إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأربعاء، 2 ديسمبر، 2015

نافذة على "قصة الحضارة" لديورانت

نافذة على "قصة الحضارة" لديورانت
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام والبركة على محمد خير خلقه، وبعد: فقد نوّع الله مواهب البشر وغاير اهتماماتهم وغاياتهم.. فترى الواحد منهم يفني شطر عمره في أمر يراه غاية خلقه أو أنه مستحق ذلك على الجهد، بينا نرى غيره لا يلتفت – مجرد التفاته لذلك الجهد والكدّ – بل قد يُزري به وينقم عليه إشغال نفسه فيما لا طائل من ورائه.. حقًّا: (إن سعيكم لشتى)
إن الإنسان مخلوق عجيب، قد أعطاه الله قدرات وإمكانات هائلة؛ فنسف الجبال ونبش باطن الأرض وطار في الهواء وكشف ستر البحر وأضاء ظلام الليل وفعل بأديم الأرض الأفاعيل يستعرض قوّته وبطشه وغروره.. ومع هذه العظمة الإنسانية فهو من أضعف مخلوقات الله طُرًّا، وأعجزها جسدًا، وأوهنها عزيمة! 
إنها ثنائية غريبة حقًّا، فكيف اجتمع المتضادّان في مخلوق؟
أقول: لأن وراء ذلك سرّ كبير، وهو غاية الخليقة حقًّا. فالبشر قد خلقهم ربهم من جوهرٍ نفيس رائع جميل، فجمع لهم نفخة الروح العلويّة مع قبضة الطين الأرضية، فيطير سماءً بروحه ويحرث أرضًا بطينه، فامتزجت خفة الروح وصفاؤها وحدّتها وسرعتها مع ثقّلة الطين وكدرِه وسكونه وطمعه، فعاد المزيج كائنًا قابلًا لكل خير ولكلّ شر! فالروح القائد يطير به للعلو ويسمو به، والطين القالب يحنّ لعبق التراب والماء والهواء والنار!
 فأيهما حكم زمام السير فصاحبه له تابع، وكم من قائد في الظاهر مقودٌ في الباطن.  فالنفس وشهوتها وجهلها من قبضة الطين، والعقل ورغبته وعلمه من نفخة الروح، ولا انفكاك بينهما في الحقيقة إلا في البرزخ، ثم تعود الروح لمسكنها الخالد؛ الجسد.
جعل الله الطين قالبًا للروح، وركّب في مجموعهما (الإنسانَ) غرائزَ الطين ورغائب الروح.. ثم أهبطه للأرض اختبارًا لاستعداده للارتفاع بنفسه – بعد معونة ربه - للملكوت الجميل في عليين بجوار الكريم الرحيم، أو الاتّضاع بين حُفَرِ الأرض وظلام العصيان ودركات الجحيم.
والسعيد حقّا هو من كان من عمّار الروح بطاعة الرحمن ولم يغفل بالمباح أمر راحلتها.. الجسد.
إن لجردِ مطوّلات أسفار التاريخ متعة خاصّة يتذوّقها من كان ذا حسّ مرهف لأحاسيس البشر ورغبةٍ ملحّة في معرفة كوامن مشاعرهم ودوافع أعمالهم وطريقة تعاملهم مع الأحداث وتنوّع تفاعلهم معها.
يبقى الإنسان هو الإنسان، فللبشر مشتركات لا تتخلّف مهما اختلفت أديانهم وتصوّراتهم وأفكارهم وبيئاتهم هذا من جهة، ومن جهة أخرى فلكل إنسان بصمته الروحية العقلية النفسية الجسدية لا يشركها فيه أحد، فهو شكيلُ جنسه في العموم متميز عنهم بالخصوص، ولكل إنسان نظرته وإحساسه وأحكامه وأحاسيسه..
ووظيفة المؤرخ المبدع الصبور الصادق هي حبس اللحظات الإنسانية الفريدة داخل قالب مكتوب مسرود، وبثّها للناس عبر تلك القوالب الكتابيّة ليروا ويسمعوا ويشمّوا ويلمسوا بقلمه ما لم تره أعينهم ولم تسمعه آذانهم. ولئن كان المصوّر يحبس الصورة المكانية في إطاره فالمؤرخ يحبس الصورة الزمانية والمكانية بين دفّتي كتابه.
ومن أولئك المؤرخين النوادر الفيلسوف الشهير الأمريكي ول ديورانت (وليم جيمس ديورانت Will Durant 1885 – 1981) الذي جمع – بمساعدة زوجه أريل Ariel - بين التعمّق في فلسفة الإنسان فكرًا ومشاعرَ ونوازعَ وبين حفْرِه سراديب العلوم لاستخراج باقةٍ جميلة من أخبار عُمّار الكوكب بني الإنسان.
 ولئن جعلوا هيرودوت أباً للتاريخ فديورانت يستحقّ أن يُلقّب بأبي التاريخ الفلسفي. (وفي ظنّي أن لو اطّلع هيردوت على تاريخ الطبري لأقرّ له بالسبق والجودة والاستيعاب).
يتميّز هذا الكتاب الموسوعة بدراسة التاريخ من جميع جوانبه المؤثرة في أحداثه بصورة مجملة عامة، لذلك فالكاتب لم يحفل كثيرًا بالأحداث التفصيلية التي أشبعتها واستوعبتها كتب التاريخ المتخصّصة.
فهذ الكتاب النفيس ذي السبعة وأربعين جزءًا ليس كتاب تاريخ بقدر ما هو كتاب ثقافة التاريخ، مع تحفّظنا على مادّيته الصّرفة، وهي نزعة يندرُ أن يسلم منها فيلسوف.  
ويكفي هذا الكتاب أن يكون صرحًا شيّده قلم فيلسوف حاول جمع واستيعاب التاريخ المدوّن بعمق تأمّل وشمول تتبّع وصدق قلم ورهافة حسّ وصفاء قريحة وطلاوة عرض وروعة أسلوب.
ولن أبعد إن قلت: إن قصة الحضارة هي أعمق تدوينة متداولة عن تاريخ الإنسانية.
أما طريقته فينتظمها سلك دقيق من الترتيب الموضوعي المترابط، فيبدأ موضوعاته الكبرى بمقدّمة كاشفة مختصرة، ثم يذكر تاريخ ذلك الإقليم ونشأته ووقفات عند أهم أحداثه المفصلية، ثم دِينه، ثم أخلاقه وسلوكه، ثم اقتصاده، ثم نظام الحكم فيه، ثم الأدب والفنون المتنوعة من شعر ونثر ومسرح ونحت ورسم وغيرها، ثم العمارة، ثم العلوم والفلسفة، مع وقفات طويلة مع أبرز روّاد تلك الحقب الزمانية المكانيّة ونقد موضوعي لهم، مع تعليقات ساخرة لطيفة في تواضع أدبي جميل، وشجاعة فكريّة رائقة.. ويا ليته أسلم وجهه لله حنيفًا!
هذا، ولا يهتم هذا الكتاب بالتفاصيل بقدر ما يهتم بالنظرة الكليّة للأحداث المجملة، فالعبرة لديه إنما هي بتأطير الحضارة البشرية داخل لوحة متكاملة وإظهار ألوانها السعيدة والأخرى الأليمة، واستخلاص العبر والحِكم منهما.. والوفاء – بعض الوفاء – لمن يستحقون مدحًا أو شكرًا لإسهامهم في دفع عَربة الحكمة، وبالعكس – جَلدًا - لأضدادهم.
فهذه الموسوعة تنظر للإنسان من حيث هو إنسان، فتقرأ التاريخ بأطياف كينونته جميعًا لا بعضًا.
 والمعتاد أن يكون كِتَاب التاريخ عبارة عن سرد للسياسة والحرب والممالك.. فلا تتجاوز مواضيع الملوك والنخب، أما موسوعتنا هذه فتنظر لسياق التاريخ على أنه سياق للإنسان نفسه بكل تجليّاته، فقرًا قبل غنى، وجهلًا قبل علم، وحاجةً قبل ترف، ولادة واتساعًا واضمحلالا وأفولًا.
فيقرأ ديورانت الأنسانَ بمراحله الزمنية عبر ألوف السنين من ناحية دينه وفكره وعاطفته وأدبه ورزقه وكفاحه وطيشه وحكمته .. إلخ
ولعل المحفز لانطلاقته ما سبق هذه الموسوعة إذ كتب "قصة الفلسفة" الذي نشره سنة 1926 فلاقى نجاحًا لم يكن يتوقعه، فتاقت نفسه للتوسّع الطويل – والطويل جدًّا - فخصص هو وزوجته أريل أكثر من عشر ساعات يوميّا على مدار سنين طويلة لتأليف موسوعة "قصة الحضارة".
 ولم يكتف ول وزوجه بالمراجع والكتب، بل قاما بزيارة أوربا والتجول فيها سنة 1927 ثم قاما بجولة حول العالم سنة 1930 لدراسة مصر والشرق والهند والصين واليابان، ثم تجوّلا سنة 1932في اليابان ومنشوريا وسيبيريا وروسيا وبولندا، وفي سنة 1939 تجولا في أوروبا، وفي سنة 1948 قضيا ستة أشهر في تركيا والعراق وإيران ومصر وأوربا في جولات علميّة حثيثة ينقبّان ملامح الزمان المكتوب على محيّا الأرض الفسيح.
  كان "ول ديورانت" ذا حدسٍ وفراسة لقراءته المتعمّقة وذهنيّته الحادة المتوقّدة، ومن ذلك نبوءته بسرعة الصعود الصناعي لليابان مع مصاحبة حب التوسع والسيطرة والدمويّة لذلك، فقال قبل الحرب العامة الثانية في كلامه عن اليابان: "وإن سوابق التاريخ كلها لتدل على أن الفصل التالي من المسرحية سيكون قتالاً"
وله تعليقات حكيمة وأسلوب جزل وتدفّق سلس. وكان يحترم القارئ ويقدّر له صبره ويقول في ختام الأجزاء الطويلة: شكرًا أيها القارئ الصبور.
ولا يكاد يفوّت أي قضية ذات بعد فلسفي دون أن يعلّق عليها، ذلك أن المحور الذي تدور عليه موسوعة (قصة الحضارة) هو الفلسفة. حتى فتنة القول بخلق القرآن خاض فيها وأرجع منشأ قول المعتزلة فيه لتصّور فلسفي نادى به فيلون السكندري: أن الكلمة هي حكمة الله الأبدية، وأكّده كاتب إنجيل يوحنا: ( في البدء كانت الكلمة.. ) وكذلك أتباع الأفلاطونية الحديثة من أن الكلمة هي أداة الخلق الفعّالة.. إلخ.
وبما أن مدار الكتاب على تاريخ الفلسفة الإنسانية بعامّة فلن نعجب إن رأينا ما لا يسرّنا في ثنايا طروسه، ذلك أن الخصم التقليدي لأساطين الفلسفة هو الدين - إيًّا كان –. هذا مع توسّع المؤلف في إطلاق لقب الفلاسفة على المفكرين عمومًا.
 أما سبب نقمة الفلاسفة على الإسلام بذاته ونفرتهم منه فهو راجع لأمرين:
1- قيامه على الإيمان بالغيب، وهذا ما يُخالف أصولهم المادّية القائمة على العقلانيّة المادّية المحسوسة الجامدة الضيّقة لا العقلانية الشاملة الواعية بالماورائيات، فعَقَلَت الشهادة وسلّمت بالغيب المستمدّ من المعصوم صلى الله عليه وسلّم، فسكنت واطمأنت بالإيمان وانطلقت وسبحت بالعقل والتأمل والفكر، فوصلت بهاذين الجناحين للغاية الإنسانية والكمال البشري المتصوّر المقدور. فلم تَتُه وتحتار في غيابات الخرافة ولم تتجمّد وتتبلّد في صقيع التفكير المادّي الضيّق. (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون).
2- عدم احتفائه بما يُسمى بالفنون الإنسانيّة كالنّحت والرسم والتصوير والموسيقى والمسرح.. إلخ.
لذا فعلى المُحاور المسلم إحسان تصوّر هاتين الخلفيتين حتى يعرف مغزى هجومهم الذي لا يكاد يخرج عن هاذين، أما الباقي فمجرد فروع عنها وهوامش ملصقة بها. والحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان.
ومن الملاحظات الجديرة بالتأمّل والاعتبار أن غالب الفلاسفة الزنادقة المنتسبين للإسلام كانوا في دول شيعية، وقد احتفى بهم المؤلف لخلفيتهم الفلسفية، فبينهم رحم ورضاع.
وبما أن الفلسفة لا تُروي الروح فقد احتاج الفلاسفة لشيء ما يبلُ شيئا من جفاف نفوسهم ويكون عزاء وسلوى عند احتدام كروبهم، ولكن أكثرهم قد طرد السراب! (ومن يضلل اللهُ فما له من هاد) ومن ذلك "اليوجا" المنتشر في هذا الزمان في أوروبا.
واحتواء البوذية على اليوجا هو الذي حدا بفلاسفة أوروبا أن يُعجبوا بها وبطقوسها، فاليوجا هي المادّة المُشكّلة للبوذيّة.
واليوجا هي حالة إراديّة تأمّليّة قاسية شديدة، تُغيّب صاحبها عن واقعه وتطير به عبر جناحي التأمل والصفاء الذهني في عالم موازٍ أثيري – خيالي لا حقيقي - فيجدُ فيها الفيلسوف بعض غايته وبُغيته وسلوانه، وهذا التأمل الحُرّ تفتقر إليه النصرانيّة إذ لا يجتمع التأمّل مع الخرافة، ومع هذا فلم يوصل البوذيين للهدى لافتقاره لأهمّ عوامل الهداية وهي العلم الصحيح بالله، فيتأمل مجتهدُهم السنين الطوال ويرتاض حتى يتوهّم الوصول لما يزعمونه من النرفانا والاتحاد بالإله اللأزلي – حامدًا ربي على فضله بالإسلام والقرآن عائذًا به من الزيغ والخذلان -.
أما الإسلام فقد أغنى الله به عن هذه اليوجا وَفَاقها، إذ أمر بالتأمّل وأرشد إليه وسهّل أدواته ونفخ في العقل طاقة يطير بها – بلا حدود – في مجاهل النفس والآفاق، فيحرث الأرض ويعمرها.. ويعبرها لساحل النجاة يوم المعاد.
