إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأحد، 18 ديسمبر 2011

صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية. ج(7) "معركة السبلة ومأساة الانشقاق"

صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية.
(الجزء السابع)
 "معركة السبلة ومأساة الانشقاق"

    ** هذه الأجزاء ليست مستوعبة ولا شاملة إنما هي عبارة عن محطات ترصد أهم المعالم الشرعية والتاريخية للإخوان السعوديين"إخوان من أطاع الله".
    ولولا يقيني بأهمية أخذ الدروس واستلهام العبر من هذا الحدث الجسيم حتى لا تقع الأمة في ذلك المزلق الموحل وبخاصة في هذا الزمان؛ ما خططت في هذا الجزء حرفاً، والله من وراء القصد، وهو ولي التوفيق. 
   الحمد لله الحكيم الخبير، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا محمد عبدالله ورسوله، تركنا على البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:
"معركة السّبلة ومأساة الانشقاق"
( 19\10\1347 )
     أوّل الكَدَرِ بين الإمام عبد العزيز وسلطان بن بجاد, هو امتناع الأخير من الذّهاب لينبع لمحاصرتها مع الأمير سعود العرافة, واعتذاره بقرب موسم الحج وأنّهم لم يحجّوا حجة الإسلام بعْد, ثمّ أرسل عبد العزيز غيرهم وانتهى الأمر بذلك . ويُخطئ بعض المؤرّخين في إيراد بعض الأساطير الكاذبة الّتي تزعم أنّ سلطاناً اجتمع بعدها بفيصل الدويش في مكة, وتقاسما الجزيرة كقسمة سايكس بيكو لتركة العثمانيين, غير آبهيَن بهذا الحضريّ زَعَموا! فهذا الخيالُ لا يصمد للأدلّة التّاريخيّة, ولا لتحليل شخصيّة سلطان بن بجاد خاصّة . ومن زعمها فعليه الإثبات, ودون ذلك خرط القتاد! ولا يكفي اتّهام الأموات الّذين أفضوا إلى ربهم, وجَعْلُ أعراضهم قرابين لأغراض رخيصة من حطّام الدّنيا.
    ومرّت الأيّامُ بعد عام: ( 1344 ) وعاد الإخوان لديارهم, وهدأت وتيرة الأوضاع العسكريّة, وانشغل الإمام بتدبير المملكة الوليدة, خاصّة لما غاص في شؤون مكّة وجدّة وسَبْقِهِمُ المدنيّ لحواضر نجد, واختلافهم الشديد في البنية الثّقافيّة والاجتماعيّة عن غيرهم من جهات الجزيرة, فأخذت هذه الأمور من الإمام عبد العزيز وقتاً وجهداً ليس بالهيّن ولا القليل.
تألّق البرق نجدياً فقلت له      إليك عنّي فإني عنك مشغول
   ثمّ عاد الإمام لعاصمته, وحاول وضع سياساتٍ ولَبِنَاتٍ لبناءِ الدّولة الحديثة المختلفة في المشارب الاجتماعيّة, والاقتصاديّة بعد اكتشاف الذّهب الأسود, والسّياسيّة بعد دخول بلاده في معاهدات الدّول الكبرى وعصبة الأمم وغيرها, ومزاحمة الأمريكان للبريطانييّن .كلّ هذه الأمور الجديدة قد فرضت على الإمام نَسَقَاً جديداً من التّعامل والسّياسة, بعد أن كانت بساطتها النّجديّة العفويّة سهلةَ التناول واضحةَ الوِرْدِ والصَّدَرِ.
   وكان على عبد العزيز قبل بناء دولته الفتيّة, حلّ خلافاتٍ وقضايا مع جيرانه في الجنوب والشّمال والشّرق, وفعلاً قد اهتمّ بذلك, ودانت له الأمور مجرجرة أذيالها بتوفيق الله تعالى له, وأثناء هذا الحراك والبناء والانشغال, بدأ بعض الإخوان يتذمّرون من أشياء لم ترقهم (1) ورأوا أنّها من المحرّمات الّتي لا يحلّ السّكوت عنها؛ ولو أدّى الإنكار للمفاصلة بالسّلاح, وزاد الطين بلّة منع الإمام لهم من غزو العراق والأردن, عملاً باتفاق "بحرة وحدّا" وهو الاتّفاق الّذي أبرمه مع "كلايتون" مندوب العراق وشرق الأردن عام: (1344) وعلى ضوء هذا الاتّفاق تمّ تحديد وترسيم الحدود, فرفض الإخوان ذلك, وأعلنوا مخالفته, وهذا في الحقيقة هو الخلل الجذريّ والصّدعُ الاستراتيجيّ لمفهوم الطّاعة, وهو بداية الانشقاق الحقيقيّ عن الدّولة والإمام, وقد دعا الإمام إلى مؤتمرين تجمع الإمام بالعلماء وبالإخوان, فالأوّل كان سنة: ( 1345 ) وحضره الإخوان, وأبدوا اعتراضاتهم وتكلّم العلماء وحسموا النزاع, ولكنّ الإخوان لم يلتزموا بِكَلَامِ علمائهم! فأخذتهم صولة الجهاد, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, دون الصّدور عن كليّات الملّة, ومحتّمات الإسلام, من لزوم وحدة الصفّ خلف الإمام, ودرءِ المفسدة الكبرى باحتمال الصّغرى, وقطع دابر الفتن وحسم مادّتها عن أُمّةِ الإسلام . تلك الأمور العظام, الّتي لا يسبر غورها, ولا يعلم تفاصيلها, ولا تطبيقها على الحال؛ سوى علماء الأمّة الّذين رسخت أقدامهم في حياض الشّريعة, والّذين بذلوا النّصح للأمّة, ولم يألوا جُهداً في عزّها والله المستعان, فأبى ذلك بعضُ الإخوان! .
   ثمّ دعا الإمامُ للمؤتمر الثّاني, وهو الذي سُمّيَ بـ"الجمعية العموميّة" سنة: (1347) ولكن كبار الإخوان كابن بجاد, والدويش, وضيدان بن حثلين, لم يحضروه, وتكلّم العلماءُ وأقاموا الحجّةَ مرّةً أخرى على الإخوان, وعظّموا حرمة الخروج والافتئات (2) على الإمام, وخطر الإنكار بالسّلاح بالأدلّة والبراهين القاطعة لكلّ مخاصم, الفالجة لكلّ مجادل, حتى أبدوا الصريح عن الرغوة, وبينوا الصبح لذي عينين, فلم يُبقوا لمنازعٍ مقالاً.
  ولمّا أصرّ الإخوان على العصيان وشقّ العصا, وتفريق الكلمة, بل وقتل المسلمين بهجومهم على قافلة ابن شريدة (3) وكانت القافلة(4) متّجهة لبريدة, فقتلوا بعض رجالها, على إثر ذلك كلّه انفجرت معركة "السّبلة" في نفس السّنة: (1347) .
   وبما أنّا دلفنا لهذا الموضوع الحسّاس الشّائك, فلابدّ أن نذكر أنّ الإخوان لم يكونوا على موقف واحد تجاه منع الجهاد خارج الحدود, وتجاه المنكرات الّتي أنكروها على إمامهم, فمنهم من اكتفى بالدعاء له وبذل النّصيحة بالحسنى, ولزوم كلمةِ علماءِ الأمّةِ بدورِ الدّجي ومصابيحِ الهدى, والصّدورِ عن رأيهم وفتاويهم ومن أولئك الإخوان خالد بن لؤي, وعمر بن ربيعان, وسلطان أبا العلا, وجهجاه بن حميد ...في جُلِّ الإخوان .
   ومنهم من توقّف وتوجّس من الأمر حتّى صدع مشايخهم بالحقّ, ونصحوهم بطاعة إمامهم, كبعض الإخوان من حرب وشيخهم ابن نحيت, لمّا أفتاهم الشيخ ابن بليهد بوجوب نصرة الإمام وحرمة الخروج عليه حين استفتوه وأخبروه بكتب الدّويش والدّهينة _ بعد السّبلة _  يطلبون منهم الخروج معهم ضدّ الإمام,  فلزموا جادّة الهدى وبيعة الإمام, فجهّزوا ألفاً وثلاثمئة ذلول, فقاتلوا مع إمامهم ببركة اتباعهم لمشورة وأمر شيخهم ابن بليهد . (5)
ومن الإخوان من جابه المنكر بالسّلاح وهي القاصمة .
    وقد بوّب الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه من كتاب الفتن: باب: (الفتنة التي تموج كموج البحر) وذكر فيه قول ابن عيينة: عن ابن حوشب: كانوا يستحبون _ أي السلف _ أن يتمثّلوا بهذه الأبيات عند الفتن, قال امرؤ القيس:
الحرب أوّلُ ما تكـــون فتيّةً       تسعى بزيـنتها لكلّ جـهول
حتّى إذا اشتعلت وشبّ ضرامها       ولّت عجـوزاً غير ذات حليل
شمطاءَ يُنكر لونها  وتغيّــرت        مكـــروهة للشمّ والتّقبيل
  ثم بوّب بقوله: باب: ( إذا قال عند قوم شيئاً, ثم خرج فقال بخلافه ) (حدّثنا سليمان بن حرب: حدّثنا حمّاد بن زيد, عن أيوب, عن نافع  قال: لمّا خَلَعَ أهلُ المدينة يزيدَ بنَ معاوية, جمع ابنُ عمرَ حشمَه وولدَه فقال: إنّي سمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: ( ينُصب لكلّ غادر لواءٌ يوم القيامة ) وإنّا قد بايعنا هذا الرّجل على بيع الله ورسوله, وإنّي لا أعلم غدراً أعظم من أن يبايع الرجل على بيع الله ورسوله ثم يَنصُب له القتال, وإنّي لا أعلم منكم خلعه, ولا تابع في هذا الأمر إلّا كانت الفيصل بيني وبينه ).
   قلت: وكان السّلف يقولون: كُنْ في الفتنة كابن اللّبون, لا ضرعاً فيُحلب ولا ظهراً فيُركب.
   وهنا لا بدّ من تقعيد المسألة عَقَدِيَّاً وتأصيلها شَرْعَيّاً باختصار, وهي مسألة الخروج على وليّ الأمر المسلم بالسّلاح: فعقيدة أهل السّنّة والجماعة تحريم ذلك, وأنّه من كبائر الذنوب, حتى ولو بمجرد الإعانة فيه باللّسان أو الإشارة, وأنّه لا يجوز بحال حتىّ ولو أظهر الإمام الفسق, ما لم يصل بمعصيته إلى الكفر البواح. قال الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) كذلك سنّة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم, فقد روى الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه, فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية ) وبيعته صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه, قالوا: في يسرنا وعسرنا . وقال صلّى الله عليه وسلّم في حدّ الجواز بالخروج بالسيف على الإمام: ( إلّا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ) (6) وحديث: ( لا ما أقاموا فيكم الصلاة)(7) أمّا سوى ذلك فلا.
   وتأمّل قوله: ( تسمع وتطيع الأمير, وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك, فاسمع وأطع ) (8) علماً بأنه لو أخذ غير الأمير مالك فإن لك أن تقاتله وإن متّ فأنت شهيد! لكن مع الأمير يختلف الأمر, حتى لا تشق فتن العصيان نسيج الأمة. وقال صلى الله عليه وسلم: ( أدوا إليهم حقّهم وسلوا الله حقّكم ) (9) والأحاديث في هذا الباب كثيرة . وأهل السّنة يحرّمون الخروج على الوالي الفاسق, وإنّما يأمرون بالدعاء له, وبنصحه سراً, وبأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بالحسنى، وبالصّبر عليه, حتّى يستريح برٌّ, ويُستراحَ من فاجر, وذلك بعدما ظهر لهم من مفاسد الخروج, وما يترتب عليه من إراقة الدماء, وخراب الدين والدنيا . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث لا يَغلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم"(10). قال الإمام الرباني وشيخ الإسلام الثاني شمس الدين ابن القيم رحمه الله: أي لا يبقى في القلب غل ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة، بل تنفي عنه غله، وتنقيه منه، وتخرجه منه؛ فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل. وكذلك يغل على الغش، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلال. فهذه الثلاثة تملؤه غلاً ودغلاً. ودواء هذا الغل واستخراج أخلاطه، بتجريد الإخلاص والنصح، ومتابعة السنة . وعلق على ذلك العلامة عبدالرحمن بن سعدي بقوله: أي فمن أخلص أعماله كلها لله، ونصح في أموره كلها لعباد الله، ولزم الجماعة بالائتلاف، وعدم الاختلاف. وصار قلبه صافياً نقياً، صار لله ولياً. ومن كان بخلاف ذلك امتلأ قلبه من كل آفة وشر . قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: ( ولم يدر هؤلاء المفتونون أن أكثر ولاة أهل الإسلام من عهد يزيد بن معاوية _ حاشا عمر بن عبد العزيز وما شاء الله من بني أمية _ قد وقع فيما وقع من الجراءة والحوادث العظام فيما أمر الله به ورسوله, من شرائع الإسلام وواجبات الدين, وأضرب لك مثلاً بالحجاج بن يوسف, فقد اشتهر أمره في الأمة بالظلم والغشم والإسراف في سفك الدماء وانتهاك حرمات الله, وقتل من قتل من سادات الأئمة كسعيد بن جبير, و حاصر ابن الزبير وقد عاذ بالحرم الشريف, واستباح الحرمة وقتل ابن الزبير مع أن ابن الزبير قد أعطاه (11) الطاعة, وبايعه عامّة أهل مكة والمدينة واليمن وأكثر سواد العراق, والحجاج نائب عن مروان ثم عن ولده عبدالملك, ولم يعهد أحد من الخلفاء إلى مروان, ولم يبايعه أهل الحل والعقد, ومع ذلك لم يتوقف أحد من أهل العلم في طاعته والانقياد له فيما تسوغ طاعته فيه من أركان الإسلام وواجباته, وكان ابن عمر ومن أدرك الحجاج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينازعونه ولا يمتنعون من طاعته فيما يقوم به من أمور الإسلام, وكذلك من في زمنه من التابعين؛ كابن المسيّب والحسن البصري وابن سيرين وإبراهيم التيمي وأشباههم ونظرائهم من سادات الأمة, واستمر العمل على هذا بين علماء الأمة وأئمتها يأمرون بطاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله مع كل إمام بر أو فاجر, كما هو معروف في كتب أصول الدين والعقائد .
