إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الخميس، 28 مارس 2024

الاعتصام بالسنة وسبيل السلف الصالح

 

الاعتصام بالسنة وسبيل السلف الصالح

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام والبركة على النبي الخاتم الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان، آمين، أما بعد:

 فَمَن تأمل عجائب أحوال الناس، وغرائب اختياراتهم، وسرعة تقلبهم في محن الدنيا وفتنها، ومسارعتهم لركوب مَا مآله هَلَكَتُهُم؛ أيقن أن الأمر في الغاية القصوى من الخطر، وأنه لا عاصم من أمر الله عز وجل إلا مَن رَحِمَ، فموج الفتن بشبهاتها وشهواتها يحول بين المرء وعقله وعلمه وقلبه وإرادته، فيصبحُ العاقل سفيهًا، ويضحي الحليمُ حيرانًا، ويمسي العالِمُ على خطرٍ، والعابدُ على حَرَضٍ، فما بال الجاهل، فاللهم رحماك رحماك!

قال الإمام الزهري ؒ: «كان علماؤنا يقولون: الاعتصام بالسنة هو النجاة» ([1]). وقال الإمام مالك ؒ: «السنة سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق» ([2]).

وهذا التشبيه المالكي في الغاية من المطابقة والجودة، ولا غرو؛ فالطيب من معدنه لا يُستغرب، فهو إمام دار الهجرة، معدود من نوادر معادن الحكمة، وذخائر العلم، وحصون الديانة. وتظهر براعة التشبيه لمن تدبر حال الناس في أزمنة الجهل وغربة الدين واستطالة الفسقة، فسفينة السنة علمًا وعملًا ونيّة واتّباعًا ودعوة وجهادًا هي سفينة النجاة والفلاح لمن وفقه الله لركوبها والاعتصام بها.

قال تقي الدين: «وذلك أن السنة والشريعة والمنهاج: هو الصراط المستقيم الذي يوصل العباد إلى الله. والرسول: هو الدليل الهادي الخِرِّيتُ في هذا الصراط كما قال تعالى: { إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } { وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } وقال تعالى: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } { صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور } وقال تعالى : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } [الأنعام: ١٥٣].

وقال عبد الله بن مسعود خط رسول الله ﷺ خطًّا وخط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: «هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. ثم قرأ: { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } [الأنعام: ١٥٣] » ([3]).

وإذا تأمل العاقل ــ الذي يرجو لقاء الله ــ هذا المثال، وتأمل سائر الطوائف من الخوارج ثم المعتزلة ثم الجهمية والرافضة ومَن أقرب منهم إلى السنة من أهل الكلام مثل الكرامية والكلابية والأشعرية وغيرهم، وأن كلًّا منهم له سبيل يخرج به عما عليه الصحابة وأهل الحديث، ويدّعي أن سبيله هو الصواب ــ وَجَدَ أنهم المراد بهذا المثال الذي ضربه المعصوم الذي لا يتكلم عن الهوى. (إن هو إلا وحي يوحى) [النجم: ٤]»([4]).

فلا مندوحة للمؤمن عن الاعتصام بالكتاب والسنة وعلى قدر اعتصامه تكون كفايته بإذن الله. «وشواهد هذا الأصل العظيم الجامع من الكتاب والسنة كثيرة، وترجم عليه أهل العلم في الكتب (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة) كما ترجم عليه البخاري والبغوي وغيرهما، فمن اعتصم بالكتاب والسنة كان من أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين.

إذا عُرف هذا فمعلوم أنما يهدي الله به الضالين ويرشد به الغاوين ويتوب به على العاصين لا بد أن يكون فيما بعث الله به رسوله من الكتاب والسنة، وإلا فإنه لو كان ما بعث الله به الرسول ﷺ لا يكفي في ذلك؛ لكان دين الرسول ناقصًا محتاجًا تتمة!

وينبغي أن يعلم أن الأعمال الصالحة أمر الله بها أمر إيجاب أو استحباب. والأعمال الفاسدة نهى الله عنها. والعمل إذ اشتمل على مصلحة ومفسدة فإن الشارع حكيم. فإن غلبت مصلحته على مفسدته شرعه وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه؛ بل نهى عنه كما قال تعالى: { كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون } وقال تعالى : { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } [البقرة: ٢١٩] ولهذا حرمهما الله تعالى بعد ذلك.

وهكذا ما يراه الناس من الأعمال مقربًا إلى الله ولم يشرعه الله ورسوله؛ فإنه لا بد أن يكون ضرره أعظم من نفعه. وإلا فلو كان نفعه أعظم غالبًا على ضرره لم يهمله الشارع؛ فإنه ﷺ حكيم لا يهمل مصالح الدين، ولا يفوت المؤمنين ما يقربهم إلى رب العالمين.

لذلك فمن قصد أن يُتوِّبَ المجتمعين على الكبائر وزعم أنه لا يمكنه ذلك إلا بما من طريق بدعي فهو جاهل بالطرق الشرعية التي بها تتوب العصاة أو عاجز عنها، فإن الرسول ﷺ والصحابة والتابعين كانوا يدْعُون من هو شر من هؤلاء من أهل الكفر والفسوق والعصيان بالطرق الشرعية التي أغناهم الله بها عن الطرق البدعية. فلا يجوز أن يقال: إنه ليس في الطرق الشرعية التي بعث الله بها نبيه ما يتوّب به العصاة، فإنه قد علم بالاضطرار والنقل المتواتر أنه قد تاب من الكفر والفسوق والعصيان من لا يحصيه إلا الله تعالى من الأمم بالطرق الشرعية التي ليس فيها بدعة»([5]).

إذا تبين ذلك فالسعيد من اعتصم بموارد العصمة الحقيقية الباقية دون الزائفة الفانية، فمن رام الثبات والهدى فليعتصم برسالة سيد الثقلين صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، «فالسعادة والهدى في متابعة الرسول ﷺ والضلال والشقاء في مخالفته، وكل خير في الوجود إما عام وإما خاص فمنشأه من جهة الرسول، وكل شر في العالم مختص بالعبد فسببه مخالفة الرسول أو الجهل بما جاء به، وسعادة العباد في معاشهم ومعادهم مقرون باتباع الرسالة.

والرسالة ضرورية للعباد لابد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟!

والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة، وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة، وهو من الأموات، قال الله تعالى: ( أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ) فهذا وصف المؤمن كان ميتًا في ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل له نورًا يمشي به في الناس. وأما الكافر فميت القلب في الظلمات.