لقد كان ديورانت فيلسوفًا أديبًا، ولعل هذا يكشف سرّ وقفاته الطويلة على الأطلال الأدبيّة بمختلف فنونها، كالشعر والقصة والرسم والنحت وغيره. وقد كان "ول" مغرمًا بالحب الأفلاطوني (العُذري) وهو الحب الخالي من الجنس ودواعيه.
وقد أحسن ول إذ وقف مليًّا على أطلال مدينة الأدب (جوته) ونقل عنه قدرًا جميلًا من تراثه الرقيق. فتأمل – عزيزي - بلطف قول جوته لما طلب منه نابليون أن يؤلف أغنية حماسية للقتال: "أنّى لي أن أؤلف أغاني الحقد وأنا لم أشعر بشيء من الكُره" ولجوته كلام جميل جدًّا وثناء عاطر وشغف صادق بنبي الرحمة والهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما خصّه بقطع أدبيّة كاملة حتى ليتراءى لك أنك تستمع لنشيدٍ ألّفه مسلم تقيّ لا مجرد أديب فيلسوف.
ولقد سكب جوته نفسه في شخصيته الخيالية فاوست في دراماه الشعرية (فاوست) بجزءيها، وفيها محاورات مثيرة بإسقاطات غير صريحة مع حبيبته مارجريت (جريتشن) وكذلك مع فيلسوف إبليس مفستوفيليس  – وليس إبليس ذاته –.
والعجب أن بين تصوّر جوته لقصة فاوست وبين فراغه منها تسعة وخمسون عامًا! وكان قد كتب يقول "أسعد الناس من استطاع وصل نهاية حياته ببدايتها" وقال في آخرها محتفيًا بإنجازه: "أياً كان مقدار ما بقي لي من الحياة ففي وسعي أن أعدّه منذ الآن منحة، ولست في الحق أبالي إن كنت سأنجز فوق ما أنجزت أم لا"
ولأدب جوته (الألماني) مكانة سامقة في نفسي، فله حروف يجثو القلب والعقل أمامها طويلًا متأملين روعتها ورونقها وحكمتها – ويا ليته قد أسلم فسلم - ويليه هيجو (الفرنسي) صاحب رواية البؤساء.
وقد عاد بنا الكلام لديورانت فقد كان ذا ذوق عالٍ في تقييمه لفنون البشر عامّة، فله تحليقات رائعة مع بعض مقطوعات الشعراء التي يوردها. ولقد فتنه جمال الخط العربي وقال فيه: "ليس في العالم ما يضاهي النسخ العربي في جماله".
وقد ذكر في كتابه صفحات جميلة ناصعة تحكي أحوال العرب والمسلمين وتاريخهم، مع جهل جميل تذوقُ حلاوته لرؤيتك  - أحيانًا - سذاجةَ من يراك من خارج الصندوق.
وفي وصف رائق جميل للآذان يقول: "ألا ما أقوى هذه الدعوة، وما أشرفها من دعوة للقيام من النوم قبل مطلع الشمس، وما أحسن أن يقف الإنسان عن العمل وقت الظهيرة، وما أعظم وأجلّ أن يتوجه الإنسان بروحه إلى الله جل جلاله في سكون الليل، وما أحلى وقع صوت المؤذن على الآذان، آذان المسلمين وغير المسلمين، وهم يدعون النفوس الحبيسة في الأجسام الأرضية من فوق آلاف المساجد أن تتوجه إلى واهب الحياة والعقل، وتتصل به ذلك الاتصال الروحي الجليل".
وكان يعقد أحيانًا مقارنات بين النصرانية والإسلام مع حُكمٍ – أغلبي - للإسلام بالتميز والسبق والقوة والحجة والرفق والعدل والمجد.
والمؤلف معجبٌ بسماحة الإسلام ولطف أهله وإنصافهم – مع تحفظات أبداها – وقد نقل عن أحد كتّاب النصارى شكايته من نتيجة هذا التسامح قائلًا: "إن إخواني المسيحيين يعجبون بقصائد العرب وقصصهم، وهم لا يدرسون مؤلفات فقهاء المسلمين وفلاسفتهم ليردوا عليها ويكذبوها، بل ليتعلموا الأساليب العربية الصحيحة الأنيقة.. واحسرتاه!
إن الشبان المسيحيين الذين اشتهروا بمواهبهم العقلية لا يعرفون علماً ولا أدباً ولا لغة غير علوم العرب آدابهم ولغتهم؛ فهم يقبلون في نهم على دراسة كتب العرب، ويملئون بها مكتباتهم، وينفقون في سبيل جمعها أموالاً طائلة، وهم أينما كانوا يتغنون بمديح علوم العرب".
وقال: "وفي وسعنا أن نحكم على ما كان للدين الإسلامي من جاذبية للمسيحيين من رسالة كتبت في عام 1311م تقدر عدد سكان غرناطة المسلمين في ذلك الوقت بمئتي ألف، كلهم ما عدا 500 منهم من أبناء المسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام. وكثيراً ما كان المسيحيون يفضلون حكم المسلمين على حكم المسيحيين".
هذا، ولم تسلم موسوعة قصة الحضارة من عدم دقّة في نقل تاريخ الإسلام، وقد يلقي هذا ببعض ظِلال الشك والريبة على بقية صفحات كامل الكتاب، ولا يُلام المؤلف في الحقيقة – ولقد اعتذر عن ذلك القصور مرارًا - فالدقة العامة لتاريخ البشر لا يطيقها بشر.
 وعليه فيؤخذ من الكتاب مجملاته لا على سبيل التسليم إنما على سبيل الاعتبار بما ذكر والعلم بما كتب وبما نقل.
ويظل أثر المَراجع التي استاق منها المؤلف مادة موسوعته واضحًا في الحروب الصليبية بما فيها من إظهار مزايا الصليبيين وأن هزائمهم إنما كانت بسبب خارج عنهم، إلى إظهار عيوب المسلمين التي يرويها أعداؤهم، وأنهم لولا بعض الصدف لم يكن لهم عظيم شأن!
والمصنّف – على علوّ كعبه في الإنصاف - يتحامل أحيانًا على الشرق بعامّة فيغمزه بغمزات كان خليقًا أن يرفع عنها أَسَلَة قلم إنصافه المائلة أحيانًا عن عمود عدله.
 وقد اعتذر عن أمثال ذلك بكلام غاية في الروعة إذ قال: "بعد أن ذكرنا الحقائق بإنصاف لا يشوبه إلا تحاملٌ يصدر عن اللاوعي، فإنه يسمح للمؤرخ بإضافة تعليق افتراضي يعترف به". وقال في تعليقة على عدم إطاقة عدم التحيز: "العقل كالجسم، سجين في جلده لا يستطيع الفكاك منه".
وقال في سياق كلامه عن مشاهير الأدباء وغيرهم في كلام ينبض بصدق العاطفة ويسيل في الأذن كأرَقِّ معزوفة: "في هذه الصفحات العجلى يدخل الضمير دائماً في سباق مع الزمن، وينبّه القلم المستعجل إلى أنه كالمسافر المسرع، إنما يمس السطح فقط. فكم من ناشرين ومعلمين وعلماء وأدباء ورعاة للعلم وشعراء وروائيين وثوار متهورين جاهدوا نصف قرن لينتجوا هذا الأدب الذي ضغطناه في هذه الصفحات.
 كم من روائع أغفلنا اسمها، وأمم ضربنا صفحاً عن ذكرها، وأشخاص كانوا يوماً في عداد العباقرة الخالدين أهملناهم إلا من كلمات معدودات! ولكن لا حيلة لنا في هذا. فالمداد ينضب، ويجب قبل نضوبه أن نقنع بما يسفر عنه رشاشه وخطوطه من صورة غائمة لرجال ونساء يتخففون برهة من عناء اللاهوت والحرب، ويحبون أشكال الجمال كما يحبون سراب الحقيقة والقوة، يبنون الألفاظ وينحتونها ويصورونها إلى أن يجد الفكر فناً يكسوه، وتمتزج الحكمة بالموسيقى، وينهض الأدب ليتيح لأمة أن تتكلم، ولعصر أن يصبّ روحه في قالب شكل في شغف كبير ليصونه الزمن نفسه وينقله خلال مئات الكوارث تراثاً للبشرية".
وقال في لحظة إنصاف مشرقة بهيجة: "إن قصتنا تبدأ بالشرق، لا لأن آسيا كانت مسرحاً لأقدم مدنيّة معروفة لنا فحسب، بل كذلك لأن تلك المدنيات كونت البطانة والأساس للثقافة اليونانية والرومانية التي ظن سير هنري مين خطأ أنها المصدر الوحيد الذي استقى منه العقل الحديث.
 فسيدهشنا أن نعلم كم مخترَعاً من ألزم مخترعاتنا لحياتنا، وكم من نظامنا الاقتصادي والسياسي ومما لدينا من علوم وآداب، وما لنا من فلسفة ودين، يرتدُّ إلى مصر والشرق، وفي هذه اللحظة نرى أن التعصب الإقليمي الذي ساد كتابتنا التقليدية للتاريخ، التي تبدأ رواية التاريخ من اليونان وتلخص آسيا كلها في سطر واحد، لم يعد مجرد غلطة علمية، بل ربما كان إخفاقاً ذريعاً في تصوير الواقع ونقصاً فاضحاً في ذكائنا".
هذا ولديورانت كلام كثير ممتع في بيان سبق العرب والمسلمين لكثير من العلوم التجريبية، ويؤكد سبقهم في التجربة والقياس وقواعد العلم التجريبي وتأسيسهم له قبل فرانسيس بيكون بخمسمئة سنة، ومما قاله:
 "لقد ظل الإسلام خمسة قرون من عام 700 إلى عام 1200 يتزعم العالم كله في القوة، والنظام، وبسطة الملك، وجميع الطباع والأخلاق، وفي ارتفاع مستوى الحياة، وفي التشريع الإنساني الرحيم، والتسامح الديني، والآداب، والبحث العلمي، والعلوم، والطب، والفلسفة.. ولم تتفق أوروبا البلاد الإسلامية في تلك الفترة إلا في تأليف الآداب الجنسية!".
كما تكلم بإسهاب عن الخمسة المشاهير: ابن سينا في الطب والقانون، والرازي في الطب وهو صاحب أشهر كتاب طبي (الحاوي) وابن الهيثم في البصريات، والبيروني في الجغرافيا، وجابر بن حيان في الكيمياء. وذكر سبق المسلمين لكثير من النظريات العلمية ومنها سبقهم لاكتشاف قانون الجاذبية قبل نيوتن.
وفي جمعهم للكتب النافعة يعطي مثالًا مقارنا فيقول: "إن مكتبة الصاحب بن عبّاد الأندلسي تفوق عدد كتب الدور الأوروبية مجتمعة". وله كلام جميل حيال هذا الموضوع، وقد تكلم بلهفة عن تأثير المسلمين الإيجابي في نهضة أوروبا العلمية (التجريبية) بل وفي بعض الجوانب الإنسانية والأخلاقية.
كما ذكر أمورًا وأحداثًا متفرّقة غفل عنها بعض كبار مؤرخي المسلمين – على أهميتها – ومن ذلك ذكره لوقوفهم على أسوار روما، وغنيمتهم (سمّاها نهبًا) كنوز أشهر كنائس العالم وأقواها رمزيّة صليبية وهما كنيستي بطرس وبولس، وأن البابا كان يؤدي الجزية للمسلمين عن يدٍ وهو صاغر، وأن المسلمين ظلوا في إيطاليا مئة سنة.. وغيرها من نفائس الأخبار.
وإني أناشد وأنادي مؤرخي قومي – وفيهم كفاية - أن ينتدب منهم طائفة ذات خبرة وعلم وصبر وسعة أفق فيكتبون تاريخ أوروبا من جديد وينخلونه بمنخل المنهج الإسلامي المنصف الواعي اللبق الحرّ.
نعم فنحن في حاجة لكتابة التاريخ الأوربي من وجهة نظر إسلامية كما كتبوا تاريخنا بوجهتهم وانطباعاتهم وخلفيتهم حتى صدّق كثير من أبنائنا بذلك، ولقائل أن يقول: ثم كان ماذا؟!
 والجواب: أن نصحّح كثيرًا من تراتيب الأحداث ونزيل الإشكالات ونبني أسس الحضارة التاريخية المعرفية الصحيحة لديهم حتى نراهم من زاوية وجهتنا ونزنهم بميزاننا ونقيمهم بمبادئنا فنترفّع عما رفعنا الله عنه، ونتواضع للحق الذي شهدناه، ونعترف بالسبق الذي لديهم أيّا كان، وهذا مفيد لنا ولهم.
 فللحق إنهم هم المنافس الأكبر والخصم الحضاري التقليدي والجار الألد الخصم لحضارتنا كمسلمين. وأنّا بلوغ تلك الأمنية المعرفيّة إلا ببناء موسوعة شاملة لتاريخ أوروبا في كل أنحاء القارّة العجوز مع شقيها: الشرقي (الروسي) والغربي البعيد (الأمريكي). ولعل أقسام التاريخ والحضارة في جامعاتنا يسدون هذه الثلمة الملوّثة.
 والمقصود إعادة كتابة تاريخهم بعد فلترتها ونخلها بعقول إسلامية خبيرة ناصحة هادئة، أما المادة العلمية فهي متكدّسة بمجلدات كبيرة كثيرة كالموسوعة الألمانية والبريطانية وقبلهما الفرنسية وغيرها، فلن تعوز خبرتهم، فمن لها؟ والله من وراء القصد.
ونعود لديورانت فنقول: إنه كان فيلسوفًا بتسعة أعشاره كاثوليكيّا بعُشره، وعلى اعترافه بالانتماء للكنيسة العامّة الكاثوليكية إلا أنه كان سريع السخرية منها عند أدنى مناسبة، ولعل السبب هو ميلُه الواضح لمذهب الفلاسفة الشكوكيين، فلم يستطع الانفكاك عن عقيدة غيبيّة لأجل السلوان الروحي – مهما يكن ضلالها – فهو القائل: "أفضل عقار مُسكّن في الطبيعة جرعة مما هو فوق الطبيعة" كما لم يرغب عن الفلسفة التي أُشرب حبّها واعتنق دينها. ولقد قال بشكوكية – ولو عمّم لاتّهم بالجنون -: "كثير من الأحكام القطعية لا ثبات لها، لأن الحقيقة حتى في العلم تذبل كالزهرة".