وكذلك بنو العباس استولوا على بلاد المسلمين قهراً بالسيف, ولم يساعدهم أحد من أهل العلم والدين, وقتلوا خلقاً كثيراً وجمّاً غفيراً من بني أمية وأمرائهم ونوابهم, وقتلوا ابن هبيرة أمير العراق, وقتلوا الخليفة مروان, حتى نُقل أن السفاح قتل في يوم واحد نحو الثمانين من بني أمية, ووضع الفرش على جثثهم ثم جلس عليها ونادى بالطعام والشراب! ومع ذلك فسيرة الأئمة كالأوزاعي ومالك والزهري والليث ابن سعد وعطاء ابن أبي رباح من هؤلاء الملوك لا تخفى على من له مشاركة في العلم واطلاع.
   والطبقة الثانية من أهل العلم؛ كأحمد بن حنبل ومحمد بن إسماعيل ومحمد بن إدريس وأحمد بن نصر وإسحاق بن راهويه وإخوانهم, وقع في عصرهم من الملوك ما وقع من البدع العظام وإنكار الصفات, ودعوا إلى ذلك وامتحنوا فيه وقتل من قتل كأحمد بن نصر, ومع ذلك فلم نعلم أن أحداً منهم نزع يا من طاعة ولا رأى عليهم ... ) (12).
   وتأمّل قول الإمامين, أحمد بن حنبل والفضيل بن عياض: ( لو كان لي دعوة مستجابة لجعلتها لوليّ الأمر, ففي صلاحه صلاح المسلمين ) (13).
   وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قاعدة في غاية الأهميّة  _ وهو الفحل الضليع في هذه القضايا المنهجية_ قال: ( وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة, وتبين له المحجة, ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة, وإزالة الشبهة . ) (14) فالتكفير ذريعة لأمور كبار، قد تكون مدمرة إذا كانت في يد من لا يحسنها علماً أو عملاً، والواقع بذلك شهيد ناطق.
   وقال العلماء: إنّه لا يجوز الخروج على الإمام إلاّ بشرطين اثنين:
الأوّل: أن يرتكب الإمام كفراً أكبر بواحاً عن عمد, وقد قامت عليه الحجّة الرسالية بذلك ممن يُحسن إقامتها وهم العلماء الراّسخون .
الثّاني: أن يغلب على ظنّ الخارجين على ذلك الحاكم الكافر إزالته ودفع شرّه بلا مزيد من الفتن وإراقة الدماء, فلا تدفع المفسدة بأعظم منها, ويكفينا مثالاً حياً معاصراً مأساة حماة السورية! قبل ثلاثة عقود، وكيف انتهى ذلك الخروج بالكارثة المأساوية والدمار المروّع والمصائب العظام, والمشتكى إلى الملك العلام. 
   فإن استبان كفر الحاكم وغلب على الظن القدرة على إزالته فذلك واجب متحتم عليهم، حتى لا يُبدّل الدين، فحراسة بيضة الدين وحماية حوض الملة أولى من حفظ الدنيا وما عليها.
   وقال صلى الله عليه وسلم:" إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق" (15).
   قال المناوي رحمه الله: "إن هذا الدين متين" أي: صلب شديد، فأوغلوا: أي سيروا فيه برفق، ولا تحملوا على أنفسكم ما لا تطيقونه، فتعجزوا وتتركوا العمل .
  وقال صلى الله عليه وسلم:" إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه, فسددوا وقاربوا وأبشروا, واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" (16).
  قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: معنى الحديث: النهي عن التشديد في الدين، بأن يحمِّل الإنسان نفسه من العبادة (17) ما لا يحتمله إلا بكلفة شديدة، وهذا هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لن يشاد الدين أحد إلا غلبه ) يعني: أن الدين لا يؤخذ بالمغالبة ، فمن شاد الدين غلبه وقطعه  .
   والطوائف الّتي تخرج على الإمام لا تخلو من أن تكون:
   الطائفةُ الأولى:
   الخوارج وهم يُكَفِّرُون بارتكاب الكبيرة, وينكرون بالسّيف مباشرة, وهم شرّ الخلق والخليقة, وقد قال فيهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان, لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد ) (18) فهم على ضلال مبين, وبدعة شنيعة, وقد صحّت الأحاديث في ذمّهم من عشرة أوجه, كما قاله الإمام أحمد رحمه الله تعالى . وهؤلاء كالذين خرجوا على عليّ رضي الله عنه في النهروان . وهذه الفرقة المارقة, بَرِءَ منها الإخوان ومن معتقدها الخبيث بتكفير  المسلمين جملة وتفصيلاً, وتنظيراً وتطبيقاً, وقد ظَلَمَهُم من نسبهم لها.  
   الطائفةُ الثانية:
   هم البُغَاةُ, وهم قومٌ لهم شوكة وقوة ومنعة, يخرجون على الإمام بتأويل, أي أنّهم يرون منكرات أو مظالم فيخرجون لإنكارها وهم لا يُكفِّرُون مرتكب الكبيرة؛ لكنّهم يَخرجون على إمامهم سواء أكان إمام هدىً أو إمام فسق, مع كونه لم يصل بمعصيته إلى الكفر البواح.
قلت: وهذا ما وقع فيه بعض الإخوان كسلطان بن بجاد وفيصل الدويش ومن لفّ لفّهما وتبعهما, عفا الله عنهم، وقد سُئل الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى في شرحه لبلوغ المرام عن الإخوان الذين خرجوا على الملك عبد العزيز, أهم بغاة أم خوارج؟ فقال: ليسوا بخوارج, فالخوارج يكفّرون مرتكب الكبيرة, ولكنّ هؤلاء بغاة  (19).
   ثالثةُ الطوائف:
   قُطّاعُ الطريق, وقصدهم المال دون الرئاسة وقلب الحكم, وهؤلاء حكمهم الحرابة كما في آية المائدة .
  الرّابعةُ من الطوائف:
  الكُفّار المحاربون, كالباطنيّة أو الرافضة أو النّصارى وأشباههم, غير أهل الذمة المعاهدين والمستأمنين، فهؤلاء أهل حرب . ويلحق بهم من جَمَزَ للكفار, وصار من أهل ولايتهم, وحارب الموحّدين معهم, كمن جَمَزَ وذهب للتّتار في وقت شيخ الإسلام, أو ذهب للنصارى أو الكفرة وحارب المسلمين معهم, كما حدث من البعض في زمن الإخوان .
  عِلماً بأنّ الإمام عبد العزيز رحمه الله كان إمامَ عدلٍ وهدى, ولم يكن إمام فسق وفجور - حاشاه من ذلك رحمه الله تعالى - فقد أعزّ الله به الدّين, وأقام به أركان الملّة, وجدّد الدّعوة السلفية والعقيدة المرضيّة, وحارب من حاربها وسالم من سالمها, ويشهد بذلك كلّ منصف خبير بالأحداث, من الّذين لا تأخذهم في الحقّ لومة لائم .
    ولقائل أن يقول: كأنّك بهذا جعلتَه بلا عيوب! فأقول: هو بشر من البشر, يخطئ ويصيب, ويعصي ويتوب, وربّه أعلمُ وأرحمُ به منكم, والمُنصف من وازن حسناتِهِ العظيمة بسيئاته الّتي نسأل الله تعالى أن يجعلها تذوب في بحر حسناته:
ومن ذا الّذي تُرضى سجاياه كلّها      كفـى المرء نبلاً أن تعـدّ معائبه
   مع أنّه متأوّل في بعضها, ومعه الحقّ والبرهان في أخرى, وقد يُبعد النُّجْعَةَ في أخرى, ولكن بالجملة فهو إمام عدلٍ ورحمةٍ وهدى وتقى, ولا نزكّيه على الله, ولا نعلم في زمانه أحقّ بالإمامة منه, وهو المُعَظِّم للدّين  وأهلِه, والمجدّدُ لما اندرس من معالمه, فهذا الدّين هو رسالة البيت السعودي, وسبب مجده, وصمام أمن بقائه، ومبرّر حكمه, فرحم الله ذلك الإمام الذي عقمت النساء أن يلدن مثله في عقود تلتها عقود, فلله أُمٌّ حملت به, ودرّت عليه, نحسبه كذلك والله حسيبه, ولا نزكّي على الله أحداً (20).
   ولمّا ذكرت الخوارج سيرة أبي بكر وعمر عند علي رضي الله عنهم, قال: لأن رعيتهم أمثالي ورعيتي أمثالكم . والدولة السعودية بمراحلها الثلاث هي من نعم الله تعالى على الأمة, وقد يصدق عليها ماقاله ابن طَباطِبا في دولة بني العباس حيث ذكر أنها ساست الناس سياسة مزجت الدين بالملك فأطاعها أهل الخير والصلاح تديّناً, وأطاعها غيرهم رغبة ورهبة, وقد عاشت قرابة ستة قرون, أما السعودية فبلغت حتى الآن نصف عمر الدولة العباسية أي ثلاثة قرون تقريباً,_وهذا عمر طويل نسبياً مقارنة مع مثيلاتها من الممالك والدول, وقد صارت شامة على جبين الدهر, وتاجاً في مفرق العصر, فنسأل الله أن يحفظهم بدينه وأن يحفظ دينه بهم.
    والإمام عبد العزيز معدود من نوادر عصره في التديّن, والعبادة, والحكمة, وقيام الليل, ومحبة العلم والعلماء, ونحيل إلى كتاب "شبه الجزيرة" للزركلي لتفصيل ذلك (21) ومن أمثلة تعظيمه للتّوحيد, أنّه لمّا دخل أحد الشّعراء وقال في قصيدته: أنت أملنا وفيك الرّجاء . فقال الإمام: تخسأ . ثم التفت للمجلس وفيه حمد الجاسر فقال: علّمه التّوحيد يابن جاسر.
   ولمّا أنكر عليه أحد الأكابر إسبال ثوبه, أمر بالمقصّ فأعطاه إياه ليقصّه, لكن لما نازعه ذلك الرجل ملكه قصّ رأسه! ( قد جعل الله لكلّ شئ قدراً ) (الطلاق: ٣) .    
   ومن تعظيمه للعلماء قوله: ( ما لقيت الشّيخ عبد الله بن عبد الّلطيف إلّا تصبّب العرق من إبطي ). (22).
    أمّا برنامجه اليوميّ؛ فقد كان معتاداً على الاستيقاظ قبل الفجر بنحو ساعة, يقضيها في الصّلاة وقراءة القرآن الكريم, وكثيراً ما يُسمع له نشيج, ثمّ يصلّي الفجر مع الجماعة, ويذكر ربه بأذكار الصّلاة وورد الصباح, ثمّ يدخل بيته فيضطجع إلى شروق الشمس, فينهض ويغتسل ويلبس ثيابه ثمّ يفطر, ثمّ إلى المجلس الخاص, لعرض مهامّ الحكومة, ولا يطول ذلك المجلس, ثمّ يأذن لكبار الزوّار, وبعده إلى المجلس العامّ فيستقبل الجميع ولا يُحجب دونه أحد, فيمكث قدر السّاعة, ثمّ ينهض للغداء, وبعده يستريح في بيته قليلاً إلى أذان الظّهر فيصلّي مع الجماعة, ثمّ يعود لمجلسه الخاصّ فيعرض عليه ما تجدّد من الشّؤون العامّة إلى صلاة العصر, وبعد الصّلاة مع الجماعة يخصّ أولادَه وإخوانه وكبار موظّفيه بجلسته, ثمّ يخرج بسيارته إلى ظاهر المدينة للرّياضة, ثمّ يعود إذا صلى المغرب, وبعد العشاء يجلس المجلس العامّ, ويحضر القارئ فيقرأ فصولاً من كتب الحديث والتفسير والتاريخ والأدب, وبعده بقليل يدخل قارئ الإذاعة العربيّة فيتلو أهمّ أخبار الإذاعات العربيّة, ثمّ يردفه بآخر يتلو أهمّ أخبار الإذاعات الأجنبيّة بعد أن ترجمها ورتّبها, ويتكرّر دخول قرّاءِ الإذاعات في الضّحى والعصر والهزيع الأوّل من الليل, وفي نحو السّاعة العاشرة ينفضّ المجلس بنهوض الإمام عائداً لقصره بعد أن يتلطّف بكلمات يختمها بالسلام, رحمه الله تعالى.
    ومن حرصه على رعيّته وإقامة الحجّة والخروج بالعذر من الأمة, نرى عقدَهُ مؤتمراً مشهوراً دعا إليه جميع الإخوان في الرياض, وأردفه بثانٍ وثالثٍ, وقال العلماء كلمتهم, وقامت الحجّة على المخالفين لإمامهم, الشاقّين عصا الطّاعة عليه. 