 وسمى الله تعالى رسالته روحًا، والروح إذا عدم فقد فقدت الحياة قال الله تعالى: ( وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا ) فذكر هنا الأصلين وهما: الروح والنور، فالروح الحياة والنور النور.

 وكذلك يضرب الله الأمثال للوحى الذى أنزله حياة للقلوب ونورًا لها بالماء الذى ينزله من السماء حياة للأرض وبالنار التي يحصل بها النور، وهذا كما في قوله تعالى: ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه فى النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض كذلك يضرب الله الأمثال ). [الرعد: ١٧].

أصول السعادة الثلاثة قد حواها القرآن العظيم:

فالأصل الأول: يتضمن إثبات الصفات والتوحيد والقَدَر وذكر أيام الله في أوليائه وأعدائه، وهي القصص التي قصها على عباده والأمثال التي ضربها لهم.

والأصل الثاني: يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهى والإباحة وبيان ما يحبه الله وما يكرهه.

والأصل الثالث: يتضمن الإيمان باليوم الآخر والجنة والنار والثواب والعقاب.

وعلى هذه الأصول الثلاثة مدار الخلق والأمر، والسعادة والفلاح موقوفة عليها، ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهة الرسل، فإن العقل لا يهتدي إلى تفاصيلها ومعرفة حقائقها، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة إليها من حيث الجملة، كالمريض الذي يدرك وجه الحاجة إلى الطب ومن يداويه، ولا يهتدي إلى تفاصيل المرض وتنزيل الدواء عليه.

وحاجة العبد الى الرسالة أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطب، فإن آخر ما يقدر بعدم الطبيب موت الأبدان، وأما إذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها مات قلبه موتًا لا ترجى الحياة معه أبدًا، وشقي شقاوة لا سعادة معها أبدًا.

فلا فلاح إلا باتباع الرسول، فإنّ الله خص بالفلاح أتباعه المؤمنين وأنصاره كما قال تعالى: ( فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه اولئك هم المفلحون ) أي: لا مفلح إلا هم كما قال تعالى: ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) [آل عمران: ١٠٤] فخص هؤلاء بالفلاح كما خص المتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم ويؤمنون بما انزل إلى رسوله وما أنزل من قبله ويوقنون بالآخرة بالهدى والفلاح، فعلم بذلك إن الهدى والفلاح دائر حول الرسالة وجودًا وعدمًا، وهذا مما اتفقت عليه الكتب المنزلة من السماء، وبُعث به جميع الرسل.

ولهذا قص الله علينا أخبار الأمم المكذبة للرسل وما صارت إليه عاقبتهم، وأبقى آثارهم وديارهم عبرة لمن بعدهم وموعظة، وكذلك مسخ من مسخ قرده وخنازير لمخالفتهم لأنبيائهم، وكذلك من خسف به وأرسل عليه الحجارة من السماء وأغرقه في اليم وأرسل عليه الصيحة وأخذه بأنواع العقوبات، وإنما ذلك بسبب مخالفتهم للرسل، وإعراضهم عما جاؤوا به، واتخاذهم أولياء من دونه.

وهذه سنته سبحانه فيمن خالف رسله وأعرض عما جاؤوا به واتبع غير سبيلهم، ولهذا أبقى الله سبحانه آثار المكذبين لنعتبر بها ونتعظ لئلا نفعل كما فعلوا فيصيبنا ما أصابهم كما قال تعالى ( إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون ) وقال تعالى: ( ثم دمرنا الآخرين وانكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون ) أي تمرون عليهم نهارًا بالصباح وبالليل ثم قال: ( أفلا تعقلون ( وقال تعالى في مدائن قوم لوط: ( وامطرنا عليهم حجارة من سجيل إن فى ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم ) يعنى مدائنهم بطريق مقيم يراها المار بها وقال تعالى: ( او لم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ). [الروم: ٩].

وهذا كثير في الكتاب العزيز يخبر الله سبحانه عن إهلاك المخالفين للرسل ونجاة أتباع المرسلين، ولهذا يذكر سبحانه في سورة الشعراء قصة موسى وإبراهيم ونوح وعاد وثمود ولوط وشعيب، ويذكر لكل نبي إهلاكه لمكذبيهم والنجاة لهم ولأتباعهم، ثم يختم القصة بقوله: ( إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) [الشعراء: ٨ - ٩] فختم القصة باسمين من أسمائه تقتضيها تلك الصفة وهما العزيز والرحيم، فانتقم من أعدائه بعزته، وأنجى رسله وأتباعهم برحمته.

والرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة، فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة، فان الإنسان مضطر إلى الشرع، فإنه بين حركتين: حركة يجلب بها ما ينفعه، وحركة يدفع بها ما يضره، والشرع هو النور الذي يبين ما ينفعه وما يضره، والشرع نور الله في أرضه، وعدله بين عباده، وحصنه الذي من دخله كان آمنًا.

وليس المراد بالشرع التمييز بين الضار والنافع بالحس، فان ذلك يحصل للحيوانات العُجْم، فإن الحمار والجمل يميز بين الشعير والتراب، بل التمييز بين الأفعال التي تضر فاعلها في معاشه ومعاده، كنفع الإيمان، والتوحيد، والعدل، والبر، والتصدق، والإحسان، والأمانة، والعفة، والشجاعة، والحلم، والصبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى المماليك والجار، وأداء الحقوق، وإخلاص العمل لله، والتوكل عليه، والاستعانة به، والرضا بمواقع القدر به، والتسليم لحكمه، والانقياد لأمره، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وخشيته في الغيب والشهادة، والتقوى إليه بأداء فرائضه واجتناب محارمه واحتساب الثواب عنده، وتصديقه وتصديق رسله في كل ما اخبروا به، وطاعته في كل ما أمروا به مما هو نفع وصلاح للعبد في دنياه وآخرته، وفى ضد ذلك شقاوته ومضرته في دنياه وآخرته.

ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد، فمِن أعظم نعم الله على عباده وأشرف مننه عليهم أن أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وبين لهم الصراط المستقيم، ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم، بل أشر حالًا منها، فمَن قَبِلَ رسالة الله واستقام عليها فهو من خير البريّة، ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية، وأسوأ حالًا من الكلب والخنزير والحيوان البهيم.

وفى الصحيح من حديث أبى موسى رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب([6]) أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وانتفعوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فَقُهَ في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به»([7]).

فالحمد لله الذي أرسل إلينا رسولًا من أنفسنا يتلو علينا آيات الله ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة وإن كنا من قبل لفي ضلال مبين، وقال أهل الجنة ( الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ) [الأعراف: ٤٣].

والدنيا كلها ملعونة ملعون ما فيها إلا ما أشرقت عليه شمس الرسالة وأسس بنيانه عليها، ولا بقاء لأهل الأرض إلا ما دامت آثار الرسل موجودة فيهم، فإذا درست آثار الرسل من الأرض وانمحت بالكليّة خرّب الله العالم العلوي والسفلي وأقام القيامة!

وليست حاجة أهل الأرض إلى الرسول كحاجتهم إلى الشمس والقمر والرياح والمطر، ولا كحاجة الإنسان إلى حياته، ولا كحاجة العين إلى ضوئها، والجسم إلى الطعام والشراب، بل أعظم من ذلك وأشد حاجة من كل ما يقدر ويخطر بالبال، فالرسل وسائط بين الله وبين خلقه في أمره ونهيه، وهم السفراء بينه وبين عباده.

وكان خاتمهم وسيدهم وأكرمهم على ربه محمد بن عبد الله ﷺ يقول: «يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة»([8]) وقال الله تعالى: ( وما أرسلناك الا رحمة للعالمين ) [الأنبياء: ١٠٧].

وقال صلوات الله وسلامه عليه: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب»([9]) وهذا المقت كان لعدم هدايتهم بالرسل، فرفع الله عنهم هذا المقت برسول الله ﷺ، فبعثه رحمه للعالمين ومَحَجّة للسالكين وحُجَّةً على الخلائق أجمعين، وافترض على العباد طاعتَه ومحبته وتعزيرَهُ وتوقيرَه والقيامَ بأداء حقوقه، وسدَّ إليه جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه، وأخذ العهود والمواثيق بالإيمان به واتباعه على جميع الأنبياء والمرسلين، وأمرهم أن يأخذوها على من اتّبعهم من المؤمنين.

أرسله الله بالهدى ودين الحق بين يدى الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فختم به الرسالة، وهدى به من الضلالة، وعلّم به من الجهالة، وفتح برسالته أعينًا عميًا وآذنًا صمًّا وقلوبًا غلفًا، فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألّفت بها القلوب بعد شتاتها، فأقام بها الملّة العوجاء، وأوضح بها المحجة البيضاء، وشرح له صدره ووضع عنه وزره ورفع ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، أرسله على حين فترة من الرسل، ودروس من الكتب، حين حُرّفَ الكَلِمُ، وبُدّلت الشرائع، واستند كل قوم إلى أظلم آرائهم، وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم، فهدى الله به الخلائق، وأوضح به الطريق، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وبصّر به من العمى، وأرشد به من الغيّ، وجعله قسيمَ الجنة والنار([10]) وفرقَ ما بين الأبرار والفجار، وجعل الهدى والفلاح في اتّباعه وموافقته، والضلالَ والشقاء في معصيته ومخالفته.

وامتحن به الخلائق في قبورهم، فهم في القبور عنه مسؤولون وبه ممتحنون، يؤتى العبد في قبره فيقال: ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟

فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله، جاءنا بالبينات والهدى، فآمنّا به واتبعناه. فيقال له: صدقت، على هذا حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله، نَمْ نومةَ العروس لا يوقظه إلا أحبّ أهله إليه. ثم يُفسح له في قبره، وينوّر له فيه، ويفتح له باب إلى الجنة، فيزداد غبطة وسرورًا.

وأما الكافر والمنافق فيقول: لا أدري! سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته. فيقال له: قد كنا نعلم ذلك، وعلى ذلك حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله، ثم يضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان([11]).

وقد أمر الله بطاعة رسوله في أكثر من ثلاثين موضعًا من القرآن، وقرن طاعته بطاعته، وقرن بين مخالفته ومخالفته، كما قرن بين اسمه واسمه فلا يذكر الله إلا ذكر معه، قال بن عباس رضى الله عنه في قوله تعالى: ( ورفعنا لك ذكرك ) [الشرح: ٤] قال: «لا أُذكَرُ إلا ذُكرتَ معي» ([12]). وهذا كالتشهد والخطب والأذان أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، فلا يصح الإسلام إلا بذكره والشهادة له بالرسالة.

وكذلك لا يصح الأذان إلا بذكره والشهادة له، ولا تصح الصلاة إلا بذكره والشهادة له، ولا تصح الخطبة إلا بذكره والشهادة له.

وحذر الله سبحانه وتعالى من العذاب والكفر لمن خالفه قال تعالى: ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن امره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) [النور: ٦٣] قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «أي فتنة هي، إنما هي الكفر».

وكذلك ألبس الله سبحانه الذلة والصغار لمن خالف أمره كما في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «بُعثتُ بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظلّ رمحي، وجُعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم»([13]).

وكما أن من خالفه وشاقه وعاداه هو الشقي الهالك، فكذلك من أعرض عنه وعما جاء به واطمأن إلى غيره ورضي به بدلًا منه هو هالك أيضًا، فالشقاء والضلال في الإعراض عنه وفي تكذيبه، والهدى والفلاح في الإقبال على ما جاء به وتقديمه على كل ما سواه.

فالأقسام ثلاثة: المؤمن به، وهو المتبع له، المحب له، المقدم له على غيره، والمعادي له، والمنابذ له، والمعرض عما جاء به. فالأول هو السعيد، والآخران هما الهالكان»([14]). وبالله التوفيق وإليه المآب. وبالله التوفيق، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله.

     إبراهيم بن عبد الرحمن الدميجي

aldumaiji@gmail.com

 



([1])  سير أعلام النبلاء (5/ 337).

([2])  الخطيب في «تاريخ بغداد» (٨/ ٣٠٩)، وأبو إسماعيل الأنصاري الهروي في «ذم الكلام» (٨٨٥).

([3])  أحمد (4142، 4437) الدارمي (202) والسنة لمحمد بن نصر المروزي ١/‏٩، ومسند أبي داود الطيالسي ١/١٩٧، والسنن الكبرى للنسائي ١٠/‏٩٥ (١١١١٠)، وصححه الحاكم (2/813) وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن ابن مسعود، فذكره، وأقره الذهبي، ومسند الدارمي ١/‏٢٨٥ وحسنه حسن أسد، وابن حبان (١ / ١٨١) وقال الألباني في ظلال الجنة (١٦و١٧): حسن صحيح.

