إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأحد، 21 يناير 2018

ولتكن منكم أمة

ولتكن منكم أمة
حينما يكون المجتمع هو صِمَام أمان إنكار المنكرات فلا يمكن لأحد من الخلق تغييره بالقوة مباشرة.. ولكن بالمكر طويل الأمد مع بطش السلطة بالمخالفين قد ينالون مرادهم أو بعضه، ولله حكمة في ابتلاء الخير بالشر، فالدنيا دار بلاء وابتلاء، والعاقبة في الدارين للمتقين. (ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض).
فقد تتغير أخلاق ومبادئ المجتمع بقوة السلطة وطول الأمد؛ كما ذكروا عن باسل الأسد أنه كان ينزع الحجاب بيده من وجوه العفيفات في الميادين العامة في دمشق حتى استمرأ الناس ذلك التبديل، وكما غير أتاتورك الأحرف العربية بجرة قلم رئاسي، ثم أتبعها بقرارات تبديلية للدين جملة.. بل كيف غير البويهيون والصفويون ديانة جلّ المسلمين السنة في فارس إلى دين الرافضة بقوة السلاح!
وبالجملة فمن سنن الله تعالى في المجتمعات أنها عصيّة على التبديل المباشر بالقوة إن كان لديها تديّن - مهما كان الدين - فكيف إن كان الدين المرضي من رب السماء سبحانه..
 وحتى لو صُكّت الأمة بالبطش واندفن الناس زمانًا تحت ركام خوفهم فلا يزال العزيز الحميد سبحانه يستغرس منهم فئامًا يستعملهم في عظيم مراضيه، قد جعلهم ذخائر عزم وحصون عفاف وبحار علم وسحائب رحمة وشموس هدى مهما ولوَل اليائسون ونشَج القانطون.. فعلى المؤمن أن يُحسن الظن بربه وأن يستفرغ وسعه في مدافعة منكرات نفسه وأمته لعل الله أن ينتظمه في حزبه السعيد (ألا إن حزب الله هم المفلحون).
 وتأمل ما ذكره الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في ذكرياته قال:
"وكانت النصرانيات واليهوديات من أهل الشام يلبسن قبل الحرب الأولى الملاءات الساترات كالمسلمات، وكل ما عندهن أنهن يكشفن الوجوه ويمشين سافرات، أذكر ذلك وأنا صغير، وجاءت مرة وكيلة ثانوية البنات المدرسة سافرة فأغلقت دمشق كلها حوانيتها، وخرج أهلوها محتجين متظاهرين حتى روّعوا الحكومة فأمرتها بالحجاب وأوقعت عليها العقاب، مع أنها لم تكشف إلا وجهها، ومع أن أباها كان وزيراً وعالماً جليلاً، وكان أستاذاً لنا".
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

إبراهيم الدميجي

الثلاثاء، 2 يناير 2018

حروف نفيسة للعلامة السعدي رحمه الله في حقوق طلبة العلم على بعضهم

حروف نفيسة للعلامة السعدي رحمه الله في حقوق طلبة العلم على بعضهم
قال العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى:
أما الواجب على أهل العلم من العلماء الكبار ومَن دونهم ، والطلبة فيما بينهم: فعلى كل منهم أن يحب للآخر ما يحب لنفسه ، وهذا واجب عمومي على جميع المسلمين.
لكن أهل العلم عليهم من هذا الحقِّ أعظمُ مما على غيرهم ؛ لما تميَّزوا به ، ولما خصهم الله بهم .
وعلى كل منهم أن يدين لله ويتقرب إليه بمحبته جميعَ أهل العلم والدين ، فإن هذا الحب من أعظم ما يقرِّب إلى الله ، ومن أكبر الطاعات .
وهذا الحب يتبع ما اتصف به الإنسان من الأمور التي يحبها الله ورسوله ، من العلم والاشتغال به ، والعمل ، فإن نفس الاشتغال بالعلوم الشرعية وتوابعها من أجلِّ الطاعات .
ثم حصول العلم للشخص هو من الأوصاف التي يُحَبُّ لأجلها ، ثم تعليمه للناس وعمله مما يجب أن يُحَب عليه .
فكل هذه الأمور موجودة في أهل العلم ، فلهم من الحق على أهل العلم وعلى غيرهم أن يميِّزوا بهذا عن غيرهم ؛ لما لهم من المميزات .
وإذا عثر أحدهم وغلط في مسألة علمية تعيَّن ستر ما صدر منه ، ونصيحته بالتي هي أحسن .
ومن أعظم المحرمات وأشنع المفاسد: إشاعة عثراتهم ، والقدح فيهم في غلطاتهم ، وأقبح من هذا: إهدار محاسنهم عند وجود شيء من ذلك .
وربما يكون - وهو الواقع كثيرًا - أن الغلطات التي صدرت منهم لهم فيها تأويل سائغ ، ولهم اجتهادهم فيه ، معذورون ، والواقع فيهم غير معذور .
وبهذا وأشباهه يظهر لك الفرق بين أهل العلم الناصحين ، والمنتسبين للعلم من أهل البغي والحسد والمعتدين .
فإن أهل العلم الحقيقي قصدهم : التعاون على البر والتقوى ، والسعي في إعانة بعضهم بعضًا في كل ما عاد إلى هذا الأمر ، وستر عورات المسلمين ، وعدم إشاعة غلطاتهم ، والحرص على تنبيههم بكل ما يمكن من الوسائل النافعة ، والذب عن أعراض أهل العلم والدين ، ولا ريب أن هذا من أفضل القربات .
ثم لو فُرض أن ما أخطؤوا فيه أو عثروا ؛ ليس لهم فيه تأويل ولا عذر لم يكن من الحق والانصاف أن تُهدر المحاسن ، وتمحى الحقوق الواجبة بهذا الشيء اليسير ، كما هو دأب أهل البغي والعدوان ، فإن ضرره كبير ، وفساده مستطير .
أي عالم لم يخطئ ؟! وأي حكيم لم يعثر ؟!
وقد عُلمت نصوص الكتاب والسنة التي فيها الحث على المحبة والائتلاف ، والتحذير من التفرق والاختلاف ، وأعظم من يُوَجَّه إليهم هذا الأمر: أهل العلم والدين .
ومتى أخلوا بذلك ، وحل محله البغي والحسد ، والتباغض والتدابر؛ تبعهم الناس ، وصاروا أحزابًا وشيَعًا ، وصارت الأمور في أطوار التغالب وطلب الانتصار ، ولو بالباطل ، ولم يقفوا على حد محدود ، فتفاقم الشر ، وعظم الخطر ، وصار المتولي أكبرها : من كان يُرجى منهم - قبل ذلك - أن يكونوا أول قامع للشر !
وإذا تأملت الواقع ؛ رأيت أكثر الأمور على هذا الوجه المحزن ! ولكنه مع ذلك ؛ يوجد أفراد من أهل العلم والدين ثابتين على الحق ، قائمين بالحقوق الواجبة والمستحبة ، صابرين على ما نالهم في هذا السبيل من قدح القادح ، واعتراض المعترض ، وعدوان المعتدين .
فتجدهم متقربين إلى الله بمحبة أهل العلم ، جاعلين محاسنهم وتعليمهم ونفعهم نصب أعينهم ، قد أحبوهم لما اتصفوا به ، وقاموا به من هذه المنافع العظيمة ، غير مبالين بما جاء منهم إليهم من القدح والاعتراض ، حاملين ذلك على التأويلات المتنوعة ، ومقيمين لهم الأعذار الممكنة .
وما لم يُمكنهم مما نالهم منهم أن يجدوا له محملًا؛ عاملوا الله فيهم ؛ فعفوا عنهم لله ، راجين أن يكون أجرهم على الله ، وعفوا عنهم لما لهم من الحق الذي هو أكبر شفيع لهم .
فإن عجزوا عن هذه الدرجة العالية ، التي لا يكاد يصل إليها الواحد بعد الواحد؛ نزلوا إلى درجة الإنصاف ، وهي الاعتبار ما لهم من المحاسن ، ومقابلتها بالإساءة الصادرة منهم إليهم ، ووازنوا بين هذه وهذه .
فلابد أن يجدوا جانب الإحسان أرجح من جانب الإساءة ، أو متساويين ، أو ترجح الإساءة ، وعلى كل حال من هذه الاحتمالات فيعتبرون ما لهم وما عليهم .
وأما من نزل عن درجة الإنصاف ؛ فهو بلا شك ظالم ضار لنفسه ، تارك من الواجبات عليه بمقدار ما تعدى من الظلم .
فهذه المراتب الثلاث: مرتبة الكمال ، ومرتبة الإنصاف ، ومرتبة الظلم؛ تميِّز كل أحوال أهل العلم ومقاديرهم ودرجاتهم ، ومن هو القائم بالحقوق ، ومن هو التارك.
والله تعالى المعين الموفق.
الرياض الناضرة (٨٩_٩٢)


