ولا أخرج عن  رغبتك . وقال لهما الّذين هو معهم من الأشراف والسّبعان: والله لئن ذهبت به لا يتأخّر عنه واحد منّا! لنذهبنّ معه لأيّ جهةٍ يتوجّهُ إليها! فلمّا رأى أخوه محمد ذلك رجع, وبقي عبدالرحمن مع الأشراف والسبعان ومن جاورهم, ثمّ نزل في حوقان لأنّ حوقان هو منزل الإخوان, وسائر الخرمة ومن خالطهم إلاّ القليل مع الشريف حسين والي مكة شرّفها الله, وعبد الرحمن على ما هو  عليه من القراءة والدّعوة ومحبّة المحبين له, ولم تزل قلوب أهل البلد ومن جاورهم من سائر القبائل على تقديره ومحبته وعدم مخالفته فيما يأمرهم به وينهاهم عنه, فمن ذلك أنّه إذا سمع أنّ أحداً منهم جرى بينه وبين أحدٍ اختلافٌ وشقاقٌ وتنافسٌ في أيّ شيءٍ, فإن كان قريباً منهم مشى إليهم, وإن كان بعيداً ركب حماراً وجاءهم, فإذا وصل إلى القريب أو البعيد اسبشروا به وفرحوا, فإذا تكلّم معهم امتثلوا ما أمرهم به, واجتنبوا مانهاهم عنه, بدون مراجعة لقوله, وزال ما في نفوس بعضهم لبعض وكانوا كأن لم يكن بينهم شيء .
       وكان هو كما ذُكر بعاليه رحمه الله حتّى توفّي راجعاً من الحج, أصابه مرضُ وفاتِهِ نهار خروجه من مكة واشتدّ عليه مدّة سفره للرجوع, ووصل إلى أهله, وهي زوجة ثانية أيضاً من القريشات, تزوّجها رحمه الله بعد وفاة زوجته الأولى أم أولاده, وتزايد عليه المرض, وكان أهله في شعبٍ من ضواحي البلد حتّى توفّي فيه, ودفن فيه وسُمي الشِّعب باسمه "شعب ابن رشيد" وكانت وفاته رحمه الله آخر شهر الحجّ عام (1354 ) (18) وتوفّي وهو شاب في الخامسة والثلاثين من عمره القصير المبارك, فلمّا توفي قدم أخوه محمد وباع النّخل, وأخذ ابنه عبد الله ورجع الى بلده "الرّس"  .
    ومن سيرة عبد الرّحمن في مدّة حياته أنّه كان يصلّي كلّ جمعة إذا كان في البرّ في جامع البلد صلاة الجمعة, وكان يعتكف في كل عام في رمضان, وكان ذا خلق جميل, يأسر الناس بحسنه ودماثته وسعة صدره وجميل أسلوبه وحلاوة منطقه رحمه الله تعالى . انتهى بتصرف بسيط من خط صهره الشيخ محمد بن سليمان الدميجي ( 1331_ 1415) رحمه الله تعالى .
ذمّ المنازل بعد منزلة اللوى     والعيش بعد أولئك الأقوام
    ولمّا علم الشريف بوصول عالم من علماء نجد إلى الخرمة وهو عبدالرحمن بن رشيد, رحمه الله, غضب وقال لشرطته: من رأيتموه في مكّه من أهل الخرمة فأتوني به . وكان محمد الطويل العبيسي قد قدم مكة لشراء بعض الطعام ومعه خويّ له من بني ثور من آل مرقب . قال محمد فيما يرويه عنه أخوه سيف رحمهما الله: فلمّا تجهّزنا للخروج إذ برجال الشريف معنا, فأخذونا إليه . فقال محمد: يا أبا علي نحن عيالك من أهل الخرمة, قد اشترينا بضاعة ونريد السفر إلى أهلنا, ورجالك قد منعونا من ذلك . فقال: نعم يا عيالي؛ أنتم جاكم نجس! أرأيتك إذا كان عندك ماء طاهر ثم سقطت فيه نجاسة, هل تشرب أو تتوضأ منه؟ والله لولا قبر عمي ماضي عندكم في حوقان لأفعلنّ ولأفعلنّ! فأخذ يزبد ويرعد ويتوعد ونحن نهدئه ونقول: لا علم لنا بما ذكرت, ونحن في السوق, ولا علاقة لنا بأهل حوقان, فأذن لنا بالخروج بعد ذلك .
     ومن مشايخ الإخوان القدامى القاضي دحيّم بن ناصر آل حسين, من وادي الدواسر كان في رنية, وكان يأتي للخرمة للإخوان .
     وكذلك أخوه إبراهيم بن ناصر آل حسين, الذي كان مقيماً في الخرمة وكان له مواقف عظيمة مع الإخوان, بل ربّما هو الأبرز على الإطلاق من مشايخ الإخوان كافّة الّذين كانوا في الخرمة, وهو كما يقال: الشّيخ الفارس(19) وقد عُيّن قاضياً من قبل الشريف الذي عزله فيما بعد, وقد غضب الشريف على الشيخ إبراهيم بن حسين لأنّه كان يدعوا للعقيدة السّلفيّة, وسجنه سنوات حتّى توسّط له خالد بن لؤي, حاله كما قال محمد الزبيري اليماني:


خرجنا من السجن شمّ الأنوف     كما تخرج الأسد من غابها

نمر على شفرات السيوف      ونأتي المنـية من بابها



ونأبى الحياة اذا دنست      بعسف الطغاة وإرهابها

ونحتقر الحادثات الكبار    اذا اعترضـتنا بأتعابها

ونعلم أن القـضا واقع     وأن الأمور بأسـبابها

ستعـلم أمتـنا أننا     ركبنا الخطوب حناناً بها

فإن نحن فزنا فيا طالما      تذل الصعاب لطلابها

وإن نلق حتفاً فيا حبذا     المنايا تجيء لخـطابها

أنفنا الإقـامة في أمةٍ     تداس بأقـدام أربابها

وسرنا لنفلت من خزيها    كراماً، ونخلص من عابها

وكم حيّة تنطوي حولنا    فنـنسلّ من بين أنيابها 

 والشّيخان إبراهيم وأخوه دحيّم من وادي الدّواسر, وطلبا العلم في نجد على يد علاّمة ذلك الزمان خالهما سعد بن حمد بن عتيق, وكان أهل الخرمة يدينون في العِلْمِيّات والمعتقد بالدّعوة السّلفيّة, وفي العمليّات بالمذهب الحنبلي, على طريقة أهل العارض, ولما عزل الشريف الشيخ إبراهيم طلب منه خالد إرسال قاض بديل فرفض, ووجهه لسلوم الآباء والأجداد الطّاغوتية! وقال: احكموا بسلوم آبائكم وأجدادكم, وبعد تمكّنِ الإخوان أرسل الشريف من قِبَلِهِ قاضي الضِّرار بعد قوّة شوكة الإخوان حتّى يأخذ له البيعة, ويكون قاضياً للإخوان لكنّهم طردوه  .
     ومن أخبار الشّيخ ابراهيم بن ناصر بن حسين؛ أنّ أحد أعيان الخرمة وهو نائف بن منصور وهو أخٌ للأمير خالد طلّق زوجته ثلاثاً على غضب, فاستفتى الشيخ إبراهيم فأفتاه أنّها قد بانت ولا تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره, فراجعه أنّه طلّقها على غضب, فأبى الشّيخ تحليلها له, فطلب منه أن يكتب لخاله الشّيخ سعد بن عتيق في الرّياض بالمسألة كتاباً, فأجابه وكتب له, وكانت هذه القصّة في الشّهور الأُوَلِ لتديّن الإخوان, وقد افترق الناس ولم يفصل بعضهم من بعض إنّما هو توجّس وحذر, فلمّا أصبح نائف سافر للرّياض, ومضى للشّيخ سعد بالكتاب, فلما فضّه غضب وطرده من المجلس, وقال: الشيخ إبراهيم حرّمها عليك, وجئتني من أجل أن أحللها لك! . فقام من عنده, فلمّا أصبح دخل على الإمام عبد العزيز وقال: إنّ لي عندك حاجة . قال: أبشر إن كنت أقدر عليها . قال: تستطيع ذلك, أريدك أن تلزم الشّيخ سعد بالفتيا في مسألتي . فأرسل الملك للشيخ أحد رجاله وقال: قل له: يسلّم عليك الإمام ويقول: من حقّي عليك أن تفتي نايف في معزّبته, أي زوجته, أهي حلال أم حرام؟ . فلمّا دخل الرّجل وسلّم وبلّغ سلام الإمام, قال مرحباً وسمعاً وطاعة ماذا يريد الإمام؟ قال: يريدك أن تفتي منصور في معزّبته أهي حلال أم حرام؟ . فتغيّر وجه الشّيخ وحوقل وحسبل, ثمّ اتّكأ على الجدار وقال: أُدخل يا نايف فدخل . وقال: أخبرني بطلاقك . فلمّا أخبره واستظهر نطقه للطّلاق وحاله ووقته . قال: يا معشوق _ خادم عبدالعزيز _ هذا الرّجل لا أريد أن أراه مرّة أخرى, وتجد الجواب صباحاً عند الإمام . ولمّا فتح كتاب الشّيخ وإذ فيه: إلى المكرّم ابن أخي إبراهيم بن الحسين .....بعد السّلام, أمّا بعد: رُدَّ عليه زوجته إذا رضيت بعقد جديد, واحتسب ما مضى طلقة واحدة .
     ومن أخبار الشيخ إبراهيم كذلك, أنّه لمّا مَرَّ ركب عقيل من جهة الشّريف, دخلوا المسجد الجامع يوم الجمعة, وبعد الصّلاة صعد المنبر أحدهم وهو العسّاف, وقرأ ورقةً من قبل الشريف, وفيها: أنّ سوق الخرمة كأسواق مكّة وجدّة والطّائف لا يُستنكر فيه الدّخان ولا غيره! . فلمّا نزل صعد الشيخ إبراهيم بن حسين, وكان عالماً فارساً يقود حُمْرَ السرايا, فلمّا استوى على المنبر نَقَضَ كلّ ما أتى به مرسول الشريف بالأدلة, ثمّ نزل . وبعد زمنٍ أرسل الشريف من يأخذ له البيعة من أهل الخرمة وألزمهم بذلك _ أو أنّها في نفس المرّة _  وكان ذلك في بدايات التديّن وشوكة الإخوان لمّا تشتدّ, فأخذ زمام المبادرة الشيخ إبراهيم وقال للإخوان: كونوا معي وسيفرجها الله . ثمّ قال لمندوب الشريف: نبايعه على الكتاب والسنة . فقال المندوب: إنّ الشريف على الكتاب والسنة. فقال الشيخ: إن كان عليها فالله ربّنا وهو إمامنا . ثمّ التفت للإخوان وقال: ألا ترون أنّ الله فرّجها, فما دام على الكتاب والسّنة, فلا يجوز الخروج عليه, ولكن أفعاله ليست عليهما.
     ومن أخباره كذلك: أنّه لمّا اشتد عُودُ التدّين في الخرمة, وانتشر في النّاس, طلب منه الإخوان أن يساعدهم في بناء مِسْهَرٍ لهم (20) وكان قد كَبُرَ وضَعُفَ فحمل الطين على رأسه , ولمّا تعب استأجر بديلاً عنه عاملاً يكفيه يقال له ابن مونس , ثمّ قالوا : أنشد ياشيخنا. فقال :
ما ذكر في الكتاب والسـنة         كود تســبـيلة قدام
وينك ياللي تريد الجـــنّة         التزم ذروة الســـنام 
     ومن مشايخ الإخوان الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن داود, شيخ الإخوان حين دخلوا مكّة شرّفها الله, جاء للخرمة من الرّياض في بداية الجهاد, وقيل بل بعد تربة, وكان شيخاً جليلاً مُهَابَاً حكيماً مربّياً عابداً, وتوفّي سنّة الحمّى فأصابته الحمّى الوبائية في تلك السّنة: (1356) فتوفّي, وكان ابنه محمد مريضاً بنفس المرض فأتاه من أخبره بوفاة أبيه ففاضت روحه فَدُفِنَا في وقت واحدٍ, رحمهما الله تعالى .
نزف البكاء دموع عينك فاستعر      عيناً لغـــيرك دمعها مدرار
من ذا يعــيرك عينه تبكي بها       أرأيت عـــيناً للبكاء تعار
وكان برنامج الشيخ عبد الرحمن بن داود اليومي, وتأمّل مَصْنَعَ الرجال والقادة:
      أنّه كان يقوم إذا انتصف الليل أو قبله بقليل, فيتوضّأ ويطيل الوضوء لأنّه كان مصاباً بمرض الصّدر, فيكثر السعال ويظلّ قرابة نصف ساعة على وضوئه من شدّة السّعال, ثمّ يَصُفّ قدميه لصلاة الّليل, وفي هذه الأثناء تكون زوجته حسناء العايد, قد أيقضت الطّلاب الّذين كانوا يسكنون مع الشّيخ في بيته مُلازَمةً لشيخِهِم, ومنهم محمد الدميجي, وصالح الفريج (21) في ثلّة من طلبة العلم, ثم يُخرج لهم القهوة والهيل من جيبة, ويتابع صلاته, والتّلاميذ بين قراءة وصلاة, وشيخهم قد نصب قدميه كالخشبة في ربعته يصلي صلاة طويلة, ثمّ يقبل عليهم عند المقهاة فيصبّون قهوته وهم معه, ثمّ يأمر ابنه محمداً فيقرأ عليه من حفظه غيباً قرابة ثلاثة أجزاء, حتّى أنّ الصّبيّ ربّما قرأ الجزء التّام وهو نائم من طول قراءته ودقّة حفظه, ثمّ يقومون إلى صلاة الفجر, وبعد الصّلاة يقعد في مصلّاهُ بين ذكر وقرآن حتّى ارتفاع الشمس, ثمّ يدخل بيته قرابة نصف السّاعة, ثمّ يجلس في بيته وقد اجتمع الناس, ويقرأ عليه الطّلاب متون العلم, ويبدأ درسه بشرح الزّاد ومعه نسخة مخطوطة لها أكثر من مئة سنة نُسخت بخطّ جميل وعليها حواش كثيرة, وأحياناً يقرؤون في المطوّلات, ويحضر الأمير مجلسه في الرّبعة ويستمع مع النّاس, وعند السّاعة الرّابعة ضُحىً (22)  يستأذنه الأمير للقهوة, فيذهبان لقصر الحكم فيقضي بين الخصوم إلى قبيل الظّهر بنصف ساعة, فيدخل بيته إلى الأذان فيخرج للصّلاة, ثمّ يجلس في المسجد لجرد المطوّلات عليه من قبل تلاميذه, بعدها يدخل بيته ويُلقي دروساً خاصّةً على كبار المجاهدين؛ أمثال صايل بن عيد, وعبد المحسن بن شاهين, في آخرين من مبرّزي الإخوان وقيادييهم, ويظلّ معهم إلى العصر, وبعد العصر يكون موعد العشاء, لا سيما إن كانوا مدعويّين لمناسبة فيذهب بمعيّةِ الأمير إليها, حتّى المغرب . وبعد المغرب تكون في بيته دروس في المطوّلات إلى صلاة العشاء, ثمّ يعود إلى بيته بصحبته تلاميذه, فيقرؤون عليه الفرائض والنّحو إلى قرابة السّاعة الرّابعة مساءً (23) ثمّ ينصرف لأهله ومبيته إلى منتصف الليل , رحمه الله تعالى .
   وكان الشيخ ابن داود وأربعة من المشايخ من بعده وهم الشيخ إبراهيم بن سليمان الراشد (ت: 1371) والعلّامة فيصل بن عبدالعزيز بن مبارك,صاحب المختصرات المشهورة (ت:1376) والشيخ محمد بن عبدالعزيز الرشيد ( محمد بن رشيد) (ت:1395) والشيخ عبداللطيف بن إبراهيم, هؤلاء المشايخ الخمسة كان لهم إسهام قوي ودور مهم في نشر العلم في الخرمة . (24) وقد تخرّج من هذه المدرسة المباركة, أو بالأحرى الجامعة؛ ثلّة من طلبة العلم, وإن لم يكونوا معدودين من الإخوان لكنهم تربوا على أيدي مشايخهم, وانتهجوا نهجهم, وقد نفع الله بهم, ومنهم:
    الشيخ سعد بن عبدالعزيز الحلّاف (مطوّع السوق) الذي كان مفتي الخرمة في زمانه, وإمامها وخطيبها في الجمع والأعياد والاستسقاء, وعاقد الأنكحة, وعضواً من أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, رحمه الله تعالى (25).
   ومنهم: الشيخ سعد بن علي التويم, الذي شغل منصب القضاء في تثليث, ثم في الخرمة, ثم في رنية حتى توفي بها رحمه الله تعالى, وقد كان بالإضافة إلى القضاء؛ مفتياً وواعظاً ومرشداً في البلدان التي تعيّن فيها, وكان للخرمة أوفر الحظ من ذلك عندما يأتي إليها في صيف كلّ عام . وكان من الذين يقرؤون عليه؛ الشيخ يوسف بن صالح العبيسي رحمه الله تعالى .
     ومنهم: الشيخ محمد بن سليمان الدميجي المشرّفي التميمي (مطوّع الهجرة) الذي كان له دور كبير ونافع في الهجرة وحوقان وما حولهما, وكان إماماً وخطيباً لجامع الهجرة وله دروس ومواعظ في هذا الجامع ما بين أذان العشاء إلى الإقامة كلّ ليلة, وقد عيّن عضواً في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بداية تأسيسها, ثم استقال منها خشية المسؤولية (26).
ومنهم: الشيخ صالح بن عبدالله بن فريج الناصري التميمي, الذي كان قاضياً في ظلم والدفينة ونِفِي والحنابج, وكان مجلسه عامراً بالعلم, ومعطراً بالسيرة النبوية, وقد نفع الله به في إزالة كثير من المنكرات في ظلم والدفينة إبّان وجوده فيهما, كما توسط عند الحكومة وبعض الأمراء لبناء مساجد كبيرة؛ كجامع الأمير سلطان في عفيف, ومسجد الدفينة القديم, وحفر بئر حكومية للشرب على نفقة الملك سعود رحمه الله . وكان للشيخ صالح دروس يومية في جامع الأمير سلطان بعد الفجر والعصر, وبين أذان وإقامة العشاء, إضافة لإمامته وخطابته له, ولمصلى العيد والاستسقاء في عفيف .
    ولا يزال الشيخ صالح وحتّى كتابة هذه الأحرف مستفاداً منه في الفتاوى عبر الهاتف, وفي دروس مسجد الحي الذي يسكنه في الرياض حاليّاً, أطال الله في عمره على طاعته, وأحسن له وللقارئ وللكاتب الختام (27).
    وممن أفادوا البلد في التعليم الشيخ ناصر بن حمد الراشد, وسعد بن رشيد, وسعد بن عبدالله الحجي, وعلي العدواني, ومحمد الحميدي, كلّ هؤلاء في مرحلة الكتاتيب, قبل إنشاء المدارس النظامية عام: (1370) رحمهم الله جميعاً .
     ومن مشايخ الإخوان في غير الخرمة, الشّيخ ابن بليهد شيخ إخوان حرب في القصيم, ومحمد بن عثمان الشّاوي الدّهيمي البقمي صاحب كتاب "القول الأسدّ" وصاحب القصيدة المشهورة في دخول الإخوان لمكّة وقد كان معهم حينها, وغيرهم مشايخ كثر رحمهم الله تعالى ورفع منازلهم في عليين.
      كذلك فقد ذكر علي الناقول وذعار بن مناحي رحمهما الله أنّ العلاّمة الشّيخ سعد بن حمد بن عتيق (28) كان مع الإخوان في معركة تربة, والله أعلم.
متى رُفِعتْ لها بالغور نار    وقرّ بذي الأراك لها قرارُ
فكلّ دمٍ أراق السيرُ منها    بحكم الشوقِ مطلولٌ جُبارٍ
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه.
للاطلاع على الحلقات الماضية اتبع هذا الرابط:
http://aldumaiji.blogspot.com/2011/12/blog-post.html
إبراهيم الدميجي
21/ 3/ 1433
@aldumaiji
.............................................................
(1)ولعل هذا التاريخ: (1206) هو أول نزول الأشراف الخرمة على أهلها السبعان, وربما أن الأمير لؤي بن غالب قد صحبه بعض قومه الأشراف من آل لؤي كعبدالله أبو شوارب بن لؤي – جد خالد لأبيه – وماضي بن هزاع بن لؤي – جد خالد لأمه, ويقال إنّه عمّ للملك حسين – ولعل ممن قدم معه كذلك صالح الحارث – أبو محمد وجد ناصر وغزاي وغازي – كذلك فقد أتى معه أخوه صامل, ويذكرون كذلك رجلاً يقال له زامل بن لؤي, ويقال إنه من أوائل الأشراف نزولاً الخرمة, وقد يكون نزولهم الخرمة قبل هذا التاريخ, والله أعلم . 
(2) الوطاة:  مَحِلّةٌ صغيرة في أسفل وادي سبيع تبعد عن الخرمة قرابة ثمانية أكيال شرقاً .
(3) القنصلية:  ماء لسبيع القريشات من أهل الخرمة, شرق الخرمة بمسيرة يومين قاصدين تقريباً, وهي الّتي كان فيها عبد العزيز بجيوشه لحظة وصول البشير إليه بفتح تربة .
(4) مجافر البنادق: مضارب الرّصاص .
(5) ومن أخباره رحمه الله:

يُقال: كان في الخرمة رجل مصاب بمرض عصبي ينتابه بين الحين والآخر, وذات يوم تشاجر مع أحد أقاربه وضربه, فأمر الشيخ بسجنه, ولم يأمر بضربه مراعاة لحالته النفسية. كما قيل: (مجنون وطِقّ بعصا). وبعد انتهاء مدة الحبس أُطلق, فمرّ بالأمير سعد وهو في مجلسه, فقال: إيه يا سعيدان, تعرف تحبس الرياجيل! فقال الأمير: ردّوه . قال الراوي: فظننا أنه سيضربه أو يسجنه مرة أخرى . ولكن الذي حدث هو عكس ما توقعناه, فقد دخل الأمير بيته وجاء بثوب وعمامة, وقد وضع في طرفها قهوة, وفي طرفها الآخر بهار, ومعها (ثلاثة أريل فضة) أي: ريالات, ثم قال: هاتوه, فلما حضر قال له الأمير: أنا ما حبستك, لكن اللي حبسك الشيخ لاعتدائك على ابن عمك, ولكن هذي كسوتك وقهوتك وشرهتك . فقام الرجل وقبل رأس الأمير, وقال: الله يخليك لنا ياابو نايف . فلما ذهب, قال أحد الحاضرين: يا لأمير: هذا مجنون . قال: خابر, حنّا ما ذبحنا إلا المجانين! والا العاقل بيرده عقله عنّا . ( ادفع باللتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) .
    ومن أخباره رحمه الله: ما رواه محمد بن الحسين الشنبري الشريف رحمه الله, قال: اعتمرنا مع الأمير سعد رحمه الله سنة من السنين,في يوم: ( 26 ) من رمضان, فدخلنا مكة بين المغرب والعشاء, ليلة: (27) محرمين ملبين, فلما توسطنا في الحرم, وقف الأمير وقال: يا محمد بن الحسين, يامحمد بن بعيجان, يافلان, ويافلان: أليس هذا المكان هو أشرف مكان في الدنيا؟ قلنا: بلى . قال: أليست هذه الليلة هي أشرف ليلة في السنة؟ قلنا: بلى . قال: فإنّي أُشهدكم بأن فلاناً وزوجته وعياله عتقاء لوجه الله تعالى . فقال أحد الحضور: لا يالأمير لكن أعتق بعضهم واترك بعضهم . فقال: اسكت, فإني في حرب مع الشيطان منذ هممت بهذا الأمر, فلا تعنه عليّ! ثم قال: واشهدوا أن عرينين من نخلي الدوّار مسقمات . (أي تسقى دون أن يؤخذ من ثمرتها شيء مقابل ذلك, والعرين ويقال له الشطيب: هو الصف الممتد من النخل من  أول البستان لآخره ) فلعلّ الله أن يعتقه من النار لإعتاقه لهم, ومن أعتق مملوكه أعتق الله كل عضو منه بكل عضو منه .
وفي سنة مجدبة قل فيها الحافر, مر أحد كبار الدولة ويقال له الجبرين معه بعض المسؤولين بخيمة سعد في الفلاة وقد أصابهم الجوع وهم في طريقهم من الرياض للحجاز, فاستقبلهم أحد مماليكه فرحب بهم وقرّب لهم كبشاً سميناً, فلما وضعه بين أيديهم قال: حياكم الله عند عمّي اللي إذا حضر كفانا وإذا غاب وصّانا, فدخلت كلمته إعجاب ابن جبرين فما زال يرددها حتى وصلوا الحجاز, ويقول: هذا المملوك, أجل وشلون سيده؟!. 
ومن شدة بأسه في الحرب وإقدامه فقد وُجد في مقدم جسده بعد معركة الخرائق تسع مضارب للرصاص ليس فيها واحدة من خلفه, وليس على أعقابنا يقطر الدمُ.
ويُروى عن الملك فيصل رحمه الله تعالى أنّه قال ذات يوم: لم نحكم الخرمة حقّاً حتّى زال عنها سعد بن خالد من شدّة اعتداده بنفسه واستقلاله بقراراته .
ولمّا حدث ما حدث بين الملك سعود رحمه الله والملك فيصل رحمه الله قال الملك فيصل للأمير سعد: بلغني أنك على"المردمة" تجمع الجموع عليّ . فقال الأمير سعد: أصلح الله الأمير, أنا على المردمة بإبلي وجماعتي وأقاربي وعبيدي, وليس عندنا شيء ممّا ذكرت, ولو أمر الملك سعود بحربك لكنت أنا أوّل من يرميك بالرّصاص! فغضب الملك فيصل, وقال: ولم ذاك؟ فقال: لأن في عنقي بيعة للملك سعود, ولم تسقط حتّى طرحها العلماء وألبسوك إيّاها . فزال الغضب عن وجه الملك فيصل وأعجب بكلامه وقال: هذا الولاء الذي نريد . توفي سنة: (1385) بالطائف, رحمه الله تعالى.
(6)  الحسو: بئر ضيّقة, لاطئة بالأرض, ليس لها جدار خارجي, والعادة أنها تكون ملحقة بالمساجد أو البيوت .
(7)  قمزان: هو حي آل حجي بقرب السوق القديم .
(8) قطان: واد يقبل من ناحية الجنوب الغربي شرقي جبل حضن, ويصب نحو الشمال الشرقي . وتكثر حوله البراث والبرقان والأودية الصغيرة والأشجار التي تزين رقعة الأرض, والسهول والحزون, ودونه قارة أم السباع والثويري وضعان ووادي "بطان" . قال الحطيئة:

عوابي بين الطلح يرجمن بالقنا      خروج الظباء من حراج قطان
وقال آخر:
إذا بلغ المطي بنا بطـانا      وجزنا الثعلبيّة والشقـوقا
(9) قال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الأوسط, وإسناده حسن, وحسَّنه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" فهو يغني عن الحديث الضعيف المشهور على الألسن: ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله).

والتوّسم: هو التفرّس . وفي التنزيل: ( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) أي: المتفرسين .
(10) المشلح: العباءة .
(11) أي أتجمّل وأختال .
(12) البابور: السفينة ذات المحرك . واللاتي لهن حنّة: السيارات .
(13) وكان هذا الشاعر صغيراً في ذلك الوقت, لكنّه غزا مع خالد غزوات الجنوب, يقول: كنت مع الصّبية نحرس الإبل ونطعمها في غياب الإخوان الكبار, الذين هجموا على قرية من القرى, فقلت لمن معي: ابق مكاني وسأذهب أستطلع أخبار القوم, فدخلت قصراً قد هرب منه أهله, فلمّا دخلته إذ شيخ كبير يستدفئ بنار قد أوقدها, ففزع لمّا رآني فقلت: سالم سالم - أي لن ترع - أين الدّراهم؟ فأشار إلى صندوق عنده, مقفل بالحديد, فأخذت الفاروع وضربت الصّندوق حتّى كسرته, فتهوّلتُ من كثرة الذّهب والسّلاسل والجنيهات فيه! فأخذت كيساً ووضعت فيه ما استطعت حمله, ثمّ عُدت لأصحابي الصّغار, فإذا البوارديّة - أي الرّماة - قد أقبلوا, وإذا معهم منير صاحب الذّلول الّتي أعتني بها, فقال: هل حششت للذّلول ياولدي؟ فقلت: الصبيان حشّوا لإبلهم وأنا جئتك بالذهب . وأريته مامعي فأخذه وانطلق بي إلى القائد سلطان بن بجاد وأخبرته الخبر ونثرنا له الكيس, ثمّ بعث من أتى بالصندوق, ففرح بأمانتي وعدّ لي عشرين فرانسياً, وأعطاني مثل غنيمة المقاتلة, أما بقيّة الصغار فرضخ لهم رضخاً . وكان هذا الرجل أي هاضل بن ناجي الثوري؛ يحمد الله أن يديه لم تلتطخ بدم مسلم قط, حتى في معاركه, كان يتجنب القتل . وهذا الشعور كان يجري في دم غير قليل من الإخوان خاصة في معارك الجنوب, وكانوا يتحرّجون من القتل, وممّا تناقلوه على سبيل الأسى والتفجّع ما حدّثني به  عمر بن سليمان الدميجي رحمه الله عن أحدهم, وسمّاه, قال: كنت في إحدى المغازي للجنوب, فلمحت سواد رجل بطرف عيني فالتفتّ فإذا رجل مستوفز وقد رفع عنّي البندقيّة ولو شاء لقتلني فلم يكن بيني وبينه شيء, قال: فالتففت عليه من الخلف ثم قفزت عليه وطرحته وبركت عليه, ولم يعقني طرحه فقد كان شيخاً مسنّاً, ثم أخرجت الخلب ( خنجر صغير) فرفعته فوق رقبته, فلمّا أيقن بالهلكة؛ أغمض عينيه وقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمداً رسول الله . قال: فطعنته فمات . قلت: رحمه الله تعالى فقد قتله ورعه وتقاه, وكان ذلك القاتل كثيراً ما يبدي ندمه على ذلك الفعل, والله المستعان .
(14) وهي مركز تموين جيوش الشّريف سابقاً .   
(15)  خرّج الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: قَال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبداً، ومن شرب سماً فقتل نفسه فهو يتحسّاهُ في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) والملك فيصل لم يكن ليفعل ذلك لكنه من باب الضغط على والده, ولبيان شدة امتعاضه من القرار .