([4])  مجموع الفتاوى (4/ 57) وهو في «الانتصار لأهل الأثر» المطبوع باسم «نقض المنطق» ١/‏٨٣. ولا يقصد المصنف الحصر، بل هو الدخول الأولوي في تلك السبل الضالة، لأنها كبريات البدع التي استقرّت بأهلها، واستطار في الناس إحداثُهم، واستطالوا في ضلالهم، فهم رؤوس الطرق والسبل المخالفة للسنة فيما خالفتها فيه، فمن سلك سبيلهم فهو منهم، سواء في مرافقتهم في نفس بدعتهم، أو في طريقتها وبنائها وتقعيد أشباهها في ابتداء المخالفة والسير في الإحداث، ولا يمنع دخول غيرهم من كل مُحدِثٍ ضال جهول على تطاول الزمان، والحمد لله رب العالمين.

([5])  مجموع الفتاوى (11/ 623 – 628) باختصار وتصرف.

([6])  الأجادب: أي صلاب الأرض التي تمسك الماء فلا تشربه سريعًا. النهاية (1/242).

([7])  البخاري 1/30 (79) ومسلم 7/63 (2282).

([8])  قال الأرناؤوط في تحقيق سنن أبي داود (6/ 145): روى ابن سعد في الطبقات 1/ 192، والبيهقي في شعب الإيمان (339) عن طريق وكيع بن الجراح، أخبرنا الأعمش، عن أبي صالح قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس، إنما أنا رحمة مهداة» وهذا سند صحيح لكنه مرسل، ويعضده حديث أبي هريرة في مسلم (2599) قيل: يا رسول الله ﷺ ادع على المشركين، قال: «إني لم أبعث لعّاناً وإنما بعثت رحمة».

([9])  مسلم (8/159).

([10])   أي قُسم الناس بسببه إلى سعداء باتّباعه، وأشقياء بمخالفته.

([11])   الترمذي (1071) وحسنه الألباني.

([12])   أبو يعلى في مسنده، وابن حبان (1772) وابن جرير في تفسيره (30/ 235) ولا يصح مرفوعًا. سلسلة الأحاديث الضعيفة (4/ 230) ولله درُّ حسانِ بنِ ثابت وهو يقول:

أغَرُّ عَلَيــــــــــــــــــــــــــــْهِ للنُّبُــــــــــــــــــوَّة خـــــــــــــــــــــــاتَمٌ          مِنَ الله مَشْـــــــــــهودٌ يَلوحُ ويُشْهَدُ

وضَمَّ الإلهُ اسْمَ النبيِّ إلى اسمه        إذا قالَ في الخَمْسِ المُؤَذِّنُ أَشْهَدُ

وَشَـــــــــــــــــقَّ لهُ من اســــــــــــــــــــمه لِيُجِـــــــــــلَّهُ         فَذُوا العرشِ محمودٌ وهذا محمدُ

([13])   أحمد (5667) وصححه أحمد شاكر. وتأمل إنهاء الخبر بنسبة المُتشبِّه لمن تَشَبَّهَ به حمدًا وذمًّا، وما فيه من الإغراء والتحذير.

([14])   كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه (19/ 93 - 105) باختصار وتصرف.

الأربعاء، 27 مارس 2024

فضل الاعتصام بالله تعالى وضرورة المؤمن له

 فضل الاعتصام بالله تعالى وضرورة المؤمن له

الحمد لله العليم الحكيم الرحمن الرحيم، أمر بالاعتصام بحبله المتين والاجتماع، ونهى عن الفُرقة والتنازع والضياع، جَعَلَ أُخوّة الدِّين من الدِّين، وأمر بالموالاة فيه كلَّ حين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلقَ وقدّر، وملك ودبّر، وشرع ويسّر، فله جميلُ الحمدِ مقدّمهُ والمؤخّر، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله النبيّ الخاتم والناصح المشفق والمصطفى الأمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:

فإنّ الاعتصام بالله تعالى هو من أعمال القلوب الشريفة الفاضلة جدًّا، ولا غنى للمؤمن عنه طرفة عين، وعلى قدر اعتصام المؤمن بمولاه يكون تسديده وتوفيقه وهداه، وهو حبل الدين المتين، ﴿ﱡ واعتصموا بحبل الله جميعا ﴾ [آل عمران: 103] ويكفيه فضلًا أن كفاية الرب تعالى على قدر الاعتصام به، فمن حقّق اعتصامه بالله فلا تخشَ عليه الضيعة، ولا تَخَفْ عليه الخيبة، فربّنا لا يخلف الميعاد. وهذه حروف في تبيان حدّ الاعتصام، ودلائله، وفضله، وضرورة المؤمن له، وبيان حال أهله، وطرق تحصيله، وعوائقه، وكشف الإيرادات عليه، وشيء من أخبار أهله.. ونحو ذلك مما يقتضيه الأمر مما يسّره ربي تبارك وتعالى، سائله التوفيق والتسديد والقبول والغفران، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

فاشدُد يديك بحبل الله معتصمًا         فإنّه الركنُ إن خانتك أركــــــــــــــــانُ

والاعتصام: هو ملازمةُ سببِ النجاةِ من الهلكة ونوالِ الرّغيبة. ففيه لِياذٌ واستجارة واستعاذة واستعانة وتوكّل وتعلّق. وكمالُه تحقيقُ التوحيد، والعاصمُ هو المانع، وفي التنزيل: ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ﴾  [هود: 43] أي: لا مانع لأحد من الغرق إلا من ؒ تعالى.

الاعتصام بالله تعالى عصمة من الهلكة، ووقاية من الخلل، وأمان من الخذلان، وسلامة من عثرات الطريق، ووسيلة مفضية لكمال الرضا والفلاح بإذن الله تعالى.

وجوهر الاعتصام: صدق الاعتماد، وتحقيق التوحيد، وتجريد التعلق، وتمام الثقة، وكمال التوكّل، ورسوخ اليقين. فمن اعتصم بماله قلّ، ومن اعتصم بعقله ضلّ، ومن اعتصم بجاهه ذلّ، ومن اعتصم بغير الله زل، ومن اعتصم بالله عزّ وجل لا قلّ ولا ضل ولا ذل ولا زلّ، بل إلى ذُرَى المُنى يقينًا قد وصل.

ذلك أن الاعتصام بالله تعالى هو ركن التوفيق، فالمرء في كل أطواره وأزمانه متردد بين جلب الخير وثباته ونمائه، أو دفع الضر أو رفعه، ليس له حول وطَوْلٌ على الحقيقة البتة، إنما غاية جهده اتخاذ الأسباب المأمور بها من لدن المسبِّب الخالق البارئ، فهو لا شيء إلا بمعونة إلهه وسيده ومولاه.

وهذه الأسباب لا تستقل بحدوث تأثيراتها، بل لا بد من صرف الموانع، ولا يكون شيء من ذلك إلا بمشيئة رب العالمين، فعاد الأمر طُرًّا لمن بيده مقاليد الأمور وتصاريف الأشياء وصيرورات الأقدار، فمن رام التوفيق فليلذ بذلك الركن، وليعتصم بمن لا يأتي بالخير ولا يدفع الشر سواه.

والمعتصم بالله حقًّا في تحصيل إيمانه فغايته الجليلة ليس وراءها مرمى، كيف لا، وهو بالله يسمع وبه يبصر وبه يبطش وبه يمشي؟ فعلمه وإرادته وقدرته بربه الأعلى، فلا يقوم لقوته قوة، ولا يتخلف عن معيّته توفيق.

ومتى أحسن العبد الاعتصام بربه انتظمت له سائر أعماله، وتيسرت له، وانشرح صدره بها؛ ذلك أنّ الله شكور حميد. «فإن في القلب فاقة لا يسدها شيء سوى الله تعالى أبدًا، وفيه شعث لا يلمّه غير الإقبال عليه، وفيه مرض لا يشفيه غير الإخلاص له وعبادته وحده، فهو دائما يضرب على صاحبه حتى يسكن ويطمئن إلى إلهه ومعبوده، فحينئذ يباشر روح الحياة ويذوق طعمها، ويصير له حياة أخرى غير حياة الغافلين المعرضين عن هذا الأمر الذي له خُلق الخلق، ولأجله خلقت الجنة والنار، وله أرسلت الرسل ونزلت الكتب، ولو لم يكن جزاء إلا نفس وجوده لكفى به جزاء، وكفى بفوته حسرة وعقوبة»([1]).

قال الله جل ذكره موصيًا عباده بالاعتصام بحبله المتين الواصل إليه : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (102) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) [آل عمران: ١٠٢، ١٠٣] فالاعتصام وصيته سبحانه للمؤمنين به.

وقال مشترطًا الاعتصام به للتائب من أعظم جرم: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (146)  [النساء: ١٤٥ - ١٤٦].

وقال تبارك وتعالى في وصف أوليائه الموعودين برحمته (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما (175) ثم أردف أمره بالصلاة والزكاة بالاعتصام وختم ذلك بالإغراء بتحصيل ولايته فقال: (فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78) [الحج: ٧٨].

وقال جل وعلا في بيان ألا معصوم من كل كريهةٍ إلا من عصمه برحمته: (قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم). [هود: ٤٣].

وأوصى الحريصُ الشفيق صلوات الله وسلامه وبركاته عليه بتحقيق الاعتصام بالله، وبيّن طرق تحصيله؛ فعن سفيان بن عبد الله الثقفي ؓ قال: قلت: يا رسول الله: حدثني بأمر أعتصم به، قال: «قل: ربي الله ثم استقم». قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: «هذا»([2]).

وقال للحارث بن هشام ؓ لما سأله: أخبرني بأمر أعتصم به؟ فقال ﷺ: «املك هذا» وأشار إلى لسانه([3])، فبيّن أن ملاك التقوى الاعتصام بالله تعالى في لزوم الاستقامة، ومن ذلك حفظ اللسان.

وأخبر ﷺ أن صِمَامَ أمانِ المؤمن اعتصامه بكتاب ربه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال ــ في حديث الحج الطويل ــ: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به؛ كتاب الله»([4]).

قال ابن القيم ؒ: «ثم ينزل القلبُ منزل الاعتصام، وهو نوعان: : (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) آل عمران : 103 وقال: (واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير) [الحج: ٧٨].

والاعتصام: افتعالٌ من العِصمة، وهو التمسك بما يعصمك ويمنعك من المحذور والمخوف. فالعصمة: الحمية، والاعتصام: الاحتماء، ومنه سُمّيت القلاع: العواصم لمنعها وحمايتها. ومدار السعادة الدنيوية والأخروية على الاعتصام بالله والاعتصام بحبله، ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين.

فأما الاعتصام بحبله: فإنه يعصم من الضلالة، والاعتصام به: يعصم من الهلكة، فإن السائر الى الله كالسائر على طريق نحو مقصده، فهو محتاج إلى هداية الطريق والسلامة فيها، فلا يصل إلى مقصده إلا بعد حصول هذين الأمرين له، فالدليل كفيل بعصمته من الضلالة وأن يهديه إلى الطريق، والعدة والقوة والسلاح التي بها تحصل له السلامة من قطاع الطريق وآفاتها.

والاعتصام بحبل الله: يوجب له الهداية واتباع الدليل، والاعتصام بالله يوجب له القوة والعدة والسلاح، والمادة التي يستلئم بها في طريقه. ولهذا اختلفت عبارات السلف في الاعتصام بحبل الله بعد إشارتهم كلهم إلى هذا المعنى، فقال ابن عباس: تمسكوا بدين الله، وقال ابن مسعود: هو الجماعة، وقال: عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة. وقال مجاهد وعطاء: بعهد الله، وقال قتادة والسدي وكثير من أهل التفسير: هو القرآن، وقال مقاتل: بأمر الله وطاعته ولا تفرقوا كما تفرقت اليهود والنصارى. وفي الموطأ([5]) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، وأن تناصحوا من ولّاه الله أمركم، ويسخط لكم: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال».

فالاعتصام بحبل الله يحمي من البدعة وآفات العمل. وأما الاعتصام به: فهو التوكل عليه، والامتناع به، والاحتماء به، وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه ويعصمه ويدفع عنه.