الخميس، 28 ديسمبر 2017

قبول ولاية المتغلب في حقيقته قوّةٌ وليست ضعفًا

قبول ولاية المتغلب في حقيقته قوّةٌ وليست ضعفًا
الحمد لله وبعد: فينبز بعضهم السلفية بالضعف والخنوع لقولها بانعقاد ولاية المتغلب المسلم، والجواب من وجهين:
أولًا: أن هذا مقتضى الشرع، والأدلة في ذلك صحيحة صريحة كثيرة متنوعة، وبما أنها كذلك فيكفي المؤمن علمه بها ليستيقن قلبه وتطمئن نفسه ويعلم أن أمر الله كله خير.
ولكن لا يعني هذا ترك الإنكار على السلطان وإبراء الذمة بنصحه ونصح الأمة، والعمل على إقامة دين الله بحسب الوسع والطاقة.
ثانيًا: أنها قوة وعزة في الحقيقة وليست بضعف وهذا جليٌّ لمن تأمله، فالقبول للمتغلب ومبايعته ليس لشخصه بل لمركزه الذي يخوله القيام بأمر الناس، فإن غلبه غيره بويع المتغلب الآخر، لأن القبول بالأول ليس لشخصه بل لمكانه الذي يقيم به دين الناس ودنياهم.
وتأمل حال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ مفتي الرياض في وقت إمارة ابن رشيد للرياض فقد قاتل بشراسة وأفتى لأهل الرياض بالقتال ضد الملك عبد العزيز حينما أراد دخول الرياض للمرة الأولى إبان معركة الصريف المشهورة.
وبعد ذلك لم يعتذر الشيخ بل قال: قد كانت لهؤلاء بيعة في أعناقنا.
فالقضية إذن هي قضية مبدأ ودين، لا رَغَب ورَهَب.
وتأمل حال ابن عمر رضي الله عنهما وغيره من الصحابة مع السلطان المتغلب المسلم والتزام بيعته والتشديد في نكثها، حتى لا تروج الفتن في الناس بسبب القتال على الإمرة.
ذلك أن الولاية - مُلكًا كانت أو إمرة أو سلطنة - فهي بمنظور الشرع إنما هي تكليف محض شاق يليه حساب شديد يوم الدين، وليست تشريفًا ومغنمًا، ولكن من وليَ وعدل فإنه يستحق أن يكون من السبعة الذين يكرمهم الله غدًا بأن يجعلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ذلك أن ولايات السلطة المطلقة سمّ للروح ناقع لا يسلم منه إلا من كان شديد التحصين بالإيمان والورع.
هذا، ولخطر مقام السلطان وخطر زعزعته على أمن الناس وسكينتهم ودينهم فقد شدد الشرع في حرمة الخروج عليه أو نقض بيعته أو شق عصاه بلا مبرر ومسوغ من الشريعة.
وبالجملة فالمنهج السلفي ليس بدعًا من الأقوال والأفعال والمناهج، بل هو الممثّل للإسلام الصافي والسنة النقية من شوائب البدع وغوائل المحدثات، وهو التِّلادُ حقّا للأمة.
لذا فلا تعجب من كثرة الخصوم لمنهج السلف وكثرة التغبيش حول هدايته؛ فلشموخه ووضوحه ورسوخه وقوة حججه وقرب معانيه لم يبق لهم سوى ضجيج التائهين، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق.
إبراهيم الدميجي