    جاء عبد المحسن بن شاهين الشّريف إلى الإمام عبد العزيز, وقال: أنا رسول من خلفي من الإخوان وقد نقمنا عليك ثلاثاً فأحسن فيهن العمل .   قال: وما هن؟ قال: الأولى: أن لا يخالط الكفّار المسلمين.
  والثّانية: الرّافضة في المنطقة الشرقية ليسوا بمسلمين, ولم تؤخذ منهم الجزية! فإمّا الإسلام أو السّيف .
   والثّالثة: أن لا يتوقّف الجهاد .
   وكان بجانب الإمام عبد العزيز الشيخ سعد بن حمد بن عتيق, فالتفت إليه الإمام وقال: ما تقول فيما قال؟ فقال: أشهد أن ما قاله حقٌّ, ثلاثاً .
   وبدأت علامات النفرة وبوادرها تزداد بين سلطان بن بجاد وفيصل الدويش من جهة, وبين الإمام عبد العزيز من جهة أخرى, وفيصل يُعتبر صهراً لسلطان, فقد زوّجه سلطان ابنته, وبهذا زادت قوّة فيصل وسطوته في نجد والشّمال, كذلك سلطان.
   ثمّ إنّ عمر بن ربيعان الرّوقي زار سلطان, ولم يُمَكَّن من الدّخول عليه للسّلام, وقال له الحُجّاب: السّلام اليوم لأهل الشّمال على سلطان الدّين وليس لغيرهم . فغضب عمر ورحل إلى عبد العزيز وقال له: يا عبد العزيز الأمير أنت أم راع من رعاة نجد؟ وأخبره بما رأى, فقال عبد العزيز: لقد بلغني مثل ما ذكرت لي يا عمر.
   وبلغت الإمام أخبار تفيد بنية الإخوان من أتباع ابن بجاد غزو العراق بدون إذن الإمام (23) فأرسل له في الغطغط الشيخ عبدالله بن حمد بن عتيق لينهاهم  عن ذلك, وليطلب من ابن بجاد الحضور عند السلطان لكشف الشبه والتساؤلات, فطلب الشيخ من سلطان مرافقته فهمّ بذلك لكن أبى عليه قومه فلم يذهب, ثم أرسل إليه الشيخ عبداللطيف بن حمد بن عتيق – قاضي رنية – فذهب للغطغط, وذكَّرَهُم بالله, ثم طلب من ابن بجاد مرافقته للإمام فوافق ورحل معه, حتى إذا بلغا المزاحمية لحق به بعض مقدمي قومه فأكثروا عليه حتى عاد معهم للغطغط – لأمر اقتضته حكمة الله، وقد تكرر المشهد المتردد في السبلة – ثم إنّ الإمام لم ييأس فأرسل له في المرة الثالثة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - مفتي الديار السعودية لاحقاً -فلم يستجب له . وبعد ذلك استشار الإمام الشيخ سعد بن حمد بن عتيق فقال: دعهم , فإن عصوا فسيقعون في شر عملهم.
   وبدأ بعض الإخوان يلوّحُ بأمور ويُلمِحُ لأخرى, ويَصِفُ سلطان بن بجاد بسلطان الدّين وكأنّه يلمز عبد العزيز بسلطان الدّنيا.
   وفي هذا يقول ابن نفيسة جاعلاً عبد العزيز هو سلطان الدين:
سلطان الدين أبو تركي     سلطان الدين يسـمونه
سلطان الدين أبو تركي       وبذلك كـل شاهد له
   واتّسع الخرق شيئاً فشيئاً, وزادت النّفرة بين الفريقين, وتعاظمت الجفوة وزاد أوارها اتّفاق الإمام عبد العزيز مع الإنجليز في ترسيم الحدود, وأن لا يمنع أهل المواشي من العبور, وأن لا تُبنى الحصون والقلاع على الحدود, فبدأت بريطانيا العجوز الماكرة تلعب لعبتها فبنت الحصون, واستدرجت الإخوان في الشّمال لغزو العراق والأردن, وقامت بحركات استفزازيّة فلمّا دخلوا ضربتهم بالطائرات, ثمّ دخلت الحدود وضربت النساء والأطفال بالقنابل! فاشتعلت المراجل في صدور الإخوان, ونادوا بالانتقام للشهداء، وأعلنوا الجهاد ضد الأعداء وصاحوا: يالثارات المسلمين, وقد كانت الرغبة في الجهاد وفتح بيت المقدس تجمجم في صدورهم, لكنّ إمامهم الّذي له عليهم حقّ الطّاعة لم يأذن لهم بعد في الجهاد خارجاً, بل ومنعهم منه وحرّجه عليهم.
   ثمّ بدأت الدّعاية والمكائد من الكويت والعراق والأردن, وكلُّ هذا من تحت قبّعات ضبّاط المخابرات الإنجليزيّة وخطط الجنرال "غلوب" الذي كان الإخوان يلقبونه: "أبو حنيك".
   وكتب العلماء للإمام عبد العزيز بوجوب كفّ الإخوان عن الغزو المباشر بلا إذن منه وبدون أميرٍ من قبله ولو صاحب مطيّة, حفظاً للثّغر, وحتّى لا يقع الإخوان في معصية الله بخفر ذمّة إمامهم, وعدم نبذ العهد إلى من خالفهم على سواء.
   وزادت مراجل الفتنة غلياناً بالوفود النّصرانيّة الّتي تدخل قصر الحكم في الرّياض على مرأى من الإخوان فازدادت النّار شرراً, والإمام يلاطف الإخوان بأرقّ العبارات والرّسائل, ويرسل لهم من يظهر لهم جليّة نظر إمامهم في المسألة, وأنّ الأمور إنّما تؤخذ شيئاً فشيئاً, وأن السياسة خادمة للدين ومطيّة له لا العكس، وأنّ بريطانيا ليست بالعدوّ السّهل حتّى يستسهلوا كسرها, وأنّ البلد محتاج إلى من يفد إليه حتّى من الكفرة, ليكون رسولاً لهم, أو مدرّباً للمسلمين على بعض الآلات التي لايحسنونها ونحو ذلك, ولكن الإخوان أصرّوا على أمرهم وكابروا للأسف الشديد, بل وصل بهم الأمر بأن كرعوا في دم الفتنة, فأغاروا على قافلة لأحد تجار القصيم, وأخذوها وقتلوا بعض من فيها, إذن فلم يكن هناك بدّ من المواجهة والاصطدام, بعد ثلاثة عشر من الأعوام في وئام وفتوحات ومغازي.
    و"السّبلة" روضةٌ بقرب الزّلفي, خيّم غربها الإخوان المنشقّين, أمّا شرقها فكان مخيّمُ إمامهم عبد العزيز معه أهل العارض في كوكبة من أكابر العلماء, وقد دعاهم عشيّة وصوله, وحرّج عليهم إراقة الدماء, وطلب أن يجلس وإياهم عند القضاة ليحكموا فيهم بما يريهم الله تعالى, وكان قد عقد مؤتمراً عامّاً لهذه القضيّة سنة: ( 1345 ) ثمّ مؤتمراً ثانياً وهو الجمعيّة العموميّة, ولكن الإخوان تصلّبوا في رأيهم تصلّباً لم يُحمدوا عليه, حتّى قال أحدهم لّما قيل له: إنّ مع عبد العزيز خمسين قاضياً, فقال: بل خمسين غاوياً! (24).
   وقد أنكر عليهم العلماء فراقهم وشقاقهم, ومما قالوه لهم: أنّ الصحابة رضوان الله تعالى عنهم لم يخرجوا على الحجّاج وكان من أفسق الناس! مع هذا فقد كانوا يصلّون خلفه, كابن عمر وأنس وسلمة بن الأكوع رضي الله عنهم, فيردّ عليهم الإخون بقولهم: أنتم حَضَرٌ مذلّلين! _أي خائفين من الملك عبدالعزيز_ (25)  وكان هذا الكلام قبل عام من السّبلة, وكثرت كتب العلماء لهم بتحريم الخروج والعصيان وشقّ عصا الطّاعة وتفريق كلمة المسلمين, وأنّ الدّين لا يستقيم إلا بجماعة ولا جماعة إلّا بإمام ولا إمام إلّا بسمع وطاعة.
  وشواهد تلك الرّسائل مبسوطة في رسائل أئمة الدعوة إلى الإخوان بأسمائهم, في الجزء التاسع من "الدّرر السّنيّة في الأجوبة النّجديّة" فردّ عليهم الإخوان: بأن فِعْلَنَا هذا هو الدّين الّذي علّمتمونا إيّاه, فلماذا المداهنة في دين الله؟! وتلك مجموعة التّوحيد النّجديّة طافحة بالولاء والبراء, فعلام تنكّبتموها وراءكم ظِهْرِيّاً وخالفتموها؟! فيردّ العلماء: بأنّ الّذي أَمَرَنَا بالولاء والبراء هو الذي حَرَّمَ علينا الخروج على السّلطان, وأنّكم لو قرأتم وتفقّهتم في "مجموعة التوحيد" كما ينبغي, لعرفتم قولنا وبرهاننا, ولتبيّن لكم أنّكم مُصعدين في الباطل، متنكّبين الجادّة، حائدين عن سواء الصّراط.
     ولكن بلا فائدة عمليّة _ كما أسلفنا _ بل وصلت الأمور لقتل أربعة, وقيل أربعة وعشرين من أهل قافلة من شمّر كانت تريد بريدة . فوصل الأمر للطّريق المسدود, فكان لا بدّ بكلّ أسف تأديبهم بالسّيف, و قد كان .
إذا ورد الحجـاج أرضاً مريضة      تـتبّـع أقصى داءها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها      همــام إذا هزّ القناة سقاها
    ثمّ إنّ الإخوان من الغطغط مرّوا بالأرطاوية, ومضى معهم الدويش, ثمّ نزلوا على "السّبلة" (26) ثمّ عبّؤا جيشهم واستعدّوا للنّزال, ووصلت جموع جيش الإمام وكتائبه العظام, ونزلت قبالتهم, ودارت المفاوضات لكنّها لم تنفع (27) بل قد رجع الدّويش منها للإخوان وقال:  ليس عند عبد العزيز سوى طباخين وحضر ينامون على نواعم الفرش! (28) ثمّ ركب سلطان بن بجاد فرسه في الصّباح ودار على الإخوان وهم منبطحين على القارة, جاهزين للقتال, وهو يوصيهم بقوله: يا إخوان لا ترموا طلقة واحدة حتّى يبدؤوكم هم, وكان شعار جند الإمام: يا أهل الشريعة, وشعار الإخوان: يا أهل التوحيد! فحتّى الشعار تفرقوا فيه, لمّا تفرقت القلوب! . ولم يلبث البارود أن قال كلمته, وردّدت أطراف السّبلة هديره وصداه, وزمجر الرّصاص,  وزأرت البنادق, وثار النقع, وارتفع الغبار, واندقّت الأحجار, وابتلّت بالدّم الأشجار, وعلا صوت ضرب الرصاص على كلّ ماسواه, وانتثر الدّم الأسيفُ, وتساقطت الهامُ الحائرةُ على قاع السّبلة, وانثلمَ السّيفُ المُوحّدِيُّ, وانثنى الرُّمحُ الرُّدَينيّ السُنّي، واندقّ السمهريّ السّلفِيُّ, راثياً الحالَ الّذي آلَ إليه الإخوان مع إمامهم, فصار المدُّ جزْراً, والشُّروقُ غُروباً, والطُّلوعُ أُفُولاً ( كان ذلك في الكتاب مسطوراً) ( الإسراء: ٥٨) (29) وما أصابك لم يكن ليخطئك.
إذا تمّ أمر بدا نقصُهُ      ترقّب زوالاً إذا قيل تمّ
    فبعدما كانوا يدَ إمامهم وساعده الّذي لا ينثني, إذ بهم قد قلبوا له ظهر مجنّ الولاء تمرّداً وعصياناً, فحلّت القاصمة, وأناخت الدّاهية, وبركت الفتنة, ورقص الشّيطان الرجيم الأثيم على عزف الرّصاص بين  المؤمنين, وعلى انصباب الدم بين الطائفتين المسلمتين .
الحزن يقلق والتجمّل يردع      والقلب بينهما عصيّ طيّع
يتنازعان دموع عين مسهّد       هذا يجيء بها وهذا يرجع
   ثم تنادى الإخوان بالانسحاب أمام صوارم أهل العارض, وبنادقهم, وعوابس خيلهم.
   واختلفت تقديرات عدد الجند في جيش الإمام الّذي كانت معه كتائب كالجبال, فكانت بين ثلاثة وأربعين ألفاً, وبين ستة وعشرين ألفاً, وعلى ميمنة الخيّالة سعود بن عبد العزيز نجلُ الإمام, وعلى ميسرتها محمد بن عبد الرحمن أخوه. أمّا الإخوان فعددهم كان بين العشرة آلاف والأربعة آلاف.
   وكان الإخوان قد نزلوا شرقيّ الرّوضة, وخيّموا على الجانب الأعلى من وادي الجار الله, أمّا الإمام فكان عنْهم قِبْلَةً, أي غربيِّ روضة السّبلة الّتي ارتوت بسيل الدّمِ لا سَيل المُزْنِ.