فإن ثمرة الاعتصام به: هو الدفع عن العبد، والله يدافع عن الذين آمنوا، فيدفع عن عبده المؤمن إذا اعتصم به كل سبب يفضي به إلى العطب ويحميه منه، فيدفع عنه الشبهات والشهوات وكيد عدوه الظاهر والباطن وشر نفسه، ويدفع عنه موجب أسباب الشر بعد انعقادها بحسب قوة الاعتصام به وتمكنه، فتفقد في حقه أسباب العطب فيدفع عنه موجباتها ومسبباتها، ويدفع عنه قَدَرَهُ بقَدَرِهِ، وإرادتَهُ بإرادَتِهِ، ويعيذه به منه»([6]).

قال السعدي ؒ في آية الأمر بالإيمان: «قوله تعالى: : { قُولُوا } أي: بألسنتكم، متواطئة عليها قلوبكم، وهذا هو القول التام، المترتب عليه الثواب والجزاء، فكما أن النطق باللسان بدون اعتقاد القلب نفاق وكفر، فالقول الخالي من العمل عمل القلب عديم التأثير، قليل الفائدة، وإن كان العبد يؤجر عليه إذا كان خيرًا ومعه أصل الإيمان، لكن فرق بين القول المجرد، والمقترن به عمل القلب.

وفي قوله: : { قُولُوا } إشارة إلى الإعلان بالعقيدة، والصدع بها، والدعوة لها، إذ هي أصل الدين وأساسه.

وفي قوله: { آمَنَّا } ونحوه مما فيه صدور الفعل، منسوبًا إلى جميع الأمة، إشارة إلى أنه يجب على الأمة، الاعتصام بحبل الله جميعًا، والحث على الائتلاف حتى يكون داعيهم واحدًا، وعملهم متحدًا، وفي ضمنه النهي عن الافتراق، وفيه: أن المؤمنين كالجسد الواحد»([7]). وقال: «{ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ } أي: يتوكل عليه، ويحتمي بحماه، { فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [آل عمران: 101] وهذا فيه الحث على الاعتصام به، وأنه السبيل إلى السلامة والهداية»([8]).

«ولما توعد فرعون موسى عليه السلام بالقتل لم يأت في دفع شره إلا بأن استعان بالله واعتمد على فضله كما قال تعالى: {وقال موسى إني عذت} أي: اعتصمت عند ابتداء الرسالة {بربي} ورغّبهم في الاعتصام به وثبتهم بقوله: {وربكم} أي: المحسن إلينا أجمعين، وأرسلني لاستنقاذكم من أعداء الدين والدنيا {من كل متكبر} أي: عات طاغ متعظم على الحق هذا وغيره {لا يؤمن بيوم الحساب} من ربه له وهو يعلم أنه لا بد من حسابه هو لمن تحت يده من رعاياه وعبيده فيحكم على ربه بما لا يحكم به على نفسه.

وبالأمرين يقدم الإنسان على اتقاء الناس، لأن المتكبر القاسي القلب قد يحمله طبعه عن إيذاء الناس، إلا أنه إذا كان مقرّاً بالبعث والحساب صار خوفه من الحساب مانعاً له عن الجري على موجب تكبره، فإذا لم يحصل له الإيمان بالبعث والقيامة كان طبعه داعياً له إلى الإيذاء»([9]).

وقال أبو بكر الوراق: «علامات الاعتصام ثلاثة: قطع القلب عن معونة المخلوقين، وصرفه بالكلية إلى رب العالمين، وانتظار الفرج من الله» ([10]).

وعن الإمام الزهري أنه قال: «الاعتصام بالسنة نجاة» ([11]).

وقال تعالى: (وَمَن يَعْتَصِم بالله فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [آل عمران: ١٠١] «الاعتصام هو التمسّك، ولا يتأتّى إلا في علوٍّ، فيقال: اعتصمت بحبل الإيمان، لأن للإنسان ثقلًا ذاتيًّا، وهذا الثقل الذاتي إن لم يرفعه سِواه؛ فإنه يقع بالإنسان. وهذا لا ينشأ إلا إذا كان الإنسان معلّقًا في الجو ويمسك بحبل ولا يوجد من يدفعه إلى أسفل، بل الإنسان بثقله الخاص يهبط إلى الأرض. فمن يعتصم بالله ويمسك بحبل الإيمان فإنه يمنع نفسه من الهُوِيِّ والسقوط.

وهنا نشعر أن الاعتصام بالله هو أن نتبع ما تُلِيَ علينا من الآيات، وما سنّه لنا رسول الله ﷺ. إذن فباب الاعتصام هو كتاب الله وسنة رسوله.

وكذلك كان وجود الرسول بين أظهرهم هو الأمر الضروري، لأنهم كانوا منغمسين في حمأة الجاهلية، فلا بد أن توجد إشراقة الرسول بينهم حتى تضيء لهم، فيروا أن الله قد أخرجهم من الظلمات إلى النور. ولم يقبض الحقُّ رسولَه إلا بعد أن أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينًا. قال الرسول ﷺ: «تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي»([12]).

هكذا نرى أن وجود آيات الله وسنة رسول الله هي العاصم الذي يهدي إلى صراط مستقيم. والهدى كما نعرف هو ما يوصل إلى الغاية المرجوة، فهب أن غايتك أن تذهب إلى مكان معيّن؛ فالذي يوصلك إلى ذلك المكان هو هدى، وكل ما يدل إنسانًا على الموصل للغاية اسمه هدى»([13]).

ومن تدبر حديث ابن عباس المشهور وعمل به حاز الاعتصام، وقطف ثمراته، ونال على حسَبِ تحقيقه درجاتِه، فهو حديث جامع، وكلام حافل بكل معاني المَنَعة والحفظ والعِصمة، ووصية مانعة لمن حقّقها، ووعد إلهي لمن الْتَزَمَهُ، فقد أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «كنت خلف رسول اللَّه ﷺ يومًا، فقال: «يا غلام؛ احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده تُجاهك، إذا سألت فسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللَّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللَّه عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصحف»([14]).

«ومعنى الحديث أن اللَّه سبحانه وتعالى ملك الملوك، ليس شأنه شأن الملوك، الذين يأخذهم السفه، ويميل بهم التيه، فلا يَرِقُّون لمملوك، ولا يعطفون عليه، وإن بالغ في التضرع والاستغاثة، لذلك لجأ كثير من رعية الملوك وأهل مملكتهم إلى الأمراء، فتوسلوا بهم عند هؤلاء الملوك، وتمسكوا بأهدابهم، ولاذوا بحماهم ليميلوا إليهم، ويشملوهم بعطفهم، ويعفوا عن خطاياهم، تحقيقًا لرغبة هؤلاء الشفعاء، أو وجاهة أولئك الأمراء والعظماء، بل هو في منتهى الكرم والرحمة، لا ينسى أحدًا، ولا يغفل عن أحد، شفع شفيع، أو لم يشفع، وليس له مجلس كمجالس الملوك والسلاطين.