   (16) وتمام القصيدة:
سعد بانت لـه أفـــعال        في الـــسيد وأهل التهام
أولهـــا كون المظــايا       مـع ترويحـــات العشايا
والمــحصــب جا بلايا        كم طــــريح ماقد قام
والآخــر من ورى بيـش        هي مبــــتدانا بالجيش
والحـجر وابو عريــش          والزخـــمية جت هدام
واكوان .... في العيــد         مـنـها السـيد جا شريد
عنـد الجـــبل ذا فريد          نـــزل مـهدي للسلام
أبذكر لك أهــل الوديان        وامــدح جـموع السبعان
نعـم والله يالاخــــوان      أهـل اليمن واهل الشــام
وابو لعثة في قحــطــان      وابن مشـــيط في شهران
والمــدحمي مع جـرمان       واولاد زايـــــد قدام
واهل بيشة والبقــــوم         واهـل المواتر عمـــوم
قـبلــهم فهد مـلزوم         لهــم تثـــنات السلام
نعـم والله ياهل اللنــج          تقـول شــاربيـن بنج
طشوهم طش الشطــرنج       طــقـوهم طــقة ادهام
قــوم مقودهم فــراج        ماهـابوا ضــرب الأمواج
شـجاعتهم ماتـحتــاج       الحـــق فيــهم يالفصام
يالله ياوالي العــــبـاد       ياللي تحــــكم في الميعاد
ارفـــع مقام الاجــواد      وارفـــع مــقام الحكام
خمسة شهور في الغـــور       في دار بـــردها نـــور
أرض الوبــا والدبــور       مــــاها وبـاء واسقـام
صــبرنا صبر الرجــال       بلغنا مشــــــكل الحال
والزهــادة في النــوال        الله يبـــــــيح الإمام
أحد ميّت واحــد حـي      والغـنــــيـمة راحت فيّ
للمــشايخ وابن لـوي       صـــــدق هذا في الكلام
والـمزهب مد بخيــس       كـــل أربعين في كيــس
ملــكنا ما هو فلــيس        أبرقوها للإمـــــــام
ويدامه من ربع ريـــال       يهدونه للـــــــرجال
معروف من بيت المــال      هــــــذا مانراه انـعام
الله أكبر يالإخـــــوان     هذا نــــكر في الزمــان
شـحذتكم لابن سليمــان     رز ما علـــــــيه ايدام
أبو تركــــي لو دريت       بالزهــادة ما مـــديت
جــودك راسي على بيـت      محــــد مثلك في الإكرام
ترانا أهـــل التوحـــيد     سـيــف لك ضربه سديد
مـا نستحق الزهـيــــد      كـــرام وابــناء كرام
يانـديبي على حــــيل         خـفف لـهم في الـمشيل
لا تلهيهم في المقـيــــل       واســر في ليــل الظلام
مر ابن معمر مقيـــــال       فانه ملـــــفى للرجال
قد جاله في نجران أفعـــال      في تاريخ ابن غـــنــام
عقـــب اربع ممســـاه     عنـــد اهل وادي الميـاه
وادي ما يحـــــمك ماه      جعله يـســـقيه الغمام
بدو من ربع هـــــذال       عـــندهم سلوة البـال
في ســرح كله اظــلال       يعدا لك بالكـــيف شمام
عقبهم ممســــاك البلاد      هي ادنا نبــت الاجــواد
رنية حط بها الشــــداد      غـرس نبـــته في عـدام
أهلها يقرون الضيــــف      أهـل بن واهـــل كيف
أهل دار لاجاها الضــيف       يخــتــلط الغرس بجهام
أرض عذا فيهــا قــوز       ما باعوا خضــــرة الموز
مشتاهم خشم طــرعوز       والاحـوضي في العـــدام
دار فيها قد نشـيـــت       ودي فــــيها قد مشيت
وآخر واول مانقـــــول     صـــــلاة على الرسول
عد من لزم الحجــــول       يطوف بالبـيــــت الحرام
"عَتَبُ الأحبّة":
 يعتب البعض من رفقاء الدّرب وقدماء الأصحاب وأصفياء الإخوان, خاصّة من سكّان الخرمة على خالد؛ أخذه لنخيل وإبل وبيوت بعض أهل البلد خاصّةً من بني ثور, وإعطاء هذه الأموال لغيرهم, مع كونهم قد عادوا لبيضة الدّين, وتديّنوا مع الإخوان, وهذه هي أكبر ما ينقم بها بعض الناس عليه إلى هذا  الزمان. ويُجاب عن ذلك بأمرين:
 الأوّل: أنّ هذا التّصرف لعلّه كان بأمر وقضاء القُضاة كالشّيخ ابن حسين وابن داود, وليس من رأي نفسه . ويكدّر على هذا الظن أن هذا التصرّف قد انتهجه بعد معركة حوقان, فهل كان ذلك برأي الشيخ ابن حسين ذلك الحين أم لا؟ .
 والثّاني: أنّ هذه الأموال حينما صُودرت من أهلها, كان أهلها لحظة الحكم بمصادرتها في حكم المحاربين المرتدّين عن الإسلام _في نظر جمهور الإخوان_(*) حلالي الدّم والمال, لحربهم الموحّدين, ومحكوم عليهم بالكفر, فصودرت تلك الأموال وصارت فيئاً للمجاهدين, ومن ثَمَّ قُسِمَت حسب القسمة الشرعية, ولمّا عاد أصحابها السّابقون, عادوا للإسلام من جديد بأموال مستأنفة معهم, أمّا ما مضى فقد قسم وانتهى, ولمّا طلب منه بعض الأكابر ردها, تعلل بأن المقاسم قد استنفذتها _ ولو أنّه تركها لهم في البدء كان أولى _ والله أعلم, وفي الحديث المرفوع: ( وما أخطأك لم يكن ليصيبك ) (**)
 ومسألةُ أموال المرتدّ مبسوطة في المطوّلات الفقهيّة, فهناك من يقول:
 بأنّها فيء, وفريق آخر يقول: أنّها تقسم على ورثته, وفريق ثالث يقول: بحبسها حتّى يعود صاحبها أو يموت . والقاعدةُ المضطردةُ أنّ حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يحسم الخلاف, بمعنى أنّ الحاكم إذا أخذ بقول فقهيّ مُعتبر فلا يُفتأت عليه بخلاف بل يكون اختياره قاطعاً لدابر النّزاع, والله أعلم . (***)
قال بشار بن برد:
إذا كنت في كلّ الأمـور معـاتباً      صـديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أو صــل أخاك فإنّه     مقــــارفُ ذنبٍ مرّة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مِرَاراً على القذى     ظمئت وأي الناس تصفوا مشاربه
 (*) في رأي السّواد الأعظم من الإخوان, بناء على فتاوى علمائهم, لذا فقد كان الشيخ عبدالرحمن بن داود رحمه الله إذا أُتي إليه برجل فقال: برئت منه الذمة . فإن الأمير خالد يأمر بقتله مباشرة. وعلى كل حال, فنحن ننظر لهذه المسألة ونحن نعيش الأمن والسلم والرغد, وقد نرى أموراً وتخفى عنا أمور, أو خلفيّات, أو وقائع, أو أحداث, أمّا هم فكانوا يعانون ويلات الحروب, ويصطلون بنارها, ويكتوون بحرّها, وتدهمهم الأمور الكبار, وتتطاحن بين أيديهم وعن أيمانهم وشمائلهم الفتن العميّة, فصدروا عن ذلك بفتاوى حاسمة, وبمسؤولية تامّة, إذ هم قد بلغوا من العلم بالشرع والحال ما يؤهلهم للقيام بهذه المهمات الجسام . رحمهم الله تعالى . وقديماً قيل: إذا لم تقل الحق, فلا تقل الباطل .
(**) رواه أحمد .
(***) في رسالة للملك عبدالعزيز بتاريخ: (1347) موجهة لفيحان بن صامل الشريف أمير رنية في وقت الشريف وأقرّه الملك عبدالعزيز على إمرته: (....ورد علينا السبعان هم ورجال خالد بسبب مشاقتهم _ أي خلافهم _  هم وخالد, وأحضرناهم عند المشائخ, ولا صارت لهم حجة شرعية, إنما هي علوم خبلة! وعلوم بدو! ثم بعد ذلك طلب السبعان أن نتوسط بينهم, ونمضي عليهم بما نبي, وقلنا لهم: ما فات راح, منكم ومن خالد, وعاهدونا إن دربهم درب خالد على حكم الشرع, والأمور الفايته مطروحة وميته....) (لسراة الليل: 173) .
(17) روى أبو داود وصححه مرفوعاً: (ومن قتل دون أهله فهو شهيد) ومعلوم فجور الترك بالجزيرة.
(18) أهل الخرمة يؤرخون بسنة الحمّى الأولى: (1355) ثم سنة الحمّى الثانية: (1356) والشيخ عبدالرحمن توفي في آخر: (1354) وهو أول من مات من هذا الوباء, ولحقه بأيام: سليمان بن صالح الدميجي في حوقان, ثم سمرة في السلمية, ثم هب الوباء في الناس, فصار طاعوناً فلم يبق بيت في الخرمة إلا مات من أهله, بل وبعض البيوت سكرت أبوابها لموت جميع سكانها, وإذا أقبل المساء رأيت الكثير من الناس قد اتكؤا على جدران بيوتهم من الخارج, مخلفين أحباباً لهم قد ماتوا في الداخل ولا يستطيعون تجهيزهم, لأنهم على وشك اللحاق بهم من الحمّى! ولعلّ هذا الوباء قد جاء مع الحجاج  بأمر الله تعالى, أو أنّه من الغيْل وهو الماء الراكد في وادي الخرمة فتكاثر عليه البعوض فسبب الكوليرا أو الملاريا, وبعضهم يسميها الحمّى الصفراء, والله أعلم .
      وكان للأمير سعد بن خالد مواقف مشكورة في التعامل مع هذا المرض والموت العامّ, فكان يشرف على زيارة الأطباء للناس ويمشي معهم بنفسه, كذلك كان يمشي على بيوتهم ويأمر بغسل الموتى وحفر القبور التي شقت على الصحاح, لكثرة الموتان! والله المستعان, وفي البخاري في كتاب الجهاد: (باب: الشهادة سبع سوى القتل ) وساق حديث أنس رضي الله عنه, قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الطاعون شهادة لكلّ مسلم ) .
(19) في الخرمة كان الناس لا يطلقون كلمة شيخ إلاّ على من كان قاضياً, أما الواعظ والمرشد والمعلم فيطلق عليهم مصطلح: مطوّع .
(20) المسهر: هو البرج الحربي من طين أو حجر ونحوه .
(21) ويقال: إن الشيخ صالح الفريج لم يسكن عند الشيخ ابن داود مع من سكن عنده من طلبته, والله أعلم .