هذا، ويكاد هذا كتاب قصة الحضارة أن يكون تأريخا نقديًّا للكنيسة.
كذلك فللمؤلف احتفاء خاص بالماسونية – ربما لميل الفيلسوف للغموض – ويقال: إن ديورانت من أصول يهوديّة. قلت: ولعل هذا – إن صح -  يفسر الحنين الدافق تجاههم والدفاع والمنافحة الجديّة عنهم.
كما أنه ينزع باضطراد للاحتفاء بالزنادقة والهراطقة – ولهذا بُعد فلسفي – وله كذلك حفاوة خاصة بالإنسانيين من نقاد الكنيسة.
 وله ولاء كامن لبريطانيا، فلعل جذور سلالته من تلك الجزيرة الباردة.
وإن مما يعيب المؤلّف في موسوعته استخدامه لأفعل التفضيل على أكثر من جهة، فقد يفضّل شخصًا ويقلّده وسام الأفضلية المطلقة في زمان ومكان معينين، ثم نراه في باب آخر يختار شخصًا آخر ويصفه بنفس التفضيل.. وكذلك شأنه مع غير قليل من الكتب والقصائد والمدن.. إلخ. ولعله يقصد بتفضيله المبالغة في الثناء لا مطلق الأفضلية، والله أعلم.
ومن الملاحظات على الموسوعة أن مصنفها لم يُوفّق في تصوّر وتتبع وذكر الرعيل الأول من المسيحية الذين كانوا على التوحيد الخالص، وذلك لغلبة الفلسفة المادّية على خلفيّته الفكرية.
واعلم أنك أثناء عبورك لأنهار سرده المتدفق فإنك ستقف - لا شعوريّا - عاقدًا مقارنات بين معارفك وعلومك وبيئتك وبين ما تعيشه مع هذا المؤلف العجيب من ماضٍ يضجّ بالأحداث العاصفة أو الهادئة. وقد تتحصّل على نكت علمية من ذلك، فالقسم على المصحف – على سبيل المثال – لعلّه تشبّه مأخوذ من إقسام أباطرة ألمانيا على الإنجيل (المحرّف) ووضعهم أيديهم عليه حيال القسم، وغير ذلك من الفوائد القياسيّة.
هذا وقد يذكر "ول" أمورًا يفعلها الناس بعفوية، ولكن من يراها من الخارج يعجب منها أو بها، ومن ذلك: "لما أمر رجال الدين (النصراني) أن تلبس النساء النقاب حرصاً على أخلاقهن جعلن هذا النقاب يصنع من الموصلين الرقيق والحرير المشغول بالذهب، فظهرن فيه أجمل عشرات المرات مما كن بغيره وأتلفتن عيون النظارة وأغرينهم بالفساد أكثر من ذي قبل".
وقال: "حَسَبَ معلمٌ ألماني أنه خلال إحدى وخمسين سنة مارس فيها التعليم جلد تلاميذه 124.000 جلدة بالسوط، وصفعهم بيده 136.715 صفعة، وضربهم بالعصا 911.527 ضربة، ولكمهم على آذانهم 1.115.800 لكمة!"
ومن فوائد الموسوعة ذكرها لبعض الابتدائيات في حياة الناس، وكذلك تنقلات العادات والعبادات بكل غير مباشر بينهم، ومن ذلك ما ذكره من جلد النصارى أنفسهم في احتفالاتهم الدينية، وقد يكون ذلك هو الأصل لجلد الرافضة لأنفسهم في عاشوراء، قال: "كان الرجال في احتفالات أسبوع الآلام يجلدون أنفسهم في بعض المواكب الدينية حتى تسيل دماؤهم (حتى حرم هذا الجلد في 1777)" 
والمؤلف يجيد ذكر المفارقات التاريخية في طبيعة البشر التي تجعل الأمور بفعل العادة المنتشرة أصلًا لا يناقش أو مبدأ لا يساوم عليه او على الأقل حق شعبي خاص يُحتفى به أكثر من اللازم، ومن ذلك: "كان البنطلون هو لباس البرابرة في عهد الرومان" قلت: واليوم قد جعلوه رمز التحضر في اللباس.
وبضميمة ما سبق فلديورانت قدرة هائلة على التحليل والتوفيق والمقارنة، ولننظر لنصٍّ تأمّلي دفقه عقلُه على حبرِ قرطاسه يشهد لذهنيّته الحادة المستوعبة لتفاصيل طريقة التفكير الإيماني – مع التحفّظ على بعض ما فيها – قال: "حياة العقل مزيج من قوّتين: أولاهما ضرورة الإيمان ليستطيع الإنسان الحياة. والأخرى ضرورة الاستدلال ليستطيع التقدم.
وتكون إرادة الإيمان هي المسيطرة على العقل في عهود الفقر والفوضى لأن الشجاعة في تلك العصور هي كل ما يحتاجه الناس، أما في عهود الثراء فإن القوى الذهنية تبرز إلى الأمام لتفرض على الناس الرقيّ والتقدم، وعلى هذا فإن الحضارة في انتقالها من الفقر إلى الثراء تنزع إلى خلق النزاع بين العقل والإيمان، والصراع بين العلم والدين.
وفي هذا الصراع تعمل الفلسفة عادة على التوفيق بين الأضداد وإيجاد سلام وسط، لأن وظيفتها هي أن ترى الحياة في كليهما، ونتيجة ذلك أن يحتقرها العلم ويرتاب فيها الدين.
وفي عصر الإيمان حين تجعل الصعاب الحياة شاقة لا تحتمل بغير أمل، تميل الفلسفة إلى الدين، وتستخدم العقل في الدفاع عن الإيمان، وتصبح ديناً متنكّراً".
والمؤلف يحبّ فرزَ العصور بتواريخ جوامع، وهي طريقة مفيدة لربط أغصان المعرفة بشجرتها الأم، وهو ما يسمى الآن بالشجرة المعرفية، فمن ذلك ما قرره – متابعًا غيره – بربط عصور أوروبا عبر الفترات من أنّ عصورها الوسطى تبتدئ من قسطنطين (325 م) إلى موت دانتي (1321م) أي قرابة ألف سنة. والمؤلف إذا أطلق القارة فهو يقصد عجوزَه أوروبا.
وله فوائد متفرقة على سبيل المثال قوله: كان الطاعون يطلق على كل وباء معدي إلى عام (1500) وبعدها فصلوا الأمراض الوبائية القاتلة كالجدري والحصبة والتيفوئيد.
كما تكلّم بإسهاب عن كبار أُسر أوروبا الحاكمة: مديتشي في فلورنسا وإيطاليا، البوربون في فرنسا، آل هبسبرج في النمسا وإسبانيا.
وفي الكتاب لفتات ونُقُول تفيد المؤرخ والهاوي في تتبع بعض مسارب بعض المواضيع التي تهمه، ومن ذلك – على سبيل المثال – ما نقله عن ذكرِ هيرودوت أن الألات (اللات) أنها من أكبر أرباب العرب. وهذه تفيد في تتبع مراحل الوثنية في جزيرة العرب بعد أبي الأنبياء أبينا الخليل عليه الصلاة والسلام، فقد سبق بقرون "الكلبي" في كتابه الأصنام وغيره.
هذا ولديورانت احتفاء خاص برجلين: فولتير الفيلسوف ونابليون القائد. ولقد شدّ وَتَرَ قوس فكره في مجاراتهما حتى إذا لم يبق للقوس مَنزَع سكب رحلته الماتعة معهما بين ثنايا سِفْرِه.
ومن أقواله ونقوله عن نابليون ما ذكره عن سحر عينيه ونفوذهما لأعماق محاوريه، قال: أما روح القيادة فتتجلى في عينيه، فالكاردينال كابرارا الذي أتى للتفاوض بشأن الاتفاق البابوي (الكونكوردات) وضع على عينيه عدستين خضراوتين كبيرتين ليخفِّف بهما وهج عيني نابليون وحملقته. والجنرال فاندام يعترف بخوفه من أثر عيني نابليون الشبيه بأثر التنويم المغناطيسي ويقول: هذا الشيطان الآدمي يمارس معي سحراً يجعلني غير قادر على التعبير عمّا في نفسي.
ولتحليل قدرة نابليون العجيبة على التركيز في أمور كبار وحل معضلات شديدة في وقت وجيز ذكر نظرية الأدراج العقلية إذ نقل ما قاله نابليون عن نفسه:
"إنني أستطيع النوم في أي ساعة وفي أي مكان إذا دعت الحاجة". وقد وضَّح نابليون شارحاً أنه يحتفظ بأمور كثيرة مختلفة مرتّبة في عقله أو ذاكرته كما لو كانت في أدراج خزانة، قال: "فعندما أرغب في ترك موضوع أغلق الدُّرج الذي به هذا الموضوع لأفتح آخر به موضوع آخر·· وإذا أردت النوم أغلقت كل الأدراج عندها أنام حالاً".
وقال ول عنه: "تصبح العبقرية على شفا الجنون إذا فقد صاحبها الاعتدال والقدرة على رؤية العلاقات الصحيحة بين الأشياء كنابليون".
وقال أيضًا عنه بعد ذكر نهايته الأليمة البائسة: "لقد خسر نابليون الرهان الأخير، لكن بعد أن فرض نفسه كأبرع جنرال في التاريخ"·
وفي جودة عقل نابليون قال: "كان جوته يظنّ أن عقل نابليون هو أعظم عقل أنجبته البشرية. واتفق معه لورد أكتون في ذلك الرأي. أما مينيقال فقد نسب إلى سيده نابليون أرقى فكر مُنِحَهُ بشر على الإطلاق".
 قلت: ومع هذا فتدبر قول العلي العليم سبحانه: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) وقوله: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ءاذان لا يسمعون بهآ أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) وبئسًا وخيبة لمن كانت البهيمة خيرًا منه عاقبة ومآلا! فلك الحمد اللهم على نعمة الإسلام. ولك أن تتصور أن نابليون كان قد دخل في الإسلام تظاهرا حين غزا مصر، وسمع القرآن والخير ولكن: (من يضلل فما له من هاد)
فاجعل لقلبك مقلتين كليهما   ...  من خشية الرحمن باكيتان
لو شاءَ ربك كنت أيضًا مثلهم   ...  فالقلب بين أصابع الرحمن
وقال عن نابليون: "وكان نابليون قد ارتد عن دين محمد – صلى الله عليه وسلم - الذي سبق أن اعتنقه في مصر فدعا إلى اجتماع عقده هيئة أساقفة ميلان وأكد لهم إخلاصة للكنيسة وأخبرهم أنه عند عودته لباريس سيجري صلحاً بين فرنسا والكنيسة".
وقال عن إصرار المدهش: "إما أن يكون القيصر أو لا أحد". قلت: وبتعبير آخر: يريدُ أن يكون كل شيء أو لا شيء. وهذا من الطموح القتّال غالبًا.
وقد نشر كثيرًا من الوثائق المهمة في تلك الحقبة النابليونية وبخاصة مراسلات نابليون لزوجته جوزفين التي أثّرت كثيرًا في حياته، - كما كان الملك عبدالعزيز رحمه الله يكتب الأشعار الرقيقة في زوجته الجوهرة قبل دخوله بعض المعارك الكبار، والحب المشوق في هذا الموطن ليس بمستغرب من العظماء - بل وكان يكتب لها وهو في وقع خطواته في المعارك.
وقد أورد المؤلف خطابًا أرسله نابليون إلى أخيه نفهم منه أنه كان قد اعتزم ترك مصر والعودة إلى فرنسا حتى قبل أن تطلب منه حكومة الإدارة العودة، وقبل أن يتأزم وضع الحملة في مصر بعد هزيمة الأسطول الفرنسي في موقعة أبى قير البحرية على يد الأسطول الانجليزي بقيادة نلسن، لا لشيء إلا لعلمه أن جوزفين قد اتخذت في غيابه عشيقاً·
بل حتى نوعيّة قراءته الترويحية في ليالي المعارك كان غريبًا فقد كان نابليون يقرأ الروايات بشغف وبخاصة الرومانسي منها. قلت: ولعل سبب ذلك ازدحام رأسه بالأفكار الكثيفة الشديدة بكثرة وإزعاج فيحتاج أن يجمع شتاتها لا بالتأمل الساكن ولكن بالغياب اللطيف القريب عبر سباحة فكره في أمواج الرواية، ومع كل موجة أو موجتان تعصف به فكرة مضيئة فيقدمها على غيرها حتى تنتهي الرواية الرومانتيكية مع نهاية مسردة بقائمة أولوياته وتسجيل أهم خطراته، أقول: لعله.
أما في الجزء الخامس والثلاثين والسادس والثلاثين فقد ابتكر المؤلف كتابة سيرة أمَّة – بل أمتين – عن طريق سيرة وأحداث شخص واحد هو فولتير، وعليه سمّى مجلده "عصر فولتير" الذي كان قدّيسًا في معبد فكر هذا المؤلف الدارويني الشكوكي الكاثوليكي القلق المرح!
وذكر خبر إرسال فولتير نسخة من رواية "محمد" إلى البابا بندكت الرابع عشر، يسأله أن يهديها إليه، فرد البابا: سعدت الليلة الماضية بروايتك "محمد" التي قرأتها بشغف وسرور عظيم. وإني لأقدر مواهبك أكبر تقدير، وهذا أمر يعترف به الجميع. وأني لأكبر كل الإكبار نبلك وإخلاصك. وإني هنا أمنحك بركتي الرسولية!
 قلت: وهذه الرواية الهزيلة قد امتلأت بالسب والهزء بالرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، فلا غرابة من هجوم المعاصرين للنبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، فما فعله بندكت قد سبقه سلفه غير الصالح.
أما فولتير فقد حاول التكفير عن هذه الرواية القبيحة بمدحٍ وحمدٍ جميل لرسول الرحمة والهدى والجمال والسلام صلى الله عليه وسلم ودافع عنه، واستخفّ عقول من يهاجمونه بلا علم به كحاله سابقًا.