بل إن اللَّه أقرب إلى عبده من حبل الوريد، فمن أقبل عليه بقلبه أقبل عليه بعطفه، ووجده تجاه نفسه، ليس بينه وبين ربه حجاب إلا الغفلة والجهالة، فمن بَعُدَ عنه بعد بغفلته، ومن حُرِمَ رحمته حرم بجهالته ومعصيته، وهو أقرب من كل قريب.

ألا يعرف من دعا شيخًا أو نبيًّا، وناداهما لنصرته ليقرباه إلى اللَّه زلفى؛ أن الشيخ والنبيَّ بعيدان عنه، واللهُ قريب منه، ومثله مثل رجل جالس وحده عند الملك، وقد أقبل عليه الملك يسمع طلبه، وما يبديه من حاجة أو رغبة، فانصرف هذا الرجل الجاهل عن الملك، وبدأ ينادي أميرًا أو وزيرًا، وهما بعيدان، وسألهما أن يُبلغا حاجته إلى هذا الملك العظيم!

فهو لا يخلو عن حالين: إما أنه أعمى، وإما أنه مجنون.

وقد أمر النبي ﷺ في هذا الحديث بأن العبد إذا سنحت له حاجة اضطرته إلى السؤال فليسأل اللَّه، وأنه إذا كان في حاجة إلى إعانة أو إغاثة فليستعن بالله، وأنه قد رفعت الأقلام، وجفت الصحف، فلا ماحي لما أثبته اللَّه، ولا مثبت لما محاه اللَّه، وأن القضاء واقع، والأمر محتوم، وإن اجتمع الناس كلهم صغيرهم وكبيرهم على أن ينفعوا أحدًا أو يضروه؛ لم يجاوز ذلك قدر اللَّه.

والمؤمن الموحّد رابط الجأش ناعم البال، وضعيف العقيدة مشتت الفكر موزع النفس، فمن المشاهد أن الإنسان إذا تعلق قلبه بشيء واستحوذ عليه، أو ألمت به ملمة فلم تنفرج؛ تشتت فكره، وذهب في طلب الغوث كل مذهب، وهام في كل واد، وقد تسول له نفسه أن يستصرخ النبي الفلاني، وقد تزين له أن ينادي فلانًا من الأئمة، وقد يجول بخاطره أن ينذر لفلان من المشايخ، وكذا من الشهداء، أو يخضع لجنية فلانية، أو يرجع إلى المنجم الفلاني، أو الرمّال الفلاني، وقد تحدثه نفسه بأن يراجع سادنًا، أو إمامًا من أئمة المساجد الذين اتخذوا هذه الأمور حرفة، فيطلب منه أن يبحث عن الفأل في كتاب!

ومن هام في كل واد، واتبع كل ناعق؛ صرف اللَّه عنه عنايته، وأخرجه من عباده الصادقين، وأخطأ طريق التربية والهداية الربانية، وظل يهيم في هذه الأودية، ويتيه في مهامه الأوهام والأحلام إلى أن يتلف ويهلك، فمنهم من تمذهب بمذهب الدهريين، ومنهم من سلك مسلك الملحدين، ومنهم من دخل في غمار المشركين، ومنهم من ابتلي بالسفسطة.

وأما من توكل على اللَّه ولم تتشعب به المذاهب وفّقه اللَّه، وفتح اللَّه عليه طريق الهداية، وهدى قلبه، فأذاقه حلاوة الإيمان، وغشيته غاشية من السكينة، ورزق من اجتماع الخاطر، ورباطة الجأش، وبرد اليقين، وهدوء النفس ما لا سبيل إليه لمن تشتت فكره، وتفرق هواه.

 ثم إنه لا يخطئه ما قُدِّرَ له وقُسم، ولكن ضعيف العقيدة متشتت البال، يعاني الحزن والقلق من غير جدوى، والمؤمن المتوكل الموحد ينعم بالهدوء والطمأنينة والسكينة.

ومعنى ذلك: أن اللَّه عز وجل وعلا لا يقاس على ملوك الدنيا، فإنهم يباشرون الأمور الخطيرة ويتولونها بأنفسهم، أما الأمور التافهة فيكلونها إلى الخدم والموظفين، فيلجأ الناس إليهم في هذه الأمور التي ليست ذات خطر وشأن، وليس الأمر كذلك فيما يختص بالله تعالى، فإنه هو القادر المطلق الذي يقدر على أن يصلح ما دقّ وجلّ من الأمور، وإن كانت في عددها وانتشارها كنجوم السماء، ورمال الدهناء، وليس لأحد تصرف في مملكته، فيحب أن يطلب منه الأمر التافه كما يحب أن يطلب منه الأمر الجليل والعطاء الجزيل، لأن أحدًا لا يملك شيئًا سواء الصغير منه والكبير، والدقيق والجليل»([15]).

وقال تعالى: (واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير) [الحج: ٧٨] «أي: متى اعتصمتم به تولاكم ونصركم على أنفسكم وعلى الشيطان، وهما العدوان اللذان لا يفارقان العبد، وعداوتهما أضر من عداوة العدو الخارج، فالنصر على هذا العدو أهم، والعبد اليه أحوج، وكمال النصرة على العدو بحسب كمال الاعتصام بالله» ([16]).

والمعتصم بالله الملازم للاعتصام يمدّه الله بقوة الإيمان وإصابة الحق، فيريد الحق ويحرص عليه، وهذا من أعظم أسباب معرفة الحق واتضاحه، قال شيخ الإسلام ؒ: «وفي الحديث الصحيح: «إن الدجال مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن قارئ وغير قارئ»([17]) فدل على أن المؤمن يتبين له ما لا يتبين لغيره؛ ولا سيما في الفتن.. وكلما قوي الإيمان في القلب قوي انكشاف الأمور له، وعرف حقائقها من بواطلها، وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف، وذلك مثل السراج القوي والسراج الضعيف في البيت المظلم؛ ولهذا قال بعض السلف في قوله تعالى: : (نُورٌ عَلَى نُورٍ) [النور: ٣٥] قال: هو المؤمن ينطق بالحكمة المطابقة للحق، وإن لم يسمع فيها بالأثر، فإذا سمع فيها بالأثر كان نورًا على نور»([18]).