(22) الرابعة ضحى بالتوقيت الغروبي تقارب العاشرة صباحاً بالتوقيت الزوالي .
 (23) قرابة العاشرة مساءً بالتوقيت الزوالي .     
  (24) استطراداً: يقال إن الشيخ عبدالله الخليفي رحمه الله تعالى  إمام الحرم المكي قد أمّ في أحد مساجد الخرمة نحواً من سنتين: (1360-1361) .
 (25)  رُئيت له منامات طيبة, منها أن أحد أصحابه كان نائماً في البر عند إبله, بعيداً عن الخرمة, وكان من الصالحين ولا نزكيه على الله, فرأى في منامه: أن السماء قد فتحت, ومناد ينادي الحلّاف أو يذكر اسمه, أو نحو هذا, قال: فقمت من فوري فنزلت البلد فإذا جنازة الشيخ سعد الحلّاف تغسّل, رحمه الله تعالى . وقد وافقت رؤياه وقت رؤيا أحد أصحابه في الخرمة بمن يبشر الحلاف بالجنة .
    وقبل وفاته بقليل توضئ فأحسن الوضوء بمساعدة ابنته ثم صلى ركعتين فمدت عليه ابنته علاجه فقال: يابُنية إني راحل إلى ربي, وإني إن شاء الله قد أفلحت, فألحت عليه بالدواء فقال هاتي حبة واحدة مع مذقة لبن تطييباً لخاطرك, وبعدها اضطجع وتشهّد وفاضت نفسه, رحمه الله تعالى .
   ومن حرصه على مدارسة العلم فقد كان بينه وبين الشيخ محمد الدميجي ساعة أو نحوها وقت الضحى, يتدارسان العلم, فإما ذهب الأول للهجرة, أو الثاني للسوق, رحمهما الله تعالى .
(26) كتب ابنه الشيخ عبد الرحمن كلمات في سيرة والده نقتطف منها ما تيسّر مع بعض الزيادات, قال رحمه الله تعالى:
      أما نشأة الوالد رحمه الله فقد نشأ في الخرمة. وكان مولده في عام: (1331)ونشأ الوالد في ظل والديه مع أخيه وأخواته في بيت عز وكرم, واستفاد الطفل من والده الصبر والعمل الجاد منذ الصغر, وكانت الحياة السياسية في عهد طفولته غير مستقرة حيث كانت بلدته الخرمة تابعة للأشراف بمكة, ثم تغيرت بعد تولي خالد بن بن منصور لؤي الأمارة عليها ومعاداته لشريف مكة ثم الحروب المعروفة .
     وأما صفات الوالد الخَلْقِيَّة؛ فهو رجل مربوع القامة, جهوري الصوت, يحترمه من يراه لأول وهلة, وأما صفاته الخُلُقِيّة؛ فكان محباً للخير وأهله, مبغضاً للشر وأهله, لا يخاف في الله لومة لائم, شديد الإنكار على أهل المعاصي والمنكرات,  يحب في الله, ويبغض في الله, لا يخشى أحداً إلا الله, ولا نزكيه على الله, وكان مشهورا بالصدع بالحق والإنكار على أهل المعاصي والفجور .
    أما طلبه للعلم؛ فقد وفّق لطلبه منذ صغره؛ فقد رحل في صغره للرس لطلب العلم على شيوخه, ثم انتقل إلى عنيزة لطلب العلم على الشيخ عبدالرحمن بن سعدي يرحمه الله . ولكن والده لم يطق صبراً عنه, فأعاده للخرمة بعد شهرين أو ثلاثة من سفره, ثم طلب العلم بالخرمة حيث طلب العلم على ثلاثة من قضاة الخرمة وهم: الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن داود قاضي الخرمة في ذلك الوقت، ويعدّ شيخه الذي استفاد منه كثيراً حيث لازمه ملازمة تامة في الليل والنهار, ودرس عليه علوم الشريعة واللغة العربية .والثاني هو الشيخ إبراهيم بن سليمان آل راشد حيث استفاد منه الوالد كثيراً ودرس عليه علوم الشريعة واللغة العربية . والثالث هو الشيخ فيصل بن مبارك, حيث درس عليه علوم الشريعة . وغيرهم من المشايخ وطلبة العلم في وقته . ثم تولى ﺇمامة مسجد حوقان، ثم ﺇمامة مسجد الهجرة بخطاب من الملك سعود بن عبد العزيز يرحمه الله بأمر من والده الملك عبدالعزيز يرحمه الله حيث ولّاه إمامة المسجد المذكور وفتح مدرسة لتعليم القرآن الكريم وعلوم الشريعة وعلوم اللغة العربية حيث استفاد منها الكثير من طلاب العلم  قبل فتح المدارس الحكومية, وأذكر منهم على سبيل المثال فيصل بن منصور بن لؤي, وابنه سليمان بن محمد الدميجي يرحمه الله, وكاتب هذه السطور وغيرهم كثير.
    ومن أخباره رحمه الله: أنّه ركب معي ونحن قادمان من الرياض, فشرع في الفاتحة مع نزولنا من "ديراب" واستمر في القراءة عن ظهر قلب بلا انقطاع فلم نصل شعف _ وهو ضليع قبل الخرمة بنحو: (30 )كيلاً _  إلا وهو يدعو دعاء الختمة . وبي الخرمة والرياض قرابة: (700 )كيل .
     ومن شجاعته في الحق: أنّه كان في مجلس يضمّ الأمير سعد بن خالد, وبضعة رجال, وكان بين سعد وأحدهم خصومة ثم إن سعداً غضب غضباً شديداً وسبّ الرجل مسبّة موجعة, ولاندري هل هي موجبه لحد في ظهره أو في مادون الحد, وكان في المجلس الوالد المطوع ثم انفض المجلس, وتفرق أهله فلحق الأمير سعد بالمطوع ودخل عليه منزله وقد خاف من حكم القاضي, وقال: احذر أن تشهد للرجل إذا طلب شهادتك, فإن شهدت علي فسترى ما أصنع بك, وتوعده وهدده! . وكان سعد عفا الله عنه, مشهوراً بقوة بطشه وشدة سطوته . فقال المطوع بكل هدوء: يا سعد: أمّا خصمك فلن أذهب إليه وأخبره بشهادتي, فهو يعلم بشهودي ذلك المجلس, ولكن إن طلبها مني فو الله لأصقعك بها في رأسك (أي لأضربن بالشهادة رأسك) فأنت الظالم, والشهادة والله لا أكتمها ولو فيها قطع رأسي! وفعلاً جاء طالب الشهادة في اليوم التالي, فوجدها جاهزة فذهب معه للقاضي وأدلى بها . وفي المساء جاء الأمير سعد فدخل عليه وسبه سباً شديداً . فلم يجبه إلا بقوله: يا سعد لعلمك ترى ما انتظر من شهادتي مدح ولا ذم, لا منك ,ولا منه, ولا انتظر ذخرها إلا من الله وحده, وأما غيره فما علي منه,  وبعد مدة من الزمن, جاء سعد فدخل عليه وقبل رأسه واعتذر وقال: بيّض الله وجهك يا ولد سليمان ما حسبت حساب الخلق . وللعلم فقد كان بينهما محبة شديدة متبادلة, ومصاهرة فقد كانت أخته هيا زوجة لسعد وأنجبت له نورة, رحمهم الله تعالى .
     ورعه الدقيق: لم يكن يلبس الثياب الملونة في الشتاء, لخشيته أن يكون فيها حرير ولو من بعيد, وقد كان في الشتاء يلبس ثوبين أبيضين فوق بعضهما وقماشهما من الساحلي " البفّ" وهو  القطن المصري الصافي . وقصة ذلك: أن ابن بشيّر _ وكان من طلابه _ وكان يقرأ عليه يومياً بعد الفجر, فأراه طاقة قد جلبها من تلك الثياب الملونة وهي من قماش " الدوبلين " وكانت ناعمة, وكان الناس قبلها يلبسون ثيابا من قماش " التترو " الخشنة . فقال المطوع: أخشى أن تكون هذه النعومة هي نعومة الحرير, ولكن سأفحصها لك, وكانت بين يديهما نار القهوة, فقصّ المطوع قطعة صغيرة من القماش ثم أدلاها من النار بدون أن تمسها فذابت وانماعت, وقطّرت على القماش, فقال المطوع: عزّ الله إن قماشك بريئ من الحرير فالحرير يرمد ولا يذوب, ومع ذلك فلن يمس جلدي منه شيء . فأعطاه أم سليمان " زوجته" رحمها الله وقال: يا حصة قطّعيه لعيالك, وأما أنا فلا تفصلين لي منه شيء واتركيني على ساحليي الأبيض.
   قال خالد بن حسين بن خالد حفظه الله: أتيت للمطوع الدميجي بقهوة وهو في المسجد وبجواره صاحبه محمد بن بعيجان, وحينما مددت له الفنجان ومددته له ردّه, وقال: لا تمد قهوتك لي! ثم مددته لخالي محمد بن بعيجان فقال: وأنا كذلك لا تمدها لي! قال فقلت: علامكم علي يا ابو سليمان؟ فقال: بلغنا أن في بيتك تلفزيون. قال: فركضت لبيتي فأخرجت التلفاز وضربت به الأرض, ولم أتركه حتى هشمته, وأتيت بكسره إليهما _دليل توبتي_ فقال المطوع ووجهه يتهلل: الحين طاب كيفك يا خالد, صب لنا من قهوتك.     
ومن إنكاره للمنكر: عقد أحد المشايخ عقد زواج, وكان ولي المرأة الذي جرى العقد على يديه ليس هو أقرب ولي, بل كان دونه من هو أولى منه, فأرسل مباشرة لذلك الشيخ العاقد مخبراٌ له ببطلان العقد المذكور, لعدم جريانه على الصفة الشرعية المعتمدة, وطلب تصحيح العقد وهو ما كان .
      ومن حرصه على نصح الناس: لما طلّق وظاهر أحد جيرانه من زوجته, فقال لها وهو غاضب: تراك طالق ثم طالق ثم علي مثل أمي! جاء له يستفتيه, فأحاله على الشيخ محمد بن رشيد رحمه الله في الطائف, فسافر إليه واستفتاه, فأفتاه بكفارة الظهار بعتق رقبة, فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين, فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا . فقال: إن رزقي قائم على السفر وأنا جوال في الأرض " كداد " ولا أطيق صيام الشهرين متتابعين . فقال الشيخ: إذن فأطعم ستين مسكينا . فأطعم وعاد للخرمة وسمع المطوع برخصته فناداه ونهاه وقال: لايجزئك  الإطعام فأنت تطيق الصيام فأنا عالم بحالك, ومدخلك ومخرجك . فرفض الرجل طاعته في تلك الفتوى وقال: أنت الذي أحلتني على الشيخ محمد وهو الذي أفتاني, فقال المطوع: يافلان: أخشى أن ترى غبّ ذلك في عيالك .
    وكان رحمه الله ذا همة عالية وصبر وجلد, وكان قوياً وحازماً في تعامله مع طلابه ومحاسبتهم على التقصير سواءً في الحفظ أو المتابعة, وكان يضرب ضربا مبرحاً عند الخطأ أو التقصير. وكان يرحمه الله يحبه من عرفه وكانوا كثيري الثناء عليه بعد مماته فلا يسمع له ذكر إلا قرن بالدعاء له بالمغفرة والرحمة, وكان زاهداً في الدنيا كريماً, وكان بيته رحمه الله مفتوحاً لمحبيه وزائريه والمحتاجين, وكان مجلسه بقصره بالهجرة مأوىً للقادمين من خارج الديرة لأداء صلاة الجمعة, حيث كانوا يتناولون القهوة قبل الصلاة وبعد الصلاة يعودون للقهوة والغداء .
      وكان يرحمه الله صبوراً, وظهر أثر ذلك بعد وفاة والده وكثرة الديون عليه، وحيث عمل بنفسه بالفلاحة رغم مشاقها, وكان يقوم بالتلقيح والتعديل والصرام والوزن مع أخيه عمر وأبنائه حتى يسر الله له إبرار ذمة والده من الدين خصوصاً بعد عمله ﺇماماً للمسجد فراتبه غالبا يذهب للدائنين مع قيمة التمور والحبوب من النخيل والمزارع .
     وكان يرحمه الله قانتاً كثير العبادة طويل الصلاة والتهجد وقراءة القرآن وصيام الأيام الفاضلة, بل قد سرد صيام ستة أشهر متتابعة ولولا أن عزمت والدته عليه بالفطر لزاد! وكان يختم القرآن في  رمضان يومياً, أمّا في شبابه فكان يختم مرتين؛ مرّة في النهار ومرّة في الليل, وقد كان حافظاً للقرآن الكريم ولا يكاد يخرم حرفاً من حفظه, وكان يقرأ بصوت مرتفع ندي حيث أعطي حسناً في الصوت أثناء القراءة .
     وكان رحمه الله كثير الخلوة بنفسه لعبادة ربه, وكان يختم القرآن كل ثلاث ليالي في غير رمضان .
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد     ذخراً يكون كصـالح الأعمال
     وكان كثير القراءة في الكتب الأخرى وله تعليقات على كثير منها,  وكتب منتخبات من تاريخ ابن كثير رحمه الله, وكان لا يمل من القراءة سواءً قراءة القرآن أو كتب التفسير والحديث والعقيدة واللغة العربية وغيرها . وكان فرضيا متقناً لعلم الفرائض والنحو والحساب مع غيرها من العلوم الشرعية والعربية .
      وكان يرحمه الله واصلاً لرحمه يزور والدته وأخيه وأخواته وأصدقائه ومحبيه .
       توفي عليه رحمة الله في الخامس عشر من شهر ذي القعدة عام: (1415) الساعة التاسعة مساءاً. وصلى عليه جمع غفير من أهالي الخرمة وغيرها ودفن بجوار والديه وأخواته في مقبرة حوقان بالخرمة, ورؤيت له العديد من المنامات المبشرة, نحسبه والله حسيبه, ورحمه الله وغفر له وللمسلمين .
وقد كنت أرجو أن أُمَلاّكَ حِقْبَةً     فحالَ قضاء الله دون قضائيا
ألاَ لِيَمُتْ من شاء بعدك إنّما     عليك من الأقدار كان حذاريا
وللعظه فكاتب سيرة هذا العلم قد لحقه ورحل عن الدنيا وهو ابنه الشيخ عبدالرحمن رحمهما الرحمن.
         قد كنت تكتب في التاريخ متئداً      وقد رأيتك اليوم في التاريخ مكتوباً
(27) لتلميذه الشيخ ندا العضياني, كتيب حافل في سيرة شيخه الشيخ صالح حفظه الله تعالى .

وسأنقل ما كتبه أحد أبنائه رحمه الله:
)                 صفحات مشرقة من حياة الشيخ عبد الرحمن بن محمد الدميجي(