ومن أقواله الذائعة في حمدِ الإسلام: "إن انتشار روح عصر التنوير في أوروبا راح يطرد شبح الأحكام السلبية، المسبقة والجذرية المرتكزة على كليشيهات الدفاعات الدينية المبتورة والباترة. فقد أصبح الدين الإسلامي بالنسبة للفلاسفة عمل مشرع فطن. ويمكن للإسلام أن يقارن نفسه بالمسيحية دون أي عقدة نقص، بل على العكس فهو يتميز على المسيحية بأنه يلجأ أقل منها إلى عالم الأسرار العجيب الخلاب، كما ويتميز بأنه يعترف بالعقائد الأخرى ومشروعيتها"·
قلت: والإسلام لا يشرع ملل الكفر ولا يقبل بها إلا بحدود الجوار وأهل الذمة وما شابه، أما الحق المطلق فهو دائر معه فقط، وهذا شأن الديانات الغيبية بإطلاق، ولا يعيبها ذلك بل يضفي عليها الثبات والرسوخ والشموخ شريطة أن يكون أصلها ثابت وفرعها في السماء، وليس ذلك إلا للإسلام.
ومن جميل ما نقله عن فولتير قوله: "إنك لو وضعت كل الظروف موضع الاعتبار، ألفيت حياة النوتي في جندوله خيراً من حياة حاكم المدينة، لكني أعتقد أن الفرق بين حياتيهما أتفه من أن يستحق منا التدقيق في أمره".
ولديورانت الفيلسوف وجهٌ ضاحك فله لَذعات ساخرة ماكرة فيذكر الجد في سياق الهزل والعكس، وهذا من جماليات الكتاب وقدرة الكاتب وطول باعه في بديع البيان، ومن تلك التحف الكلامية في سياق كلامه عن مؤرخٍ يزيد في أخباره من عنديّاته: "ولعل هذه الإضافات التي سجّل أخبارها كانت في مجموعها تبني هرماً لا بأس بحجمه".
وقال متهكّما بالمؤرخين: "كثيرًا ما تذكرنا سيرة عظماء الرجال بأن أخلاق الإنسان ممكن أن تتكوّن بعد مماتهّ! وذلك بسبب المؤرخين إن رضوا أو سخطوا".
وقال: "لقد كان إيفان واحداً من كثيرين من رجال عصره، الذين يمكن أن يقال عنهم إنه كان من الخير لبلادهم وللإنسانية جمعاء ألا يولدوا قط" ويقصد الروسي الدموي إيفان الرهيب.
وقال في مستظرفًا طرفةً ولكن لها أبعاد في غاية الجدية: "ولم يجد كونتاريني تفكّهه في سؤال وجّهه إليه بروتستانتي عما إذا كان الفأر الذي يقرض قطعةً سقطت من القربان المقدس، يأكل الخبز أم الرب؟" ويقصد بذلك طقس العشاء الرباني لدى النصارى إذ يعتقدون أنهم يأكلون ربهم الذي حلّ في الفطير أو اتّحد به ويشرون دمه الذي حلّ في الخمر أو انقلب به، حامدًا ربي على نعمة العقل والإسلام والعلم والسكينة.
وقال في موضع آخر: "أبلغ الجواسيسُ الأسقفَ جاردنر أن هنري فيلمر قال: إذا كان الرب موجوداً حقاً (في القربان المقدس) فإني أكون قد أكلت في حياتي عشرين رباً".
وقال: "أرسل جان نيكوت السفير الفرنسي في لشبونة بعض بذور النيكوتين إلى كاترين دي مديتشي، وقد جزى التاريخ هذا السفير خير الجزاء فأطلق اسمه على أحد السموم".
ومن تعليقاته الساخرة: "طرحت بواعث الحرب هذا السؤال العويص: مَن هو سيد أوروبا: شارل أم فرانسيس؟ وأجاب الأتراك بل سليمان".
وقال مبيّنًا بسخرية مثاليّة الملك ونسلانس ملك بوهيميا (رومانيا): "حاول أخوه أن يغتاله لأنه قد كانت تعوزه الرذائل التي لا بدّ من وجودها في الملوك".
ومن نقوله الساخرة: "شكا خطيب من أن اللورد نورث ينام أثناء الخطبة، فأجاب نورث: إن من الظلم أن يُعاب عليه تناول دواء قد قدمه السيد الموقر بنفسه!".
ومن محاسن الكتاب كشفه لبعض حيل الملوك والسلاطين عبر الأزمنة وطريقة حكمهم للشعوب عبر إلهائها بالتّوافه أو إشغالها بالتفريق ونحو ذلك مما سبقوا به مكيافيلي في وصاياه الأميرية، ومن ذلك ما ذكره عن إلهاء الرعية عن السياسة بالرياضة!
فقد تكلم عن حال الناس في القرن الرابع الميلادي في عهد قسطنطين، وكيف استطاع وأعوانه إلهاء الناس عن الكلام في سياسته وحكمه بإشغالهم بفارغ اللهو الرياضي.. فلا جديد تحت الشمس يا سادة! قال – باختصار-: 
"وكان ركاب الخيل والعربات المحترفون يقسمون إلى فئات زرق أو خضر أو حمر أو بيض حسب من يستخدمونهم من أصحاب الخيل والعربات؛ وحسب ما يرتدون من ثياب؛ وعلى هذا النحو أيضاً يسقم النظارة، بل وينقسم سكان المدينة على بكرة أبيهم.
وكان الحزبان الرئيسيان (الزرق والخضر) يقتتلان بالخناجر في المضمار وبالخناجر أحياناً في شوارع المدينة.
أما فيما عدا هذا فقد كانت جمهرة السكان لا حول لها ولا طول من الناحية السياسية".
قلت: ومن المعلوم أن مثل هذا الإلهاء مذكور في بروتوكولات حكماء صهيون – ومع التشكّك من صحة نسبتها إلا أن الواقع يشهد بوجود عقل إبليسي ماكر يعمل على كثير من بنودها -.
هذا ويتميّز ديورانت بعباراته المُحلّقة المحقونة بمادّة فلسفية تأملية هادئة بأسلوب رائق.. ومكان هذا في العادة تجده – تقريبًا - في آخر سطرين من كل فصل في كتابه.
 فللرجل عبارات رائقة حكيمة عليمة، تدل على رهافة حسّ وصفاء ذهن وحِدّة عقل وحسن ترتيب للوحدات المنطقية وجودة سبك عبارات ولنبسط بعضًا منها، مع ملاحظة أن بعض الفضلاء لا يحبذون نقل بعض العبارات التي ظاهرها الصحة والحكمة بحجة أن قائلها يقصد كذا وكذا. وفي هذا نظر فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، ورسول الهدى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه قد قبل كلام الشيطان في حفظ آية الكرسي لمن تلاها في ليلته وقال: "صدقك وهو كذوب" كما في الصحيحين، وقَبِلَ كلام اليهود في النهي عن قول: "ما شاء الله وشئت" رواه النسائي وصححه الألباني.
والمعنى الجميل نأخذه مع طرح ما لفّق عليه من باطل، مع التحرز من إسقاطات تالية قد تفهم على غير ما سيقت لأجله. وعليه فمن أقوال ديورانت:
 "المناخ والحكومة والدين هي العوامل الأساسية المشكّلة لأحداث التاريخ". قلت: هي أغلبية لا مطلقة، وكلٌّ بقدر الله.
"كل ائتلاف يلد نقيضًا له". أي: حلف ضد حلف آخر.
وقال معلقا على حال موتسارت (الموسيقار النمساوي موزارت): "غناء الروح قد يضني الجسد، وإن العبقرية إذا حرمت فترات كسل انزلقت إلى الجنون".
وقال بتأمّل: "قلّما تكون الحقيقة بسيطة". أي: لها عدة أوجه وعُقد وارتباطات وتشعُّبات ومفاهيم.
وقال بنصح ورثاء وشفقة: "النفس الرومانسية تقف عاجزة مكتئبة أمام الموت ما لم تكن متديّنة".
ومن أقوله المشرقة:
"الإسلام أبسط الأديان كلها وأوضحها".
"عظيمة هي قوة الإسلام بحيث لا يستطيع العقل إدراك مداها".
"إذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس قلنا إن محمداً كان من أعظم عظماء التاريخ".
وقال بعدما ذكر وصف الجنة في القرآن: "تُرى! من ذا الذي يستطيع ان يرفض هذا النعيم؟!".
"جاء عمر لبيت المقدس في بساطة أفخر من الفخامة".
"إن اللغة العربية تفقد جمالها في الترجمة كما تفقد الزهرة جمالها إذا انتزعت من شجرتها".
"كل فكرة مبدعة تتاح لها إن عاجلًا أو آجلًا فرصة تخرج فيها إلى الوجود وتتطور وتضيف لونها الجديد إلى شعلة الحياة المتّقدة".
"لا شيء بعد الخبز أعزّ على بني الإنسان من عقائدهم الدينية".
"عيني المرأة العربية مهما يكن سنها تسبيان العقول".
"البدوي يحب الخيل، ولكن الجمل أعزّ أصدقائه في الصحراء".
"ورث الإسبان عن العرب سرعة الغضب".
"إن بقاء هذا الطراز من الحكومة الملكية الفردية من عهد قورش إلى يومنا ليوحي بصلاحيته لحكم الشعوب الجاهلة واستغلالها".
"الديمقراطية في أحسن أحوالها لا بد أن تكون نسبية".
"الأداة لسرد قصة طويلة هو الأسلوب الطبيعي السهل المتدفق الخالي من التكلف والصنعة الأدبية".
"كل رحالة كذاب".
"الحياة مسرح له مدخل واحد ومخارج عدة".
"العادة تزيل الفحش عن أي شيء، والزمن يخلع القداسة على أي شيء".
"لن تجد بين المتفكّهين من يتفكّه كما يتفكّه التاريخ".
"الكسالى لا يفتئون يعزون العبقرية لوحي يوحى لمن ينتظر هذا الإيحاء".
"الدرس الأول الذي تلقيه علينا الفلسفة هو أننا قد نكون جميعاً مخطئين".
"يندر أن يأتي الموت إلى مدينة من خارجها" أي أن وقوعها في الترف الزائد والخيانات هو ما يهزمها ويهدمها.
"إن الأمم تولد رواقية وتموت أبيقورية". أي: تولد جادّة متدينة زاهدة عاملة نسبة للرواقيين ومن أشهرهم زينون ورفاقه، ثم تضمحل بفعل الترف والفسق والمجون كالأبيقوريين نسبة للفيلسوف اليوناني المتهتّك أبيقور.
"من القوانين التي تكاد تتحكم في التاريخ أن الشمال الخشن ذا النزعة الحربية، ينتصر دائماً على الجنوب اللين السهل مبدع الفنون".
"لو أن مدينته الفاضلة تحققت فعلاً لكان هو أول ضحاياها". قلت: قالها في نقد فلسفة افلاطون القامعة للفلسفة.
"إن فلسفة عصر من العصور تصبح في الأحوال العادية أدب العصر الذي يليه".
"إن الأقدار تصيب أحياناً من لا يستحقها من الأفراد، ولكنها قلما تفعل ذلك بالأمم". (مع التحفظ على سوء الأدب والجهل بحكمة الله من ول، وكأنه قصد وضوح السنن الكونية العامة دون الخاصة الفردية).
"إن الجِد ليس إلا نصف العبقرية، أما نصفها الآخر فهو السيطرة على أعنّة هذا الجد وتملك ناصيته".
"أن الحضارة لا تموت ولكنها تهاجر من بلد إلى بلد".
وقال عن الزعيم صلا: "كان نصف أسد ونصف ثعلب، وإن الثعلب فيه كان أشد خطراً من الأسد".
"إن المتحذلقين مولعون على الدوام بتنفيذ ما يقبله الناس من الآراء، ويسوءهم ما يبقى في عقولهم منها".
"الحرية في لغة الأقوياء لا يقصد بها في بعض الأحيان إلا التحرر من القيود التي تحول دون استغلال الضعفاء".
"ما من أمة من الأمم تهزم في كتب تاريخها".
"حاجة الرجل للمرأة أشد من حاجتها إليه".
"جرت العادة من قديم الزمان أن يقوي سلطان المرأة كلما زادت ثروة المجتمع؛ ذلك أنه إذا امتلأت البطون أخلى الجوع الميدان للحب".
"كل الحقائق الفلسفية قديمة مكررة، ولا جديد فيها سوى الخطأ". 
"إن المسيحية لم تقض على الوثنية بل تبنّتها".
"البلاغة قلّما تصحبها الدقة".
"لا يعيب المبدع استرشاده بتجارب وعقول غيره، ذلك أن نزلاء المستشفيات العقلية هم وحدهم المبدعون تمام الإبداع الذين لا يتأثرون بعقول غيرهم".
"ليس من حق الرجل العملي أن يرى ما في مركز عدوه من عدالة، بل إن ذلك من حق الفيلسوف وحده". قلت: ولعله يقصد بذلك عموم المفكّرين الذين يحللون الأحداث بشمولية وليس مجرد الركن الضيق للفيلسوف البارد.
"نِعَمُ الحضارة تغري الهمج بالهجوم على البلاد المتحضرة".
"لسنا نعرف أن حضارة من الحضارات في التاريخ كله قد عانت من التدمير الفجائي ما عانته الحضارة الإسلامية على أيدي المغول".
"العالِم وإن كان مواطناً في بلدهِ يحبه لما يربطه من صلات وثيقة، يحس أيضاً بأنه مواطن في بلد العقل، الذي لا يعرف عداوات ولا حدوداً".
"الحكيم يتواضع لأنه يرى الجزء في صورة الكل".
"نرى كل أمة وكل نفس في موكب الحضارات والدول تفسر مسرحية التاريخ والحياة تفسيراً يدور حول صفاتها هي والدور الذي قامت به فيه".
"تضمحل العقيدة مع زيادة الثروة". قلت: وكأنه يشرح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه الشيخان: "ما الفقر أخشى عليكم".
"من المآسي التي تتعرض لها الروحانيات أنها تضمحل ويضعف شأنها إذا لم يُعن بتنظيمها، وأنها تفسدها ما يتطلبه تنظيمها من ضرورات مادية". قلت: وهذه نفيسة جدّا.
"إن التعصب يلازم الإيمان القوي على الدوام، والتسامح لا ينشأ إلا حين يفقد الإيمان يقينه، أما اليقين فسيف بتّار". قلت: ليست مضطردة وإن كانت أغلبية.