ومن فضائل تحقيق الاعتصام بالله تعالى:

1 ــ اختصار الطريق على نفسك، فلا تتشعب بك السبل ومردك إلى الله بكل أحوالك، قال سبحانه: { وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ } [آل عمران: 158] «فالخلق إذا ماتوا أو قتلوا بأي حالة كانت، فإنما مرجعهم إلى الله، ومآلهم إليه، فيجازي كلا بعمله، فأين الفرار إلا إلى الله، وما للخلق عاصم إلا الاعتصام بحبل الله؟»([19]).

2 ــ تكفير الخطايا مهما بلغت. فحتى المنافق إذا تاب واعتصم بالله حُطت عنه ذنوبه برحمة الله قال تعالى: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا } [النساء: 145- 147] «يخبر تعالى عن مآل المنافقين أنهم في أسفل الدركات من العذاب، وأشر الحالات من العقاب. فهم تحت سائر الكفار؛ لأنهم شاركوهم بالكفر بالله ومعاداة رسله، وزادوا عليهم المكر والخديعة والتمكن من كثير من أنواع العداوة للمؤمنين على وجه لا يُشعر به ولا يُحسّ. ورتبوا على ذلك جريان أحكام الإسلام عليهم، واستحقاق ما لا يستحقونه؛ فبذلك ونحوه استحقوا أشد العذاب، وليس لهم منقذ من عذابه، ولا ناصر يدفع عنهم بعض عقابه، وهذا عام لكل منافق إلا مَنْ مَنَّ الله عليهم بالتوبة من السيئات. { وَأَصْلَحُوا } له الظواهر والبواطن { وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ } والتجأوا إليه في جلب منافعهم ودفع المضار عنهم. { وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ } الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان { لِلَّهِ }.

فقصدوا وجه الله بأعمالهم الظاهرة والباطنة وسلِمُوا من الرياء والنفاق، فمن اتصف بهذه الصفات { فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ } أي: في الدنيا، والبرزخ، ويوم القيامة { وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا } لا يعلم كنهه إلا الله، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

وتأمل كيف خص الاعتصام والإخلاص بالذكر، مع دخولهما في قوله: { وَأَصْلَحُوا } لأن الاعتصام والإخلاص من جملة الإصلاح، لشدة الحاجة إليهما، خصوصًا في هذا المقام الحرج الذي يمكن من القلوب النفاق، فلا يزيله إلا شدة الاعتصام بالله، ودوام اللجأ والافتقار إليه في دفعه، وكون الإخلاص منافيًا كل المنافاة للنفاق، فذكرهما لفضلهما وتوقفِ الأعمال الظاهرة والباطنة عليهما، ولشدة الحاجة في هذا المقام إليهما.

وتأمل كيف لما ذكر أن هؤلاء مع المؤمنين لم يقل: وسوف يؤتيهم أجرا عظيما، مع أن السياق فيهم. بل قال: { وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا } لأن هذه القاعدة الشريفة لم يزل الله يبدئ فيها ويعيد، إذا كان السياق في بعض الجزئيات، وأراد أن يرتب عليه ثوابًا أو عقابا وكان ذلك مشتركًا بينه وبين الجنس الداخل فيه، رتب الثواب في مقابلة الحكم العام الذي تندرج تحته تلك القضية وغيرها، ولئلا يتوهم اختصاص الحكم بالأمر الجزئي، فهذا من أسرار القرآن البديعة، فالتائب من المنافقين مع المؤمنين وله ثوابهم.

ثم أخبر تعالى عن كمال غناه وسعة حلمه ورحمته وإحسانه فقال: { مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ } والحال أن الله شاكر عليم. يعطي المتحملين لأجله الأثقال الدائبين في الأعمال جزيل الثواب وواسع الإحسان. ومن ترك شيئًا لله أعطاه الله خيرًا منه.

ومع هذا يعلم ظاهركم وباطنكم، وأعمالكم وما تصدر عنه من إخلاص وصدق، وضد ذلك. وهو يريد منكم التوبة والإنابة والرجوع إليه، فإذا أنبتم إليه، فأي شيء يفعل بعذابكم؟ فإنه لا يتشفى بعذابكم، ولا ينتفع بعقابكم، بل العاصي لا يضر إلا نفسه، كما أن عمل المطيع لنفسه.

والشكر هو خضوع القلب واعترافه بنعمة الله، وثناء اللسان على المشكور، وعمل الجوارح بطاعته وألا يستعين بنعمه على معاصيه»([20]). فأكْرِمْ بالاعتصام ملجأً وملاذًا، وأمَنَةً وسلامًا، ونعمةً ونَوَالًا. والحمد لله رب العالمين.  

  إبراهيم بن عبد الرحمن الدميجي

aldumaiji@gmail.com

 



([1])  إغاثة اللهفان لابن القيم (1/ 71).

([2])  الترمذي (2522) وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (3972)، وصححه الألباني، صحيح سنن ابن ماجه (3208).

([3])  رواه الطبراني بإسنادين أحدهما جيد، المعجم الكبير (3/ 295) (3348، 3349)، وانظر الترغيب والترهيب للمنذري (3/ 527) ويتقوى بشواهده عند أحمد (5/ 295)، وابن المبارك في الزهد (134).

([4])  مسلم (1218).

([5])  الموطأ (2/ 990) وصححه الألباني وأصله في مسلم (1715).

([6])  مدارج السالكين (1/450 - 455) مختصرًا.

([7])  تفسير السعدي (1/ 67).

([8])  تفسير السعدي (1/ 971).

([9])  انظر: السراج المنير (3/ 383).

([10])   تفسير السلمي (1/ 114).

([11])   تفسير السمعاني (3/ 460).

([12])   الحاكم (319) وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (1/ 566) المشكاة 186، الصحيحة 1761).

([13])   تفسير الشعراوي (1/ 1110).

([14])   الترمذي (2516) وقال: حسن صحيح.

([15])   رسالة التوحيد الدهلوي (1/ 93 - 99) مختصرًا، وهي كما ترى نفيسةٌ توحيديّة عزيزة.

([16])   مدارج السالكين (1/ 180).

([17])   بنحوه في مسلم (7552).

([18])   الفتاوى (20/45-46).

([19])   تفسير السعدي (1/ 154).

([20])   تفسير السعدي (1/ 211-212).