إذا اشتبكت دموع في خدود     تبيّن من بكى ممن تباكى
   وَمُذْ نشأة الإخوان لم يُهزموا هزيمةً واحدةً, ولم يُذكر عنهم فَرٌّ إلّا لِكَرٍّ, حتىّ كانت السّبلة فلم يَصمدوا إلاّ فُواقَ ناقة, ثمّ هبت ريح النّصر عليهم لا لهم, فأدبروا منكسرين, وهربوا منهزمين, لا يلوون على شيء, ثمْ أمر الإمام أتباعه بالكفّ عن المدبرين, عملاً بسنّة أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه مع إخوته أهل الجمل وصفّين, ومن سلّ سيف البغي قُتِل به, ومن أوقد نار الفتنة أُحرِق بها.
   وكان قتلى الإخوان قرابة الخمسمئة, ومن جند الإمام قرابة المئتين, وصاح الإمام في جنده بالكفّ عن القتل, فبينه وبين إخوانه حِبَالٌ ليست بهيّنة عليه ليقطعها, وهو يقول: والله لكأنّي أقطع لحماً من جسدي ولكن لا مفرّ .
إن لم يكن إلّا الأسنّة مركباً      فما حيلة المضطرّ إلّا ركوبها
   عِلْماً بأنّ الجزء الأكبر من الإخوان لم يكونوا مع المنشقّين عن الإمام,- كما أسلفنا - بل مع الموالين له كخالد بن لؤي وسبيع, والرّوقة مع ابن ربيعان, وجهجاه أخو سلطان بن بجاد الّذي بقي في عروى ومعه بعض برقا ولم يخرج مع المنشقين, وسلطان أبا العلا الّذي بقي في سنام, والهيضل في الحفيّرة, كذلك حرب أهل الفوّارة هجرة بني سالم وأميرهم حجاب بن نحيت,كذلك بعض مطير كمشاري بن بصيص, وكذلك الدّياحين وغيرهم.
   أمّا الّذين خرجوا فهم أهل الغطغط وساجر, ومن لحقهم من غيرهم, إضافة للدّويش وأتباعه من مطير ومن تحبّش معهم, والقليل من أهل الخرمة . وبعد السّبلة ذهب الكثير منهم للإمام واعتذروا فعفا عنهم, وأرسل بعضهم إلى خالد بن لؤي ليشترك معه ومع غيره في مطاردة للفلول الباقية من المنشقّين, ثمّ في غزواته للجنوب بعد ذلك (30).
    وبهذا انقسم الإخوان على أنفسهم فطائفة ثبتت مع إمامها ونَصَرَته, أو توقفت وحايدت فلم تخرج عليه, ورأت أنه قتال فتنة (31) وطائفة خرجوا ولات حين الذي يرجون، فمنهم من قُتِلَ في حينه في السّبلة, ومنهم من قُتِل فيما بعد, ومنهم من عاد لرشده وأناب لعهده .
أمرتهم أمري بمنعـــرج اللِّوى      فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد
   أمّا أهلُ الخرمة فكانوا تبعاً لأميرهم خالد بن لؤي الذي شدّد عليهم في أمر الشّقاق والخروج, وألزمهم الشّريعة, وأكثر عليهم النّصح والمناظرة, ولكن مع ذلك فقد خرج منهم أربعون رجلاً على رأس الحميدي بن مفرح وكان صغيراً إذ ذاك لكن أمّروه عليهم خَلَفاً لوالده الأمير مفرح رحمه الله, وقد عاد الحميدي لإمامه  عبد العزيز وتاب من خروجه بعدما أهدر الإمام دمه.
   وقد قصّ أحد كبار الإخوان المنشقّين عن الإمام عبد العزيز قصّته, وهي مفصّلة للمعركة ولجوِّها المضطرب, وفيها شهادات هامّة, وهي قصّة ذات عبر وعِظات, وبطلها هو الأمير الحميدي بن مفرّح بن شارع, وهو زعيم إخوان الخرمة المنشقّين, والّذي لا يكاد يخالف مستشاره وصاحبه عبد المحسن بن شاهين, ولا يكفّ عن البكاء عند ورود ذكره فيما بعد, رحمهما الله تعالى وعفا عنهما . وإيراد القصّة يكفي عن التعليق عليها, وهي تعتبر من الوثائق النّادرة عن معركةٍ ضبابيةٍ,لم يصلنا من أخبارها إلا القليل جداً من مصادر قد تُوصَمُ بعدم الحياديّة, وتُتَّهَمُ بمجاملة الطّرف الغالب, فالتاريخ يكتبه المنتصر، وهي من المعارك المصيريّة والحاسمة, الّتي آذنت بعدها شمس الإخوان بالأُفول إلّا مَنْ بَقِيَ على عهده وعقده, ولكنْ سَنَا الحركة الإخوانيّة وصيتها ونقاءها ووحدة صفّها, شابه بعدها ماشابه, والله المستعان, وهو الحكيم الخبير, وله الأمر من قبل ومن بعد, والحمد لله على كل حال, فالعاطفة والآمال شيء, والحقّ والواجب والواقع والعقل شيء آخر (32).
لعلّ عتبك محمود عواقبه      وربما صحت الأجسام بالعلل
   قال الحميدي رحمه الله وكان عمره يوم السّبلة عشرين عاماً: ( عُدنا من الشّمال غازين, معنا الغنائم والإبل, واستقبلنا الدّويش في الطّريق, ومشى معنا في رجوعنا, ثمّ جاءنا خبرٌ مفاده: أنّ عبد العزيز يتلقّفُنَا (33) وقد جمع الأمّة علينا من كلّ مكان, فمررنا بالأرطاويّة وجراب, ودعانا الدّويش لضيافتنا, ولمّا أتيناه إذ هو قد جهّز الفرش والأشدّة, وأشعل النار, وقد كنت أحبّه كسائر الإخوان, وأسمع عنه من بعيد، فلما أنخنا عليه أدار القهوة علينا، ثمّ قال: سأُرسل ولدي عزيّز (34) لعبد العزيز لعلّ الله يطفئ لهبه عنكم, وأصبحنا, ثمّ سرنا ونزلنا السّبلة, وبرز هو عنّا في "حجفا" ثمّ أرسل ولده عبدالعزيز لعبد العزيز الّذي أعطاه الجنيهات ثمّ عاد لأبيه.
   وكان من خبري أنّي لمّا نمت البارحة التي صباحها السبلة، رأيت رؤيا أفزعتني, وهي أنّي رأيت في المنام: أنّه قد أقبل علينا من جهة القبلة سيل عظيم, وأنّي سرت فيه ثمّ ضربته بيديّ, وارتفع الماء حتّى وصل فمي, وكاد أن يغرقني, ثمّ إنّي أدبرت عن السّيل, وركضت راجعاً, فرأيت أمامي فهد الهُلقمي القحطاني, قد أقفى (35) عني, وأناديه ولا يسمعني, وهو من الإخوان القدماء, وكان هو حامل راية خالد بن لؤي في مغازيه الكبار الأولى, وهو من سكّان هجرة خالد في الخرمة, فلمّا أصبحت؛ قصصت رؤياي على عبد المحسن بن ناصر بن شاهين فقال: خيراً خيراً, فلمّا أصبحنا ونزلنا السّبلة, ظهر لنا جيش عبد العزيز من جهة القبلة أي من جهة الغرب, ونحن في الجهة الشرقيّة من روضة السّبلة, وطلب ابن بجاد, فأرسل له رسولاً ليحضره له, وجاء العبدُ يقود الفرس من أجل أن يركب عليها ابن بجاد ويذهب لعبد العزيز, فرفض الإخوان ذهاب ابن بجاد خوفاً عليه أن لا يعود, ثمّ أطلقوا حبل الفرس من يده وعاد العبد بفرسه بدون ابن بجاد, وأرسل عبد العزيز من يقول: إنّ الشرع بينه وبينكم, وإنّي سأضع الخيام بيني وبينكم في مثناة السّبلة (36) فأتوني في تلك الخيام, حتّى نتوارد الشرع جميعاً وكلٌّ يدلي بحجته ونرضى بحكم القضاة؛ فأبينا (37) ثمّ إنّه أرسل لنا إخواناً لنا نعرفهم,لم يخرجوا معنا, قد أخافهم وقطّع ظهورهم من الخوف! (38) فقالوا: الشرع بينكم وبينه يا إخوان, أنتم أخذتم أُناساً قد أمّنهم . ونحن نقول: أولئك الّذين أخذناهم كفّار(39). فلم نلق لكلامهم بالاً, ثمّ تراجعنا بمنزلنا قليلاً, ووضعنا بيننا وبينه جبوباً (40) فنزلنا في القاع, ثم إنّه أرسل إلينا "البهيّمة" أمير دخنة من أمراء حرب, فلُمناه لخروجه مع عبد العزيز, ثمّ أمسينا ونمنا, وفي الصّباح بعد أن أوقدنا نارنا نحن أهل الخرمة, وكنّا قرابة الأربعين, وبيننا وبين الإخوان الآخرين قدر رمية الشّارة (41) وليسوا عنّا ببعيد, وقد أتونا وشربوا القهوة معنا من معاميلي الّتي إلى اليوم لم أرفعها من مكانها ذاك, وكنت جالساً وعبدالمحسن بن شاهين  بجانبي على اليسار وحمود بن صنيتان على يميني ثمّ بقيّة الإخوان, وحينما استوت الطّبخة - أي القهوة - وأراد أن يصبّها لنا وقد أخرج عرقوب دلّته ليصبّها لنا, والشمس قد شعشع نورها, وإذ بأحدُ الإخوان يُشرف من الحزم الذي أمامنا على الجبهة, إذ أقبل علينا قائلاً: يا إخوان قد أقبل عليكم ابن سعود, فهببنا من مجلسنا وتركنا قهوتنا ولم نذقها, فلمّا أشرفنا مع رأس  الجبوب,  فَمَا أشرفنا حتّى رأينا الجموع الّتي لا نرى أقصاها, ولا ندرك مداها،  قد أقبلت نحونا فتذكّرتُ رؤياي, وأقبل علينا الفِرْم ومطير وقحطان من الشمال، ثمّ أقبل علينا البيرق - لواء الملك -  واقترب منّا, وحينما تعبّأنا في رأس الحزم وجهّزنا السّلاح, إذ سلطان بن بجاد قد أقبل علينا كارّاً فرسه, ويقول: لا ترموهم قبل أن يرموكم, يرددها، ثمّ كرّها من أمامنا للدّويش, وقال له المثل, ثمّ إنّهم لمّا اقتربوا أطلقوا النار, فمرّت من أمامي رصاصة فاصطدمت بحجر بجانبي ثمّ ارتدّت إليّ فضربت زندي لكن بعدما بردت من ضربتها الأولى, ثمّ ضربونا بالهيج الأول (42) ثمّ ضربونا بالهيج الثاني, وقد وضعت كرسي البندق على كتفي, ثمّ قمنا ببيرقنا, ونظرت للإخوان الآخرين فإذ كلّ على بيرقه, ثمّ تقدّمنا للقوم, وكان بيننا وبينهم منخفض من الأرض ملئٌ بالعرفج, فألقينا أنفسنا فيه, وضربناهم بالهيج بالمشط الأوّل ثمّ الثّاني, فتقهقروا وكادوا يدبرون عنا, وكان بجانبي عبد الله بن منيف بن كسران منبطح ويرمي, ثمّ صاح بي: يا فلان العُرْبَانُ (43) قد انكسروا مطير وعتيبة وانظرهم قد تعدّونا مدبرين عنّا, والقوم (44) قد حاذونا من يمين وشمال وبعض الكتائب قد تجاوزتنا, فنظرت فإذا خيل ابن بصيّص الحربي هاربةً, وكذلك خيل الدويش, والآخرين من الإخوان قد هربوا مدّ البصر, ولم يبق سوانا أهل الخرمة وأهل الغطغط, فقلت: قم يا عبد المحسن, فقام معي فإذا فهد الهُلقمي قد سبقنا فصحت به: لا تركض عن أصحابك حتى لا تتفرقوا . وهو لا يلتفت إليّ, فرمينا القوم ونحن نتراكض, حتّى وصلنا للركائب البوارك, فأطلقت ذلولي, وكانت حرّة تسبق الخيل من طِيبِها وسرعتها, فوضعت شدادي عليها, فإذا هو مكسور فألقيته, وركبت عليها حِرْذَوْنَاً - أي بدون شداد - وانبطحت على ظهرها, وحينما أمسكتُ شَعْفَتَهَا, ووضعت البندقية بيني وبين سنامها, إذ الرّسن قد انفلت من يدي وهي تركض ورسنها يجاريها, فأخذت في تناوله بالبندقية وكانت البندقية من نوع "نيمس" وهي ثقيلة, فارتخت يدي عن شعفتها, فرمتني وبندقيتي بعيداً, وهجّت عني, فرجعت لأصحابي الذين حملوني وهربنا  ) انتهى. 