الأحد، 24 ديسمبر 2017

من المناهي اللفظية

من المناهي اللفظية
الحمد لله الذي خلق اللسان، فأعرب به عما في الجَنان، ففارق الإنسانُ غيره بعلم البيان، وأتمّ به النعمة بكمال الأركان، وميّز العاقل عن الجاهل بما جرى على اللسانِ، أما بعد:
إن حفظَ المرء للسانه دليلُ عقله وأدبه؛ وبرهان زكاءِ نفسه، وروى البخاريُّ أن رسولِ اللّهِ صلى اللّهُ عليه وسلم قالَ: "مَنْ يَضْمَنْ لي ما بينَ لَحْيَيْهِ وَما بينَ رِجْلَيْهِ، أضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ".
أن كثرة اللغط مفضية للخيبة، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: مَنْ كَثُرَ كَلامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ، وَمَنْ كَثُرَ سَقَطُهُ كَثُرَتْ ذُنُوبُه، وَمَنْ كَثُرَتْ ذُنُوبه كانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ. وقال ابن مسعود رضي اللّهُ عنه: مَا مِنْ شَيءٍ أَحَقُّ بِطول السِّجْنِ مِنَ اللسانِ.
 وروى الترمذي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر معاذًا بملاك الأمور فقال: "كُفَّ عليك هذا" وأشار صلى الله عليه وسلم إلى لسانه، فقال معاذ: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال صلى الله عليه وسلم: "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم؟!" وروى الترمذي وغيره عن سفيان الثقفي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف عليَّ؟ قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه، ثم قال: "هذا".
أيها الموفق: احفظ لسانك وصُنه واحرسه حتى لا يفتِك بدينك، فإنه سبعٌ ضارٍ عقور إن أطلقته في الهوى، وهو ذخيرة وكنز ومِغراف أجر كبير إن استعملته فيما خلق له من طاعة الله وذكره وشكره ودعاءه والثناء عليه.
قال ابن القيم رحمه الله: ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر، ومن النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالًا؛ يزلّ بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب؛ وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم؛ ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي ما يقول.
لهذا كان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث! يعني قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه". رواه الترمذي وصححه. وكان الصديق رضي الله عنه يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد.
عبد الله: إن صمتك عن رد مسبة الجاهل ليست نقصًا فيك، بل هي من كمال عقلك وجمال أدبك وهي مجلبة لدفاع الملائكة الكرام عنك، فقد جلس الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه يومًا، فجاء رجل فشتم أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فسكت أبو بكر ولم يرُدَّ عليه، فشتمه الرجل مرة ثانية، فسكت أبو بكر، فشتمه مرة ثالثة فرد عليه أبو بكر، فقام صلى الله عليه وسلم من المجلس وتركهم، فقام خلفه أبو بكر يسأله: هل غضبتَ علي يا رسول الله فقمتَ؟ فقال الله صلى الله عليه وسلم: "نزل مَلَك من السماء يكذِّبه بما قال لك، فلما انتصرتَ - أي رددتَ عليه - وقع الشيطان - أي: حضر - فلم أكن لأجلس إذ وقع الشيطان" رواه أبو داود.
هذا، ولا بد للمؤمن أن يعرف حدود ربه حتى لا يتجاوزَها عن جهل أو جهالة، ولقد أولى أهل العلم مناهي الشرعِ في الألفاظ عناية تامّة، لأن اللسان مؤاخذ بنطقه ومسؤول عن كلامه "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد".
فإلى بيان شيء من أخطاء الناس الشائعة في كلامهم:
 فمن ذلك قولهم: (بِالعون) عند الاجتهاد في الإخبار، فهنا صارت الباء للقسم، والعون ليس من أسماء الله تعالى، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" رواه الترمذي وحسنه.
ومن ذلك: القسم بغير الله مطلقًا كمن يقسم بالنبي صلى الله عليه وسلم الله أو بحياة أحد أو حياة أولاده، أو بالأمانة ونحو ذلك.
ومن المناهي دعاء صفات الله تعالى، مثل قول بعضهم: يا قدرة الله ويا رحمة الله ويا وجه الله، ونحو ذلك، فهذا محذور، فاسأل الله بصفته ولا تسل الصفة نفسها، فإن الصفة ليست هي الموصوف بل هي دالة عليه، فقل: اللهم أسألك بوجهك وأسألك برحمتك وأعوذ برضاك من سخطك ونحو ذلك.
ومما ينهى عنه من الألفاظ: الاستثناء في الدعاء، كقول: جزاك الله خيرًا إن شاء الله، ووفقك الله إن شاء الله، وشفاك الله إن شاء الله ونحو ذلك، لأن في ذلك إيهامًا بسوء بثقلها على الله والله تعالى هو القدير الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة فإنه لا مكره له". متفق عليه.
ومما ينهى عنه: سبُّ الوجه وتقبيحُه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، ولا يقل: قبّح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله عز وجل خلق آدم عليه السلام على صورته". رواه أحمد وحسنه الألباني.
ومن المناهي اللفظية: الذكر بمجرد تكرار اسم الله، فهذا من لوثات أهل الخرافة والتصوّف، فعندهم أن ذكر العامة هو لا إله إلا الله، وذكرُ الخاصة هو تكرارُ اسم الله، وذكر خاصة الخاصة هو تكرار: هو هو، وهذا من الجهل المطبق الثقيل، فإن أعظم الذكر على الإطلاق هو لا إله إلا الله، وهي الكلمة التي من أجل إقامتها خلق الله الجن والإنس والجنة والنار وأنزل الكتب وأرسل الرسل، وهي مفتاح الجنة وسبيل الرضوان، وهي التي ترجُح بالسماوات والأرض، فاللهم أحينا عليها وأمتنا وابعثنا عليها إله الحق.
ومن المناهي قول بعضهم: بذلت جهدي والباقي على الله. لأن فيه سوء أدب مع الله من جهة الإيهام بالتشريك في تدبير الله الأمور، فالأمر كله لله وليس باقيه فقط، وكذلك من جهة أنه اعتمد على نفسه أولًا ثم فوّض أمره ثانيًا، وهذه خطيئة، فتفويض الأمور لله لا ينفك عنه المؤمن.
ومن المناهي: التلبيس على الناس بتزيين ألقاب المنكر حتى تستسيغها النفوس، ولكم أن تعلموا أن إبليس هو أول من لبّس فقد سمّى الشجرة التي نهى الله آدم عن أكلها بشجرة الخلد، ثم تبعه حزبه فسموا الخمر بمشروب الروح والزنا بالعلاقة والميسر باليانصيب والرشوة بالقهوة والمكس بالجمارك وغير ذلك من تلبيس الشيطان.
ومن المناهي: قول بعضهم: يعلم الله أني فعلت كذا، وقد يكون كلامه مخالفًا للحقيقة ولو في بعض أجزائه فيكون قد اتهم الله بالجهل بقدر ما أخطأ فيه، تعالى الله وتقدس.
ومن المناهي: قول بعضهم: فلان شكله غلط، والله تعالى يقول: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" وقال: "الذي خلقك فسواك فعدلك". فالحذر من الاستهزاء بصنع الله تعالى وخلقه بأي حال.
ومن المناهي قول بعضهم: تبارك علينا فلان، وسبب النهي – كما حرره ابن القيم رحمه الله – أن كلمة تبارك جاءت على وزن تفاعل، وهذا البناء يراد به المبالغة في البركة وإنمائها وهي لا تكون إلا لله، خاصة وأن كل ما جاء في القرآن على هذا النحو فقد أُفرد لله تعالى وحده كقول الله تعالى: "تبارك الذي نزل الفرقان" و"تبارك الذي بيده الملك"، ولكن لا بأس أن يقول: فلان مبارك أو فيه بركه ونحو ذلك، إنما المحذور هو قول: تبارك فلان.
ومن المناهي قول بعضهم: شاءت حكمة الله كذا أو قدرة الله أو شاء القدر كذا ونحو ذلك، لأن الحكمة صفة للموصوف سبحانه، فلا مشيئة لها، والذي يشاء هو الله.
ومن المناهي الشنيعة قول بعضهم: ظلمك الله كما ظلمتني أو خانك الله كما خنتني، ونحو ذلك وهذا جهل عظيم بالله تعالى "إن الله لا يظلم مثقال ذرة" والله تعالى يمكر بمن مكر به ولكنه لا يخون تعالى وتبارك وتقدّس.