"المؤرخ كالصحفي ينزع على الدوام إلى أن يضحي بما هو طبيعي وعادي في سبيل ما هو مسرحي مثير؛ وأنه لا يرسم أبداً صورة وافية لأي عصر من العصور".
"الأخلاق تفسد كلما زاد الثراء". قلت: والعكس أحيانًا صحيح.
"الفن هو زينة الحياة". والصواب: أن مباحه من زينتها، وإلا فالزينة الإيمان.
"يخلط الفقر على الدوام بين الأساطير والطب، لأن الأساطير حرة لا ثمن لها والعلم غال عزيز المنال".
"السلطة كالحرية امتحان لا يجتازه إلا من اتصف بالذكاء والرزانة والهدوء".
"إن الذي يمتاز به الحكم الوراثي هو الاستمرار، أما نقمته فهي أنه يؤول إلى من لا يعلون على المستوى الأوسط من الحكام".
وقال في دوق ألفا الشرس الدموي وقد انتابته الحمّى في آخر عمره ولم يستطع العيش إلا على الرضاع من ثدي امرأة سنة كاملة قال: "ومات بعد أن عاش عاماً على اللبن، ونصف قرن على الدم".
"خسر الأتراك المعركة ولكنهم كسبوا الحرب". قالها مثنيًا على الترك بعد معركة ليبنتو.
"لنلقِ نظرة على الخريطة، فإن الخرائط مثل الوجوه، هي شارات التاريخ وتوقيعاته".
"قد يحفر التصوف جذوره في أعماق الشك". قلت: وهذا اعتراف بالعطش الروحاني لدى أجلاف الفلاسفة.
"قليل من الناس في التاريخ كله من اجتمعت لهم وحدة الهدف مع المضاءة والثبات في الوصول إليه، فقوانين الحركة تأبى الثبات غالبًا".
"لقد اعترف مونتيني بكثير من عيوبه حتى إنه استنفذ أسلحة نقاده".
"أين نجد مرة أخرى مثل هذا الموكب المفعم بالحياة، مركب الحكمة والفكاهة؟ إن بين هاتين الصفتين شبهاً دقيقاً، فكلتاهما منبثقة من رؤية الأشياء في أوضاعها الصحيحة، وهما في مونتيني تصنعان رجلاً واحداً". 
"لقد مللنا اللغة التي يستعملها أصحابها لإخفاء الفكر أو لإخفاء انعدامه". قلت: وهذه من جوامع الكلام وسهله الممتنع.
"إن الثورات تأكل آباءها". قلت: وقالها غيره كذلك.
"السياسة حرب ولكن بوسائل أخرى". قلت: والمشهور حاليّا بين الكتاب عبارة الديبلوماسية بدلًا عن السياسة وهما بمعنى في هذا الباب.
"حدة الحواس المؤلمة ملازمة لحدة الذهن وفرط الذكاء".
"لولا الجهل لما كان للتاريخ وجود".
"ليس من الضرورة أن يكون الغموض هو العلامة المميزة للفيلسوف".
"الحكم المطلق ابن الحرب، أما الديمقراطية فهي ترف السلم".
"ينبغي ألا نترك للعواطف اختيار الدليل".
"لا يستطيع إنسان أن يقاتل ما لم يتعلم الكراهية".
"الحماسة التي تدفع صاحبها إلى الهدم والتدمير قلما تقترن بالصبر الذي يتطلّبه البناء والتعمير".
"إذا كانت الأفكار غيرت العالم فلم لا تصنع الأفكار الأفضل عالما أفضل؟!".
"والحق إن هناك لحظات تبدو فيها الحياة رائعة الجمال بحيث لا يمكن أن يكفر بالإله غير إنسان جحود". (يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم).
"الحوار هو حيلة الفيلسوف الأثيرة في المراوغة بأفكاره الصادقة". قلت: وسقراط خير مثال. وبالمناسبة فسقراط فيه شُبهة نبوّة فلا يُسبّ ولا يمدح.
"الإحساس دائمًا بنفس الشيء يصبح بعد قليل إحساسًا بلا شيء".
"لقد ملأ نابليون في عشرين سنة أحداثاً تكفي لقرن لأنه كان يكثّف عمل الأسبوع ليجعله في يوم واحد".
"في السياسة يعتبر الخط المستقيم هو أطول مسافة بين نقطتين".
"لقد أصبح بمقدور بيتهوفن أن يذوب في الإبداع الموسيقي بشكل يجعل موت جسده مجرد حدث عابر في حياة ممتدة". قلت: ويقصد بهذا الإسقاط خلود الذكر.
وقال: "إنه يقول – أي بيتهوفن -: عندما أعزف أو أؤلف الموسيقا؛ تخف أحزاني إلى أدنى درجة. إنه لم يعد يسمع ألحانه الآن بأذنيه وإنما راح يسمعها بعينيه - بقدرة الموسيقى الباطنية على تحويل الأنغام التي يتخيلها إلى بقع وخطوط ثم يسمعها - بلا صوت - من الصفحات المكتوبة". قلت: لأن بيتهوفن كان أصمًّا وخاصة في أخريات حياته. وحقًّا كم خسر وحُرِم من حرم لذة القرآن!
"المعارك هي الألعاب النارية في دراما التاريخ".
"عمر الإنسان ما هو إلا لحظة قصيرة في التاريخ".
"الحكمة ليس لها وطن".
"لقد أصبح شعار الثورة الفرنسية الحرية الإخاء المساواة معناه: كن أخي وإلا سأقتلك".
"انتكس الفلك إلى التنجيم، والكيمياء إلى الخيمياء، والطب إلى السحر، والتاريخ إلى الأساطير. تلك ثمار حرب العلم".
"أصل الجمال ومعياره هو المرأة".
"العباقرة ينتجون أكثر إنتاجهم حين لا يقومون إلا بأقل الأعمال".
"أكبر عيوب دافنشي أنه يحرص على الكمال في عمله، لهذا فإنه لا يُتمُّ كثيرًا من أعماله لقصوره عما تخيله لها. قلت: لأن المثالية قتّالة للإبداع".
"كان تولستوي ودافنشي يحسدان الطير، ويريان أن جنسه أرقى من الإنسان!".
"البابوية كانت حكومة أكثر مما كانت دينا".
"الشعر موسيقى غير قابلة للترجمة".
"الديمقراطية ترف لا يُستمتع به إلا إذا تثقفت العقول وساد الأمن والسلام".
"الحاكم لا يستطيع أن يتحدث بصوت أعلى من صوت مدافعه".
"يكاد الفلاسفة أن يجمعوا على التنديد بكتاب مكيافيلي (الأمير) ويكاد الحكام أن يجمعوا على العمل بما فيه من حكم".
"الاستنارة من صفات الأقليات، والتحرّر من صفات الأفراد".
"إن التاريخ، من بعض الوجوه، ليس إلا تعاقباً لموضوعات متعارضة، فإن الطباع والأشكال السائدة في عصر ينكرها ويبرأ منها العصر الذي يليه، والذي يضيق ذرعاً بالتقاليد، ويتحرق لهفاً إلى التجديد: فالكلاسيكية تنجب الرومانتيكية، وهذه تلد الواقعية".
"الحاضر ليس إلا الماضي مطويًّا ينتظر من يبسطه للعمل، كما أن الحاضر هو الماضي مبسوطأ لمن أراد ان يفهم". قلت: كما قالت العرب: التاريخ يعيد نفسه. وفي هذه العبارة محظور شرعي فالتاريخ لا يخلق نفسه! والواجب أن يقولوا: الله يعيد التاريخ أو أحداثه وما شابه.
"الدين عادة يزدهر في ظل النظام الزراعي، والعلم في العادة يزدهر في ظل النظام الصناعي.. فالثروة تضعف التديّن".
"الملكية الوراثية تشبه لعبة الميسر، فتضع المغفل المجنون في مكان الحاكم القدير".
"ليس الفكر هو عصا الميزان بالنسبة للتاريخ، فالناس الذين يصوغون الأديان يحركون العالم، أما الفلاسفة فإنهم جيلاً بعد جيل يغلفون بعبارات جديدة الجهل الفائق للجزء الذي يُنصّب نفسه حَبراً على الكل". قلت: وليس في الإسلام صياغة أديان ولكن نقلُ علم وبثُّ إيمان.
"قد تحتاج النقلة من الهمجية إلى الحضارة قرناً من الزمان، أما التحول من الحضارة إلى الهمجية فإنما يحتاج إلى يوم واحد".
"السكوت نصف الدبلوماسية".
"إن السياسة لا قلب لها".
"الدين يكون في أفضل حالاته إذا اضطر للعيش في ظروف المنافسة؛ هو ينزع إلى التعصّب متى وحيثما افتقر إلى التحدي وغدا السيل الأعلى".
"السياسة دائمًا هي صراع بين الأقليات أيّهم يحكم الأغلبية".
هذا وللمؤلف أحكام موجزة تدل على كان طويل التأمّل، ومنها:
"في التاريخ علينا ألا نفتش عن المرأة بل عن المصرفي".
"من العظماء الذين احتقرتهم العين لضعفهم وصغرهم نيوتن".
"كان رابليه يتسامح في كل شيء إلا عدم التسامح".
"القرن السابع عشر هو أخصب حقبة في تاريخ الفكر الحديث، ففيه بيكون وديكارت وهوبز وسبينوزا ولوك وبيل وليبنتر".
"إنه من العسير علينا نحن المحصورين في العالم المسيحي، أن ندرك أنه منذ القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر، كان الإسلام متفوقاً على أوربا من النواحي الثقافية والسياسية والعسكرية. وحتى في أيام اضمحلاله في القرن السادس عشر، ساد من دلهي وما وراءها حتى كازابلنكا، ومن أدرنه إلى عدن، ومن تونس إلى تمبكتو".
"تتكون سويسرا من ثلاثة شعوب وأربع لغات ومذهبين مع ذلك فقد عاشت في سلام مع العالم".
وقال عن دافنشي- راسم الجيوكندا (الموناليزا)-: "أكملُ رجل في عصر النهضة هو ليورنارد دافنشي". ويقصد: رواد جيل عصر النهضة الأوروبي.
وقال في نقد لذيذ مقارنًا بين أشهر الرسامين الإيطاليين الثلاثة: "ليوناردو يبعث في نفوسنا الحيرة، وميكل أنجيلو يبعث فيها الخوف، أما رفائيل فيبسط علينا السلام، وهو لا يلقى أسئلة، ولا يثير شكوكاً، ولا يستثير مخاوف، بل يعرض علينا جمال الحياة. وهو لا يقر بوجود صراع بين العقل والشعور، أو بين الجسم والروح؛ بل كل شيء فيه توافق وتناسق بين الأضداد، تتألف منه موسيقى فيثاغورية. ومكانه في سلم أعظم العباقرة – ويقصد في الفكر والفن الأوروبي -: دانتي، وجيته، وكيتس، وبيتهوفن، وباخ، وموزار؛ وميكل أنجيلو، وليوناردو، ورفائيل".
هذا ولديورات في موسوعته نقولٌ مفيدة، ومنها:
"يروي توماس مور قصة سيدة تقيّة صعقت عندما علمت أن السيدة العذراء كانت أصلاً يهودية، فاعترفت بأنها لن تستطيع بعد ذلك أن تكن "لأم الإله" ما كانت تكنّه لها من حب من قبل".
"كان المهر عند اليونان والرومان تدفعه الزوجة ويسمونه البائنة".
"وانطلق رجال الجيش الجديد إلى موسكو صائمين ضارعين، وما أن وصلوا حتى حاصروا الحامية البولندية في الكرملن، وصمدت الحامية إلى حد أنهم أكلوا الفئران ولحم البشر، وكانوا يغلون المخطوطات اليونانية ليحظوا على المرق".
"كان الإيطاليون يحبون القيلولة أكثر من حبهم للمال، وهي فترة قال فيها الأب لابا: لا يرى المرء في الشوارع أثناءها غير الكلاب والحمقى والفرنسيين".
"من بين عشرين مليون زنجي كانوا يُنقلون إلى جزر الهند الغربية البريطانية لم يصل منهم على قيد الحياة سوى 20%".
"كان مُخُّ بايرون من أكبر الأمخاخ المعروفة، إذ كان يزن 710 جرامات، وهو رقم يزيد على أعلى متوسط لمخّ الإنسان العادي".
وقد ختم ول موسوعته "قصة الحضارة" بعام 1815 وهي سنة سقوط نابليون، ثم مدّه قليلًا إلى عام 1840 ويعتبر مجلّده الأخير عن نابليون هو واسطة عقد كتابه وجوهرة تاجه إذ تميّز بنضج خاص، فقد ألّفه - بمساعدة زوجته إيريل - بعد أن تجاوز السبعين من العمر، وعلى حد تعبيره: "العقل الفلسفي لا ينضج مبكرًا".
وجمال هذا المجلد يظهر بما احتواه من تأملات فلسفية نادرة حكيمة كتبها بيده النحيلة وهو في سنيّه الأخيرة ساكبًا فيها عصارة تجاربه وقراءاته وخبراته بروحه الشبابية الوثابة المتألقة. ويتجلّى ذلك في تأملاته المحكمة المحرّرة في أسباب ونتائج الثورة الفرنسية.
وقد ماتت أريل سنة 1981 وهي في الثالثة والثمانين من عمرها، ولم يعش بعدها ول كثيرًا فقد مات بعد موتها بثلاثة عشر يومًا بعد بلوغه من العمر ستًّا وتسعين عامًا·
وقد ضمّن هذا المجلد الأخير الماتع حِكمًا من جميل الدرر وربما قد اقتبس بعضها – لا شعوريًّا – من قراءاته الكثيرة المركّزة حتى رسخت فظنّها بناتٍ لفكره لتشابه بعضها ببعض غيره، ومنها:
"إن المساواة المطلقة بين الناس هي حلم غير قابل للتحقيق، وأقصى ما يمكن أن نصل إليه هو مساواتهم أمام القانون".
ويقول: "مبدَأي الحريّة والمساواة مبدآن متناقضان بحكم الضرورة، فبمجرد إطلاق العنان للحرية سيكون هناك السابق والمتخلف".
ويقول - بنظر ثاقب -: "إن الثورة الفرنسية (أم الثورات الحديثة) ليست ثورة واحدة، بل كانت عدة ثورات متداخلة".