    بعد ذلك كان الثلاثة يسيرون سويّاً, عبد المحسن بن شاهين وحمود بن صنيتان والحميدي بن مفرح, وتشاوروا في أمرهم فقال عبد المحسن: نذهب لـ"الشبيكيّة" في هجرة الذويبي عند شيخ حرب, أظنّه الملاحي, وسنكتب لعبد العزيز كتاباً نطلبه الأمان, ونرسله مع الطّفل خالد وهو أخ صغير للحميدي, فقال الحميدي: أنا لن أذهب لابن سعود ولكن سأذهب للجنوب, وكان الجنوب حينئذ قوماني, أي: ضدّ الملك عبد العزيز, ولم يُفتح بعد, فقالا: إذن اترك عندنا الطّفل حتّى يذهب بكتابك, ونحن نرسل كتابنا مع مزيد بن زايد آل صقر وسعود بن حمد الهلايمة . فقال: لابأس . ثم ذَهَبُوا لهجرة "أبوسنون" الرّوقي وكان من الإخوان في هجرة "القرارة" شمال عفيف, فمرّوا به, ثمّ ساروا بعد أن أخبروه وجهتهم, وقال الحميدي: سأذهب من جهة "أبرقية" (45) أمّا صاحباه فقالا: سنذهب إلى الشّبيكيّة ومنها أبرقيّة . ولم يعلموا أنّ في المجلس "رَسِيْسَة" (46) من المخبرين فطار الخبر للملك عبد العزيز فقال: أنت يا ابن وبصان: الزم الحميدي, أي أقبض عليه, وأنت يا فلان: الزم محسن وحمود .
    وتفرّقوا من جهة هجرة أبو سنون وتواعدوا أبرقيّة, وذهبوا, وكان معهم مزيد وسعود والصّبيّ خالد, فكتب لهم الشيخ كتابهم وذهب به مزيد وحمود وتركوا الصّبيّ لعدم فائدته في الكلام مع الملك, ولمّا رجع عبد المحسن وحمود ومعهما الصّبيّ, إذ لحقهم أربع ركائب اثنتان على يمينهم ومثلهما عن اليسار مردّفات (47) واقتربوا منهم, فقال حمود: يا عبد المحسن هؤلاء منهم ريبة . فردّ بقوله: لعلّهم من شرائد الإخوان بعد السّبلة . ثمّ اقتربت الرّكائب أكثر, وقال أصحابها: سلام عليكم يا عبد المحسن أَنِخْ الذلول, وانزلوا كيما نسلّم عليكم فنحن إخوانكم . وما إن لامست ركبتا الذّلول الأرض إلا والرُّدَفَاء قد قفزوا على بندقيتيّ عبد المحسن وحمود وهجم البقيّة عليهما وقيّدوهما! .
إذا خانك الأدنى الذي أنت حزبه      فواعجباً إن ســالمتك الأباعد
    فقال عبد المحسن: نحن إخوانكم فاتّقوا الله فينا, فرفضوا إطلاقهم . فقال: خذوني معكم واتركوا حموداً يذهب بالصّبيّ  لأهله, فلم ينفعه الكلام, ثمّ حملوهما إلى شيخهم ابن رازن الروقي أمير هجرتهم, وصادف وجود أحد أقارب الحميدي من جهة والدته عند ذلك الأمير, فعرف خالد وشفع فيه لصغر سنّه أن يعيده لأهله فوافق, ثمّ إنّه أرسل الأسيرين للملك عبد العزيز في "شقراء" وَمِنْ حين نزولهما, أمر العبدَ بضرب عنقيهما، وكانا من خيرة الإخوان.
بكى صاحبي لما رأى الموت فوقنا        مُطِلّاً كإطلال السحاب إذا اكفهر
فقلـت له لا تبـك عينُك إنما         يكون غداً حـسن الثناء لمن صبر
   فوقف عليهما العبد بسيفه فطلبا صلاة ركعتين, فوافق العبد ولمّا سلّم عبد المحسن من صلاته صاح العبد فيه من خلفه: علّب يا عبد المحسن وتشهّد, أي مُدَّ رقبتك للسّيف, ويقال إنّ عبد المحسن قال له: أحسن القتلة يا عبد! فأطار رأسه, فلمّا رآه صاحبه حمود قفز صائحاً من الفزع, فضربه الأولى فوقعت الضّربة في كتفه فخلعته, ثمّ الثّانية الّتي أطارت رأسه فخرّ سابحاً في  دمه, رحمهما الله تعالى وعفا عنهما وعنه.
لاشيء مما ترى تبقى بشـاشته        يبقى الإله ويُودى المالُ والولدُ
    أمّا الحميدي فمع وصوله لأبرقيّة ونزوله عند عِدٍّ من عدود الماء هناك, وبينما هو يُدلي دلوَهُ في الحوض ليسقي إبله, إذ عشر ركائب قد أناخت عليه, وتقافز منها الرّجال وسبقهم رجلٌ عليه عباءة إلى بندقية الحميدي الذي لحقه فتعافرا (48) على مسكها قليلاً قبل أن يصل أصحابه ويوثقوه, وكان مع الحميدي والدته "بدرا" الرّوقية ورجل من أعزّ أصحابه وهو سفر بن محسّن, وكان من العُبَّادِ الأخيار, ويشبّهونه في قيامه للّيل بالوتد, فأخذوا الجميع إلا سفراً تركوه لكنّه ركب معهم, فقال له الحميدي: ياسفر أُنْجُ بنفسك إن كنت تريد النّجاء, والله لو دخلت على عبد العزيز معي ليصيبنّك مايصيبني, فعد لأهلك.
تلمّض السيف من شوق إلى أنس       فالموت يلحض والأقـدار تنتظر
   فلمّا أمسى الليل ونام الركب, ركب ذلوله وسرى للخرمة, فلمّا وصلها سجنه خالد بن لؤي, أمّا الحميدي وآسِروه فقد أصبحوا وأكملوا مسيرهم إلى القدر المحتوم .
أيتها النفس أجملي جزعاً       إنّ الّذي تكرهين قد وقعا
    وكان على طريقهم "عرجا" وقد مرّ بها الأمير عبد الله بن عبد الرحمن أخُو الإمام عبد العزيز, وكان في معيّته عمر بن ربيعان الرّوقي, فقال الحميدي لمرافقه وكان من أقاربه من جهة أمّه من الرّوقة واسمه مطلق: يا مطلق إذا وصلنا تيك النّبوة, فأَنِخْ كأنّك تُصلح مُظَرَّبَ عمّتك وهي والدة الحميدي, فإذا ابتعدنا عنك فسر بها إلى مخيّم الأمير عبد الله بن عبد الرحمن في عرجا, لعلّ الله يفرجها لنا.
وإني لأدعـو الله حتّى كأنما        أرى بجميل الظنّ ماالله صانع
   ففعل مطلق وسار بالمرأة, فلّما وصلا لعرجا نزلت بدرا الرّوقية والدة  الحميدي, ثمّ ندبت عمر بن ربيعان ليشفع لولدها عند عبد الله بن عبدالرحمن, فرفض ولم يلق لها بالاً, فالتفتت في القوم فرأت متعب بن حمد السليّح من الروقة, وكان والدها قد أحسن إليه وإلى والده وشفع فيهما قبل سنين عديدة عند ابن رشيد لمّا أراد قتلهما, فركضت إليه وصاحت به: أذكر معاريف (49) والدي فيك وفي والدك حين شفع لكما عند ابن رشيد, ونهمته وطلبته ورجته, فقام إلى ابن عمه عمر بن ربيعان, وقال: أرجوك يا عمر هذه دموع بدرا مثل الخرز! وأَكْثَرَ عليه الإلحاح, فقام معه عمر وذهبا سوياً إلى الأمير عبد الله الذي قبل شفاعتهما, فشفع في الحميدي عند أخيه الإمام فعفا عنه وأنجاه الله ( فإن مع العسر يسراً ) (الشرح: ٥) وانجلت الغمّة عن الحميدي بعد ما وصلت الروح الحلقوم . فمتّعه الله بالحياة وعمّره, فقد عاش بعد هذه الحادثة أكثر من ثمانين عاماً, ومات وقد جاوز المئة رحمه الله تعالى.
ولربّ نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً      وعند الله منـــها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها       فرجت وكنت أظنها لا تفرج
  إذن فبعد معركة السّبلة, طارد الإمام عبد العزيز كبار الإخوان ورؤوسهم الّذين انشقّوا عليه, وأرسل لبريدة من قبض على بعض الوعّاظ الّذين حرّضوا على التّمرّد, ثمّ تتّبع القادة, أمّا الدّويش فقد أُصيب في المعركة ثمّ مَرَّ به الإمام وهو محمول على نعشه وقد حفّت به نساؤه يبكين ويندبن الإمام في العفو, فرقّ لهنّ وعفا عنه بعد أن كشف عليه الطبيب وأخبره بظنّه أنّه لن يعيش بسبب عمق الجرح في بطنه, لكنّه طاب منها وعاش بعدها زمناً, ولم يستفد من التّجربة الأولى ومن عفوِ الإمام عنه, فإنّه لما شُفي لم يلبث أن خرج على إمامه مرّة أخرى مع الدّهينة وفرحان بن مشهور العنزي ونايف بن حثلين, فعقد الإمام مؤتمراً في "الشعراء" وهو المؤتمر الثالث, وتقرّر فيه عقاب من بقي من المنشقّين, فطاردهم حتّى تمكّن منهم بعد شهرين, فقد سلّمتهم بريطانيا سنة (1349).
   أمّا الأمير سلطان بن بجاد, فإنّه لمّا كان عائداً من السّبلة في ظلام الليل في ثلاثين من أصحابه, أشار عليه بعض من معه, ويقال إنّه محسن بن شاهين أن يمضي للغطغط كي يأخذ السّلاح, ومنها لمكّة المكرمة كي يأخذها عنوة من فيصل بن عبد العزيز – وكان صغير السن إذ ذاك - أو يكمن في حلوق الريعان (50) دون مكة, فأبى ذلك وقال: لا تسيل دماء قومي في الغطغط من بعدي, ودماء الناس الذين معي, ودماء أهل مكة من أجل  هذا! ولكن أَصْعَدُ جبل "ماسل الجمح" - جنوب الدوادمي - وفيه ماء, ومن صعد إليّ يريدني بسوء قتلتُه, ويقال: إنّه بعد أيام أرسل كتاباً للإمام عبد العزيز يطلب مقابلته وتأمينه لمّا سمع بتأمينه للدويش, وقيل: إنّ الإمام أجابه إلى ما طلب, فأزمع الذهاب له . ويقال: بل إنّه ذهب للإمام رأساً قبل أخذه الأمان طمعاً في أن ينال ما نال الدّويش من العفو, وأصرّ عليه كبار قومه بالرّفض لذهابه, فأبى ذلك, وذهب بمجموعة من صفوة خاصّته كعلوش, وأخيه الصغير ضيف الله, وقيل تركي, وابن جعيلان أمير الحفاة أهل ساجر, وعوض العصيمي, في آخرين إلى الإمام عبد العزيز, فحبسهم سبع سنوات في المصمك, قيل: إن الإمام قد أرسلهم بعدها للدّهناء وقتلهم فيها, وقيل بل لقد مات سلطان في سجن الأحساء حتف أنفه عام (1353)  وفي تاريخ محمد المانع (51) بعض التفاصيل في ذلك، والله أعلم.
   ويا ليت إمامهم - إن كان قد صح خبر قتلهم - قد استأنى بهم, واكتفى بسجنهم, ووهب سيئاتهم لعظيم حسناتهم, وخروجهم عليه لعظيم حلمه, ولكن أبى الله سبحانه وبحمده إلاّ إنفاذ قدره الكونيّ المحتوم, لمّا استوفوا آجالهم, واستكملوا أرزاقهم, ولعلّ في هذا مكفرةٌ لسيّئاتهم, ورفعة لدرجاتهم, وحِفْظَاً للأمّة من قرون الفتنة التي كادت تقضي عليها وهي لمّا يشتدّ بعدُ عودُها, ويستوي فلكها, وتعلو أفنانها وفنودُها.
   ولسان حال الإمام:
لئن كنت محتاجاً إلى الحـلم إنّني       إلى الجهل في بعض الأحايين أحوجُ
ولي فرس للحلم بالحلم ملـجم       ولي فرس للجــهل بالجهل مسرجُ
ألا ربّما ضاق الفضـاء بأهـله       وأمــكن من بين الأسـنّة مخرجُ
    كذلك الأمير فيصل الدويش, الذي كان الملك قد عفا عنه, وأذن له بالتداوي في هجرته الأرطاوية, فأذن له ولما شفي عفا عنه, وأكرمه بالأموال, لكن الدويش انقلب عليه وحاربه من جديد من جهة الشمال, ومكرت بريطانيا فدعمته من حيث لا يشعر أنّها الدّاعمة له, وذلك عن طريق عملائها في الكويت والعراق, وكانت نهايته أن قبض عليه الإنجليز لما ضربوه بالطائرات, وقيل: إنّه قد لجأ إليهم ثم خدعوه بتسليمه للإمام عبدالعزيز (52).
   ذهب هو وأبا الكلاب العجمي وابن لامي المطيري إلى "أبي حنيك" وهو الجنرال الإنجليزي "غلوب" حاكم العراق النّصراني, الذي قال لهم: سنحملكم في الطائرة إلى  لندن . ولم يرع الدّويش وأصحابه إلاّ والطائرة تحوم على "خباري وضحا"(53) وكان ذلك سنة (1349) وقد خيّم فيها الإمام عبدالعزيز فسلم الإنجليز هؤلاء الثلاثة للإمام _ إظهاراً لحسن التعاون _ واشترطوا عليه ألّا يقتلهم . فلمّا نزل قال عبد العزيز: ألم تقل إنّك تحاربني من أجل النّصارى فلماذا لجأت إليهم؟ فقال: هارباً منك .  ثمّ إنّ الملك عبد العزيز سجنه سجناً طويلاً مع ابن بجاد الّذي هجره ورفض الكلام معه للجوئه للكفّار. ويقال: إنّه قتله مع من كانوا هناك من مجموعة سلطان بن بجاد, وقيل أرسله ليسجن في الأحساء فمات بعد ستة أشهر والله أعلم .  
وذكر عبد العزيز السناح في كتابه: ( معركة السبلة ) قصة وفاته رحمه الله رواية عن إبراهيم المزيد, فقال: إن الدويش ظلّ يشكو لمدة شهر من ألم بسبب تورم بحنجرته, وفيما كان يتمشى مع ابن حثلين في يوم(3 تشرين الأول) في باحة السجن سقط إلى الأرض, والدم ينزف من فمه بسب انفجار التورم, وظلّ فاقد الوعي حتى المساء, وعندما استعاد وعيه لمدة قصيرة, طلب أن يرى الملك ولكن ابن سعود رفض أن يأتي إليه, وأرسل إليه الدويش تحية الوداع قائلا: إن الحكم الأخير لن يصدر قبل أن يقف كلاهما أمام الخالق, ثم فارق الحياة, فغسل ودفن في الليلة ذاتها _ رحمه الله تعالى _ .
  ومن قرأ التّاريخ وجد فيه نماذج مكرّرة من هذه الأحداث الأليمة .
واقرأ التّاريخ إذ فيه العبر      ضلّ قوم ليس يدرون الخبر
    وهناك شَبَهٌ من وجه, بين فعل الإمام عبد العزيز بهؤلاء عبد المحسن وصاحبه وسلطان وأصحابه وفيصل – على فرض صحة الخبر - وبين فعل معاوية رضي الله عنه مع حجر بن عدي رضي الله عنه وأصحابه لمّا قتلهم, ثمّ عاتبته أمّنَا عائشة رضي الله عنها ومن ضمن ما قالته: أين ذهب حلمك؟ فقال: عزب حلمي حينما ذهب عنّي من قومي أمثالك في الرّأي والنّصح . مع فارقٍ جوهريّ بين الحالين؛ وهو أنّ هؤلاء الّذين قتلهم الإمام عبد العزيز كانوا قوّاداً لجيوشه, ويتبعهم الألوف من قبائلهم, فكان خطرهم أعظم على مملكته, والله المستعان.
   وفي صحيح مسلم عن عرفجة بن شريح رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إنّه سيكون هنّات وهنّات, فمن أراد أن يفرّق أمر هذه الأمّة وهي جميع, فاضربوه بالسّيف كائناً من كان ) وفي لفظ: ( من أتاكم وأمركم واحد يريد أن يشقّ عصاكم أو يفرّق جماعتكم, فاقتلوه ).
   وتأمّل كتاب العلامة محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى ابن بجاد والدّويش: ".....فالذي يطلب الأمور على الكمال, وأن تكون على سيرة الخلفاء, فهذا يطلب محالاً فاسمعوا له وأطيعوا وراعوا حقّه وولايته عليكم واحذروا غرور الشيطان وتسويله وخدعه ومكره, فإنّه متّكئ على شماله يدأب بين الأمّة بإلقاء الشّحناء والعداوة وتفريق الكلمة بين المسلمين (54) عادة له مذ كان .....فوالله ثمّ والله إنّا لا نعلم على وجه الأرض شرقاً ولا غرباً ولا شمالاً ولا جنوباً شخصاً أحقّ وأولى بالإمامة منه, ونعتقد صحّة إمامته وثبوتها ....ولو نعلم أنّ عليه من المثالب شيئاً يوجب مخالفته ومنابذته لكنّا أولى منكم بالنّصح له وتحذيره ومراجعته .....فأفيقوا من سكرتكم وانتبهوا من رقدتكم قبل أن تزلّ قدم بعد ثبوتها, وأقول لكم ماحكاه الله عن مؤمن آل فرعون (فستذكرون ما أقول لكم وأفوّض أمري إلى الله إنّ الله بصير بالعباد ) (غافر: ٤٤) " أهـ . 
   فانظر _ يا رعاك الله _ إلى هذا الكلام المتين, والمقال الرصين, والنّصح النّفيس, من أحد علماء الأمّة الرّاسخين, وانظر سعادة من لزم أمرهم, وعاقبة من ترك لزوم غرزهم, فهم نور الأمّة في الظّلام ودليلها عند التّيه, ولا تخلو الأرض من قائم لله بحجة, وإنّ الفتن كما قيل: إذا أقبلت لم يتبيّنها إلّا العلماء, فإذا وقعت وفتنت عرفها  العامّة . نعوذ بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.
خُذْ مَا تَرَاهُ وَدَع شَيْئَاً سَمِعْـتَ بِهِ      في طَلْعَةِ البَدرِ ما يُغْنِيكَ عَن زُحَلِ
   وممّن كتب لهم كذلك العلّامة سعد بن حمد بن عتيق, والعلّامة عبد الله بن عبد العزيز العنقري, والعلّامة عمر بن محمد بن سليم, والعلّامة محمد بن إبراهيم بن عبد اللّطيف, والعلّامة سليمان بن سحمان, والعلّامة عبد الرحمن بن عبدالّلطيف, وغيرهم من الأجلّاء الأكابر, وانظر كتاب العلماء في البراءة من أفعال هؤلاء, وتكذيبهم في نسبة فعلهم لفتاوى العلماء في الدرر (55) بل قد كفّر بعضُ كبار العلماء في ذلك الوقت وعلى رأسهم العلّامة محمد بن عبدالّلطيف وعلماء العارض أُنَاساً من هؤلاء قد انحازوا إلى أعداء الله وطلبوا الدّخول تحت ولايتهم واستعانوا بهم . (56) وفي هذا تنبيه للأجيال اللّاحقة ألّا يتساهلوا في هذه الأمور الكبار, وأن يكلوها إلى أهلها, وهم العلماء الكبار الرّاسخون, وبحمد الله فجميع من ذُكِرُوا قد عادوا لحوزةِ الإسلام, وحياض السّنة والقرآن, ودولة التّوحيد والإيمان, وَبَسْطُ ذلك في الدّرر السّنية في كتاب حكم المرتد . بل لمّا كتب لهم الإمام عبد العزيز يستفتيهم في قبول توبة من جاءه نادماً, اشترطوا على التّائب شروطاً, منها إظهار النّدم على ما بدر منه, ومنها البراءة ممن دخل تحت ولاية المشركين وحارب المسلمين وتكفيره.
    ومن ركب الحقّ غلب الخلق, ولولا السيف لكثر الحيف, والله المستعان .
ومولىً عصاني واسـتبـد برأيه      كمـا لم يُطَـع بالبقّتين قصـير
فلما رأى غِبَّ أمـري وأمـره       وولّـت بأعـجاز الأمور صدور
تمنىّ بئيساً أن يكون أطـاعـني     وقد حـدثت بعــد الأمور أمور
   وكان ممن دعم فيصلَ الدّويش, عبدُ الله بن الحسين الّذي هزمه الإخوان في تربة, ثمّ أعطته بريطانيا شرق الأردن والذي صار فيما بعد مملكة الأردن, بعدما قطعت فلسطين ليهود, فأخذ يدعم المنشقّين عن الملك عبدالعزيز كابن رفادة في قبيلة "بِلِي" الذي جرّد له عبد العزيز تجريدَةً إخوانية بقيادة الأمير المظفّر خالد بن لؤيّ, حتّى سحق ذلك التمرّد . (57) وابن رفادة كان يتلقّى المساعدات من حكومة يحيى حميد الدين في اليمن كي تُشغل عبد العزيز عن الأدارسة في عسير حتّى يأكلهم "الزيديّ" لقمة سائغة, ولكن الّليث عبد العزيز أكل الجميع . فلم تقف جيوشه إلّا على الحديدة التي ردّها بكلّ كرم لليمنيين بعد أن وافقوا على شروطه . ولمّا بكى "جون فلبي" وَذَرَفَ دموع التّماسيح والنّوائح المستأجرة على تخلّي الإمام عبدالعزيز عن اليمن بهذه السّهولة قال: وما أدراك ما اليمن؟ هذه منطقة لا يحكمها غير أهلها, وقلاقلها وصداعها أشدّ من الخير الّذي نريده منها.
   ولما ردها عليهم بشرطي تسليم الأدارسة وإعطاءه نجران غضب ابنه فيصل - قائد جيوش السعوديين في اليمن - ولوّح بالانتحار إن هو سلمهم ما أرادوه، فقال الإمام بكل هدوء: إن  لي أربعين ابناً سواك، وإن انتحرت فأنت في النار، ولن نقطع عن اليمنيين رزقهم بحرمانهم من مينائهم. رحم الله الجميع. 
   هذا وإن من توضيح الواضحات بيان أن لا علاقة للإخوان بحركة جهيمان وأتباعه وإلحادهم في الحرم في المحرم سنة (1400) وقد بهتهم من نسبهم إليها, فبين الإخوان وهؤلاء مسافة زمنية تجاوزت خمسين سنة, وهؤلاء إنما خرجوا على إمامهم لإنكار منكرات رأوها, ورؤى منامية تلاعب بهم الشيطان بواسطتها, حيث أوحى إليهم أنهم أتباع المهدي(58) نعوذ بالله من الضلال, وليس بينهم وبين الإخوان جامع سوى الانتساب للسلفية التي تبرأ إلى الله من كل ما نسب إليها من مخالفات عقدية أو منهجية أو علمية أو عملية, وما أكثر أدعياء وصل ليلى!. 

                                                                                                  
                                                         ........يتبع
إبراهيم الدميجي
٢٣ / ١ / ١٤٣٣
aldumaiji@
...........................................................................
(1) ومن ذلك "الأتيال" وهي البرقيات, وقد توقف في إباحتها بعض الأكابر من أهل العلم في بدء الأمر, وتريثوا في ذلك, دفعاً لشرور مصاحبة لها, وسدّاً لذريعة فساد يخافون فتحها على الأمة, وليس كما قال بعضهم متنقصاً هؤلاء الجهابذة؛ بأن عقولهم لا ترتقي لمستوى الحضارة المدنية, وأن فهومهم لا تصل للاستفادة مما سخره الله للناس لعمارة الأرض, وأنّهم إذا رأوا من ذلك شيئاً أحالوه على الشعوذة والسحر!.
    وهذه نماذج من رسائلهم للإمام رحم الله الجميع: (من محمد بن عبد اللطيف وإخوانه إلى عبدالعزيز......وأما وضع البرقيات في الرياض وغيره من قرى نجد, والحال ما قد شرحناه لك سابقاً فيما يترتب على ذلك, فلا نراه جائزاً, ولا نفتي به, نبرأ إلى الله ورسوله من الإفتاء بشيء يترتب عليه من المفاسد ما قدّمناه إلى جنابك من التبيان ما نعتذر به عند الله ) (لسراة الليل: 273)  وقد علّق المؤلف عليها بقوله: ( الشيخ محمد بن عبداللطيف من أكبر علماء آل الشيخ, رحمه الله, هذه رسالة منه ومن إخوانه, أهم ما فيها كما يرى القارئ: تحريم استعمال اللاسلكي في المملكة,  تبرؤا منها وأفتوا ضد استعمالها, ومن جهل شيئاً عابه......هذه الاجتهادات التي لو عاقت الملك عبدالعزيز, وتراجع إلى التقزّم في هذه الصحراء؛ لأضاع على بلده وشعبه هذا التطوّر....) .  
   قلت: لم يوفق المعلّق للصواب في تعليقه هذا _عفا الله عنه_ لأن العلماء في هذه الفتوى لم يحرّموا اللاسلكي لذاته, بل قالوا: ( فيما يترتب على ذلك ) ومعلوم ما يترتب على ذلك من المفاسد فيما لو  جوّزوا استقدام واستعمال ذلك الجهاز, من جلب النصارى للرياض, وما يترتب على تلك المفسدة من مفاسد أُخَر؛ آنيّة ومستقبلية, منها أنّه سبب في حصول المشقّة على الرعية منه, من تضجّرهم الشديد, وأنّه سبب في طعنهم في علمائهم وولاتهم...كما بينوها مفصّلة, فلعلهم رأوا أن الوقت غير مناسب خاصة مع مرورهم بمنعطف تاريخي خطِر من بوادر التململ الإخواني من رؤية عباد الصليب يسرحون في جنبات بلاد التوحيد، وانظر الوثائق :(لسراة الليل: 309, 367) فهم قد منعوه سدّاً لذريعة رأوها, وليس لتوقفهم في تحريم جهاز عصري! وشاهد ذلك ما نقله عنهم في مؤلّفه . لذلك فلا ينبغي التشنيع عليهم ورميهم بالجهل أو التحجر أو الرجعية, فهم يحاولون درء مفاسد كبرى عن الأمة, ومن الأصول أن المفسدة الكبرى تدرأ ولو باحتمال الصغرى.
   شاهد المقال: أن قضية إسقاط هيبة العلماء, أو التنقص من علومهم وفقههم ورأيهم وسياستهم للناس؛ قضية خطيرة, تفرح العدو وتشمته, وتحزن الصديق وتؤلمه, ويتسلّق منها المنافقون سلالم القمم؛ ليهدموا هيبة الدين بإسقاط هيبة حملته وأمنائه من صدور العامّة, والله المستعان .
(2) الافتئات: ويقال: افتيات, هو التصرف في حق الغير دون الرجوع إليه .
(3) ابن شريدة: من رجالات بريدة وتجارها المشهورين, اعتدى على قافلته بعض الإخوان, وقتلوا بعض أفرادها ونهبوها! _وكالعادة فقد نُفِخَ في بوق عدائهم _ فقيل: إنهم قد فعلوا وفعلوا وثلغوا رؤوسهم بالفاروع!...ونحو هذا الغثاء . وعلى كلٍّ فهذا التصرّف بحد ذاته شنيع, من أولئك الأفراد, لا يوافقون عليه, لا هم ولا غيرهم.
(4) في زمن محمد العبدالله الرشيد جهز جيشاً عظيماً لغزو قبيلة "بلي" وكان من ضمن الذين غزوا معه صطام بن شعلان, وابن عمه النوري, فكان الأول يتأمل الكتائب عن يمينه وشماله _ لا يدرك الطرف آخرها _ فقال لابن عمه: ( هذه القالة وش يفلّها؟ ) أي هذه القوّة ما الذي يكسرها؟ فقال: يفلّها بطنها إذا جاها الدبور! (أي يقصمها أبناؤها إذا هبت عليها ريح الافتراق والشقاق). ( النجم اللامع: 144) لذا فسوس الثورات هو ما يهدمها, لأنه من داخلها, وكل شيء له ضدّ من جنسه, يكون أعلم بمكامن ضعفه؛ فإن سُلّط عليه عدوٌّ من جنسه _ خاصّة إن كان من رفقاء دربه_ فهي قاصمة ظهره, وقديماً قيل:
احــــذر عدوّك مرّة        واحذر صديقك ألف مرّة
فربما انقــلب الصديق         فصــار أدرى بالمضرة
(5) والشيخ عبد الله بن بليهد هو صاحب المشورة المشهورة للإمام, حينما استشاره في الإخوان الذين حاربوا في الشمال بدون إذنه, فأشار عليه بإطلاق يد الإخوان في الشام, وشبّههم الشّيخ بالبارود الذي قد ملأ البندقيّة فإن سدّ فمها ثار من خلفها . وكانت هذه امنية الشيخ محمد جلال كشك في سِفره النفيس(السعوديون والحل الإسلامي) فكان يرى أن المد الإخواني لو وصل إلى مصر والشام والعراق لتغيّر وجه التاريخ،  والعلم عند الله، ثم اعتذر عن الإمام بأعذار وجيهة.
(6)  متفق عليه من حديث عبادة, رضي الله عنه .
(7) رواه مسلم عن عوف بن مالك, رضي الله عنه .
(8) رواه الإمام مسلم عن حذيفة, رضي الله عنه .
(9) رواه البخاري من حديث ابن مسعود, رضي الله عنه .
(10) رواه مسلم من حديث أنس رضي الله عنه .
(11) لعلّها: أُعْطِيَ .
(12) الدرر ( 8/ 378 ).
(13) شرح السنة لللإمام البربهاري (108) حيث نسبها للفضيل ونسبها له وللإمام أحمد شيخ الإسلام (28/391) .
(14) مجموع الفتاوى (12/466) .
(15) رواه أحمد وحسنه الألباني .
(16) متفق عليه
(17) قلت: ومن أجلّ العبادات؛ القتال في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
(18) متفق عليه .
(19) قال شيخ الإسلام ومفتي الأنام تَقِيُّ الدِّينِ أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّة رحمه الله:
    "إِنَّ الْمَشْرُوعَ الْمَأْمُورَ بِهِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الِاقْتِصَادُ فِي الْعِبَادَةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: َ"علَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا" قَال" إنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ َأحٌد إلَّا غَلَبَهُ فَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا" وكلاهُمَا فِي الصَّحِيحِ. وَقَالَ أبي بْنُ كَعْْب : اقتِصَادٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ اجْتِهَادٍ فِي بِدْعَة . فمَتَى كانت الْعِبَادَةُ تُوجِبُ لَهُ ضَرَرًا يَمْنَعُهُ عَنْ فِعْلِ وَاجِبٍ أَنْفَعَ لَهُ مِنْهَا؛كَانَتْ مُحَرَّمَةً مِثْلُ أَنْ يَصُومَ صَوْمًا يُضْعِفُهُ عَنْ الْكَسْبِ الْوَاجِبِ أَوْ يَمْنَعُهُ عَنْ الْعَقْلِ أَوْ الْفَهْمِ الْوَاجِبِ . أَوْ يَمْنَعُهُ عَنْ الْجِهَادِ الْوَاجِبِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ تُوقِعُهُ فِي مَحَلٍّ مُحَرَّمٍ لَا يُقَاوِمُ مَفْسَدَتَهُ مُصْلِحَتُهَا, مِثْلُ أَنْ يُخْرِجَ مَالَهُ كُلَّهُ ثُمَّ يَسْتَشْرِفُ إلَى أَمْوَالِ النَّاسِ وَيَسْأَلُهُمْ . وَأَمَّا إنْ أَضْعَفَتْهُ عَمَّا هُوَ أَصْلَحُ مِنْهَا وَأَوْقَعَتْهُ فِي مَكْرُوهَاتٍ فَإِنَّهَا مَكْرُوهَة ).
مجموع الفتاوى  (25 / 272-273).
   وقال رحمه الله: ( وَأَفْضَلُ الْجِهَادِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مَا كَانَ أَطْوَعَ لِلرَّبِّ، وَأَنْفَعَ لِلْعَبْدِ، فَإِذَا كَانَ يَضُرُّهُ وَيَمْنَعُهُ مِمَّا هُوَ أَنْفَعُ مِنْهُ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صَالِحًا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح: أنَّ رِجَالًا قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا  أَنَا فَأَصُومُ لَا أُفْطِرُ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ لَا أَنَامُ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ  الْآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا بَالُ رِجَالٍ يَقُولُ أَحَدُهُمْ كَيْتَ وَكَيْتَ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَآكُلُ اللَّحْمَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنّي " فبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الزُّهْدِ الْفَاسِدِ، وَالْعِبَادَةِ الْفَاسِدَةِ لَيْسَتْ مِنْ سُنَّتِهِ، فَمَنْ رَغِبَ فِيهَا عَنْ سُنَّتِهِ فَرَآهَا خَيْرًا مِنْ سُنَّتِهِ فَلَيْسَ مِنْه.
    وَقَدْ قَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ:"عَلَيْكُمْ بِالسَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ عَبْدٍ عَلَى السَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَاقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، إلَّا تَحَاتَتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ، كَمَا يَتَحَاتُّ الْوَرَقُ الْيَابِسُ عَنْ الشَّجَرِ، وَمَا مِنْ عَبْدٍ عَلَى السَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ إلَّا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ أَبَدًا، وَإِنْ اقْتِصَادًا فِي سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ اجْتِهَادٍ فِي خِلَافِ سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ، فَاحْرِصُوا أَنْ تَكُونَ أَعْمَالُكُمْ إنْ كَانَتْ اجْتِهَادًا أَو اقْتِصَادًا عَلَى مِنْهَاجِ الْأَنْبِيَاءِ وَسُنَّتِهِمْ". وَكَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُود: اقتِصَادٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ اجْتِهَادٍ فِي بِدْعَة".
 الفتاوى الكبرى: (2/138).
(20) قال عبدالملك بن مروان وهو على المنبر:" ألا تنصفوننا يامعشر الرعيّة! تريدون منّا سيرة أبي بكر وعمر, ولم تسيروا في أنفسكم ولا فينا سيرة رعيّة أبي بكر وعمر! نسأل الله أن يعين كلّا على كلّ" .
( البيان والتبيين للجاحظ: 162) .
(21): ( 2 | 625 ) وانظر كذلك: ( 2|741 ) .
(22) كان عبدالله بن عبداللطيف عام: (1318) هو مفتي الرياض وعمدتها ويصدر الناس عن رأيه, وكانت ذلك الوقت في يد عبدالعزيز الرشيد ويحكمها نائب له, ولمّا جاء ابن صباح بجموعه لغزو القصيم أتباع ابن رشيد ومع ابن صباح الإمام عبدالرحمن الفيصل وابنه عبدالعزيز, فطلب ابن صباح من عبدالعزيز أن يذهب ببعض جنوده فيأخذوا الرياض, فذهب ودخلها وحاصر القصر الذي تحصّن فيه أمير الرياض, ثم إن عبدالعزيز طلب من شيخ الرياض وقاضيها الشيخ عبدالله بن عبداللطيف أن يبايعه, فرفض, وقال: في عنقي بيعه لعبدالعزيز بن رشيد, ولا أبايعك وهو حي, ثم عمد إلى القصر فدخله معهم وتحصن فيه معهم عن جند عبدالعزيز . ولمّا دخل الملك عبدالعزيز الرياض فيما بعد حفظ للشيخ عبدالله جلالته وقدره, لعلمه بأنّه وقّاف عند حدود الله, وأنّه صاحب مبدأ، ولا يطير مع من غلب .
(23) بوّب البخاري رحمه في كتاب الجهاد من صحيحه: ( باب: يُقاتل من وراء الإمام ويتّقى به ) وساق حديث أبي هريرة رضي الله عنه, أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من أطاعني فقد أطاع الله, ومن عصاني فقد عصى الله, ومن أطاع الأمير فقد أطاعني, ومن عصى الأمير فقد عصاني, وإنما الإمام جنّة, يُقاتل مِن ورائه ويُتقى به ) .
(24) بهذا التصوّر المنتحل الموهوم عن العلماء استفرد الشيطان بالجهلة من العبّاد على طول الأزمنة, ومختلف الأماكن . ولا نعلم فرقة انشقت على الأمة تحت أي ذريعة إلا بعد تجاوزها لمرجعية  العلماء وافتئات دفة السفينة من أيديهم ....ألم يقل السلف: إن العالم الواحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد ؟! لأن العابد سهل اقتياده عبر أقرب طريق وبأقصر حبل, أما العالم فكالنجم الذي سما عن الشيطان بنور معرفته, وصار نجماً للعامّة يهتدون به . فالشيطان لا يطيق العالم؛ فهو يغزو مصره, ويهدم قصره, ويهتك ستره, خاصة إن سلّم الله العالم من حب الدنيا والتهالك على حطامها, والخوف من الله وحده وتقديم مرضاته دون سواه، لا من السلطان ولا من العامة، فهو لعمر الله خليفة النبي صلى الله عليه وسلم, ووارث تركته, وحارس ملته.
    وفي المسند عن أنس رضي الله عنه: (إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم للسماء يهتدى بها في ظلمات البر والبحر, فإذا طُمست النجوم أوشك أن تضلّ الهداة ) وعلّق على ذلك ابن رجب رحمه الله  بما ملخصه: وهذا مَثَلٌ في غاية المطابقة, فالعلم بالله وبدينه لا يُدرك بالمحسوسات بل بالدليل, والعلماء هم الأدلّاء, فإذا فُقدوا ضلّ السالك . ووصفُ العلماء بالنجوم, والنجوم لها ثلاث فوائد؛ يُهتدى بها في الظلمات, ورجوماً للشياطين, وزينة للسماء . والعلماء تجتمع فيهم هذه الأوصاف الثلاث, فهم هداة, وزينة, ورجوم للشياطين الذين يلبّسون على الناس دينهم.
    وبقاء العلم ببقاء حملته ففي الحديث المتفق على صحته, قال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب الرجال, ولكن بقبض العلماء, حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم, فضلّوا وأضلّوا ).
(25) وتأمل مرارة هذا الخطاب, وادع معي لأولئك الأخيار الذين محضوا إخوانهم النصح, ورفقوا بهم, وصبروا, فجزاهم الله خير ما جزى عالماً عن أمته, وداعياً عن دعوته: من الشيخ عمر بن محمد بن سليم للملك عبدالعزيز يذكر ضجره من أهل الأرطاوية, لمّا بعثه الإمام مع الشيخ عبدالله العنقري لنصحهم عام: (1345): (.......المؤمل من جنابكم المسامحة من جهة الأرطاوية, ولا ظنيت يجي من جنابكم إلزام بالمراح لهم_ أي الذهاب إليهم_ بعد ما مضى, وأيضاً مقامي عندهم لا يحصل به انتفاع لهم في طلب العلم والرغبة فيه, ولا حسن أدب, والأمر شاق علي غاية....) ( لسراة الليل: 338).
     وتعمّق في مغزى عبارة الشيخ في بيان معاملته, وكيف وصل بهم الحال معه, وهو الحليم رحمه الله: (ولا حسن أدب) فوا أسفاه والمشتكى إلى الله, من عدم توقير العلماء ومن نقص الأدب معهم, وجهل أقدارهم!.
    وقبله قد أرسل الشيخ عبدالله العنقري للملك عبدالعزيز: (.....وأما البدو؛-أي: الجهلة الجفاة الذين ذهب إليهم ولم يقصد العموم - فلا عندي أبغض منهم ومخالطتهم! ولا لينّا الجانب لهم هالسنة وصبرنا على غثاهم إلا لأجل ما نشوف_ أي: نرى_ من مصالحهم للولاة....) في: (1344) (المصدر السابق: 327 ).
    وذاك أحد زعماء القبائل يرسل إلى هذا الشيخ الجليل ( العلّامة ) عبدالله العنقري, فيفتتح رسالته: (إلى جناب الشيخ المكرم عبدالله العنقري, سلّمه المنان, وأعاذنا وإياه من نزغات الشيطان! ) أفبهذا التعريض يواجه العلم وأهله, عائذا بالله من التعالم والتطاول!.
   قال علي رضي الله عنه: محبة العالِم دين يدان بها . 
   وقال ابن المبارك رحمه الله تعالى: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منّا إلى كثير العلم .
   وقال سفيان بن عيينة رحمه الله: أعظم الناس منزلة من كان بين الله وبين خلقه, وهم الأنبياء والعلماء.