ومن المناهي قول بعضهم: فلانٌ ما يستاهل، وفلان لا يستحق، ونحو ذلك لأنه اعتراض على حكم الله تعالى وتسخط على قدره وتعقّب لأمره. "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون"، "وعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا".
ومن المناهي: سبُّ الدهر، وهذا يجري كثيرًا على ألسنة جهلة الشعراء، فيذمون الزمان وينعتونه بالغدر والخيانة والظلم ونحو ذلك، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: يؤذيني ابنُ آدم يسب الدهر، وأنا الدهر؛ بيدي الأمر، أقلّب الليل والنهار" رواه الشيخان، فالدهر مسخّر بأمر ربه فليس أهلًا للسب، وسبّه يعود على من صرّفه ودبّره، فليعتن المؤمن بذلك، وليحفظ لسانه من سّب ربه وهو لا يدري! ولا قوة إلا بالله.
ومن مناهي الألفاظ قول بعضهم: من حسن الطالع أن حدث كذا، فهذا التعبير قد تسلل إلى بعض العامة من شرك التنجيم وهو محرّم، لأن الطالع هو النجم، وعبدةُ النجومِ يحيلون التدبير إليها، ويقرؤونه من مطالعها ومنازلها، وقد هدم الرسل الشرك في الربوبية كما هدموا شرك الألوهية، فلا خالقَ ولا مدبرَ ولا متصرفَ إلا اللهُ وحده لا شريك له، "الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار".
ومن المناهي: قول بعضهم: اقرأوا الفاتحة على روح فلان، فهذا محدث، وكل بدعة ضلالة، والميت ينفعه الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والعمرة، فلا ينبغي أن يُتساهل فيما لم يرد في الشرع الحنيف، والاستحسان باب البدع.
ومن المناهي: قول من أراد تنزيه الله تعالى عن الخطأ: العصمة لله، ووجه المنع أن العصمة لا بد لها من عاصم، والله تعالى هو الذي لا عاصم من أمره، ولا يحتاج لمن يعصمه فهو الخالق لكل شيء، وهو على كل شيء قدير، سبحانه وبحمده. أما إن أراد بها أن الله هو الذي يعصم ويحفظ فلا بأس بها، والسياق هو الذي يحدّد المراد.
ومن المناهي قول: توكلت على الله وعليك، فالتوكّل عبادة لا يتوجّه بها إلا إلى الله وحده، وعلى المرء أن يقول: توكلت على الله ثم اعتمدت عليك، فيردف التوكل على الله بـ"ثمّ" المفيدة للترتيب، ويتحاشى لفظةَ التوكلِ على المخلوق ويستبدلها بلفظ الاعتماد، وهو الأحوط للدين والأبرأ للذمة والأصوَن للسان، أما عبارة: وكّلت فلانًا، فلا بأس بها لأنها من باب الإنابة لا الاعتماد.
ومن فروع النهيِ عن التشريك: النهيُ عن قول: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وفلان ونحو ذلك.
ومن المناهي: الإعراضُ عن لُبابِ التوحيد وهو الدعاء، والاستهانة به، بشبهة علمِ الله تعالى بالحال، وقد يجادلون بما لا تصح نسبته لأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام بأنه قال حينما ألقي في النار: علمه بحالي يغني عن سؤالي. وهذا باطل لا يصح لا سندًا ولا متنًا، وقد ذكر الله تعالى عن خليله عليه السلام أنه كثير الدعاء والضراعة إليه ومن دعواته: "رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء" وقد قال حينما ألقوه في النار: حسبي الله ونعم الوكيل، وفيها كمال التسليم مع تضمن الدعاء بالسلامة، فهذا الدعاء العظيم قد جمع الثناء والمسألة، وهذا من فقه الأنبياء العظيم، لذلك قالها رسولنا صلى الله عليه وسلم حينما قال له الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم: "فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل".
 ودعاء المسألة في حقيقته دعاء ثناء لأنه يتضمن الأصول الحسنة للتوكل على الله وحسن الظن به والعلم به وعظيم الرجاء والرغبة والرهبة، كما أن دعاء الثناء يتضمن دعاء المسألة بجميل التعرض لكرم الكريم بالثناء عليه الثناء الجميل، وبالله التوفيق.
ومن المناهي: قول بعضهم: مسيجد، مصيحف، لأن ذلك التصغير اللفظي موهم بالتصغير المعنوي المفضي للاستهانة بشعائر الله تعالى، فالواجب تعظيمها وإجلالها بالقول والفعل والاعتقاد. "ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب".
ومن المناهي التي بدأت في الانتشار: القول بأن اليهود والنصارى ليسوا كفارًا، وأن الأديان الثلاثة على سبيل نجاة، وينسبون كفر اليهود والنصارى - ظلمًا وضلالًا - لإمام الحنيفية إبراهيمَ عليه السلام فيقولون: الأديان الثلاثة الإبراهيمية كلها موصلة للجنة، وهذا ضلال مبين، وتكذيب لله رب العالمين إذ قال: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة" وقال تعالى: "قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون".  وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به؛ إلا كان من أصحاب النار" رواه مسلم.
ومن مناهي القول: قول بعضهم للأخر: الله يسأل عن حالك! فالله تعالى عليم بكل شيء، ولا تخفى عليه خافية، وليس في حاجة لسؤال واستخبار، فحتى وإن كان قصد القائل أن يعافيَ الله فلانًا ويوفقه فالتعبير عن قصده لم يوفَّق له، بل عليه أن يقول: وفقك الله وأعانك ولطف بك وسلّمك ونحو ذلك.
ومن الأخطاء: تسميةُ النبي صلى الله عليه وسلم بأسماءِ بعض سور القرآن الكريم مثل: طه، يس. فهي ليست من أسمائه صلى الله عليه وسلم، بل هي من الآيات المنزلة في أوائل سور الكتاب العزيز كأمثال: ألم، ألر، ق، ص، ونحوها.
 إما أسماؤه صلى الله عليه وسلم فخذها من فيه إذ قال: "إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي؛ الذي يمحو اللّه بيَ الكفر، وأنا الحاشر؛ الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب؛ والعاقب الذي ليس بعده نبي" متفق عليه.
ومن المناهي: قول: رأي الدين هو كذا وكذا، قال الشيخ أبو زيد رحمه الله: الرأيُ أساسه مبني على التدبر والتفكر، ويتردد بين الخطأ والصواب. فلا يقال رأي الدين، بل حكم الله وأمره ونهيه وقضاؤه، أما إذا كان الرأي صادرًا عن اجتهاد فلا يقال فيه رأي الدين، ولكن يقال: رأي المجتهد أو العالم.
هذا ومن الأدب مع الله تعالى أن تقول في إنكارك على من جاهر بالمنكر أو عاند أو حارب أو حادّ شرع الله أن تقول: ما أغرّ فلانًا بالله! ولا تقل: ما أجرأ فلانًا على الله، فهي موهمة لشيء من قدرة المخلوق على الخالق، وهذا محال. "يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم؟".
ومن المناهي الشديدة: أن يتألّى العبد على ربه إعجابًا بطاعته واحتقارًا لعباد الله، فيقول: لن يغفر الله لفلان، أو يستحيل أن يتوب فلان، أو فلان من أهل النار ونحو ذلك، فهذا التألي من أسباب حبوط العمل - عياذًا بالله - ولا يغني عنه أن يكون دافعه الغيرة على محارم الله، فالله لا يُتقرب إليه بمعصيته، والعباد عباد الله، وهو أعلم بهم وببواطنهم وبخواتمهم. ووقد روى مسلم عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه قولَه: "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألّى –أي يحلف - عليّ ألا أغفر لفلان؟! فإني قد غفرت له، وأحبطت عملك".
ومن المناهي قول بعضهم في سياق إلحاحه على أخر: وجهَ الله أن تفعل كذا، أو جاه الله عليك أن تفعل كذا، أو أسوق جاه الله عليك ونحو ذلك، وهذا سوء أدب مع الله تعالى، لأنه استشفاع بالعظيم الكبير الباقي على المخلوق الحقير الصغير الفاني، فهو محرم لا يجوز، بل قد ورد عند أبي داود - بسند فيه لين - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشتد غضبه حينما اشتُشفع بالله تعالى عليه، وبالله التوفيق.