كما أنّ له تأمّل خاص في ديناميكية الثورات واستاتيكيتها فقال: "لقد برهن شاتوبريان على أن الثورات هيجان يحدث بشكل دوري، وما يتبعها يتخذ دوماً شكل منحنى يبدأ بالثورة ويمر بالاضطراب والفوضى وينتهي بالدكتاتورية·
ومن هنا وجدنا الإغريق يخلعون ملوكهم ويُقيمون الجمهوريات ثم يرضخون للإسكندر، ووجدنا الرومان يخلعون ملوكهم ويُقيمون جمهورية ثم يرضخون للقياصرة. وهنا نجد أن شاتوبريان يتنبأ بنابليون قبل الثامن عشر من برومير بعامين.
 إن التاريخ دائرة أو أنه دوران متكرر على الدائرة نفسها، مع ظهور أهداب من هذه الدائرة تجعل القديم يبدو جديدًا، ومع هذه الانقلابات العظيمة الواضحة يسقط البشر في الشرور نفسها، ويكررون أيضاً ما هو خير".
ويقول: "إن كل محاولات إبعاد الدين، وإحلال عناصر طبيعية مكانه لضبط السلوك البشرى قد باءت - عبر التاريخ - بالفشل، فالقانون وحده لا يكفي لضبط هذا الحيوان الناطق، وإنما لا بد من يقين إيماني بوجود إله يرى كل شيء ويسمع كل شيء، ويعاقب على السيئة، ويثيب على الحسنة".
هذه شذرات متفرّقة قليلة من أحكام ديورانت وحِكمه ونقوله، أما عن غيره فقد أكثر – وأحسنَ في ذلك فحتى وإن اختلفنا معهم في الدين أو التصوّر، فتبقى لبعضهم حكم عليها نور العقل وبهجة النفس وعصارة تجارب البشر ونهاية تأملاتهم، وعلى كل حال فالحكمة ضالة المؤمن أين وجدها فهو أحق بها – من حكم وأحكام غيره. والآن إلى شيء من العبارات - غير العابرة - وسأُتبع كل جملة باسم قائلها، فمنها:
"القوّة تسمّم كل يدٍ تمسّها". شلي.
"هذا إلى أني أعتقد أن قرطاجنة يجب أن تُدمّر". كاتو قنصل روما وقد وظل يختم كل خطاب له في مجلس الشيوخ أياً كان موضوعه بتلك العبارة التي تنمّ عن عقيدته وعناده، ويصر عليها إصراراً عجيباً.
قلت: ويحق له رعبه، فلم يروّع روما في كل تاريخها مثل المقاتل العربي القرطاجي الفريد هانيبال، الذي كانت هزيمته الوحيدة المُوقفة لمجده كانت بعد 15 سنة من خروجه لغزو روما و36 من خروجه من قرطاجة مع أبيه، وله أخبار هائلة في حسن التكتيك العسكري والتخطيط وإدارة المعارك وقيادة الجيوش، وقرطاجة في تونس حاليًّا ولا زال لها شواهد أثريّة محفوظة عبر الحقب المتتابعة عليها.
"تركيز الثروة هو السبيل إلى تشتيت الشعب، وتوزيعها هو السبيل إلى جمع شتاته". حكيم الصين كونفوشيوس.
"مِن أضرّ الأمور بالشعب أن يتعلم حُكّامه طرق الحكم بالحكم نفسه". حكمة صينية.
"الشعر في اليابان كالبذرة، تنبت من قلب الإنسان فتورق من اللغة أوراقاً لا حصر لعددها". الشاعر الياباني تسورايوكي.
"خير ما تهبه الحكمة الإلهية للإنسان امرأة جميلة فاضلة". هزيود شاعر اليونان، مع التنبيه للخلفية المادية للوثنية اليونانية.
لما سئل حكيم اليونان صولون: هل سنّ للأثينيين أحسن الشرائع؟ أجاب: "لا، بل سننت لهم خير ما يستطيعون أن يُعطَوه". أي: خير ما يمكن إقناع الجماعات والمصالح المتضاربة في أثينة بأن تقبله كلها في ذلك الوقت بالذات.
"إن الإنسان يشترك في رذائله مع أهل زمانه، أما فضائله فإنه ينفرد بها دون سائر الناس". جوته.
سُئل طاليس (حكيم اليونان) عن أصعب الأشياء؟ فأجاب بقوله الذي جرى مجرى الأمثال: "أن تعرف نفسك".
ولما سُئل عن أسهل الأشياء قال: "أن تُسديَ النصح".
وسُئل كيف يستطيع الناس أن يعيشوا عيشة الفضيلة والعدالة فأجاب: "ألا نفعل نحن ما نلوم غيرنا على فعله".
"من الواجب على كل إنسان أن يعيش عيشة تجعله خليقاً بأن يصدقه الناس دون أن يلجأ إلى القسم". فيثاغورس.
"والحق أن الخيل والحمير لن تعدم وقتئذ سبيلاً للسير مع الناس جنباً إلى جنب، والاستمتاع بكل ما لأحرار الناس من حقوق وكرامات.. وقصارى القول: أن الأشياء جميعها توشك أن تنفجر لكثرة ما أُتخمت بالحرية". سقراط في نقده التهكمي للحرية المطلقة.
"الفن طويل، ولكن الوقت يمرّ مرّ السحاب". أبقراط.
"لا شيء يحدث من غير علّة، بل الأشياء كلها تحدث لعلةّ وبالضرورة". لوقيبوس.
"إن الكشف عن برهان واحد في الهندسة خير لي من الحصول على عرش فارس". دمقريطس.
"أسعد الناس هو الذي لم يُولد، ويليه في هذه السعادة من يموت في طفولته!" صولون في كآبة تشاؤمية سوداء شديدة.
"خير تعليم وإعداد للحياة السياسية النشيطة هو دراسة التاريخ". بولبيوس.
"ليس شيء أسرع تصحيحاً لسلوك الناس من معرفة الماضي". بولبيوس.
"لا شيء مؤكد، حتى ذلك القول نفسه". أرسسلوس. وفي هذا غاية الشك وجحيمه!
"إن الناس يبدأون حياتهم بالبحث عن السعادة ثم يقنعون آخر الأمر بالسلام".  كاتلس.
"هل كان من قتلوا في واقعة كاني قد ولدوا في مطلع نجم واحد؟!" شيشرون مستنكرًا الاعتقاد بالتنجيم.
"كم في الطبيعة البشرية من عمى وجنون إذا ما أثيرت شهواتها". أفلوطرخس. قلت: أو غضبها.
"من يسرق مال مواطن يقضي بقية أيامه مكبلاً بالسلاسل والأغلال؛ ولكن من يسرق مال المجتمع يقضي بقية أيامه رافلاً في أفخر الثياب ومتحلّياً بالذهب الوهّاج". كاتو.
"الدين الروماني لم يكن إلا أداة طيّعة من أدوات الحكم". بولبيوس.
"أسرت بلادُ اليونان المغلوبة غالبَها الهمجيّ". هوراس ويقصد بالغالب الرومان الذين انصهروا في حضارة الرومان، كما حصل للتتار حين انصهروا في عقيدة المسلمين، مع الفارق الكبير، فدين الله ليس كمخلّفات البشر.
"يجب على الإنسان أن يتفلسف دون أن يسرف في فلسفته". إينيوس, وذلك لأنها تطبعه بالجدّية دون المسلاة، فالفسلفة برود عقلي وصقيع فكري بعكس الملهاة التي تعصف بالعقل فتلقيه بعيدًا عن مسرح التدبير، وبالجملة فالمزج بينهما شيء جيد لمن أحسن.
 وأقصد بالفلسفة هنا التفكير المنطقي المتأمل العميق، أما الملهاة فهي ركوب متن المشاعر بلا لجام، والحكمة هي في مزجهما بلطف.
"بادر على مهل". أغسطس.
"ليكن ما تمحوه من كتابك – عند المراجعة – قدر ما تثبته أو قريبًا منه". هوراس.
"كل سلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة". أكتن.
"الجسم إذا شُفي من مرضه مرّة كثيراً ما ينتابه المرض مرة أخرى، أما العقل فإذا شفي فلن يعود إليه المرض أبداً". أبيقور.
"لا فرق بين الرجل الحر والمحرر والرقيق، إنما هذه الفروق لا تزيد على الألقاب التي خلقتها المطامع أو الأخطاء". سنكا.
"الأحمق فقط هو الذي يسكن في العاصمة". جوفنال.
"أُفضّلُ الاحتفاظ بحياة مواطن واحد على قتل ألف عدو". سيبو.
"جوهر الفلسفة هو أن يشكّل الإنسان حياته وسلوكه بحيث لا تتأثر سعادته بالظروف الخارجية إلا أقل التأثر". أبكتس.
"في مقدور العبد أن يكون حرّ الروح كديجين، وفي وسع السجين أن يكون حراً كسقراط، وقد يكون الإمبراطور عبداً كنيرون، وليس الموت نفسه إلا حادثاً عارضاً في حياة الرجل الصالح". أبكتس.
"ليست منصّة الخطابة وليس السجن إلا مكانين، أحدهما عالٍ والآخر منخفض، ولكن هدفك الأخلاقي يجب أن يكون واحداً في كلتا الحالين". أبكتس.
"لا تسعَ لأن يكون ما يحدث لك يحدث كما تحب، بل أحِب أن يحدث ما حدث كما حدث، فإن فعلت وجدت الهدوء والطمأنينة". أبكتس. قلت: وهذا ما يسمى بالسكون الفلسفيّ، وكما قيل: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون، والرضى التامّ بالله هو إكسير السعادة حقًّا.
"لا تقل عن شيء ما: إني فقدته، بل قُل فقط: إنني رددته. هل مات لك طفل؟ لقد رُدّ. هل ماتت لك زوجة؟ لقد أُعيدت. لقد اُغتصبت مني مزرعتي، حسن جداً هذه أيضاً قد رُدّت. وما دام الله قد وهبك إياها فاعتنِ بها على أنها ليست لك.. أسفي على أنني أعرج! أيها العبد!"  أبكتتس.
"لا تكُن سبباً في أن يتعذّب الناس بما لا تحب أن تتعذب به أنت". أبكتس.
"إذا قيل لك إن إنساناً يتحدث عنك حديث السوء، فلا تُدافع عن نفسك بل قُل: إنه لو عرف سائر عيوبي لما ذكر هذه وحدها". أبكتس.
"نحن وإن كنا لا نعرف حقيقة الله، ندرك بفطرتنا أنه موجود، ونشعر أن الفلسفة بغير الدين شيء مظلم لا يرجى منه خير، وأن الحرية الحقة الوحيدة هي الحكمة". أي: أن يعرف الإنسان ما هو حق وما هو باطل.  ديو ذو الفم الذهبي.
"لقد نلت كل شيء ولمن ما نلته لا قيمة له". الإمبراطور الروماني سبتميوس. فسبحان من لم تطب الدنيا إلا بطاعته، ولم يكمل نعيم الجنة إلا برؤيته، سبحانه.
"إن مكسميان لو رأى الكرنب الجيد الذي يزرعه في حديقته لما طلب إليه أن يضحي بهذه المتعة جرياً وراء متاعب السلطان". دقلديانوس جوابًا لمكسميان لما ألحّ عليه أن يستولي على أزمة الحكم مرة أخرى، ويقضي على الشقاق والحرب.
"الحرفيّة تقتل ولكن الروح تعمل للحياة". بولس. قلت: ولعل منه روح النظام وحرفيته.
"ألّف بوثيوس كتابه (سلوى الفلاسفة) في سجنه قبل أن يُقتل". ول.
"إن ابن سينا هو أكبر عميد للفلسفة بعد أرسطو". روجر بيكون (مع التنبيه لزندقة ابن سينا وباطنيته).
"لم تنعم الأندلس طوال تاريخها بحكم رحيم، عادل، كما نعمت به في أيام الفاتحين العرب". ستانلي لين بول.
"لو محيت العقول من وجه الأرض لما وجد من يقول: أنا جاهل. إن خفة البندقة لدليل على إنها فارغة". السعدي (الزنديق).
"وداعًا يا كلّ من أُحبّ". هلواز لعشيقها أبلار.
"كان التلمود وطنًا متنقلا لليهود يحملونه معهم أينما ساروا". هيني.
"يستطيع الإنسان أن يتأثر من عدوه، بزيادة الصفات الطيبة". جبيرول.
"العلم الذي لا يؤدي للعمل باطل مسمم". جيته.
"من العبث أن نُعلِّق بألفاظ لا يستطيع النقل تتبعها، وأنه لا شيء يمكن تصديقه إلا إذا أمكن فهمه أولاً، وأن من أسخف الأشياء أن يعظ إنسان غيره بشيء لا يستطيع هو نفسه أن يفهمه ولا يستطيع من يسعى لتعليمهم أن يفهموه". أبلار (الفيلسوف القديس - لديهم - عشيق تلميذته الجميلة هلواز) في نقده للتثليث.
"إن الحجة التي تعتمد على نقل أقوال الغير هي أوهن الحجج". توماس الأكويني.
"لقد عرفت أنا نفسي من ناس ذوي مكانة وضيعة حقائق أكثر أهمية من التي عرفتها من جلّة العلماء الذائعي الصيت، فليحذر كل إنسان إذن أن يفاخر بما أوتي من حكمة". روجر بيكون.
"أوصى الشاعر الألماني ولتر بمخلفاته بعد وفاته لهؤلاء:
فللحساد سوء حظي، وللكاذبين أحزاني، وللمحبين الغادرين حماقتي، وللسيدات آلام قلبي".
"تخلّوا عن آمالكم يا من تدخلون هذه الدار". دانتي في ذكره لما هو مكتوب على أبواب جحيمه في الملهاة المقدسة. مع التنبيه إلى أن هذا الخبيث قد تكلم بوقاحة وسفه على رسول الرحمة والهدى صلى الله عليه وسلم، فذكر أن نبيّنا صلى الله عليه وسلم في أطباق جحيمه (في الطبقة التاسعة) ومعه عليّ رضي الله عنه، فلعنةُ الله على الظالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيّنا الكريم، وما أوسع حلم الله الحليم سبحانه على أمثال هذا الفاجر الغادر. وليس بعد الكفر ذنب، وأشدّ من ذلك سبّهم الله تعالى صبحًا ومساءً بزعمهم أنه اتّخذ صاحبة وولدًا (لقد جئتم شيئًا إدّا . تكاد السموات يتفطّرن منه وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هدّا . أن دعوا للرحمن ولدًا . وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا . إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا . لقد أحصاهم وعدَّهم عدّا . وكلّهم ءاتيه يوم القيامة فردًا).