   وقد أزرى بعض المعاصرين بعلماء الأمة فأسقطوا علماء الدعوة النجدية، ثم أتبعوهم بابن قيم الجوزية، ثم ألحقوهم إمام السنة المحمدية أحمد بن حنبل، ثم دخلوا حياض التابعين فأسقطوا الحسن البصري، وما زال بهم كَلَبُ الشيطان يستجريهم حتى طعنوا في فقه ومنهج ابن عمر رضي الله عنهما، عائذاً بربي من مضلات الفتن.
(26) السبلة: هي قاعٌ وروضةٌ بقرب الزلفي .قامت على ثراها معركة باسمها بين الملك عبدالعزيز والمنشقين عنه من الإخوان, وانتهت بانتصار حاسم للملك, في شوال عام: (1347) .
(27) قال الأستاذ التويجري: ( وافق الإخوان على تحكيم العلماء, فنصب الخيمة بينهم, وجاء العلماء ومنهم الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري, والشيخ عبدالعزيز الشثري, ونصبت لهم خيمة بين المعسكرين؛ فذهبوا إليها, وجلسوا فيها, ينتظرون, إلّا أنّ الإخوان اختلفوا على التحكيم فلم يحضروا الاجتماع بالمشايخ وبالملك عبدالعزيز! ) (لسراة الليل: 209).
(28) عبارته: ( ما عند عبدالعزيز غير حضر وطبابيخ يرقدون على الدواشق! ) .
    قال الإمام مالك رحمه الله: إن قوماً ابتغوا العبادة وأضاعوا العلم، فخرجوا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأسيافهم، ولو اتّبعوا العلم لحجزهم عن ذلك.
(29) قال الإمام الشافعي رحمة الله تعالى عليه:
فما شئتَ كان وإن لم أشـأ      وما شئتُ إن لم تشـأ لم يكن
خلقت العباد على ما علمتَ      ففي العلم يجري الفتى والمسن
على ذا مننتَ وهذا خـذلتَ     وهذا أعـنتَ وذا لم تعــن
فمنهم شقي ومنهم سعـيد     ومنهـم قبيح ومنهم حـسن
(30) ولمّا قابل ضيدان بن حثلين شيخ العجمان, خالد بن لؤي في قصر عبد الله بن عبد الرحمن آل سعود أخو الملك, في قسم ضيافة خالد أخذ خالد في نصحه, وألاّ ينساق مع من خرج على عبد العزيز وممّا قال له: قد كنّا في الجهل يغير بعضنا على بعض وينهب بعضنا بعضاً , فلمّا أنعم الله علينا بالاجتماع خرج علينا من يريد الفرقة بيننا! .
(31) للأهمية البالغة ينظر كلام شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٤ / ٤٣٤ - ٤٥٢) ومنهاج السنة النبوية (١ / ٥٣٩ - ٥٤٦ ) (٤ / ٣١٩ - ٣٢٠ ) (٤ / ٤١٩ - ٤٢٦) (٤ / ٤٤٩، ٤٥٦، ٥٠١ -وما بعدها) (٤ / ٤٠٩، ٥٣٨، ٥٤٣، ٥٤٨) (٥ / ١٤٩ - ١٥٥) (٨ / ٢٣٢ وما بعدها) طبعة جامعة الإمام بتحقيق محمد رشاد سالم رحمه الله. 
(32) قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "وكثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغير كثير من أحوال الإسلام، جزع وكَلّ وناح كما ينوح أهل المصائب، وهو منهي عن هذا، بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى، وأن ما يصيبه فهو بذنوبه فليصبر، إن وعد الله حق، وليستغفر لذنبه، وليسبح بالعشي والإبكار" مجموع الفتاوى (٥ / ٢٩٥ ). 
(33) يتلقّفهم: أي: يتصيدهم .
(34) تصغير عبدالعزيز،  وهذا جارٍ على ألسنة الكثير في تصغير المسميات المعبدة لله وأسمائه، وفي إباحتها نظر إجلالاً للأسماء الحسنى، والأولى تركها والاكتفاء بتصغير العبد كعبيد الله أو عبيد الرحمن أو عبيد العزيز وهكذا، وغرضهم من ذلك تدليل الأطفال  في صغرهم لكنها تلازمهم في كبرهم.
(35) أقفى: إذا جعله تلقاء قفاه؛ أي أدبر .
(36) مثناة الشيء: وسطه ومنتصفه, والمراد أنّ الملتقى وسط قاع السّبلة .
(37) يقال: إن عدد العلماء الذين معه للحكم بين الخصمين؛ اثني عشر عالماً .
(38) كذا, وتلك شِكاة ظاهر عنك عارها . ولكن:
يُقضـى على المرء في أيام محنته      حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
نعوذ بالله من أن نرى الحق باطلاً والباطل حقاً, وتلك لعمر الله الرزية والخذلان, عياذاً بالله منها .
(39) وحتى لو كانوا كفاراً, ففي سنن أبي داود بسند صحيح من حديث أبي بكرة مرفوعاً: ( من قتل معاهداً في غير كنهه حرم الله عليه الجنة ) فكيف والقتلى مسلمون حنفاء! .
(40) الجبوب: ما ارتفع من الرّمال الصّلبة العَزَاز, ويسمى: حَزْماً .
(41) أي قدر رمية الغَرَض.
(42) الهَيْجُ: هو الرصاص الكثيف المتوارد المجتمع .
(43) العُربان: الرجال الكثيرون, والغالب أن يكونوا من قبائل مختلفة .
(44) القوم: عند العامّة معناها: الأعداء المحاربون . وفلان قوماني: أي عدو محارب .
(45) أبرقيّة: قرية شمال عفيف بنحو عشرين كيلاً بين مطير والرّوقة .
(46) الرَّسِيْسَةُ: الجاسوس .
(47) مردّفات: أي كل مطيّة عليها اثنان من القنّاصة
(48) المعافرة عند العامّة هي: المصارعة, ولعلّ لها أصل في العربية من التعفير, وهو عرك الوجه بالتراب, وإلصاق الجنب به، والعفر هو التراب والمراد: أي يلصق جنب خصمه في التراب .
(49) وقديماً قال الحكماء: ما ترك الوالد لولده من بعده خيراً من أيادي معروف في أعناق الكرام .
وقال المهلب بن أبي صفرة: عجبت لمن يشتري المماليك بماله, ولا يشتري الأحرار بمعروفه!.
(50) حلوق الريعان: أي مضائق الأودية والشعاب .
(51): ( ص: 152 ).
(52) قال التويجري رحمه الله: (....اذكر أنني زرت "غلوب باشا" خارج لندن قبل وفاته بخمس سنوات, فسألته من خلال الحديث عن بعض مشائخ القبائل, فتحامل على فيصل الدويش بالذات في إجابته, فقلت: إنّ تحاملك هذا يذكّرني بما يقال: إنّكم الإنجليز استدرجتموه بواسطة بعض جماعتكم  من العرب وزينتم له الخروج على الملك عبد العزيز مرّة ثانية, لأن لكم ثارات عنده!! فنظر إلي ولم يعلّق بشيء ) (لسراة الليل: 223) .
    وغلوب باشا أو أبو حنيك كما كان الإخوان يسمونه يؤثر عنه محبة العرب, والثناء على شيمهم لدرجة أن أسمى ابنه بأسمائهم وهو: "فارس" ويذكرون عنه أنّه قد هرّب أحد زعماءهم بعد أن كان في الحبس, فسرّبه في جنح الليل لأهله . أما مكره بهم فهو يتبع دولته ومصلحتها . وقد كانت مرتبته أعلى بكثير من مرتبة لورنس العرب المشهور .
(53) خباري وضحا: واقعة شرق حفر الباطن بالقرب من الكويت .
(54) قلت: وليت كلّ من تسوّل له نفسه الخروج على وليّه وحاكمه, يقرأ بتدبر التاريخ المأساوي الدموي لمن خرجوا على ولاتهم, سواء بحق أو بغير حق, كالشهيد بن الشهيد الحسين بن علي رضي الله عنهما وكأهل الحرّة, وكالنفس الزكية, وكالقراء أصحاب ابن الأشعث....إلى هذا الزمن في كثير من الفتن في بلاد الإسلام, كما فعله حزب الإخوان في سوريا, أو بعض أعضاء حركة الإنقاذ في الجزائر, أو التفجيرات والاغتيالات من أندنوسيا حتى المغرب مروراً بباكستان والعراق والسعودية ومصر ...وغيرها من جسد الأمة الدامي في كثير من الفتوق في جراح أهل الإسلام, والدم لا يُغسل بالدم, والسيف إذا وقع عمّ البريء والمذنب, والشبه خطافة والقلوب ضعيفة....والله المستعان .
    والجدير بالذكر أن الأمة كان فيها نوع اختلاف في هذه المسألة, لخفاء بعض دلالة أو أدلة هذه المعضلة عن بعضهم, فلمّا ظهر خطر الخروج, خاصّة بعد فتنة القرّاء الذين خرجوا على بني أمية زمن الحجّاج, وخطورة سفك الدماء المعصومة, وإهراقها في سبيل إقامة حكم بمواصفات معيّنة؛ صدع العلماء بحرمتها وصاحوا في الناس من كلّ جانب: أن لا تنكروا بالسلاح ولكن بالنصح والدعاء, وفي أحد الأيام قال مسلم بن يسار رحمه الله: الحمد لله إذ لم أسفك في هذه الفتنة دماً. ولم أرم فيها بسهم . _ وكان قد خرج مع ابن الأشعث على بني أميه وكان يقف تحت رايتهم فقط _ فقيل له: فما تقول في رجل شاهدك تحت راية فلان, فظنّ أنّه على الحق, لما يرى من وقوفك هناك فأقبل على القتال حتى قَتَل أو قُتِل؟! فوضع مسلم رحمه الله وجهه بين كفيه وبكى واشتد بكاؤه حتى رحمه من عنده . وتمنى الرجل أن لو كان قد سكت, فالله المستعان, ونعوذ به من الفتن ما ظهر منها وما بطن . واستقرّ أمر أهل السنّة والجماعة على تحريم الخروج على ولي الأمر إلّا بعد تأكد كفره البواح, وغلبة الظن بتغييره بدون سفك دماء, والمنكر لا يُداوى بأعظم منه, ونفوس المسلمين غالية, ولله الأمر من قبل ومن بعد.
    ولنصر بن سيار:
أرى خلل الرماد وميض نار      وأخشى أن يكون لها ضرام
إذا لم يطفها عقـلاء قومي        يكون وقودها جثث وهام
فإن النار بالعـودين تُذكى       وإن الحــرب أولها كلام
(55) الدرر السنية ( 9 |183 ).
(56) المرجع السابق (9|209 ).
(57) قال يوسف بن صالح العبيسي رحمه الله: في عام: (1351) بعد أن استتب الأمن وتفرّق الإخوان في البوادي والقرى؛ خرج على الملك عبدالعزيز رجل يقال له: ابن رفاده, بدعم من البيه الذي في الأردن, فأقلق الملك عبدالعزيز شأنه آنذاك, وكان الملك في الطائف . فأرسل ست سيارات كبار, وسيارة صغيرة للأمير خالد, وكتب له كتاباً فيه: خالد يابوي, خالد ياخوي, خالد ياولدي, إملأ السيارات رياجيل, ولا تتأخر فالأمر خطير! . وفعلاً قام الأمير بالواجب, وامتثل أهل الخرمة للأمر, وامتلأت جميع السيارات بالرجال المسلّحين, وركب الأمير خالد في السيارة الصغيرة الخاصة به, ولمّا وصلوا الطائف إذ الأمر قد انتهى (وكفى الله المؤمنين القتال ) (الأحزاب: ٢٥) فأعجب الملك عبدالعزيز بسرعة نجدتهم, فأثنى عليهم ودعا لهم بخير, وأمر لهم بعطية, ثم عادوا لبلادهم مشكورين مأجورين إن شاء الله . قلت: والمشهور أنهم من قاتل ابن رفاده وكسروه، فلعل نداءه لهم حادثة أخرى، والعلم عند الله تعالى.
 (58) روى أبو نعيم رحمه الله في الحلية عن حفص بن غياث رحمه الله تعالى قال: قلت لسفيان الثوري: يا أبا عبدالله إن الناس قد أكثروا في المهدي, فما تقول فيه؟ فقال: "إن مرّ على بابك فلا تكن منه في شيء حتى يجتمع الناس عليه".

هناك تعليقان (2):

  1. السلام عليكم أخي الكريم من أي مصدر هذه المعلومة؟

    جاء عبد المحسن بن شاهين الشّريف إلى الإمام عبد العزيز, وقال: أنا رسول من خلفي من الإخوان وقد نقمنا عليك ثلاثاً فأحسن فيهن العمل . قال: وما هن؟ قال: الأولى: أن لا يخالط الكفّار المسلمين.
    والثّانية: الرّافضة في المنطقة الشرقية ليسوا بمسلمين, ولم تؤخذ منهم الجزية! فإمّا الإسلام أو السّيف .
    والثّالثة: أن لا يتوقّف الجهاد .
    وكان بجانب الإمام عبد العزيز الشيخ سعد بن حمد بن عتيق, فالتفت إليه الإمام وقال: ما تقول فيما قال؟ فقال: أشهد أن ما قاله حقٌّ, ثلاثاً .

    ردحذف
    الردود
    1. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
      على الرحب يا محب..
      المصدر الشيخ محمد بن الحسين الشنبري رحمه الله

      حذف