إبراهيم الدميجي

الاثنين، 11 ديسمبر 2017

تمام النعمة بالإسلام

تمام النعمة بالإسلام
"إن الدين عند الله الإسلام" تكامل إسلام العقيدة في ديننا بإسلام الشريعة، فتمت به النعمة الإلهية على البشرية.
وبحمد الله تعالى فمعدن الإسلام الأصيل إلهي محفوظ، فهو غير قابل للتغيير والنحت والتبديل، قد يتغير بعض معتنقيه لكن حقيقته باقية محفوظة في صدور وسطور من شاء الله تعالى الله من عباده الذين حفظه بهم وحفظهم به.
ومهما اشتدت ضراوة الحرب على الإسلام والتنكيل بأهله، ومهما علت قمم المكر به وكيده، إلا أن خصومه يعودون منه بأحمال الخيبة، ذلك أنه كامل في ذاته عصيّ على السقوط بكامله حتى وإن تعثر أهله لجهل أو ضعف عزيمة لكنهم في الحقيقة يعلون به ولا يُعلى عليهم بغيره.

إن حقيقة الإسلام شديدة النصوع بالغة النصح، فمن ضرب معدنه بحرب مادة وجد بين يديه مادة ثورية تجتثه، ومن رام تبديله بفكر أو خرافة اندهش لرسوخ حقائق العلم والفطرة في أركانه، ومن قارنه بغيره تبيّن له شموخه وسموّه ورفعته عن كل ما عداه من دين مبدل أو فكر محدث. "يخرجهم من الظلمات إلى النور".
إبراهيم الدميجي

الأربعاء، 22 نوفمبر 2017

لا تحزن

لا تحزن
الحزن شعور سلبي سوداوي مخالف للسرور والسعادة والاستبشار، وهو مفضِ مع الاستمرار في سردابه للكأبة والقنوط وسوء الظن بالله تعالى وحسن تدبيره وعظيم حكمته ولطفه ورحمته وبره. والله تعالى يحب الخير لعباده ويدلهم على طريق الفرح (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) ونهى عن الحزن في غير موضعه: (ولا تحزن عليهم).
وبما أن المؤمن بشر مثل جنسه فلا يُنكر عليه الحزن العارض لفوات ملائم أو طروء مخالف لطبعه أو مضايقة روحه ونفسه، ولكن عليه أن يكون مَلِكَ نفسه وسيد مشاعره وطبيب روحه؛ فيرخي لمشاعره الزمام شيئًا بحيث لا يكبتها، كما لا يتركها بلا قيد ولا خطام.
وليستعمل علمه بالله وحسن ظنه به وعقله وفكره فيما بين يديه من دوافع حزنه وروافع بلائه وأسباب سلوانه، فإن كان الأمر لفوات دنيا فليعلم أن الدنيا بحذافيرها لا تستحق على التحقيق حزن ساعة! لكن لضعفنا البشري المركّب وغفلتنا الآنيّة نسترسل فيما لا ينبغي للعاقل الاسترسال فيه.
وأما إن كان الحزن للدِّين فينظر: إن كان لذنب أو فوات طاعة وقُربَه؛ فحزنه محمود، لكن عليه أن يجعل حزنه إيجابيًّا بحيث يعوّض ما فاته ويستدرك ما فرط فيه بحسب وسعه وطاقته، ويستغفر لذنبه ويلح بدعاء ربه بقبول توبته والعفو عنه.
وأما الحزن لدِين غيره كتقصير الناس في طاعة الله وانتشار المنكرات وضعف حال المسلمين وضعف تدينهم وظلمهم من قبل أعداء الدين قتلًا وسجنًا وتشريدًا؛ فحزنه محمود، ولكن لا بد أن يكون حزنًا باعتدال، مع مزجه بالاحتساب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجاه المنكرات وبالرضا بالقضاء لمصيبات الأمة ونقص أمنهم وأرزاقهم، مع بذله جهده وطاقته في سبيل رفع ما يمكن رفعه من حال الأمة، وكلٌ ميسر لما خلق له. وبالله التوفيق.
إبراهيم الدميجي


الخميس، 9 نوفمبر 2017

أسباب معينة على الصبر على البلاء


أسباب معينة على الصبر على البلاء
 قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى:
"أحدها: شهود جزائها وثوابها.
 الثاني: شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها.
 الثالث: شهود القدر السابق الجاري بها، وأنها مقدرة في أم الكتاب قبل أن يُخلق فلا بد منها، فجزعه لا يزيده إلا بلاء.
 الرابع: شهوده حقِّ الله عليه في تلك البلوى، وواجبُه فيها الصبرُ بلا خلاف بين الأمة، أو الصبر والرضا على أحد القولين، فهو مأمور بأداء حق الله وعبوديته عليه في تلك البلوى، فلا بد له منه وإلا تضاعفت عليه.
 الخامس: شهود ترتّبها عليه بذنبه كما قال الله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) فهذا عام في كل مصيبة دقيقة وجليلة، فشغلُه شهودُ هذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم الأسباب في دفع تلك المصيبة، قال علي بن أبي طالب: ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع بلاء إلا بتوبة.
 السادس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها، وأن العبوديةَ تقتضي رضاه بما رضي له به سيدُه ومولاه، فإن لم يوف قدر المقام حقه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم.
 السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواء نافع ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته، الرحيم به، فليصبر على تجرعه ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه، فيذهب نفعه باطلًا.
 الثامن: أن يعلم أن في عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم مالم تحصل بدونه، فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الدواء ومرارته فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره، قال تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) وقال الله تعالى: (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) وفي مثل هذا القائل:
 لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل
 التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليَه، فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا، فإن ثبت اصطفاهُ واجتباه، وخلع عليه خِلَعً الإكرام، وألبسه ملابس الفضل، وجعله من أولياءه وحزبه.
 وإن انقلب على وجهه ونكص على عقبيه طُرد وصُفع قفاه وأُقصي، وتضاعفت عليه المصيبة وهو لا يشعر في الحال بتضاعفها وزيادتها، ولكن سيعلم بعد ذلك بأنّ المصيبة في حقه صارت مصائب، كما يعلم الصابر أن المصيبة في حقه صارت نعمًا عديدة.
 وما بين هاتين المنزلتين المتباينتين إلا صبر ساعة، وتشجيعُ القلب في تلك الساعة، والمصيبةُ لا بد أن تقلع عن هذا وهذا، ولكن تقلع عن هذا بأنواع الكرامات والخيرات، وعن الآخر بالحرمان والخذلان، لأن ذلك تقدير العزيز العليم، وفضلُ الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
 العاشر: أن يعلم أن الله يُربّي عبده على السراء والضراء والنعمة والبلاء، فيستخرجُ منه عبوديتَه في جميع الأحوال، فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال.
 وأما عبدُ السراء والعافية الذي يعبدُ الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه؛ فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته.
 فلا ريب أن الإيمان الذي يثبت على محل الابتلاء والعافية هو الأيمان النافعُ وقت الحاجة، وأما إيمان العافية فلا يكاد يصحب العبد ويبلغه منازل المؤمنين، وإنما يصحبه إيمانٌ يثبُت على البلاء والعافية، فالابتلاء كَيْرُ العبد، ومحكّ إيمانه، فإما أن يخرج تبرًا أحمرَ وإما أن يخرج زَغَلًا محضًا، وإما أن يخرج فيه مادتان ذهبيةُ ونحاسية، فلا يزال به البلاء حتى يُخرج المادةَ النحاسية من ذهبه، ويبقى ذهبًا خالصًا.
 فلو علم العبد أن نعمةَ الله عليه في البلاء ليست بدون نعمة الله عليه في العافية؛ لشغلَ قلبَه ولسانه بشكره، ولقال: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (1).
وكيف لا يشكر من قيّض له ما يستخرج خبثَه ونحاسه وصيّره تِبرًا خالصًا يصلح لمجاورته والنظرِ إليه في داره.
 فهذه الأسباب ونحوُها تثمر الصبرَ على البلاء، فإن قويت أثمرت الرضا والشكر، فنسأل الله أن يسترنا بعافيته، وألا يفضحنا بابتلائه، بمنه وكرمه"(2).
 1- رواه أبو داود ( 1522 ) والنسائي 3/53 بسند صحيح.
 2- طريق الهجرتين (1 / 502)