 وبالمناسبة فهي غير مذكورة في غالب التراجم العربيّة ومن ضمنها الطبعة المتداولة الشهيرة لجامعة الدول العربيّة استعظامًا من المترجمين لهذا الفجور وقد أحسنوا في ذلك فلهم الشكر.
وحتى تفاصيل ملهاته وأصاف جحيمه قد استقى كثيرًا منه من تراث المسلمين وما كان لديهم من وصف جهنم – عياذًا بالله منها - ثم فصّلها دانتي على ما شاءه. كما قد ثبتت عليه سرقات أدبية كما اقتبس من ابن طفيل وغيره.. مع هذا فلا زال رمزًا في الأدب العالمي، أما عن نفسي فلا أحبه ولا أحب أدبه ولا أستطيبه.
"الدول لا تُحكم بالأدعية والصلوات". كوزيمو ميديتشي.
"إذا كنت وحدك فأنت كلّك ملك لنفسك، أما إذا كان معك رفيق فأنت نصف نفسك؛ لأنك بهذا تقسم نفسك كما يهوى رفاقك". دافنشي.
"افعل ما يجب أن تفعله، وليكن بعد ذلك ما يكون". سيزاري، وهو ابن للبابا الداعر الشهير إسكندر السادس.
"إن من الخير أن تقتنص الذين أثبتوا براعتهم في اقتناص غيرهم". سيزاري لمكيافيلي – الذي وافقه -.
"خسرنا كل شيء إلا الشرف، وإلا بدني فهو سليم". من خطاب الملك الفرنسي فرانسس لوالدته بعد هزيمته وأسره من قِبل الإسبان.
"الدين خير وسيلة لتعويد الناس الذين فطروا على الشر الخضوع للقانون والنظام". مكيافيلي.
"السياسة إذا قصد بها فن الحكم فالواجب أن تكون مستقلة عن الأخلاق استقلالًا تامًّا". مكيافيلي.
"الدولة إذا ما وقفت عن التوسع أخذت في الاضمحلال، وإذا فقدت الرغبة في الحرب فقل عليها السلام، والسلم إذا طالت فوق ما يجب أدت إلى الضعف والتفكّك". مكيافيللي.
"القومية لعنة على البشرية". أرازموس.
"يجب أن نتحمل ما يأتي به حظنا وقد هيأت عقلي لتقبل كل حدث". أرازموس. وهي فلسفة رواقية لم يحققها قط.
"إنه يحب المجد ولكنه لا يعرف ما يكفله المجد من عناء". أرازموس متكلماً عن شاب طموح.
"ليس على ظهر الأرض ما هو أثمن للرجل من حب امرأة فاضلة". كوتا.
"إن السلام - ولو كان جائرًا - هو أفضل من الحرب التي تمليها العدالة". أرازموس.
"ليس غريبًا أن تُعلم امرأة أن تتكلم بل الأصعب كثيرا أن تعلمها كيف تكفّ عن الكلام". إليزابيث.
"إن مصالحة عشرة أعداء أجدى وأدعى للفخر من القضاء على عدو واحد". ريشيليو.
"الكتمان روح السياسة". ريشيليو.
"رجل الدولة الحصيف قليل الكلام كثير الإصغاء". ريشيليو.
"إن عظماء الرجال الذين يعينون لحكم الدولة أشبه بالمحكوم عليهم بالتعذيب، مع فارق واحد، هو أن هؤلاء يتلقون العقاب على سيئاتهم، أما أولئك فعلى حسناتهم". ريشيليو. قلت: وهذه نفيسة، ولكنها ليست واردة تمامًا عند المؤمن الذي يرقب شكر ربه وجزاءه لا الناس وكفرانهم.
أصبح التدخين ضرورة ملحة لدى الفرس، فكانوا يغفلون الطعام ولا يغفلون النرجيلة. وكان الشاه على النقيض من ذلك، فكره عادة التدخين، وحاول أن يشفي منها رجال حاميته بحيلة، فأتى بروث الخيل وجففه، ووضعه بدلاً من التبغ في الأواني التي يملأون منها الأراجيل، وأوضح لهم أن هذا تبغ غالي الثمن أهداه همذان، فدخنوه، وبالغوا في امتداحه. وأقسم أحد الضيوف أن له رائحة تعدل عبير ألف من الزهور، فصاح الشاه: "بئس هذا العقار الذي لا يمكن التمييز بينه وبين روث الخيل".
"دراسة التاريخ هي بداية الحكمة السياسية". جان بودين.
"أنا أفكر إذن أنا موجود". ديكارت. قلت: ولا يهمنا قصده (أبي الشك) ديكارت في عبارته وفلسفته بقدر ما يهمنا جمال جملته هذه وصدقها، فلها خلفية صادقة وأخرى خاطئة، والمؤمن العاقل يأخذ من الحكمة ما صفى ويذر ما كدر.
"الحق لا يجد آذانا صاغية مالم يتكلم بالمدفع". ريشيليو.
قيل لسقراط إن فلاناً لم يفده السفر مثقال ذرة، فأجاب: "أجل، لأنه حمل نفسه معه في سفره".
"لا إفراط " مثل إغريقي - والإغريق هم اليونان - والمقصود: الاعتدال في كل شيء، حتى في الاعتدال.
قال راسين للناقد بوالو مفاخراً: "إنني أنظم شعري في يسر مدهش". فأجابه بوالو: "أريد أن أعلمك كيف تنظمه في عسر!" ومنذ ذلك الحين علم الناقد الكبير الشاعر قواعد الفن الكلاسيكي.
"لو تأملنا أفكارنا الخفية لوجدنا في صدورنا بذرة كل الرذائل التي نستنكرها في غيرنا". لاروشفوكو.
"ما نحن إلا عبيد شهواتنا، وإذا قهرت شهوة منها فقاهرها ليس العقل بل شهوة أخرى". لاروشفوكو.
"الحب الصادق أشبه بالأشباح، إنه شيء يتحدث عنه كل إنسان ولكن نادراً ما رآه أحد". لاروشفوكو.
"ما كنا لنقع في الحب قط لولا سمعنا الناس يتكلمون في الحب، ومع ذلك فالحب إذا كان صادقاً تجربة فيها من العمق ما يجعل النساء اللاتي عرفن الحب مرّة ضعيفات القدرة على الصداقة، لأنهن يجدنها باردة غثة بالقياس إلى الحب. ومن هنا لم يكن للنساء وجود تقريباً إلا وهن في الحب. قد تلقى نساء لم يسبق لهن غرام غط، ولكن من العسير جداً أن تجد نساء لم يقعن إلا في غرام واحد لا أكثر". لاروشفوكو.
روت مدام دسفينييه: "رأيت لاروشفوكو يبكي في حنان جعلني أعبده. ترى أكان حبه لأمه وأولاده حباً لذاته؟ أجل، إذا نظرنا إليهم على أنهم جزء من ذاته وامتدادها لها. وهذا هو التصالح بين الإيثار والأثرة، فلإيثار توزيع للذات، ولمحبة الذات، للأسرة، أو الأصدقاء، أو الجماعة. وفي وسع المجتمع أن يقنع بمثل هذه الأنانية السمحة الشاملة".
  قلت: مع التحفظ على عبارة "أعبده" فكلامها في الغاية من الجودة والإحكام، وله اتصال بما يسمى بالتسامح الفلسفي. وقد سبقها عروة بن الورد (زعيم الصعاليك) – وإن كان معنى كلام دسفينيه أعمّ وأشمل – قال عروة:
إني امرؤ عافي إنائي شِرْكة  ...  وأنت امرؤ عافي إنائك واحدُ
أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى ... بجسمي مسّ الحق والحق جاهدُ
أُقَسِّمُ جسمي في جسوم كثيرة  ...  وأحسو قراح الماء والماء باردُ
يريد أنه يقسم قوته على أضيافه فكأنه قسّم جسمه، لأن اللحم الذي كان ينبته ذلك الطعام صيّره لغيره، ويحسو ماء القراح في الشتاء ووقت الجدب والضيق لأنه يؤثر باللبن أضيافه، ويجوع نفسه حتى نحل جسمه. وهذا شعر شريف المعاني والألفاظ.
"اعتذر لطول الرسالة لأني لم أجد الوقت لأختصرها". بسكال.
"الاستخفاف بالفلسفة ملاك الفيلسوف الأصيل". بسكال. قلت: لأنه يبصر مفارقاتها وتصدّعات بعض جوانبها عبر منظوره الشامل المستوعب لا القصير القاصر.
"الإنسان مفخرة الكون ونفايته". بسكال. قلت: فلسفة نيتشة وتقريراته وتفريعاته في الخير والشر إنما هي دوران على هذى المعنى.
"الفلسفة لا تستطيع على أحسن الفروض إلا أن تكون تبريراً عقلانياً للهزيمة". بسكال.
"إن مناخ كل جنس هو السبب هو دائما السبب في ميول شعبه وعاداته". شاردان ثم قالها فيما بعد مونتسكيو واشتهرت عنه.
"لست أعلم كيف أبدو للعالم، ولكني أبدو لنفسي وكأنني صبي يلعب على شاطئ البحر، ألهو بين الحين والحين بالعثور على حصاة أملس أو صدفة أجمل من العادة، بينما ينبسط محيط الحقيقة العظيم مغلق الأسرار أمامي". نيوتن في تواضع للعلم جميل. (وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا).
"الافتقار إلى حديث العلم والعلماء كان أشد ما يضايق الفيلسوف في الريف". توماس هوبز في حنينه للمدينة.
"إن حب الحق من أجل الحق وحده هو الجانب الأساسي في الكمال الإنساني في هذه الدنيا، ومنبت كل الفضائل". جان لوك، وكان ممن نبذوا التثليث وآمنوا بالتوحيد.
"التفكير الضيّق يؤدي إلى الإلحاد، والتفكير الواسع يصرفنا عنه". بيكون.
"حيثما وُجد الناس وجدت الحماقات والأخطاء". فونتيل. وأجمل من هذا وأعدل قول خير الخليقة صلى الله عليه وسلم: "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" (الترمذي وابن ماجه بسند حسن).
"كل لذة مملة بالتكرار". فونتيل. قلت: إلا لذة الأرواح بالإيمان والذكر ولذتها بأجسادها في جنات النعيم، فلم ولن يخلق الله الملل والسآمة في جنته، بل نعيمها ممتد وسرورها دائم، نسأل الله الكريم رضاه والجنة. 
"إن اسمي يبدأ بي، واسمك ينتهي بك". فولتير في جواب مسكت لمن سأله نبيلٌ عن اسمه ونسبه على سبيل الاستصغار.
"تظاهر بأنك مرتاب حتى حيث تكون على يقين من الأمر. وإن شئت أن تقنع غيرك فليبدُ عليك استعدادك للاقتناع. وأودع علمك كما تودع ساعتك جيباً خاصاً فلا تبرزه لمجرد الإعلان عن نفسك، وأهمّ من هذا كله: احذر الحديث عن نفسك ما استطعت". تشسترفيلد.
"كتب مئات من القراء إلى رتشاردسن في فترات النشر يتوسلون إليه ألا يدع كلاريسا تموت في روايته (كلاريسا)".  قلت: كما فعله بعض العرب بين يدي القُصّاص، فقد كان أحدهم يحكي الأسطورة بسلسلة حلقات معلومة لديهم لتكرارها، وانقسم المستمعون لفريقين، وفي الحلقة التي يؤسر فيها بطلُ هؤلاء أحضر أولئك حبلًا ليستخدمه الآسر في ربطه. فيا له من خيال جاوز الخيال!
"أها! ربما كان كلانا مخطئاً". فولتير عن هاللر حينما قال له أحد المعجبين ضائقً من هاللر: "يسرني أنك تنصفه، ويؤسفني أنه لا ينصفك إنصافك إياه".
"يجب أن يكتب المرء التاريخ مفلسفًا". فولتير. قلت: وعنه أخذ المؤلف فكرة كتابه هذا. وقد سبقه ابن خلدون في المقدمة إلا أنه لم يسمّه بالفلسفة، ولكنه حلل ظواهر التاريخ وفق السنن الإلهية للكون، ونبّه كاتب التاريخ لمثل ذلك. وكما سبق ابن خلدون فولتير في فكرة كتابة التاريخ بيد فلسفية فكذلك سبق مونتسكيو فولتير في الخوض التحليلي لفلسفة التاريخ، ولكن القلم الجبّار كان فولتيريّا بامتياز.
"كان  ديدرو يسير في الريف يوماً مع جريم فالتقط سنبلة من القمح واستغرق في التفكير في سرّ، فسأله جريم: ماذا تفعل؟ فأجاب: استمع. فقال: ولكن من الذي يكلمك؟ فرد عليه: الله".
 قلت: وهذ معنى شريف نفيس، ويقصد بذلك أن الله كلمه عن قدرته ببسط إبداعه وجمال خلقه وروعة تكوينه عبر هذه المخلوقات. (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) وبالمناسبة فقد افتقر ديدرو جدًّا حتى أنه قد باع مكتبته ليزوج ابنته، وقد كان المعمول به عندهم أن المهر (ويسمونه البائنة) إنما هو على المرأة لا الرجل، ولعل هذا من أسباب انفلات القوامة.
"إذا كان لديك قرية واحدة لتحكمها فلا بد أن يكون لها دين". فولتير.
"ينبغي أن يُفضل الأصدقاء دومًا على الملوك". جوليان.
"الهدوء شيء جميل ولكن الملل ينتمي إلى نفس الأسرة". فولتير.
"أنفقت من عمري ستين عاما حتى تعلمت أنه يجب أن نزوع حديقتنا". فولتير. وقد فعلها في سويسرا واجتهد فيها ووجد بعض سلوته في حضنها.
"عدم التصديق هو الأساس لكل أنواع المعرفة". فولتير (نظرية الشك الديكارتي) قلت: وهذا باطل، وسببه المادية الجافة المتعجرفة، ولو قال: بالتجربة والإثبات والبرهان يكون التصديق الحسي لعالم الشهادة لكان حقّا.
"الحقائق أقسمت ان تكون خصما أبديّا للتعميمات". فولتير.