                      الحزن يقلق والتجمل يردع    والدمع بينهما عصيّ طيّعُ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد :
     فهذه الوريقات ليست سرداً لسيرة ولا تأريخاً لزمان , بقدر ما هي إضاءات وإشراقات لرجل غاب عن عيوننا ولم تغيبه قلوبنا , وغرب جسده عن أبصارنا لكن ذكرياته ووصاياه قائمة مقامه , فلله دره من جبل أشم , ومعراج نور أتم , هو الأب والمربي والمعلم والداعية والمكافح والمحب
                       ما لاح برق أو ترنم طائر     إلا انثنيت ولي فؤاد شيّق
صنع جيلاً وربّى أمّة .
                       وإذا كانت النفوس كباراً    تعبت في مرادها الأجساد
    له جاذبية غريبة ومغناطيس عجيب لأفئدة الناس , كأنه لا أعداء له , فالمزارع والعامل والخادم والأعرابي والعالم والتاجر والذكر والأنثى ممن لهم أدنى خلطة به , يذكرون ذلك, ولعل هذا من قبول الله تعالى له ولا نزكيه على الله تعالى , وفي الحديث ( إذا أحب الله عبداً نادى : يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل وينادي جبريل في السماء : إن الله يحب فلاناً فأحبوه , فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول في الأرض (
                        كفل الثناء له برد حياته     لما انطوى فكأنه منشور
   تلك الليلة ليلة السبت الخامس عشر من جمادى الآخرة عام 1428هـ رحلت روح الحبيب وخلفتًنا في دار كلنا فيها غريب , لولا اليقين بموعود الله تعالى ورحمته وتثبيته لرحلت أرواحنا تاركة دنياها الأليمة, ولكنا نرضى ونسلم ونحمد الله على كل حال, وإنا لله وإنا إليه راجعون, وفي الحديث الذي رواه الحسين بن علي رضي الله عنهما عن أبيه عن جده صلى الله عليه وسلم : ( من أصابته مصيبة وإن تقادم عهدها فقال إنا لله وإنا إليه راجعون إلا أعطاه الله من الأجر مثل ما أعطاه على المصيبة الأولى ) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
                يا من يعز علينا أن نفارقهم     وجداننا كل شيء بعدكم عدمُ
وقال أبو الطيب :
              من لم يبت والحب ملء فؤاده    لم يدرك كيف تفتت الأكباد
    هذه حروف نبضها الفؤاد , ودفقها الشجن , وتأوهها الصدر , ليست مدوّنة جامعة , إنما هي محطات في حياة ذلك السخي الزاهد , والتقي العابد رحمه الله تعالى رحمة السابقين وأعلى نزله في عليين ووالديه وأهله ومن له حق عليه , آمين. 
    صدّرتها بكان , تسهيلاً للقارئ حتى لا يخرج من حديقة إلا وهو ببستان , ولا من روضة إلا لربيع أفيح .
    كان رحمه الله عابداً وله عبادات سرّ بينه وبين مولاه من صدقات خفية وركعات سريّة وغير ذلك من قرباتة .
    كان مجاب الدعوة في كثير منها , وكان الكثير يطلبون منه الدعاء لهم ويخافون دعاءه عليهم , دعا على أربعة نفر آذوه فمات ثلاثة منهم في زمن متقارب أما الرابع فأدركه وتحلله فأمهله الله تعالى .
    دخل صديقه المقرب إبراهيم العبيسي عملية خطيرة فقال قبل أن يخدر بالبنج : أوصوا الشيخ عبد الرحمن أن يدعو لي , وفعلاً كان في العشر الأخيرة من رمضان فوالله لقد رأيته مصلياً ورافعاً يديه الوقت الطويل يدعو ويلح بالشفاء لصديقه وبحمدلله أنجاه الله وشفاه .
دعت أمه فقالت : اللهم لا تذيقني حر عبد الرحمن فقال آمين وأنا بعد , فاستجاب الله دعاءهما فرحلت ولحقها مباشرة , قبله بجمعة رحمها الله تعالى , فقدمها بين يديه واحتسبها وقال : تمنّيت لو صليت عليها, والحمد لله على كل حال فلم يلبث بعدها إلا أسبوعاً رحمه الله .
   كان رحمه الله باراً بوالديه , ولم يطيّب نفسه بالسكنى في الخرمة إلا سكناهما فيها فبقي حتى توفيا رحمهم الله .
                قد كنت أشفق من دمعي على بصري      فاليوم كل عزيز بعدكم هانا 
   قبل وفاته بأسبوع في يوم جمعه ولما صعد الخطباء المنابر كان على السرير الأبيض لا يستطيع حراكاً , وقد ثقلت حركته, لكن قلبه كان حاضراً, فرفع لربه يدين أنحلهما المرض وأجهدهما الضنى, فرفع لمولاه كف الضراعة وحمد الله تعالى بمحامد عظيمة وأكثر من الصلاة والسلام على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال : اللهم قد اشتقت للقائك واخذ يكررها حتى خفض يديه مصلياً حامداً ذاكراً , ثم صلى الظهر والعصر ثم غفى , فعلمت أنه راحل.
    قال ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين : إن من أعظم منازل السالكين هي منزلة الشوق إلى لقاء الله تعالى ومنشؤها محبة الله تعالى وحسن الظن به وخبيئة من أعمال صالحة .
    كان رحمه الله صادق النصح للأمة فإن علم بأخبار سيئة للمسلمين ظهر ذلك عليه بل أثر على صحته ونومه ولطالما قنت قنوت النوازل لهم . 
    كان معظماً للتوحيد والسنة ولا أنسى بكاءه في خطبة في التحذير من وصية المزعوم خادم الحجرة النبوية.
   كان رحمه الله حريصاً على الدعوة إلى الله تعالى بكل سبيل يطيقه , بل لقد كان من أركان الصحوة المباركة في الخرمة حيث كان مديراً للمكتب التعاوني فيها منذ تأسيسه وحتى إنشاء إدارة الأوقاف , كما كان في المدرسة يحرص على جلب الدعاة والأخيار لنصح الطلاب وإرشادهم .
   تولى رحمه الله إدارة المدرسة قرابة ثلاثين عاماً تخرج على يديه الألوف من الرجال الذين يذكرونه بكل خير , وقديماً قيل : ما تركت الآباء للأبناء أعظم من أيدي بر وإحسان في أعناق الكرام .
   كان رحمه الله جواداً سخياً , يضرب المثل بسخائه ورياله ليس له كما يقال , وإن طلب منه شيء ليس عنده اقترضه وأمنه بالغاً ما بلغ .
                  ما قال لا قط إلا في تشهده     لولا التشهد كانت لاؤه نعم 
   سأله أحدهم سيارته ليذهب عليها مشواراً فوهبها له .
    طلبت منه إحدى العزيزات على قلبه مبلغاً وقدره خمسين ألف ريال ولم يكن عنده يومها إلا الديون التي يئن ظهره منها بعد بنائه منزله الجديد بحوقان لكنه بكل سخاء قال لابنه: يا فلان اذهب لفلان وسلمني عليه واطلب منه خمسين ألفاً , وفعلاً أرسلها لها مباشرة وبعد مدة أرسل لها بأنها في حل من ردها وانه يعتبرها هدية لها .
               ألا بلّغ الله الحمى من يريده     وبلغ أطراف الحمى من يريدها 
   أنفق الكثير من ماله في إصلاح ذات البين , له معاريف وأيد كثيرة في أعناق الكرام بل واللئام , فهو لا ينتظر منهم جزاءً ولا شكوراً , بل كما قيل : يعمل المعروف ويرميه في البحر , والموعد الله .
   قال لي أحد كبار السن في الحج : والدك عبد الرحمن أشبه الناس بجده عبد الرحمن الرشيد لولا حدّة في طبعه , كان يشبهه في شكله وطيبته وحب الناس له حتى حدته كان يغلبها بسرعة الفيئة رحمه الله تعالى .
   من اهتمامه بالدعوة إلى الله , لما كان الأقارب مسافرين للشمال عند حفر الباطن ولم يمضِ على نزولهم إلا يسير, فأصر رحمه الله على قطع سفره والعودة إلى الخرمة ليستقبل أحد المشايخ الذين دعاهم لإلقاء محاضرة في أحد المساجد , بل كان هو ممن يلقون المحاضرات العامة في البلد . وكان ابن باز رحمه الله تعالى يشكر له جهوده في الدعوة إلى الله تعالى ولما ذهب أحدهم لابن باز يريد النيل منه نهره الشيخ وقال: أنا أعرف عبد الرحمن الدميجي الداعية إلى الله لا تقل فيه إلا  خيراً.
   من مشايخه القدامى , الشيخ مناع القطان والشيخ صالح الفوزان حفظه الله تعالى وكان يقربه ويجعل القراءة عنده وكان من القلة الذين حصلوا على الامتياز في الفرائض عند الشيخ صالح في تلك السنة .
   كان المشايخ قد وضعوا العين عليه لما كان في كلية الشريعة لنبوغه ونزاهته فأرادوا ترشيحه للقضاء فأبى فرفعوه إلى الإمام الشيخ عبدالله بن حميد رحمه الله تعالى فأصر عليه فأبى واستعان بخاله عبد الله الرشيد رحمه الله حتى خلصه من القضاء .
   كان يختم القرآن في رمضان في أقل من ثلاث وكان صوته شجياً جميلاً لذيذاً تكاد سواري الجامع أن تتمايل مع نغماته إن قرأ أو أذن وبخاصة إن قرأ بحزن , وفي الحديث ( إن من أحسن الناس قراءة من إذا سمعته ظننت أنه يخشى الله ) . أو كما ورد .
   يقول أحد كبار السن : والله إنا لنصلي خلف غيره الصلاة القصيرة فتثقل علينا فإذا صلينا خلفه أطال الصلاة فلا نجد لها ثقلاً .
   كان يعتكف كل رمضان ويختلي خلوة كاملة في العشرين الأول حتى يدركه أصحابه في العشر الأخيرة, وقد بحث هذه المسالة حتى وجد كلاماً للسلف بمشروعية ذلك منهم ابن حجر ومن المعاصرين ابن باز .  
    أكرمه الله تعالى في إحدى ليالي العشر برؤية ليلة القدر فقد كان متوضئاً في السحر وذاهب لداخل المسجد ليوقض رفاقه فرأى في السماء شعاعاً أزرق أبيض كضوء اللحام ولا يشبه أضواء الدنيا واستمر برهة من الوقت ثم غاب.
   كان يختم بالمصلين في رمضان ختمتين الأولى ليلية سبع وعشرين والثانية ليلة تسع وعشرين. 
     في إحدى السنين دخلت ليلة الثلاثين ولم يختم الثانية وفي أثناء العشاء في المسجد بعد التراويح قال والده هذه السنة لم تختم الثانية يا عبد الرحمن , فقال :أبشروا , فبكر بالتهجد وقرأ ستة أجزاء أو نحوها في تلك الليلة وختم بها , وبعد الصلاة إذ حسين بن خالد رحمه الله يعاتبه على هذا التطويل فاقترب الصديق الوفي لوالده محمد بن بعيجان رحمه الله فشكره ودعا له أما والده فكان يبتسم وقد تحققت أمنيته بالختمة رحمهم الله تعالى . 
    وكان يصلي التراويح بأهل حوقان لما كان والده يصلي بالهجرة فيذهب بالدراجة من الهجرة إلى حوقان كل ليلة وقد وضع كتاب الوعظ على الكرسي الخلفي . 
    صلى بجامع الهجرة وخطب به نحواً من أربعين سنة . بل لقد خطب خطبتين في يوم واحد الأولى بالهجرة والثانية بجامع العزيزية حيث لم يكن له إمام في ذلك الأسبوع .  
    كان لدعائه هيبة ويحس من يسمعه بصدقه وكان يكثر من المحامد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .  
     كان لا يرضى بالظلم على أحد من المسلمين مهما كان ومن أي شخص كان بل ربما غامر بصداقة عقود من أجل إنكار منكر أو إزالة مظلمة فقد كان قوياً بالحق لا تأخذه فيه لومة لائم ولا ملامة عاذل .  
    كان جاداً في أموره ويأخذ نفسه الحزم ولا يدعمجالاً للفرص كما يقال , بل كان أحوذياً يعد للأمور أقرانها . 
     كانت له هيبة من بعيد وسهولة من قريب, كان طيب المعشر سهل الخلق دمثاً يعرف ذلك من عاشره .  
                     يُغضِي حياءً ويُغضَى من مهابته     فلا يٌكلَّمُ إلا حين يبتسم
     انتدب لدورة في مكة المكرمة لمدة ستة أشهر ومع ذلك لم يغب يوماً واحداً عن درس ولم يغب جمعة عن منبره . الجدية بحذافيرها والحزم مع النفس وأخذها لمعالي الأمور , فكان نعم الخليفة لوالده رحمهما الله وكان والده يقول: يافلان؛ إن جيت مثل أبوك ترى ما عليك خلاف.
            تهون علينا في المعالي نفوسنا     ومن يطلب الحسناء لم يٌغلها المهر
    كان قلبه أبيض من اللبن وقد حلل وسامح كل من اعتدى عليه بمظلمة من أي شخصكان وقال : اللهم كلهم في حل . وهذا يذكرنا بفعل الإمام أحمد رحمه الله لما عفا عن كل من آذاه وكان يقول : ما ينفعك أن يعذبه الله بسببك , بل يذكرنا بحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في الرجل المبشر بالجنة وكان أرجى عمل له انه كان لا يبيت ليلة وفي قلبه شيء على مسلم . 
    كان يذم نفسه ولا يراها شيئاً هاضماً لذاته منكراً لفضله , يذكرنا حاله بحديث عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن قوله تعالى : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ) فقالت : أما السابق بالخيرات فهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تابعوه والمقتصد هو من سار على نهجهم والظالم لنفسه مثلي ومثلك !!. وهذا من هضمها لنفسها وإلا فهي من أعظم السابقين بالخيرات.  
    كان صابراً على مرارة التعليم ثلاثين سنة, وكان جاداً حازماً لا يقبل أنصاف الحلول,    
     وكان قلمه ولسانه وجنانه جريئاً يهابه ولي أمر الطالب قبل ابنهقال عنه سعد بن عبد الواحد مدير تعليم الطائف السابق : إنه أحد أفضل ثلاثة مدراء مدارس على مستوى منطقة الطائف . 
   كان على شدة حزمه وهيبته عطوفاً على من يستحق العطف من الطلبة بل والمدرسين وجميع العاملين تحت إمرته , ولما استدعى ولي أمر أحد الطلبة المشاغبين ليحل مشكلتة دخل الأب غاضباً ولعن ولده ووالديه ! أي لعن نفسه! فهدّأ الوالد رحمه الله من غضب هذا الأب الطائش وصرفه ثم قرّب الطالب وقال : يا ولدي تراي أبوك في المدرسة وأبوك هذا لن ندعوه مرة أخرى رحمة به وبك .
     ومن أحداث التعليم أنه كان يوماَ في مكتبه في الإدارة فدخل عليه رجل كّثّ اللحية فقبل رأسه وقال : ألم تعرفني يا شيخ عبد الرحمن ؟ فقال : لا . قال :فلان الفلاني من طلابك سنة كذا جئت أستسمحك في كسري للزجاجة الخلفية لسيارتك الكابرس البيضاء في إحدى السنين , فضحك رحمه الله وقال : يا ولدي ما حملت عليك شيئا من تلك الساعة لأني أعرف جهل الطلاب وضعف أحلامهم .                 
                        ومن البلية عذل من لا يرعوي      عن غيه وخطاب من لا يفهم
   يقول أحد زملائه واسمه راتب مدرس الفيزياء : كنا نشرف في الفسحة على الطلاب وكنا نعاني من إدخالهم الفصول بعد نهاية الفسحة لتثاقلهم عن المسير وتضييعهم الوقت فشكونا ذلك له فقال : إذا دق الجرس فادخلوا أنتم واتركوهم لي . فلما دق الجرس قام على باب الفناء وبيده العصا فكأن الطلاب إصابتهم سكته وكأن على رؤوسهم الطير من حين خروجه فطأطؤا رؤوسهم وقاموا مباشرة لفصولهم وهو لم ينبت ببنت شفة لكنها الهيبة التي جلله الله إياها .   
              إذا بدا حجبت عينيك هيبته      وليس يحجبه ستر إذا احتجبا
     له هيبة عظيمة في المدرسة فيكفي أن يقال الدميجي فتنزل السكينة على أعناق الطغاة الجفاة.
    كان شأنه عجيب مع الناس فعلى قدر ما كان يهرب من خلطتهم وسلامهم ومن مقابلتهم والاستئناس بهم كانوا يلاحقونه ويشيعونه بالدعوات والمحبة , وهذه عجيبة من عجائبه رحمه الله تعالى . 
   كان يكره الغيبة وينهر من يغتاب عنده أحداً ويقول : فلننشغل بعيوب أنفسنا .في صغره درس في الكتاتيب في مسجد الهجرة على راشد بن عوض في البداية حتى يتعلم الهجاء وقراءة القرآن ثم انتقل للدراسة على الوالد محمد في نفس المسجد ثم انتقل للمدرسة السعودية وقبل في السنة الثانية وأكمل حتى السنة الرابعة ثم ذهب للرياض وسجل في التمهيدي.
    ونشأ عند خاله القريب لقلبه عبد الله الرشيد _نائب رئيس تعليم البنات سابقاً_ رحمه الله تعالى وخاله يعتبر والده الثاني حيث رباه واعتنى به أكثر من عنايته بأولاده وبادلَهُ الوالد هذه المحبة والمودة حتى رحلا رحمهما الله تعالى .
ومن أخباره مع خاله المفضال انه أثناء دراسته في شبابه أراد أن يتوظف , فقدم أوراقه وتسهلت معاملته ولم يتبق إلا توقيع المسؤول وهو خاله عبد الله ! . قال : فدخلت عليه في مكتبه وأنا كلي فرح وشوق للتوظيف والمرجلة ولما أخذ خالي الورقة وقلّبها نظر إلي بغضب ثم مزقها وقال دحيم تبي الوظيفة ؟! ما عندنا وظايف !! كان تبي تطلب العلم وإلا ارجع لبوك !. فتأثر تأثرا بالغا وبلغ الأسى منه مبلغه وعزم على الرحيل للخرمة وما كاد يصل البيت إلا وخاله قد أدركه وقد نزع عن وجهه قناع الحزم وأظهر وجهه الحقيقي الذي يقطر أبّوةً وحناناً وحباً ورقةً , وقال : يا ولدي , أبوك خلاّك عندنا وداعة , وأنت من عيالي ولا أبغاك تنشغل عن الدراسة , قال : فما استتم كلامه إلا وقد وانطفأت جمرة غضبي كأن لم تكن . 
   وكان يقوم بخدمة خاله والقيام بشؤون أهله وفي إحدى المرات وبينما هو راجع من أحد المهمات لخاله اصطدم بشجرة ضخمة وستر الله عليه والعجيب أن والده المطوع رحمه الله تعالى رآه في المنام وهو يصدم فلما عاد للخرمة وسلم عليه قال له مباشرة : أنت صادم ! . وليست هذه بغريبة على الوالد المطوع رحمه الله فلقد رأى أخاه عمر يسقط في البئر رؤيا منام في الوقت الذي سقط فيه أخوه في الحفرة ! وذهب مباشرة لحوقان ليطمئن عليه رحمة الله عليهما , كذلك فقد قال لي ذات مرة وهو يذكر رؤياه لانقلاب الخال عبد الله بن عمر بسيارته ومعه أولاده ولله كأني معهم اسمع بكاء الأطفال والنساء !
   نعود للوالد عبد الرحمن رحمه المنان فقد أعطاه الله تعالى نصيبه من الرؤيا والمنامات فكان كثيرا ما يرى أقاربه وأحبابه الأموات , وأعجب رؤيا في حد علمي أنه رأى قصره في الجنة وقصر والده وقصر أحد الصالحين , ولا يزال حياً وقت كتابة هذه السطور , فكان كثيراً ما يرى والده أو خاله أو خالته أو أخاه سليمان فقد رآه مضطجعا على بساط اخضر معشب وأراد بلوغه والجلوس معه فقال : يا عبد الرحمن ما تشوف النهر بيننا . أي لا تستطيع بلوغي الآن لأنك حي.
   ولما مات خاله عبد الله كان حزينا عليه جدا وذلك للديون التي كانت في ذمته ولما سددت القروض مر فترة طويلة ولم ير خاله فيها في المنام حتى كان يوم من رمضان دخلت عليه وإذا هو فرح مستبشر مسرور فقال : أبشرك يا ولدي شفت خالي في أحسن صورة , شفت عليه ملابس بيض وبشت ابيض وسلمت عليه وضمني بقوة وقال : الحمد لله تو ما ارتحت .
   اشرف على بناء جامع لأبيه بعد وفاته وأنفق فيه بسخاء بمعونة إخوته وأبناء عمومته وخطب فيه أول خطبه جمعة وسعد بها جداً لأنه رأى والده في المنام تلك الليلة وهو جالس في روضة المسجد , وقال لعلها دليل القبول إن شاء الله تعالى .وفي الحديث ( ذهبت النبوة ولم يبق منها إلا المبشرات , الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له ) وفسر بعضهم قوله تعالى ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) بالرؤيا الصالحة .
   كان رحمه الله تعالى زاهداً في الدنيا حيث كانت الدنيا في يده وليست في قلبه وكان لا يرد سائلاً , قيل للأمام احمد : أيكون الرجل زاهدا وعنده مئة ألف درهم ؟ قال نعم إذا كانت في يده لا في قلبه .
   كان كريماً جداً مضيافاً خاصة عندما كان في بيته في الحزم قبل أن يعتزل الناس كثيرا في آخر عمره , باختصار هو إناء مُلئ كرماً , قد ملأ السخاء جلده ففاض جوداً وكرماً .
                  تراه إذا ما جئته متهـللاً     كأنك تعطيه الذي أنت سائله
                 ولو لم يكن في كفه غير روحه      لجاد بها فاليتق الله سائله
             هو البحر من أي النوحي أتيته     فلُجَّتُه المعروف والجود ساحله
   كان يؤثر على نفسه بكل ما يملك قد برّأه الله من الشح ولا نزكيه على الله . كان عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه يطوف على الكعبة ولا يزيد على قوله : اللهم قني شح نفسي . فقيل له في ذلك فقال : ألم تسمع قول الله تعالى ( ومن يوق شح نفسه فؤلئك هم المفلحون )
   كان يحب الترتيب والتنظيم ويكره العشوائية , وكانت جُلُّ أعمال المدرسة الإدارية لا يكلف بها أحداً بل يكتبها بنفسه .
   كان عزيز النفس جداً ويأبى أن يطلب من أحدا شيئا ولو من أبنائه , ويلحقه الحرج الشديد والغم إن اضطر لذلك .
   كان ( جمعية بر مصغرة ) لما يقع على يديه من أموال المحسنين الذين يثقون به , وللفقراء عنده جداول وأسماء مرتبه ومخصصات فقدوها بفقده رحمه الله.
   كان محباً لأخيه سليمان محبة طاغية عليه ولا يمل من ذكره وأخباره والدعاء له .
   كان شديد الحزم مع نفسه ومع وقته ومع أبنائه وبناته ولا يدع مجالا للصدف بل يأخذ حيطته ويعد للأمور أقرانها خاصة في أيام نشاطه قبل أن تهده الأمراض
               تيقَّـن أن الله أكرم جيرة     فأزمع عن دار الفناء رحيلاً
              فإن أقفرت منه العيون فإنّه     تعوَّض عنها بالقلوب بديلاً
          ولم أر أُنساً بعده صار وحشةً     وبرداً على الأكباد صار غليلاً
            ومَن كُنَّ أيامُ السرور قصيرةً     به كان ليل الحزن فيـه طويلاً
   نظر إليَّ بعينين حزينتين في أيامه الأخيرة وقال : يا ولدي لا يضيع حفظك للقرآن تراي من مدة ما أقدر أراجع القرآن من مرضي . اللهم أجعلها آخر عنائه وعوضه عنه رضاك عنه يا حي يا قيوم .
  طالت معاناته مع أمراض عديدة من السكر والفيروس الكبدي وحمّى لا تكاد تفارقه وآخرها سرطان الغدد اللمفاوية نسأل الله بمنة ورحمته أن يجعلها شهادة له , فقد كان يطلبها كثيراً وفي الحديث : (من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه ) وفي الحديث الآخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المبطون شهيد)
 كان معظماً لـ : 
1- التوحيد ونشره وتعليمه .
2- السنة (ويحرص على إظهارها).
3- الصدقة ( ويحرص على إخفائها) .
4- الإصلاح بين الناس وبخاصة إذا كانت بينهم قرابة .
5- الأضحية والمغالاة في سمنها وثمنها .
6- الدعوة إلي الله تعالى.
7- الدعاء في كل وقت .
8- الاعتكاف . وفي أُخريات عمره كان يعتكف رمضان كاملاً .
9- تلاوة القرآن الكريم بصوته الشهي الحزين .
10- صلة الرحم حتى لو كانوا أصغر منه بعقود .
11- أما الصلاة فلم يكن محتاجاً لمنبه ينبهه لها فقد كان القلب بها معلَّقاً .
                 ماتت لفقد الظَّاعنين ديارهم      فكأنهم كانوا لها أرواحاً
                ولقد عهِدتُ بها فهل أُرَيَنَّهُ      مغدىً لمنتجع الصِبَى ومراحاً
   كان رحيماً عطوفاً خاصة على الأطفال والنساء والعمال والخدم .
  كانت العين سريعة إليه فكان كثيراً ما تصيبه العين من الناس , وقد أخذت له الأغسال من بعضهم فبرأ منها , وبعضها في علم الله تعالى .
  كان عفيف البطن واليد والعين , ويبتعد عن كل ما فيه شبهة .
  كان وفياً لأصدقائه وكان أقربهم لقلبه سعد العبنق الذي ترك الخرمة وهجرها بعد وفاة خليله وقال : معاد لي فيها مقعاد عقب عبدالرحمن !
 كان شديد المحبة والمودة والوفاء لزوجته أم عبدالله حفظها الله تعالى تعلَّقها منذ الصغر.
           تعلَّقتُ ليلى وهي ذات ذؤابة     ولم يَبْدُ للأتراب من ثديِها حَجْمُ
          صغيرين نرعى البهم يا ليت أنَّنَا     إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهمُ
لم يَرُقْنَهُ ترفات الرياض ولا تمدنهن ولا تنعمهن ولا حسنهن إذ أن القلب قد تربعت فيه بنت عمر (ماالحب إلا للحبيب الأول ) ومحبوبته طفلة صغيرة فخطبها فقال أهلها : إنها صغيرة . فأراد والده أن يبحث له عن غيرها , فأنهى القضية بأن قال بكل شوق وحب : ( أَبَنتظرها لين تكبر ثم بتزوجها ) . وفعلاً تزوجها بمهر قدره ريالين في اليد وقلب لا تسعه الدنيا مَليءٌ بالحب والصفاء والود . وفعلاً عاشا بالمودة وحسن العشرة قرابة خمس وأربعين من السنين وولدت له ثلاثة عشر بطناً قد مات منهم أحمد الأول توفي وهو في مهده جعله الله شافعاً مجاباً.
وكان لا يمل من ذكرها والثناء عليها ولا يأنف من ذكر مكانتها عنده والثناء عليها وبيان حبه لها عند أصحابه _مع أن البيئة ريفية_ بل إذا رضي عن أحد أولاده ناداه : تعال يا ولد هيا.
ولم أر في حياتي قصة حياة سطرها الحب والوفاء كالتي رأيته فيهما , وههنا عجيبة من العجائب وموقف يذيب الصم الصلاب كادت الوالدة هيا تفارق الحياة بسبب هذا الموقف الرهيب , ففي اليوم الذي توفي فيه وهو يوم جمعة كان ابنه احمد _ رعاه الله_ عنده مرافقاً من الصباح وكان الوالد رحمه الله في شبه غيبوبة لايحس بأحد ولا يستجيب لأي نداء مع ذلك فكان كُلَّما مرت دقائق نادى هيا ..... هيا ....... هيا .........هيا كأنما راعه قرب الفراق.
                       لا تعذل المشتاق في أشواقه    حتى يكون حشاك في أحشائه
وكلما مَرَّ أحَدٌ ظنه هيا فهتف باسمها بصوت ضعيف حزين , حتى أقبل المغرب فزارته حبيبته هيا. وقد كنت واقفاً عند رأسه وهو في شبه غيبوبة أي لا يحس بمن حوله وعيناه مصفرتان من اليرقان شاخصتان إلى السقف ليس فيهما بريق حياة , بوجه كليل قد نحل من طعن الأمراض والآلام , فوقفت الوالدة عند رأسه فقلت له : أبوي هذي أمي هيا اللي تناديها من الصبح وكان قبلها لا يستجيب لأي نداء , ولما قلت هذا الكلام مد يده إليها بصعوبة وثقل شديد فانحنت له لتقبل رأسه فجعل ذراعه خلف رقبتها وضمها لصدره وهو في شبه غيبوبة فذابت الوالدة من البكاء وتهشمت كبدها وانماع فؤادها وكادت روحها أن تخرج لولا لطف الله تعالى , ثم مالت يده جانباً ولم يرفعها حتى قضى وأسلم الروح لبارئها . فلا اله إلا الله ما أعظمه من وداع !!  
                               إذا اشتبكت دموع في خدود    تبين من بكى ممن تباكى
   رُوِي أن قيس بن الملوّح _ مجنون ليلى _ لمّا اختُبِل عقله,كان يخرج في فيافي الشام , فيقول : أين أرض بني عامر ؟
فقيل له : أين أنت من أرض بني عامر ؟ عليك بنجم كذا فَسِر عليه .
فانصرف وسار حتى أتى أرض بني عامر فوقف على جبل يقال له التَوْبَاذ ثم أنشد :
             وأجـهشت للتَّوباذ لمّا عـرفتُه        وكـبَّر للرحمن حـين رآني
             فأذريت دمع العــين لما رأيته       ونادى بأعلى صوته فدعاني
              فقـلت له أين الذين عهدتُهُم     بجنبك في أمن وطيب مكان
           فقال مضوا واستودعوني ديارهم     ومن ذا الذي يبقى مع الحدثان

(28) ذكر عنه الشّيخ عبد الرحمن الدّميجي رحمه الله تعالى: (ت:1428) قصّة ذات عبر, فقال: كان الشيّخ يحدِّثُ النّاس تحت قصر الحُكُم, ووافق ذلك اليوم وجود أحد القناصل النصارى عند الإمام, وَعَلِمَ الشّيخ بذلك فأخذ يفسّر قول الله تعالى: ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ...) ورفع صوته بحديثه, وكان القنصل يعرف العربيّة, فأمر الإمامُ أحد خدمه أن يذهب للشيخ ويقول له: يقول الإمام: بَرَكَة - أي أَنْهِ حديثك - فقال له الخادم ذلك . لكن الشّيخ لم يمتثل وأكمل حديثه, فردّ عليه الخادم مرة ثانية, فلم يمتثل الشيخ . فأمر الخادم في المرّة الثالثة, وقال: قل له: بركة, وقُمْ . فلمّا قالها له, قال الشّيخ: سمعاً وطاعة . فختم مجلسه ثمّ قام من فوره وأمر خادمه بشراء مطايا للسّفر, من أجل أن يعود لوادي الدواسر مسقط رأسه .
              ولا عار إن زالت عن الحر نعمة      ولكـن عـاراً أن يزول التجمّلُ     
 فبلغ الخبر كبير علماء ذلك الوقت الشّيخ عبد الله بن عبد اللّطيف آل الشيخ, فذهب للإمام من ساعته وقال له: يا عبد العزيز هل أغضبت الشّيخ؟ فقال: إن الشيخ هداه الله يتكلم في الولاء والبراء ونحن عندنا القنصل . فقال الشّيخ: يا عبد العزيز لِعِلْمِك, إذا خرج الشيخ من الدروازة  _البوابة_الجنوبيّة للرّياض فسأخرج من الدروازة الشّمالية, وسنترك الرّياض لك أنت وفلان, وسمّى شيخاً من شيوخ السّلاطين . فقال الإمام: لا يكون إلا خيراً اذهب يا شيخ  عبد الله,  وأَرض الشّيخ وقل له: يرجع ويعود . فقال الشّيخ: ليس أنا من يذهب إليه ولكن اذهب له أنت وعساه أن يقبل بالرجوع! فذهب الإمام لبيت الشّيخ سعد وطرق الباب, فأمر الشّيخ من عنده أن يقولوا: إنّه غير موجود ( وهذا من المعاريض والتورية ) فطرق الإمام الباب للمرّة الثّانية والثّالثة وهو يعرّف بنفسه, فبعد الثّالثة؛ خرج عليه وقال له كلمته المشهورة: يا عبدالعزيز أنت حقّك علينا عظيم, و لكن حقّ الله أعظم! وأنا أرى أشياء لا أطيق السكوت عليها . ثم رجع لدروسه وإفتائه .
      فرحم الله أولئك العلماء الأفذاذ, ورحم الله ذلك الإمام الذي لم يمنعه ملكه وسلطانه من الذّهاب للشّيخ واسترضائه, ولا حرم الله أمّتنا في هذا الزّمان بمثل أولائك النّجوم الزّاهرة والبدور الظّاهرة والشّموس السّاطعة.


"تسمية بعض الإخوان من الخرمة" 
      من مشاهير الإخوان وقدمائهم؛ كما بعاليه؛ الأمير القائد خالد بن منصور بن لؤي الشّريف, وأبنائه محسن وهو بكره واستشهد يوم الخرايق, وسعد وهو أمير الخرمة من بعده, ومنهم نائف وسلطان أخوا خالد وهما أصغر منه وقد التزما وتديّنا قبله . وبعيجان بن منصور وهو أخٌ للأمير خالد وكان في بداية أمره مع الشريف حسين ثم هداه الله للتّوحيد وأهله.
     ومنهم الإخوان الأشراف؛ منصور بن الأمير غالب بن ناصر بن لؤي وهو من هدم المشهد الذي على قبر أم المؤمنين خديجة - رضي الله عنها - في مكة ومعه ناصر بن محمد الحارث لمّا فتح الإخوان مكة المكرمة .
     ومن آل لؤي كذلك ذعار بن سلطان التويم, وبجاد التويم, وجدّهما لإمهما محمد بن هندي الفارس المشهور, وشجاع التّويم الشريف, وعلي بن ناصر بن سرماد, وكان طالب علم وحافظاً للقرآن عن ظهر قلب, فإذا سافروا على الرّكائب فإنّ أصحابه يقرأون وهو يصحّحُ للجميع في وقت واحد عن ظهر قلب! ولمّا قفلوا من أحد أسفارهم وكانوا قافلين من المدينة النبوية على ساكنها أفضل والصلاة والتسليم, وكان عليٌ مريضاً, ثمّ توفّي بينهم, وليس معهم ماء ولا أدوات يحفرون بها القبر, فبينا هم في حيرتهم وقد سجَّوه بثوب, إذ أرسل الله سحابة فغسّلوه من غُدرانها, ثمّ مرّت بهم قافلة فنزلوا وصلّوا عليه معهم, ثمّ وجدوا بقربهم حجراً مستطيلاً فرفعوه فإذا هو كهيئة القبر من الدّاخل, فأضجعوا عليّاً فيه, ودفنوه رحمه الله.
يقول الشّيخ محمد الدّميجي رحمه الله تعالى: والله إنّي لأقرأُ على الشّيخ عبدالرّحمن بن داود رحمه الله في مَنَاخَةِ ابن لؤيّ في الهجرة, وإنّا لنتابع قراءة عليّ وهو يصلّي في حوقان, من قوّة صوته وجهوريته, وكان بينهم قُرابة الكيلين!.
وأولُ من ديّن من الأشراف؛ هم الشياهين, ومنهم عبد المحسن بن ناصر بن حسين بن شاهين الشّريف, وإخوته حسين واستشهد في الجرشية, وعبّاس الّذي كُسرت رجلُه في حوقان, وعبد الله, كُلُّهُم أمّهم سفرة الرّوقية.
وشرف بن راجح بن شاهين الشريف .
ومن الإخوان الحرّث الأشراف؛ فهيد بن مبارك الشريف الذي استشهد في معركة عسفان, وبجاد بن ثامر أبو خالد, وناصر بن محمد بن صالح الحارث, وأخوه شجاع, وأخوه غزّاي الّذي استشهد في الحنو.
ومن الإخوان الشّنابرة؛ الحسين, وابنه محمد, وناصر بن عبد الله الشنبري الشريف .
ومن الّذين تديّنوا من البداية من بني ثور من سبيع أميرهم وفارسهم مفرّح بن شارع بن سلطان بن هليّمة, وهو من القوّاد الكبار للإخوان ومن قدمائهم في التديّن. وكان مفرّح يشرب عُشْبَةً معروفة عند البادية يستنشق دخانها ولعلّها المسمّاة بـ"عرق السّوس" فسأله الإخوان وهم على أوّل التديّن عن سبب شربه للدخان . فقال : أصابني مرض فوُصِفَ لي هذا العلاج . فقال محمد بن شافي : والله لئن شربت التّتن لنهجرنّك . فقال مفرّح : أنا أخو سارة , ثم أمر بالنّجر فوضع الغليون فيه ثمّ ضربه بالحديد حتّى صيّره طحيناً! فقد كان الإخوان ينكرون أشد النّكير على شارب الدخان , وربّما قال أحدهم إذا رأى شخصاً يدخّن: أعوذ بربّ الفلق من شرّ ما خلق!.
ومن قدماء الإخوان آل زايد الصوّل _وهم من خيار الإخوان_ محمد بن زايد, وأبناؤه عجب وعجّاب أبو الحميدي, ومهدي, وذعار بن زايد, وصايل بن عيد, وغزّاي بن جرمان .
ومن قدامى من تديّن محسن بن عجل, وهو من شعراء الإخوان وهو صاحب الأرجوزة المشهورة:
 يالنــشــاما مابه إلا الله      ودّعـوا ذا النفس واليها
ربع سـاعة في سبيــل الله      تازن الدنيــا وما فيها
ومنهم محمد بن عبد الله بن مزينة, وقد قاتل ضد أبيه في معركة جبار, وقد مات في الحمّى الثانية سنة: (1356)  وهو من خيار الإخوان. ومنهم محمّد بن مفرّح بن شارع, وأخوه الحميديّ شيخ بني ثور بعد والده مفرّح, ومطلق بن عليان قاتل اللّواء حلمي, ومحمد بن ذيخان, وحسين بن ثفنان, وقطيم بن ختّام, ومحمد العماني, وهذال بن رشدان, وهذال الغزيلي وكان الإمام ابن باز - رحمه الله - يُقرّبه ويدنيه منه إذا وفد عليه, ويستمع منه أخبار الإخوان وقصص مغازيهم, ومنير الحضبي, وبتال بن بشر, وسعيد بن مقعد بن دعيج, وذعار بن زايد, وغالب بن حمود, وعبدالله بن بطي, وفاصل بن مناحي بن زنعاف, ودهيران بن هذال, ومفرح بن رِجْعَة, وعبد الله أبو صلعاء, ومشيلح بن مناحي بن حمد, وعبد الله بن عوشز, وظافر بن جراش, وعريج بن حنتوش, وفايز بن محفاش, وخشمان بن شارع وقد كان مع الشريف ثم رجع للتوحيد وأهله بعد معركة تربة.
ومن الإخوان من قريشات سبيع عبد الله بن فيصل, وابنه فيصل, وبجاد بن بادي, وشبيب بن جميع وهو مراسل الإخوان مع الإمام عبد العزيز, وآل وبدان, وعبيد الطاحون, وعبد العالي بن زويد, وابن ثواب بن جهامان, ومحمد بن عبدالله بن كايد, وبجاد بن دجوى, وابن هملان, وناصر بن مشاري, وأبوه كانا مع الشريف ثم رجعا للإخوان في الآخر . ومنهم آل وندان وقد تلكّؤا في البداية ثم دخلوا بقوّة .
والصّملة من سبيع جُلُّهُم مع الإخوان, ولمّا ضايق حزب الشريف خالداً وهمّوا به, ذهب إلى ماجد بن جروة وهو على خبراء "الرويبي" فقال خالد:لم لا تناصرنا في حربنا مع هؤلاء؟ فقال: أنصرك على من؟ مفرّح يطارد أخاه خشمان, وعبد الله بن فيصل يطارد أخاه مشاري, وأنت تطارد أخاك بعيجان وبقيران ومنصور . فقال خالد: فإن زُحِمَت الخرمة من بعيد؟ قال: فأنا لها . قال فابسط يدك, فبايعه على ذلك, أمّا ابنه هاجد فكان مع الإخوان من بداية أمرهم.
ومنهم هادي بن نصّار, وشباب بن جروة, وبتال الكدّة, وشاعر الإخوان مناحي بن غبيشان, ومنهم ظافر النّاقول, وعلي الناقول, ومسلّم بن ناصر بن جروة, وجراد بن شعير وكان الإخوان يقولون: والله ليبعثنّ الله جراداً على حصانه لأنه قد استشهد على ظهره.
ومن قدماء الإخوان سمرة بن زيد الرشود وكان مطاعاً فيهم, خاصّة أهل السلميّة وكان مسؤول الزكاة في تلك الجهات, وكانت له دروس في القرآن الكريم ومبادئ الشريعة.
والعُمَرِيّة كان الكثير منهم من الإخوان على رأسهم أميرهم وفارسهم جبر بن عبيدان .
ومن المعلوم أن قبيلة سبيع كانوا ولا زالوا عَيْبَةَ نُصْحٍ لآل سعود, تشهد بذلك المراحل الثلاث للملكة السعودية, بل إن الستين الذين خرجوا من الكويت مع الملك عبدالعزيز لدخول الرياض كان منهم سبعة من قبيلة سبيع, وفيهم بأس وفروسيّة . قال راكان بن حثلين:
                        بني عمر في حربـهم سمّ ساعة      والى كسرناهم هل الغلبا يعيّون
ومن الإخوان سعيد بن هميل وقد قدم من رنية.
ومن الإخوان القدامى العباسا آل سيف محمد وعبد العزيز وقد صُوِّبَا في معركة الحنو, وراشد بن عوض, وسليمان الدميجي, وإبراهيم الحجّي, وسليمان الحجّي, ومحمد الطويل, وعلي التويم, ومحمد وعبدالله المؤذّن, ومحمد القصيمي, ومحمد الخرجي, وفايز الصائغ, وآل سيّار محمد وصالح وإبراهيم, ويوسف بن شعيل, وعبدالعزيز الراجحي, وأحمد اليعيش, وابنه صالح, وعلي بن قشاش, وغير هؤلاء من الحاضرة كثير .
وهذه الأسماء ليست للحصر إنّما إشارات وشذرات ممّا وقفت عليه من أفواه الرّواة, ولاشكّ أنّ هناك الكثير ممّن هم أولى بذكرهم من بعض هؤلاء ولكن الذّهن الكليل, والحيلة القاصرة, والنقص المكتوب, والعجز المقدور, حائلة بين الأماني وتحقيقها, وإن غفلنا عن تخليدهم في هذا السِفْرِ فما عند الله خيرٌ وأبقى, ولكن لا يحضرني الآن لهم أسماء, والجميع الآن عن هذا الذّكر أغنياء, مَنْ ذُكروا ومَن أُغفِلوا, ونحسبهم والله حسيبنا وحسيبهم, وندعو الله أن أن يجعلهم في جنّات النّعيم يتقلّبون, ولا نزكي على ربّنا أحداً.
حيّ المنازل إذ لا نبتغي بدلاً      بالدار داراً ولا الجيران جيراناً


هناك 33 تعليقًا:

  1. موذوع ذا صلة:


    http://aldumaiji.blogspot.com/2011/12/blog-post_16.html

    ردحذف
    الردود
    1. بسم الله الرحمن الرحيم

      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... بعد التحيةوالأحترام

      الشكر لك , وصفه يفوق كل شئ وأصلا لم أجد شيأ أفضل وأجمل من الشكر لأنه من الفؤاد إلى الفؤاد ورحم الله أباك وجدك وسلالاتك الطيبه , وجميع من تحبون أو أحبكم.
      ورحم الله آبائنا وأجدادنا ومن يحبون ومن أحبهم ورحم الله المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم أو الأموات وجمعنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله .. ولك مني التحية

      والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
      محب فالله لك

      حذف
    2. يامطوع اللة يهديك

      حذف
    3. الاخ ابراهيم وفقه الله
      جزيت خيرا على جهودك المباركة
      أحببت الإضافة على الإخوان الصملة
      القائد هاجد بن جروة كان يغزو معه من جميع قبائل سبيع..
      وكذا ربح بن سوقان و غصن بن غنيم
      فهؤلاء ممن لم يتغيب عن غالب السرايا و المغازي
      اما المعارك فهم ممن لهم مقام السبق ..

      حذف
    4. جزاك الله خيرا أخي الكريم
      وآمل قراءة الأجزاء الأُوِل ففيها شيء مما تفضلت به
      شاكراً لك

      حذف
  2. رحم الله الشيخ عبدالرحمن الدميجي رحمة واسعه واسكنه فسيح جناته. اللهم أني أحب عبدك عبدالرحمن الدميجي محبة الأبن لأبيه فاجمعنا به في عليين برحمتك يا رحمن يا رحيم. اللهم أرحم جميع موتى المسلمين. القريشي (الهجرة)

    ردحذف
  3. الله يرحم شيبانك ياستاذ ابرهيم ويطول في عمرك ال زايد باقي منهم احد ولا

    ردحذف
    الردود
    1. آمين
      وإياك يامحب
      شيبانهم الأوائل رحلوا رحمهم الله

      حذف
    2. اسف على الرد المتأخر احفاد ال زايد هم عجاب بن الحميدي بن مهدي بن زايد واخوه حمود وعيالهم وولد عمهم ذعار بن هادي بن زايد وعياله

      حذف
  4. يعني ال زايد الاوائل لم تكون اهم ذرية من بعدهم

    ردحذف
  5. ليس عندي علم مفصل بذريتهم

    ردحذف
  6. يعطيك العافية يا استاذ ابراهيم

    ردحذف
  7. الأخ العزيز ابراهيم .... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    طبعاً .... أنت كتبت من وجهة نظر الإخوان أهل الخرمه .... ولكن ياليت تكتب عن أهل الغطغط وذلك التاريخ الناصع البياض وحبهم للجهاد والشهاده وصدق نواياهم ... ولا نزكي على الله أحد

    وهذا ينطبق على أغلب الإخوان وقادة الإخوان .... ولكن لماذا في أخر أيامهم بدأو ينفضُّون من حول عبدالعزيز ؟؟؟؟

    يقال التاريخ يكتبه المنتصرون .... ولكن الله لايخفى عليه شيء وهو أعلم بكل شيء وأعلم بمن أرخصوا حياتهم حباً للشهاده ورفعة أشهد أن لا إله إلا الله ....

    وعند الله تجتمع الخصوم

    طبعا ... أنا أعرف الكثير من شخصيات أهل الغطغط الذين ذكرت في مدونتك , ولي منهم أقارب ولكن التاريخ الحالي مزور ومكذوب عليهم ؟؟؟

    وأخر قولي ... أن الحمدلله رب العالمين

    ردحذف
    الردود
    1. جزاك الله خيراً أخي الكريم وأحسن إليك..
      قد كتبت ماعلمت وأزعم أني لم أترك شيئاً ذي بال مما بلغني عنهم سواء مما لهم أو عليهم.. ولم أزعم قط الاستيفاء والاستقصاء بل ما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين. وتاريخهم العاطر لا يمكن أن يختزل في صفحات ، وحسبي أنها محاولة لوضع لبنة ليس إلا.
      والمجال مفتوح للجميع فلا تحقرن يراعك يامحب واكتب ماعلمته توثيقاً للحقيقة وحفظاً للتاريخ، والله المستعان.

      حذف
  8. العزيز أخي إبراهيم ......

    أولاً يعلم الله بأني لم أشكك فيما كتبت ولكنك ذكرت ماعلمت ... بارك الله فيك ولكن هناك صفحات كثيره مازالت مطويه ومنسيه عن عمد .....

    ولعلي إذا حصل لي فرصه عند زيارة " لندن " أن أطلع على الكثير من التاريخ المنسي لهؤلاء الأشاوس الذين صدقوا ماعادوا الله عليه ... ولا نزكي على الله أحد.

    ولكننا لانرضى الظلم ولا بخس حقوق هؤلاء من كل القبائل حاضرةً وباديه مع إيماني العميق بأن الفضل الكبير يرجع لأهل الفضل الأكبر وهم الباديه لتضحياتهم الجسام وحب الموت في سبيل الله مقبلين غير مدبرين, وهم على طريق السلف الصالح من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

    ولكن في كثير من المنتديات .... ولأهداف دنيئه يقعون في أعراض هؤلاء والتشكيك في جهادهم وأهدافهم وأنهم سبب البلاء , وهذا كذب وإفتراء.

    ومازال أبناء وأحفاد هؤلاء الأشاوس بيننا وأقرأ لهم , وأسمع أحاديثهم ومازالوا مثل أبائهم بل قد يأتي جيل أشد وأشرس منهم؟؟؟ وعلى الباغي تدور الدوائر.

    وتقبل تحيات ... حفيد إخوان من طاع الله

    وقبل أن أختم ... إليك ماوصلني اليوم >>>>>>

    بريطانيا تنشر تاريخ الجزيرة العربية.. إلكترونيا

    كشفت المكتبة البريطانية عن تفاصيل مشروع لنشر أكثر من 500 ألف وثيقة على الإنترنت تتعلق بتاريخ الخليج وبعض القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية ومخطوطات نادرة لكبار العلماء العرب والمسلمين في مختلف العلوم.
    وأكد اوليفر ايرفين رئيس قسم الدراسات الآسيوية والأفريقية في المكتبة أن هذا المشروع يقام بالشراكة بين المكتبة البريطانية ومؤسسة قطر ويهدف إلى إتاحة هذه الوثائق لمتصفحي الإنترنت مجانا مشيرا إلى أن المشروع الذي بدأ تنفيذه سينتهي في ديسمبر عام 2014، واضاف انه سيتم نشر أكثر من نصف مليون صفحة حول تاريخ الخليج و25 ألفاً من مؤلفات ومخطوطات نادرة لكبار العلماء العرب والمسلمين في مختلف العلوم من الطب إلى الفلك بحيث تكون متاحة للمرة الأولى إلكترونيا وتصبح بمتناول القراء مجانا على موقع خاص بذلك.
    هذا وتبلغ تكلفة مشروع نشر الوثائق التاريخية البريطانية حول الخليج 8.7 ملايين جنيه إسترليني مشيرا إلى أن الوثائق مستخرجة من أرشيف مكتب بريطانيا بالهند، وسلط ايرفين الضوء على أن هذا المشروع من شأنه تعزيز معرفة الناس بتاريخ العلاقة بين المملكة المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وجعل ثروة من المعلومات حول الأماكن والسياسة والتجارة والثقافة والتقاليد في منطقة الخليج في متناولهم، وأضاف: «.. عندما نتحدث عن تاريخ الخليج فنحن نقصد بذلك كل شيء من الاقتصاد والتجارة إلى التاريخ الاجتماعي والقضايا الأخرى»، لافتا إلى أن المشروع يضم مئات الآلاف من الصفحات التي تلقي الضوء على العلاقات البريطانية مع الخليج خلال 200-300 سنة الماضية.
    وأضاف أن هذا أول مشروع كبير تقوم به المكتبة في الشرق الأوسط، والنسخ من المخطوطات والكتب والخرائط سوف تنشر بصور عالية الجودة على الموقع ويمكن تحميلها ونشرها مباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن بين كتب علماء العرب والمسلمين التي سوف يتم نشرها نسخة من كتاب «القانون في الطب» الذي ألفه ابن سينا وهذه النسخة تمت كتابتها في بلاد فارس عام 1070 هجرية (1659 ميلادية) و»تقويم الصحة» الذي ألفه ابن بطلان وهي «أقدم نسخة معروفة ترجع لعام 610 هجرية (1213 ميلادية) وكانت نسخة تم تقديمها إلى الملك الظاهر غياث الدين غازي ابن صلاح الدين حاكم حلب».
    ومن بين كتب ومخطوطات تاريخ الخليج خريطة قديمة لمنطقة الخليج وأوراق ووثائق حول القبائل والتجارة في الخليج تعود لعام 1863، وسيمكن الموقع الذي ستوضع عليه هذه الكتب والمخطوطات الزوار من التصفح والبحث بخيارات واسعة وباللغتين العربية والإنجليزية فضلا عن البحث بأسماء الأشخاص والأماكن والتواريخ كما سيتيح الموقع أمام زواره إمكانية التفاعل مع محتوى الموقع من خلال إضافة ذكرياتهم الخاصة ذات الصلة بمنطقة معينة من الخليج وبالتالي سيشاركون بإثراء الموقع عبر تبادل المعلومات والصور الفوتوغرافية.

    ردحذف
  9. صدقت فهناك جوانب وصفحات وأخبار لا يريد بعض أصحاب الشأن أن ترى النور، ولكن يأبى الله ذلك.
    لذا فلزاماً على كل من عنده معلومات أو أخبار ((موثقة)) أن يبادر إلى نشرها -بغض النظر عن توجهه ونظرته المسبقة- بلا تحيز إلا للخبر الصادق.
    والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.

    ردحذف
  10. لدي تحفظ على كثير مما كتبت ...
    ورحم الله شيبانك وخاصة جدك محمد فقد كنت ازوره كثيرا في بيته بجوار مسجد الهجرة
    ومن القصص االلتي مرة علي عنده كنا جالسين عنده وكان الفرشة التي نجلس عليها متواضعة جداً زهدنا منه رحمه واﻷثاث قليل فرأيت عقربا سودا قادمة الينا ونحن جلوس عنده فقلت يامطوع العقرب العقرب ونهضة فوالله ما تحرك من مكانه وقال هذه ما جت تدورني هذي جاية لكم ...
    رحمه الله رحمة واسعة والحقنا به ووالدينا
    وبالمناسبة .. أمي رحمها الله رحمة واسعة أخبرتني أنها رأت الرسول صلى الله عليه وسلم غي المنام وحلفه ناس كثير على شكل طابور وفي أخرهم المطوع محمد الدميجي تقول رحمها الله فكان يلتفت الينا الدميجي ويأشر بيده ويقول تعالوا تعالوا
    وكان ذلك بعد وفاته وقبل وفاتها رحمهم الله تعالى.

    ردحذف
    الردود
    1. آمين, وأحسن الله إليك وبارك فيك .

      حذف
    2. ورحم الله والدتك وألحقك بها في عليين

      حذف
  11. كلامك صحيح اخوي كحيلان لان بعض المنتديات تتكلم عن هولاء الابطال بانهم متمردين ولم يكن مقصدهم الجهاد .... وشكرا

    ردحذف
  12. لو سمحت يامطوع لوعندك تفصيل بالمعاركة التي خاضها الاخوان نزلها ابنك خالد

    ردحذف
  13. السلام عليكم :
    جيش الاخوان لم يكن سوى اداة في يد الغزاة لكي يحصلوا عن طريقه على الحكم !
    وهم عبارة عن مرتزقه فعندما نستعرض تاريخهم نجدهم يكفرون الاخر ويستحلون دمائهم واموالهم مع ان خصومهم مسلمين!
    ونجد انهم يأخذون الغنائم من المسلمين..ونرى بأسهم وشدتهم ضد اخوانهم المسلمين ...ولم يرد في التاريخ ان واحد منهم اطلق رصاصة واحدة ضد الانجليز !
    وعندما نرى جماعات متشددة مثل داعش في بلاد الشام نرى منهجهم مستمد من فكر الوهابية الاخوان وهو اقصاء الاخر وتهميشه واجبارة على الاتباع او القضاء عليه وهو ما وجد عند الخوارج اما ان تتبعهم او تموت !
    فلذلك لانرى من تاريخهم سوى صفحة سوداء في تاريخ الاسلام والمسلمين خصوصا اذا علمنا العمالة السياسية للدولة الثالثة للانجليز !!وتطبيق اجندتها في المنطقة ..فحروب الاخوان ومعاركهم ليست سوى حروب همجية لاتمت للدين بصلة بل تتدرع بالدين للوصول لحكم..
    شكرا جزيلا

    ردحذف
    الردود
    1. وعليكم السلام
      كلامك حوى مغالطات كثيرة
      لعلك تراجع معلوماتك وتعرضها على إنصافك الذي أراه قد توارى للأسف هنا.

      حذف
  14. السلام عليكم ورحمت الله وبركاته ما اقول الا مثل ماقال اخري كحيلان
    التاريخ مغلوط 100%

    يوم جينا من الديره سنود
    كل وادي يفيض ويمتلي
    يوم جينا من المفرق سنود
    يوم جينا لولد العبدلي
    ..........
    يوم جيتو من المفرق سنود
    حار خيلك خلاف المنزلي
    يوم جانا من المشرق سنود
    مافتح لك بابها غير ابن لؤي
    ..........

    من يعرف التاريخ حقاً
    يعرف سبب القصيدة ويعرف يكمل النص

    ردحذف
    الردود
    1. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
      حياك الله أخي الكريم
      عزيزي: لم أكتب إلا ماترجح لي صدقه وما بلغني مما رواه من رأى وشاهد وسمع.
      وبإمكانك أن تذكر هنا كل مالديك بلا تحفظ، فالحقيقة كلنا نرومها
      وفقك الله

      حذف
  15. الأخ إبراهيم الدميجي نشكرك على اعطائك نبذه قصيره عن الاخوان ولكن هناك بعض الملاحضات سوف نذكرها لكم.وهي انك ذكرت ابن مصيبيح استشهد في معركة مراغان ولم تذكراسمه كاملآ وهو ظافر بن مصيبيح بن مشحن من فخذ المشالحه من المداريه بني عمر وكان أحد المقربين من بن لؤئ .واستشهد معه ماضي بن حمدان بن مسلط من فخذ القعاسين من المداريه بني عمر .وكان من الرجال العروفين بالشجاعه والفروسيه.وبن مصيبيح هو الذي قتل قايد الهجاد في الطرف القابل الشيخ سحمان بن فهيد الشيباني.وهذا شيآ معروف

    ردحذف
  16. السلام عليكم ورحمة الله
    اود ان اشكرك ياشيخ ابراهيم على المجهود الطيب
    ثانياً / لم تذكر فرسان القريشات القريبين من خالد ابن لؤي وهم زامل ابن فدغوش ، وناصر ابن قمداء ، ومحمد ابن صعيبان ، وفالح المعيط وغيرهم الكثير كان لهم دور بارز واسهامات قوويه

    ردحذف
  17. يقول عبدالله ابن ظمنه من الاخوان /
    جانا فاجر والشريف شاكر
    يمشون من الحره للافايح
    يمشي على ربعه ويقول اردوا
    اردوا على تمر وماء قراح
    وتسالموا هل التوحيد وسبلوا
    وكلٍ كتب دينه وقال مباح
    ياكن صعق سيوفنا بجباهم
    صقع الصواعق من السماء طياح
    يا نعم بالتوحيد واللي اعتزى به
    ما حسبوا للي عليهم راح
    شبت شبابيها وهلت بردها
    غثيرها مع السماء طفاح
    كله لعنه تجر حنينها
    ملحاء سنايد تطرب السراح
    واللي لعنه يشوقه فعلنا
    من شارتين لمان فاح
    يا ذيابة القيسان اكلي وغببي
    ملي المحاجر واهتني بمراح
    الاد القريشي سترها عن جارها
    لا قطبوا خيل الرمك بسلاح
    والاد الاجيرب سعد منهم ربعه
    لا ساقوا العطفة وجوك سباح
    وبني عمر جمعاً رزيناً راسي
    وحروسها ليا من كلً راح

    ردحذف
  18. شكراً لك اخوي ابراهيم

    ردحذف
    الردود
    1. بارك الله فيك وشكر لك
      ورحم الله أولئك الفرسان
      بإمكانك أخي أن تضيف هنا كل ما لديك..

      حذف