مقويّات الصبر عن معصية الله تعالى

مقويّات الصبر عن معصية الله تعالى
الحمد لله والصلاة والسلام والبركة على نبيه ومصطفاه وعلى آله وصحبه، وبعد: فإن المؤمن الناصحَ لنفسه الراغبَ لخيرِها وفلاحِها وسعادتها حريصٌ على الدوام على كل ما فيه مصالحُها وحراستها من كل شر يحيط بها، ولمّا كان رأس الشر عصيان الرحمن كان على المؤمن التجافي عن الخطيئة قدر طاقته، قال ربنا تبارك وتعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين)
فالمؤمن يتطلّب الأسباب الشرعية المفضية لبعده عن المعصية حتى يسلم من غوائل السقوط من عين الله تعالى، وقد ذكر الإمام ابن القيم بعض هاتيك الأسباب المانعة من وقوع العبد في معصيه مولاه تعالى فقال:
"أحدها: علم العبد بقبحها ورذالتها ودناءتها، وأن الله إنما حرمها ونهى عنها صيانةً وحماية عن الدنايا والرذائل كما يحمي الوالد الشفيق ولده عما يضره، وهذا السبب يحمل العاقل على تركها ولو لم يُعلّق عليها وعيد بالعذاب.
 السبب الثاني: الحياء من الله سبحانه، فإن العبد متى علم بنظر الله إليه ومقامه عليه وأنه بمرأى منه ومسمع، وكان حييًّا استحيى من ربه أن يتعرض لمساخطه.
 السبب الثالث: مراعاةُ نعمه عليك وإحسانه إليك، فإن الذنوب تزيل النعم ولا بد، فما أذنب عبد ذنبًا إلا زالت عنه نعمةٌ من الله بحسَب ذلك الذنب، فإن تاب وراجع رجعت إليه أو مثلها وإن أصر لم ترجع إليه (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم). ولا تزال الذنوب تزيل عنه نعمه حتى تسلب النعم كلها، قال الله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
 وأعظم النعم الإيمان، وذنب الزنا والسرقة وشرب الخمر وانتهاب النهبة يزيلها ويسلبها. وقال بعض السلف: أذنبت ذنبًا فحرمت قيام الليل سنة! وقال آخر: أذنبت ذنبًا فحرمت فهم القرآن، وفي مثل هذا قيل:
 إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم
 وبالجملة فإن المعاصي نار النعم، تأكلها كما تأكل النار الحطب عياذا بالله من زوال نعمته وتحوّل عافيته.
 السبب الرابع: خوف الله وخشية عقابه، وهذا إنما يثبت بتصديقه في وعده ووعيده، والإيمان به وبكتابه وبرسوله، وهذا السبب يقوى بالعلم واليقين ويضعف بضعفهما، قال الله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) وقال بعض السلف: كفى بخشية الله علمًا والاغترار بالله جهلًا.
 السبب الخامس: محبةُ الله، وهي أقوى الأسبابِ في الصبر عن مخالفته ومعاصيه، فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي سلطان المحبة في القلب كان اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى.
 وإنما تصدر المعصية والمخالفة من ضعف المحبة وسلطانِها، وفرق بين من يحمله على ترك معصية سيده خوفُه من سوطه وعقوبته، وبين من يحمله على ذلك حبُّه لسيده، وفي هذا قال عمر: نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه. يعني أنه لو لم يخف من الله لكان في قلبه من محبة الله وإجلاله ما يمنعه من معصيته.
 فالمحب الصادق عليه رقيب من محبوبه، يرعى قلبه وجوارحه. وعلامة صدق المحبة شهود هذا الرقيب ودوامُه.
 وههنا لطيفة يجب التنبه لها، وهي أن المحبةَ المجردة لا توجب هذا الأثر ما لم تقترن بإجلال المحبوب وتعظيمه، فإذا قارنها بالإجلال والتعظيم أوجبت هذا الحياء والطاعة، وإلا فالمحبةُ الخالية عنهما إنما توجب نوعَ أنسٍ وانبساطٍ وتذكر واشتياق، ولهذا يتخلف عنها أثرُها وموجبها، ويفتش العبدُ قلبه فيرى نوع محبة لله، ولكن لا تحمله على ترك معاصيه! وسبب ذلك تجردها عن الإجلال والتعظيم.
 فما عَمَر القلبَ شيء كالمحبة المقترنة بإجلال الله وتعظيمه. وتلك من أفضل مواهب الله لعبده أو أفضلها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
 السبب السادس: شرف النفس وزكاؤها وفضلها وأَنفتها وحميتها أن تختار الأسباب التي تحطها وتضع من قدرها وتخفض منزلتها وتحقرها وتسوي بينها وبين السفلة.
 السبب السابع: قوة العلم بسوء عاقبة المعصية وقبح أثرها والضرر الناشئ منها؛ من سواد الوجه وظلمة القلب وضيقه وغمه وحزنه وألمه وانحصاره وشدة قلقه واضطرابه، وتمزق شمله، وضعفه عن مقاومة عدوه، وتعرّيه من زينته، والحيرة في أمره، وتخلي وليِّه وناصرِه عنه، وتولّي عدوّه المبين له، وتواري العلم الذي كان مستعدًّا له عنه، ونسيان ما كان حاصلًا له أو ضعفه ولا بد، ومرضِه الذي إذا استحكم به فهو الموت ولا بد، فإن الذنوب تميت القلوب.
 ومنها ذله بعد عزه، ومنها أنه يصير أسيرًا في يد أعدائه بعد أن كان ملكًا متصرفًا يخافه أعداؤه، ومنها أنه يضعف تأثيره فلا يبقى له نفوذ في رعيته ولا في الخارج، ومنها زوال أمنه وتبدله به مخافة فأخوف الناس أشدهم إساءة، ومنها زوال الأنس والاستبدالُ به وحشة، وكلما ازداد إساءة ازداد وحشة.
 ومنها زوال الرضى واستبدالُه بالسخط، ومنها زوال الطمأنينة بالله والسكونِ إليه والإيواءِ عنده واستبدالُه بالطرد والبعد منه، ومنها وقوعه في بئر الحسرات فلا يزال في حسرة دائمة كلما نال لذة نازعته نفسه إلى نظيرها إن لم يقض منها وطرًا أو إلى غيرها إن قضى وطره منها، وما يعجز عنه من ذلك أضعافُ أضعافِ ما يقدر عليه، وكلما اشتد نزوعه وعرف عجزه اشتدت حسرته وحزنه، فيا لها نارًا قد عُذب بها القلبُ في هذه الدار قبل نار الله المُوقَدة التي تطلع على الأفئدة!
 ومنها فقره بعد غناه، فإنه كان غنيًّا بما معه من رأس مال الإيمان، وهو يتّجر به ويربح الأرباح الكثيرة، فإذا سلب رأسُ ماله أصبح فقيرًا معدمًا، فإما أن يسعى بتحصيل رأس مال آخرَ بالتوبة النصوح والجد والتشمير، وإلا فقد فاته ربح كثير بما أضاعه من رأس ماله.
 ومنها نقصان رزقه، فإن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه، ومنها ضعف بدنه، ومنها زوال المهابة والحلاوة التي لبسها بالطاعة، فتبدَّل بها مهانةً وحقارة، ومنها حصولُ البُغضةِ والنفرةِ منه في قلوب الناس، ومنها ضياع أعز الأشياء عليه وأنفسِها وأغلاها وهو الوقت الذي لا عوض منه ولا يعود إليه أبدًا.
 ومنها طمع عدوه فيه وظفره به، فإنه إذا رآه منقادًا مستجيبًا لما يأمره اشتد طمعه وحدث نفسَه بالظفر به، وجعله من حزبه حتى يصيرَ هو وليُه دون مولاهُ الحق.
 ومنها الطبع والرين على قلبه، فإن العبد إذا أذنب نُكت في قلبه نكتةٌ سوداء، فإن تاب منها صُقل قلبه، وإن أذنب ذنبًا آخر نكت فيه نكتة أخرى، ولا تزال حتى تعلوَ قلبه فذلك هو الران، قال الله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون).
 ومنها أنه يحرمُ حلاوة الطاعة، فإذا فعلها لم يجد أثرها في قلبه من الحلاوة والقوة ومزيدِ الإيمان والعقل والرغبة في الآخرة، فإن الطاعة تثمر هذه الثمرات ولا بد.
 ومنها أن تمنع قلبَه من ترحُّله من الدنيا ونزولِه بساحة القيامة، فإن القلب لا يزال مشتتًا مضيِّعًا حتى يرحل من الدنيا وينزلَ في الآخرة، فإذا نزل فيها أقبلت إليه وفود التوفيقِ والعناية من كل جهة، واجتمع على جمع أطرافه وقضاء جَهازه وتعبئة زاده ليوم معاده، وما لم يترحل إلى الآخرة ويحضرَها فالتعب والعناء والتشتت والكسل والبطالة لازمة له لا محالة.
 ومنها إعراضُ الله وملائكته وعبادِه عنه، فإن العبد إذا أعرض عن طاعة الله واشتغل بمعاصيه أعرض الله عنه، فأعرضت عنه ملائكته وعباده، كما أنه إذا أقبل على الله أقبل الله عليه وأقبل بقلوب خلقه إليه.
 ومنها أن الذنبَ يستدعي ذنبًا آخر، ثم يقوى أحدُهما بالآخر فيستدعيان ثالثًا، ثم تجتمع الثلاثة فتستدعي رابعًا وهلم جرا حتى تغمرَه ذنوبُه وتحيطُ به خطيئته! قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنةُ بعدها، ومن عقوبة السيئةِ السيئةُ بعدها.
 ومنها علمه بفوات ما هو أحبُّ إليه وخير له منها من جنسها وغير جنسها، فإن الله لا يجمع لعبده بين لذة المحرمات في الدنيا ولذة ما في الآخرة، كما قال تعالى: (ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها) فالمؤمن لا يُذهب طيباتِه في الدنيا، بل لا بد أن يترك بعض طيباته للآخرة، وأما الكافر فإنه لا يؤمن بالآخرة فهو حريص على تناول حظوظه كلِّها وطيباته في الدنيا.
 ومنها علمه بأن أعمالَه هي زادُه ووسيلته إلى دار إقامته، فإن تزود من معصية الله أوصله ذلك الزاد إلى دار العصاة والجُناة، وإن تزود من طاعته وصل إلى دار أهل طاعته ووَلايته.
 ومنها علمه بأن عملَه هو وليُّه في قبره، وأنيسُه فيه وشفيعه عند ربه، والمخاصمُ والمحاج عنه، فإن شاء جعله له، وإن شاء جعله عليه.
ومنها علمه بأن أعمال البر تنهض بالعبد وتقوم به وتصعد إلى الله به، فبحسَب قوة تعلقه بها يكون صعوده مع صعودها، وأعمال الفجور تهوي به وتجذبه إلى الهاوية وتجره إلى أسفل سافلين، وبحسَب قوة تعلقه بها يكون هبوطه معها ونزوله إلى حيث تستقر به، قال الله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) وقال تعالى: (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء) فلما لم تفتح أبواب السماء لأعمالهم بل أغلقت عنها لم تفتح لأرواحهم عند المفارقة، بل أغلقت عنها، وأهلُ الإيمان والعملِ الصالح لما كانت أبواب السماء مفتوحةً لأعمالهم حتى وصلت إلى الله سبحانه؛ فتحت لأرواحهم حتى وصلت إليه تعالى وقامت بين يديه، فرحمها وأمر بكتابة اسمها في عليين.
 ومنها خروجه من حصن الله الذي لا ضيعةَ على من دخله، فيخرج بمعصيته منه إلى حيث يصير نهبًا للصوص وقطاع الطريق، فما الظن بمن خرج من حصن حصين لا تدركه فيه آفة إلى خَرِبَةٍ موحشة هي مأوى اللصوصِ وقطاع الطريق، فهل يتركون معه شيئًا من متاعه؟! ومنها أنه بالمعصية قد تعرّض لمحق بركته.
وبالجملة فآثار المعصية القبيحة أكثر من أن يحيطَ بها العبدُ علمًا، وآثارُ الطاعة الحسنة أكثرُ من أن يحيطَ بها علمًا، فخيرُ الدنيا والآخرة بحذافيره في طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره في معصيته. وفي بعض الآثار يقول الله سبحانه وتعالى: "من ذا الذي أطاعني فشقي بطاعتي، ومن ذ الذي عصاني فسعد بمعصيتي".
 السبب الثامن: قصرُ الأمل، وعلمه بسرعة انتقاله، وأنه كمسافر دخل قرية وهو مزمِع على الخروج منها، أو كراكب قال في ظل شجرة ثم سار وتركها، فهو لعلمه بقلّة مُقامه وسرعة انتقاله حريصٌ على ترك ما يُثقله حملُه ويضره ولا ينفعه، حريص على الانتقال بخير ما بحضرته، فليس للعبد أنفع من قصر الأمل، ولا أضر من التسويف وطول الأمل.
 السبب التاسع: مجانبة الفضول في مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه واجتماعه بالناس، فإن قوة الداعي إلى المعاصي إنما تنشأ من هذه الفضول، فإنها تطلب لها مصرِفًا فيضيق عليها المباح، فتتعداه إلى الحرام.
 ومن أعظم الأشياء ضررًا على العبد بطالتُه وفراغُه، فإن النفس لا تقعد فارغةً، بل إن لم يشغلها بما ينفعها شغلته بما يضره ولا بد.
 السبب العاشر: وهو الجامع لهذه الأسباب كلها ثباتُ شجرة الإيمان في القلب، فصبرُ العبد عن المعاصي إنما هو بحسَب قوة إيمانه، فكلما كان إيمانه أقوى كان صبره أتمّ، وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر، فإن من باشر قلبُه الإيمان بقيام الله عليه ورؤيته له وتحريمه لما حرم عليه وبغضِه له ومقته لفاعله، وباشر قلبُه الإيمانَ بالثواب والعقاب والجنة والنار امتنع من ألا يعمل بموجب هذا العلم.
ومن ظن أنه يقوى على ترك المخالفات والمعاصي بدون الإيمان الراسخ الثابت فقد غلط، فإذا قوي سراج الإيمان في القلب وأضاءت جهاته كلها به وأشرق نوره في أرجائه سرى ذلك النورُ إلى الأعضاء وانبعث إليها، فأسرعت الإجابةَ لداعي الإيمان، وانقادت له طائعةً مذللةً غيرَ متثاقلةٍ ولا كارهة، بل تفرح بدعوته حين يدعوها كما يفرح الرجل بدعوة حبيبه المحسنِ إليه إلى محل كرامته، فهو كل وقت يترقب داعيه ويتأهب لموافاته، والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
طريق الهجرتين لابن القيم رحمه الله (1 / 404 - 415) باختصار يسير.