"الرجل الغني إما وغد وإما وريث أحد الأوغاد". سانت جيروم.
"إذا كانت يدي مملوءة بالحقائق فينبغي أن أفكر أكثر من مرة قبل أن أفتحها". فونتنل. قلت: يذكّرني هذا القلق والخشية من المعرفة بخرافة صندوق باندورا ذات الرأس المقطوع المجدّل بالأفاعي! ومنشأ هذا الجهل المخيف هو الحيرة الساخنة في العقل البارد القابض بقسوة على القلب الضعيف.. فتنتهي بكل أسى بالعطش والموت والفناء.
"هلا أصابتني طلقة لعينة!" فردريك ملك بروسيا لمّا يأس من النصر وأبى الفرار. وقد قال عنه ول: "إنه أعظم قائد في العصر الحديث بعد نابليون".
قَفَلَ فردريك إلى سكسونيا، وفي طريقه كتب إلى صديقه فولتير يقول: "إنك محظوظ باتباعك نصيحة كانديد، والاكتفاء بزرع حديقتك. وما كل إنسان يتاح له أن يفعل ما تفعل، فعلى الثور أن يحرث الأرض، وعلى البلبل أن يغني، وعلى الدرفيل أن يسبح، وعليّ أن أقاتل".
 قلت: يقصد بكانديد الشخصية الخيالية في رواية فولتير الشهيرة (كانديد). وتأمل البهاء والشموخ حينما يجتمع النبل مع الثقافة والشجاعة والملك والسؤدد. وبالمناسبة ففردريك هو مؤسس المانيا الحديثة.
"إن العقل يجب إقراره أولاً في أذهان القادة، ثم ينزل شيئاً فشيئاً، وفي النهاية يحكم أفراد الشعب، الذين لا يعون وجوده، ولكنهم حين يرون اعتدال رؤسائهم يتعلمون أن يقلدوهم". فولتير. قلت: ويقصد بذلك أن تكون الثورة الإصلاحية من الأعلى للأسفل لا العكس كما هو الواقع.
تعرّف على النكتة الذكية: "إن ما يسمى النكتة الذكية هو أحياناً مقارنة مجللة، وأحياناً كناية رقيقة، أو قد يكون لعباً بالألفاظ، فأنت تستعمل لفظاً بمعنى، علماً أن محدثك سيأخذه (لأول وهلة) بمعنى آخر.
أو هو طريقة ماكرة للمقارنة بين أفكار لا يقرن الناس بينها عادة.. إنه فن إيجاد صلة بين نقيضين، أو خلاف بين شبيهين؛ إنه فن قول نصف ما تعني وترك الباقي للخيال. ولو أوتيت المزيد منه شخصياً لزدت القول فيه كثيراً". فولتير.
"إن قلبي الحساس كان أساس بلائي كله". روسو. قلت: مرهف المشاعر يكون واعيًا بشكل كبير بأحاسيس لا يشعر بها الناس في العادة، وترى نفسه الرقيقة وتلمس أماكن بعيدة الغور في الحس والشعور والعواطف لا يصل لها أهل الكثافة، فهو يحس بما لا يحسون به ويشعر بما لا يأبهون به ويتلوّع بما لا ينتبهون له أصلًا.. وغالب أهل الأدب والشعر والفن والرسم والقصص هو من ذلك القبيل. والله المستعان.
"إن صغار الأحداث هي التي تحدث جلائل الأشياء، ولو عرفنا تلك التوافه الخفية لراجعنا التاريخ مراجعة كاملة". مارمونتيل. قلت: قد سبقه طرفة بن العبد بقوله:
قد يبعثُ الأمر العظيمَ صغيرهُ  ...  حتَّى تظلَّ لهُ الدماء تصبَّبُ
"اللهم نجّني من أصدقائي، أما أعدائي فإني كفيل بهم". فولتير. مع التحفظ على سوء أدبه مع القدرة الإلهية.
"وُلد الإنسان حرًّا، وهو في كل مكان مكبّل بالأغلال!" روسو.
"الجو الجميل يضفي غاية البهجة على الوجود بل حتى على الفقر". جوته. قلت: ولا غرابة أن تنبت هذه الأحرف الزاهية على أسَلةِ يراعته الجميلة.
"ليس هناك إلاّ خطوة واحدة بين النصر والهزيمة". نابليون. قلت: وقد سبقته العرب بقولها: إنما النصر صبر ساعة.
"دع رقة الشعور للنساء، فتلك مهمتهن· لكن الرجال يجب أن يكونوا رابطي الجأش ذوي أهداف محددة، وإلا تخلّوا عن مهامهم في الحرب والحكم". نابليون. قال ول: "مات من جنود نابليون مليون في سبيل خدمته!" قلت: وكم مات من البشر لخدمة غرور هتلر؟!
"يجب أن يكون قلب رجل الدولة في رأسه". نابليون. قلت: وهي أساس السداد في الحكم بعد مراقبة الله عز وجل، فعلى رجل الدولة أن يكون قراره نابعًا من عقله الرشيد لا قلبه ولا بطنه ولا فرجه، وإلا هلك وأهلك.
"إن فن الشرطة هو أن نعاقب قليلًا ولكن إن عاقبت فكن قاسيًا". نابليون.
"أنا الدولة". نابليون.
"آه أيتها الحرية كم من الجرائم ترتكب باسمك". مانورولان وهي تقاد للمقصلة!
"في الثورات يظل قابضًا على السلطة من هو أكثر نذالة". دانتون من سجنه قبيل قتله.
"حقير أنت يا روبيسبير! إن المقصلة تناديك أنت أيضا، إنك ستتبعني". دانتون بعد سماع حكم قتله من عدوه، وكان كما قال.
وقال دانتون للجلاد: "اعرض رأسي على الشعب إنه جدير به". قلت: كان مسؤولًا عن قتل الكثيرين على المقصلة (الجيلوتين).
"مادام الرب أعطانا هذا المنصب فدعونا نستمتع به!" البابا ليو العاشر.
"من أنه من الحكمة أن يكون المرء مؤمناً، ففي خاتمة المطاف لن يفقد المؤمن شيئًا، بينما يفقد غير المؤمن كل شيء إن ثبت خطؤه". بسكال. قلت: وهذا من أجود وأسهل الردود على الملاحدة – على خلوّه من أي حجّة برهانيّة – أي: أن المصدق لن يفقد شيئًا والمكذب سيفقد كل شيء إن ثبت خطؤه·
"توقف في الوقت المناسب". جوته. قلت: وهي نفيسة فالطمع بالمفقود قد يذهب بالموجود، والموفّق الحكيم هو من عرف متى يتوقف.
"فن الحرب دراسة هائلة تضم بين جنبيها كل الدراسات الأخرى". نابليون.
"إن الجيوش تزحف على أمعائها". نابليون. ويقصد إمدادها بالطعام.
"إنه لمن البديهي أن الجانب الذي سيبقى خلف خط محصّن سيظل دائماً مهزوماً". نابليون.
"إن الرغبة في القوة كامنة وراء الخير والشر على السواء". نيتشه.
"التاريخ هو الفلسفة الوحيدة الحقيقية، وإنك لن تستطيع العمل مع أي فيلسوف". نابليون. ويقصد: خذ من الفيلسوف تنظيره واعمل به أنت ولا تدعه يعمل لك، فللفلاسفة برودهم العصيّ على مجاراة الأنفس الحارّة المتوقّدة للعمل الدؤوب.
"لو لم يكن الدين موجودًا فمن الضروري أن نخترعه". فولتير. (في الأصل الله بدلًا من الدين).
"إذا أردت أن تثير الحماسة في الجماهير فلتبدُ في نواظرهم مقبولاً". نابيلون.
"كل حيوان ميكرسكوبي يجعل نفسه محورًا للكون". نابليون.
"الدين سلوى البؤساء، وثروة الفقراء، ومستقبل الأموات". مدام دي ستيل.
"جذع أصابه التلف على صخرة ملعونة لا تمد الشجرة إلا بالفناء". بايرون يصف حظه البائس.
كتب بيتهوفن لأحدهم طالبًا منه أن يبحث له عن عروس: "شريطة أن تكون جميلة، فمن غير المعقول أن أحب أي شيء غير جميل، وإلا لكنت قد أحببت نفسي!".
"إمبراطورية البحار لإنجلترا، وإمبراطورية البر لفرنسا، أما ألمانيا فلها إمبراطورية الهواء". جان بول ريشتر متهكّما بهراء الفلسفة.
"بالتعليم فقط ستسود ألمانيا". فيشته.
"لا تزعج الهدوء". أي: لا تغير ما هو مستقر. جون ستيوارت مل.
"طنين الحشرات تلك الضوضاء الصامتة". دوروثي.
"الكلاسيكية صحة، أما الرومانسية فمرض". جوتة. قلت: لأن نزعة الكلاسيكية عقلية بعكس الرومانتك.
"إن الحقيقة الأساسية لكل منا هي وعي الفرد بنفسه". فيشته. قلت: وهذا أساس مذهب الوجودية البهيمي.
"مهندسا التاريخ: الزمن والعبقرية". هيجل.
"العبقرية تصبح بلا معين لها إذا لم تتمثل روح العصر ومتطلباته". هيجل.
"ينام التاريخ حينما تكون الفكرة المضادة معطلة". هيجل – أي: ضد الديالكتيك، والديالكتيك هو الفكرة ونقيضها –.
"رائحة جثث العدو زكيّة دائمًا". إمبراطور روماني، وقد استَشهد بها نابليون في حصاره وإحراقه سمولنسك الروسية.
"ليس هناك مدعاة للألم من أن تذكر السعادة في أيام الشقاء". دانتي. قلت: أظن الصواب قلب ذلك القول! بل قد قال دانتي في موضع آخر: إن أعظم ما يشفى به الإنسان حين تصرعه الشدائد هو ذكرى ما كان ينعم به من سعادة.
"يا لها من متعة أن يعود المرء إلى الحضارة". رحّالة مغربي أثناء عودته من أوروبا المتخلفة إذ ذاك.
"هذه الدنيا ملهاة لمن يفكرون ومأساة لمن يشعرون". هوراس.
"ما بالنا نسمع أعلى نباح عن الحرية بين جلابي العبيد". جونسون متهكّمًا بالأمريكان.
"كانت حياتانا مرتبطتين الواحدة بالأخرى، ولن يطول عمري بعده". روسو متأسّفًا على وفاة خصمه فولتير، وقد وقعت نبوءته كما قال. وكذلك الحال بجرير مع الفرزدق فقد قال نحو ذلك فلحقه.
"أه ما أسعد الإنسان الذي يستطيع أن يؤمن!". روسو. قلت: للإيمان واليقين سكينة وطمأنينة وأمن لا يأمل بها أهل الشك والإلحاد.
"أقسم أن عيني لن تتلوثا أبداً بقراءة كتابه، وأني أؤكد أني أوثر أن يسبّني عن أن يمدحني!" ديدروا دفاعًا عن نفسه من تهم روسو. وتأمل التشبيه البليغ.
"إن جراح القلب أكثر الجراح إيلاماً، ولا شيء يبرئها غير الزمن". فردريك الكبير (الشيخ فرتز).
"كل من يقرأ التاريخ بإمعان يدرك أن المشاهد ذاتها كثيراً ما تتكرر، وأنه لا حاجة بنا إلا لتغيير أسماء الممثلين". فردريك الكبير. قلت: والمعنى متكرر بين أفواه الفلاسفة بثياب جديدة.
"سعيدٌ من كان عالمه في بيته". جوته.
"إذا ملّ إنسان لندن فقد ملّ الحياة". جونسون. قلت: وقد أخذها عنه كثير من محبي بلدانهم.
"لست أبالي مثقال ذرة أن أعيش في ظل شكل دون آخر من أشكال الحكومة". صموئيل جونسون.
"الوطنية آخر ملاذ يحتمي به الأوغاد". صموئيل جونسون.
"الفلسفة متاهة عقلية تؤدي إما إلى الشك الديني أو إلى الهراء الميتافيزيقي". صموئيل جونسون.
"العلم بلا ضمير ليس الا مجلبة لخراب النفس". رابليه.
"أكثر التاريخ خرافة متواضع عليها". فولتير. قلت: أي مأخوذ كمسلّمات بلا تمحيص مهما كانت غرابته واستحالة تصديق العقل له.
"الطب فن من فنون القتل الخطأ". أجريبا.
"دم الشهيد هو البذور التي نبتت منها المسيحية". ترتليان في تعليقه على اضطهاد المسيحيين الأُول.
"التاريخ في جُملة: قصة مرة محزنة!". فولتير.
وبعد؛ فهل يُنصح بقراءة موسوعة "قصة الحضارة" كلُّ أحد؟
 أقول: يقرؤها من كان ذا حصانة فكرية عقديّة لأنها تحمل غثاء كثيرًا وشبهات وحوارات وإثارات لخلايا عقليّة خير لها الخمود إن لم يكن صاحبها محصنًا بالعلم الواسع والعقل الناضج.
 فقد جمع ديورانت في ديوانيّته المسطورة فُحُولَ الفلسفة وفطاحلة الملاحدة، وبسط كثيرًا من حجاجهم وجدالهم ونحا نحو الكثير منها وألبسها طيلسان العقل والحكمة. علمًا أن هؤلاء هم من أَولى من نهى السلف عن دخول وُحُولِ شبهاتهم وشبكات حيرتهم.
 قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المنطق اليوناني الذي هو عمود دين الفلاسفة قاطبة وبناء فكرهم أجمعين: "إنه من المعلوم بالاضطرار في دين الإسلام أن الله لم يوجب تعلم هذا المنطق اليوناني على أهل العلم والإيمان.
وأما هو في نفسه فبعضه حق وبعضه باطل، والحق الذي فيه كثير منه أو أكثره لا يُحتاج إليه، والقدر الذي يحتاج إليه منه فأكثر الفطر السليمة تستقل به، والبليد لا ينتفع به والذكي لا يحتاج إليه، ومضرته على من لم يكن خبيرًا بعلوم الأنبياء أكثر من نفعه، فإن فيه من القواعد السلبية الفاسدة ما راجت على كثير من الفضلاء، وكانت سبب نفاقهم وفساد علومهم" الفتاوى الكبرى (5 / 87).
وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه.
إبراهيم الدميجي
17/ 2/ 1437

aldumaiji@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق