إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأربعاء، 22 فبراير، 2012

(2/2)"مَسِيرَةُ التَّوحِيدِ فِي الدِّيَانَةِ النّصْرَانِيِّةِ"

"مَسِيرَةُ التَّوحِيدِ فِي الدِّيَانَةِ النّصْرَانِيِّةِ"
(2/2)
الحمد لله رب العالمين, وخالق السماوات والأرَضِين, مالك الدنيا والآخرة والدين, وإله الأولين والآخرين, وإليه ترجع أمور العالمين, ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة, سبحانه وبحمده ولا إله إلا هو, وصلى الله وسلم وبارك على خيرته من خلقه, عبده ورسوله محمد وعلى روحه وكلمته المسيح عيسى وعلى إخوتهما الأنبياء ومن تبعهم بإحسان, وبعد:
فهذا هو الجزء الثاني من مسيرة التوحيد في الديانة المسيحية المبدلة (النصرانية) بعد الجزء الأول الذي تناول الطوائف الموحدة داخل إطار النصرانية, فأقول وبالله أصول وأجول وأحاول:
"الكُتُبُ التَّوْحِيدِيَّةِ"
هناك شواهد صارخة واضحة جلية للتوحيد في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد(البيبل) وهي معدودة من المسلمات لدى اللاهوتيين المستقلّين, وبخاصة العهد القديم, ومن ذلك:
"العهدُ القديم"
«أنا الله ولا يوجد إلـٰه آخر» (إشعيا 45: 33).
«اسمع يا إسرائيل الربُّ إلهنا ربُّ واحد» (التثنية 6: 4).
«إنك قد أريت لتعلم أن الرب هو الإله ليس آخر سواه» (التثنية 4: 35).
«ليعلم كل شعوب الأرض أن الرب هو الله وليس آخر» (الملوك 8: 60).
«أنا الرب وليس آخر لا إلـٰه سواي» (إشعيا 45: 33).
"العهدُ الجديد"
«قال له يسوع: اذهب يا شيطان لأنه مكتوب للرب إلـٰهك تسجد وإياه وحده تعبد» (متى 4: 7).
«أيةُ وصيَّة هي أول الكل فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد... فقال له الكاتب: جيدًا يا معلم بالحق قلت لأنه الله واحد وليس آخر سواه» (مرقس 12: 28- 32).
«وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته» (يوحنا 17: 3).
«قال لهم يسوع لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم، ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله» (يوحنا 8: 39- 40).
وهاهنا بعض الإشارات إلى بعض الكتب التوحيدية من داخل الديانة النصرانية:
1ــ مخطوطات نجع حمادي(1):
في عام (1945م) وبالقرب من قرية نجع حمادي(2) اكتشف القروي أحمد السمّان الذي كان يبحث عن سماد لحقله جرة خزفية فقام بكسرها فوجد فيها مخطوطات قديمة عُرفت لاحقًا بمخطوطات نجع حمادي(3)، وهي تحتوي أناجيل وكتابات غنوصية. وقد أخفى هذا القروي المخطوطات، ولم تعلم بها السلطات إلا بعد عدة أعوام حينما طرحت للبيع في سوق الأنتيكة في القاهرة، فاشترت مصلحة الآثار أحد المجلدات من ذلك السوق، وتم حفظه في المتحف القبطي مع عدم درايتهم بأهميته الحقيقية؛ لعدم وجود خبراء متـخصصين لفحصها.
وقد سنحت الفرصة حينما قدم الفرنسي جين دوريس، وهو من المتـخصصين في المصريات القديمة وزار المتحف المصري، وفحص المخطوط، ثم قال: «إن هذا المخطوط يؤدي إلى تغيير كل ما هو معروف عن أصل الحركة المسيحية!» ومن ثم قامت السلطات بحيازة باقي المجلدات بالشراء أو المصادرة حتى وصل العدد في النهاية إلى (13) مجلدًا تحتوي على (52) نصًا، وتم حفظها في المتحف المذكور، فاكتملت النسخ عدا جزء كبير من المجلد (13) ويحوي خمسة نصوص، وكان التجار قد هرّبوه للبيع في أمريكا، حيث اشتراه جايلز جمسبيل أستاذ تاريخ الديانات بجامعة أوتريش الهولندية لحساب مؤسسة خيرية سويسرية(4)، وبعد إطلاعه عليه تبين له وجود أجزاء ناقصة، فسافر إلى القاهرة واطّلع وحمّل صورًا فوتوغرافية للمخطوطات، وعاد للفندق لقراءتها، وكانت المفاجأة التي ألجمته حينما وجد في مقدمتها: «هذه هي الكلمات السرية التي قالها يسوع الحي، ودوّنها ديدموس جوداس توماس»(5).
وكان قد تم العثور قبل ذلك بنصف قرن في مصر على قصاصة من ورق البردي، تحتوي على جزء من إنجيل توماس، ولكن هذه المرة عثر على الإنجيل التوماسي كاملًا.
كما تأكد جمسبيل أن تلك المخطوطات كلها ترجع إلى القرون الميلادية الأولى، ومن بينها أناجيل لم تكن معروفة من قبل مثل إنجيل توماس (الكامل) (6)، وإنجيل فيليب، وإنجيل الحق، وإنجيل المصريين، إلى جانب كتابات منسوبة للحواريين مثل كتاب جيمس(7)، وخطاب بطرس إلى فيليب، إضافة إلى رؤيا بولس.
وليس هناك خلاف بين الباحثين في توقيت إخفاء هذه المجلدات، وأنه في النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي، وهي الفترة التالية لمجمع نيقية(8) سنة (325م) وهو العصر الذي أصدرت فيه الأوامر الإمبراطورية والكنسية الرومانية بإحراق الأناجيل المخالفة، وقتل كل من توجد عنده(9) مما اضطر مالكيها لإخفائها بهذه الطريقة، ومما يدل على ذلك أن أوراق البردي المستـخدمة في تبطين الأغلفة الجلدية تعود إلى تلك الفترة الزمنية.
لكن خلاف الباحثين إنما يكمن في توقيت كتابة تلك المخطوطات(10)، وقد فاجأ هيلموت كويستر أستاذ التاريخ المسيحي بجامعة هارفارد الأمريكية حينما أرجع أصل إنجيل توماس إلى منتصف القرن الميلادي الأول، أي إلى تاريخ يسبق ظهور أي من كتابات العهد الجديد كلها!
وقد تأخر المتحف القبطي في نشر هذه المخطوطات، حتى طالبت هيئة اليونسكو بذلك، فتم نشرها عام (1972م)، ثم قام الأستاذ الأمريكي جيمس روينسون مدير معهد دراسات التاريخ المسيحي بتكوين لجنة دولية لدراسة وترجمة نصوص مكتبة نجع حمادي القبطية(11) مما زاد من اهتمام طلاب التاريخ المسيحي بتعلم اللغة القبطية(12).
وعند تأمل هذه المخطوطات ندرك مغزى تردّد المتحف القبطي في نشرها  ومماطلته، وحقيقة كلام جين دوريس: «إن نشره سيغيّر كل ما هو معروف في أصل الديانة المسيحية» وليست مسألة تاريخ فقط، بل مسألة اعتقاد وأصول، فأناجيل العهد الجديد على أن المسيح مات على الصليب، إلا أن هذا الحدث ليس غائبًا فقط عن أناجيل نجع حمادي القبطية، بل إن بعضها ينفي صراحة هذه القصة ويسخر منها ومن قائليها.
جاء في إنجيل بطرس(13) على لسان بطرس: «رأيته يبدو كأنهم يمسكون به وقلت ما هذا الذي أراه يا سيد(14). هل هو أنت حقًا من يأخذون أم أنهم يدقون قدمي ويدي شخص آخر... قال لي المخلص... من يدخلون المسامير في يديه وقدميه هو البديل فهم يضعون الذي في شبهه العار أنظر إليه وانظر إلي» وهذا شاهد صدق على ما ذكره الله تعالى في القرآن العظيم: "وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه مالهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً . بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً . وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمن نبه قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً" [النساء: 157ــ 159].
وفي كتاب (سيت الأكبر) على لسان المسيح: «كان شخص آخر هو الذي شرب المرارة والخل لم أكن أنا كان آخر الذي حمل الصليب فوق كتفيه كان آخر هو الذي وضعوا الشوك على رأسه وكنت أنا مبتهجًا في العلا أضحك لجهلهم» وفي (أعمال يوحنا) على لسان المسيح: «لم يحدث لي أي شيء مما يقولون عني»(15).
وهنا مسألة أخرى وهي الصليب القبطي، ما هي دلالته ومغزاه وإشارته؟ وما الفرق بينه وبين الصليب الروماني؟ ومن أخذ من الآخر؟
والجواب: أن بينهما بونًا شاسعًا فالصليب القبطي يرمز إلى الحياة، أما الروماني فيرمز إلى الموت، وهذا الصليب القبطي هو (عنخ) مفتاح الحياة عند المصريين القدماء، ومن ثم اتـخذه المسيحيون الأوائل رمزًا لحياة المسيح وروحه التي لم تمت، ولم تستـخدم الكنائس المصرية(16) الصليب الروماني إلا في النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي بعد سيطرة كنيسة روما عليها، علمًا بأنه لا يوجد صليب روماني يعود تاريخه إلى القرون الثلاثة الأولى حتى خارج مصر بل كلها تعود إلى الصليب القبطي، كما في المتحف القبطي في القاهرة.
وبعد أن سيطرت كنيسة روما على الأوضاع أعلنت فيما بعد عن العثور على ما قيل إنه الصليب الأصلي، وتطور الأمر حينما شرعت الكنيسة الرومانية في وضع صور لجسد المسيح عليه السلام على الصليب الخشبي.
وقد أثار كتاب (تطور الأناجيل) الذي صدر للسياسي البريطاني باول ضجة كبيرة عندما أعلن أن قصة صلب الرومان للمسيح عليه السلام لم تكن موجودة في النص الأصلي للأناجيل(17).
وهناك خلافات جوهرية بين التصورات المسيحية السائدة الآن وبين تصورات المسيحيين الأوائل الذين دونوا مخطوطات نجع حمادي(18)، ومن تلك الأمور: أنه ليس هناك إشارة إلى ولادة المسيح في بيت لحم، ولا ذكر لولادته في عهد هيرودس، ولا زيارة المسيح للقدس، ولا لقائه بيوحنا المعمدان (يحيى بن زكريا عليهما السلام) عند نهر الأردن، ولا تعميده، ولا أنه جاء من الناصرة، كذلك فقد قلب التصوّر الخاص عن مريم المجدلية، ويشيد بها وبصلاحها وأنها ليست من الخاطئات، بل هي من تلاميذ المسيح المقربين، وأن لها إنجيل خاص بها مدرج ضمن تلك المخطوطات، وأهم من هذا كله إنكار تلك المخطوطات الأناجيل التي فيها إثبات صلب المسيح عليه السلام وهو عمدة اعتقادات المسيحية الحالية المبدّلة!
2ـ إنجيل توما (توماس):
وهو من ضمن مخطوطات مكتبة نجع حمادي، ويختلف هذا الإنجيل الفريد عن باقي الأناجيل في أنه لا يحتوي على قصة أو رواية للأحداث، فهو إنجيل توجيهي وليس تاريخي، وهو مكون من (114) قولًا منسوبة للمسيح عليه السلام، ويصعب على مخالفيه وصفه بالهرطقة(19) إذ أنه يحتوي على عدد كبير من أقوال المسيح عليه السلام المبثوثة في الأناجيل المعتمدة من العهد الجديد، إلى جانب أقوال ووصايا لم تظهر بها(20)، فأقواله موجودة بشكل أولي وليست على شكل سرد قصص، مما يوحي بأنه أقدم الأناجيل المعروفة حتى الآن، فبينما ترجع كتابة الأناجيل المعتمدة إلى ما بعد عام (70م) فإنا نجد أن هذا الإنجيل (توماس) يعود إلى عشرين سنة قبل هذا التاريخ، وبهذا يكون هو أقدم الأناجيل المعروفة على ظهر المعمورة!
والملفت في هذا الإنجيل العتيق إيراده للمعجزات التي جرت على يد المسيح عليه السلام كما ذكرها القرآن الكريم وقصها وسردها، وكان نزوله بعد نحو (600) عام من كتابة هذا الإنجيل، بل إنه ليذكر معجزات لم تشر إليها الأناجيل المعتمدة لا من قريب ولا من بعيد، كمعجزة النخلة، وتكلمه في المهد، ومعجزة خلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، ومعجزة إنبائه لهم عما يأكلون وما يدخرون، ولم يذكر قصة الصلب نهائيًا، وكل هذه الأمور قد شهد له القرآن بصحتها(21)، فالقرآن هو الكتاب الخاتم والمهيمن والشاهد على الكتب قبله.
ومما ورد في هذا الإنجيل: «... لقد كان شخصًا آخر هو الذي شرب الماء والخل(22) ولم يكن إياي ضربوني بالقصب لقد كان شخصًا آخر هو شمعون الذي حمل الصليب على كتفه لقد كان شخصًا آخر الذي وضعوا على رأسه التاج والشوك وأنا كنت أضحك من جهلهم».
لذلك فلا نعجب حينما تحرم الكنيسة هذا الإنجيل الشامخ مع عجزها عن تقديم أدلة مقنعة لرفضه ورده, وإنا لنسأل: كيف يحق لرجال الكنيسة إعطاء صفة القانونية للأناجيل الأربعة، وإبطال صحة هذا الإنجيل، واعتباره أبو كريفا(23)؟!
والجواب الواضح موجود في ثنايا هذا الإنجيل الناقض لعقائدهم من الأساس، تلك العقائد البولسية الفلسفية الوثنية التي زورت باسم المسيح وبوركت من رجال الدين المبدّل في مجمع نيقية، لأنه بإنكاره صلب المسيح عليه السلام ونقض ذلك الأصل، فالنتيجة خرور السقف على من تحته من المثلثة والمؤلهة للبشر، لذا فلابد من تغييب هذا الصوت بأي طريقة كانت(24).
ومما جاء في هذا الإنجيل العتيق فقرة (12): «قال التلاميذ ليسوع نعلم أنك سوف تتركنا فمن حينئذ سيكون قائدنا فقال لهم يسوع حيثما تكونون عليكم أن تذهبوا إلى يعقوب البار...» وإذا رجعنا لسفر التكوين فسنرى الآتي: «وبعد ذلك خرج أخوه ويده قابضة بعقب عيسو فدعي اسمه يعقوب» (تكوين 25: 26) فمعنى يعقوب هنا هو العاقب الذي يعقب من سبقه، والذي سبقه هنا هو المسيح عليه السلام، والعاقب هو أحد أسماء محمد عليه الصلاة والسلام، فقد صح عنه قوله: «إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد»(25) إذن فهذه إحدى وصايا المسيح عليه السلام لتلاميذه.
3ــ إنجيل برنابا:
وهو بالطبع من الأناجيل المحرمة والموصومة بالتزييف (الأبوكريفا) عند الكنائس العامة؛ لأنه يناقض عقيدتها جملة وتفصيلا، فهو إنجيل طراز وحده في كل أموره.
وقد ثار جدل كثير حول هذا الإنجيل الفريد، فهو مختلف تمامًا عن بقية الأناجيل المعترف بها سواء في التصوّر والاعتقاد، كنقضه ألوهية المسيح عليه السلام وتأكيده لنجاته من الصلب، وتنديده ببولس ورفضه لدعوته وتبشيره، وتصريحه مرات عديدة ببشارات المسيح عليه السلام بأخيه محمد عليه السلام، أو بطريقة تقسيمات فصوله، فليس فيه أسفار وإصحاحات وأعداد، إنما هي فصول متوالية، وقد قسم الإنجيل إلى (222) فصلًا.
وبرنابا صاحب هذا الإنجيل أو المنسوب إليه، هو أحد حواريي المسيح عليه السلام واسمه يوسف بن لاوي بن إبراهيم، وهو إسرائيلي من سبط لاوي، من أهل قبرص، وقد باع حقله وجاء بثمنه ووضعه عند أرجل تلاميذ المسيح عليه السلام (أعمال الرسل 4: 35ــ 37). وقد اشتهر بصلاحه وتقواه، وهو من تولى تقديم بولس للتلاميذ وزكاه عندهم (أعمال 9: 27)، وقد ذهب للدعوة في أنطاكية، ثم وبصحبته بولس (شاول سابقًا) إلى طرسوس سنة كاملة، ثم تشاجر مع بولس واختلف معه وافترقا (أعمال 11: 25، 26، 15: 29) وبعد هذا الشجار اختفى ذكر برنابا من العهد الجديد(26)، وذكر المؤرخون أن وفاته كانت سنة (61م) في قبرص حيث قتله الوثنيون رجمًا بالحجارة، ودفنه ابن أخته مرقس المنسوب له الإنجيل الثاني.
وقد ثبت تاريخيًا وجود إنجيل لهذا الرجل التقي الصالح برنابا، وقد عثر العالم الألماني تشندروف (1859م) على رسالة برنابا ضمن المخطوطة السينائية التي عثر عليها، مما يشير إلى اعتبار هذا الإنجيل مقدسًا فترة من الزمان(27).
وفي عام (366م)(28) صدر أمر البابا دماسس بتحريم مطالعة هذا الإنجيل، وأكد هذا التحريم مجلس الكنائس الغربية (382م) ثم أكده كذلك الباب أنوسنت عام (465م) ثم البابا جلاسيوس الأول عام (492م)(29) مما يدل على العداء المستحكم من الكنيسة العامة لهذا العدو (التقليدي).
ثم اختفى ذكر الإنجيل أحد عشر قرنًا من الزمان حتى عثر عليه الراهب الإيطالي فرامينو.
وقصة اكتشاف فرامينو لهذا الإنجيل كما يرويها المستشرق الشهير سايل: «أن راهبًا إيطاليًا يدعى فرامينو(30) عثر في أواخر القرن السادس عشر على رسائل لأحد القساوسة، وفي عدادها رسالة تندد بالقديس بولس، وأن هذا القسيس أسند تنديده إلى إنجيل برنابا، فأصبح الراهب من ذلك الحين شديد الشغف بالعثور على هذا الإنجيل، واتفق أنه أصبح حينًا من الدهر مقربًا من البابا سكتس الخامس، فحدث يومًا أنهما دخلا معًا مكتبة البابا فأخذ النوم البابا، فأحب الراهب فرامينو أن يقضي الوقت بالمطالعة إلى أن يفيق البابا، فكان الكتاب الأول الذي وضع يده عليه هو إنجيل القديس برنابا نفسه، ففرح به جدًا وخبأه في أحد ردني ثوبه، ولبث إلى أن استفاق البابا فاستأذنه بالانصراف حاملًا ذلك الكنز معه، فلما خلا بنفسه طالعه بشوق عظيم، واعتنق على إثر ذلك الإسلام(31).
وانقطع ذكر هذه النسخة حتى فجر القرن الثامن عشر، ففي العام (1709م) عثر كريمر وهو أحد مستشاري ملك روسيا على النسخة الوحيدة الموجودة اليوم من إنجيل برنابا، والتي أهداها الملك للأمير  أوجين سافوي، ثم استقرت عام (1738م) في مكتبة فيينا(32). وبعد ما شاع خبرها صار لذلك دوي عظيم وزلزال هز الكنائس، حتى أجمعوا أمرهم على حربه وإطفاء نوره بتكذيبه ومحاربة نشره، وقد ألفوا ضده المؤلفات(33).
وقد ترجم هذا الإنجيل للعربية على يد الأستاذ خليل سعادة(34)، وقدّم للترجمة بمقدمه وذكر فيها وجود نسخة أسبانية تناقلها عدد من المستشرقين في القرن الثامن عشر، وانتهت إلى يد الدكتور هوايت الذي ذكر بأنها مترجمة عن نسخة البلاط الملكي الإيطالي، وقد حكم المترجم أن هذا الإنجيل مختلق مزور، وأنه قد كتب بيد بعض المسلمين من العصور الوسطى، وقد ذكر لذلك شبهًا فندها المحققون، ومنها:
تصريحه بالبشارة باسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم. والجواب عن ذلك: أن هذا من حجج ثبوته لا شبه تزويره، وأنه لما صرح بذلك دل على صراحته وقوته وعفويته.
ومنها: تكذيبه لألوهية المسيح وتشنيعه على ترك الختان. والجواب: أن هذا دليل أصالته؛ لأن القول بألوهية المسيح عليه السلام محدث حتى عند محققي اللاهوت، وأما الختان فهو الشريعة الموسوية التي جاء المسيح عليه السلام بتكميلها لا نقضها، إنما نقضها بولس، كما تشهد بذلك أسفار العهد الجديد... وقد قدم المثبتون لأصل(35) هذا الإنجيل عدة ذرائع لقبوله، ومنها:
اختلاف صياغته وأسلوبه عن طريقة المسلمين، فليس من المسلمين من يذكر الله تعالى ولا يثني عليه، ويذكر الأنبياء ولا يسلم عليهم، كذلك فقد ذكر محمدًا صلى الله عليه وسلم باسمه محمد ولو كان كاتبه مسلمًا لذكره باسمه الثاني المنصوص عليه في القرآن الكريم أحمد ليوافق نص آية سورة الصف (6) "ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد" فلم يذكره بهذا الاسم مرة واحدة!
كذلك فلم يذكر قصة كلام المسيح عليه السلام في المهد المذكورة في القرآن الكريم.
وحينما يدفع المسلمون القول بأنه إنجيل منحول، فليس لجزمهم بصحة نسبته لبرنابا الحواري، بل لجزمهم أن هذا الإنجيل لا يقل بحال من الأحوال عن سائر الأسفار في العهد الجديد التي لم يصل إلينا أيٌ منها بطريق موثوق، بل إن لإنجيل برنابا مزية عليها بكون كاتبه يصرح في ثناياه أنه برنابا الحواري ويصرح بخطابه المباشر للمسيح عليه السلام، بل قد افتتح ديباجته بقوله: «برنابا رسول يسوع الناصري».
ثم إن أسلوب الكاتب ومعلومات الإنجيل يؤكدان بأن هذا الكاتب ضليع في علوم الكتاب المقدس متصف بعمق واسع، وصلاح ظاهر، يليق بمثل برنابا داعية المسيحية الأصيلة الأولى في عهد جيلها الأول.
وقد استشهد برنابا باثنين وعشرين سفرًا من العهد القديم، في حين أن الأناجيل المعتمدة مجتمعة لم تزد في استشهاداتها على أربعة أسفار فقط، وحرفتها وزادت فيها بخلاف أمانة برنابا.
أضف إلى ذلك أن المسيح في إنجيل برنابا قد استشهد بكتب حذفها أهل الكتاب من كتابهم قائلين إنها مدسوسة (أبوكريفا) ولم يؤمنوا بصحتها إلا سنة (1950م) فقط! لذا فيستحيل أن يكون كاتب هذا الإنجيل مدلسًا، بل قد سمعها ودوّنها من لسان المسيح نفسه. وقد أثبت علماء أهل الكتاب صدقه، ومن أمثلة ذلك ما جاء في الفصل (50) حينما استشهد بكتاب سوسنة، وفي الفصل (67) استشهد بكتاب حكمة سليمان، وهما الكتابان اللذان اعترفت بهما كنيستا الأرثوذكس والكاثوليك عام (1970م)(36) وأعلنتا قدسيتهما.
ومما يرجح ميزان هذا الإنجيل أنه يحتوي على كل ما ذكرته الأناجيل الأربعة مجتمعة عن المسيح ــ تقريبًا ــ ما عدا تأليه المسيح وصلبه والثالوث، وقد صيغ هذا الإنجيل بأسلوب بديع أجمل وأوضح منها، بل قد زاد عليها كثيرًا من الأحداث والأخبار.
كما أنه قد ذكر حقائق أخطأت فيها الأناجيل المعتمدة، ثم جاءت الدراسات المسيحية الحديثة لتؤكد صحة ما جاء فيه، ومنها:
1ــ قال برنابا (ف97): «إن المسيح أرسل (72) تلميذًا»، وفي لوقا (70) فقط، في الطبعة القديمة للكتاب المقدس، وجاءت الطبعة الحديثة باسم (كتاب الحياة) سنة (1982م) لتؤكد صحة كلام برنابا وتنفي كلام لوقا.
2ــ قال برنابا (ف209): «إن سالوما هي شقيقة مريم أم المسيح» بينما قالت جميع الأناجيل بأنها قريبتها، وذكر المترجم المسيحي أن علماء المسيحية قد أكدوا صدق برنابا وصحة خبره.
3ــ ذكر برنابا استشهاد المسيح عليه السلام بكتب يهودية حذفتها الكنيسة المسيحية من البيبل في القرن الرابع بزعم عدم صحتها (ف50، 167) لكنها اعترفت بها لاحقًا.
4ــ قصة الزانية الموجودة في إنجيل يوحنا ذكرها برنابا بصورة مختلفة تمامًا (ف201) وقد أكد المؤرخون المسيحيون صدق رواية برنابا بالحرف.
5ــ كشف إنجيل برنابا الحيرة واللبس عن بعض المواطن والجمل في العهد الجديد(37).
وهناك من طعن فيه بحجة مشابهته لأقوال الشاعر دانتي، والجواب: هو إعادة السؤال بصيغة معاكسة مفادها أن دانتي هو من اقتبس منه لا العكس، ثم إن التشابه لا يعني بالضرورة وجود النقل والاقتباس عن السابق وإلا للزم القول بأن أسفار التوراة التشريعية منقولة من قوانين حمورابي البابلي بجامع التشابه الكبير بينهما، ولا شك أن اليهود والمسيحيين بل والمسلمين يرفضون ذلك إلا باستثناء طروء التزوير والتبديل(38) فأصل التوراة محفوظ وإن طرأ التبديل والتحريف عليه في كثير من مواضعها، قال الله تعالى: "وعندهم التوراة فيها حكم الله" [المائدة 43]، فحتى إن وافقت ذلك القانون فلعل ذلك القانون من بقايا شريعة إمام الحنفاء إبراهيم الخليل عليه السلام، وجاء في التوراة مؤكدًا، أو أن اليهود قد استعاروا بعض الأحكام القليلة أما استنساخ شريعة كاملة (أحكام جزائية وإجرائية) فلا.
هذا في الأحكام، أما الأخبار فلعل الأمر ازداد قليلًا؛ لأنهم يعيشون عبر الأجيال المتعاقبة متلازمة أرض الميعاد وملك الأجداد وملك اليهود... فجيّروا أساطير الأمم والشعوب لدغدغة عواطفهم وإرضاء خيالاتهم مع تحوير المناسب لهم منها.
ومن مزاعمهم كذلك؛ إنه لو كان كاتب هذا الإنجيل قد عاش في العصور الوسطى لندد بالأناجيل المثلثة والمؤلهة للمسيح عليه السلام، والجواب عن عدم ذلك أن زمن كتابة هذا الإنجيل الفريد سابق على دعوى التثليث التي طرأت على المسيحية في القرن الرابع الميلادي.
أما متنه فكان أكثر اتساقًا من جميع الأناجيل المعروفة (المعتمدة والأبوكريفا) متميزًا عنها جميعًا بترابط معانيه، وجمال أسلوبه، وعمق علمه، وهو اللائق حقًا بداعية المسيحية في الصدر الأول برنابا.
وقد كانت مضامين هذا الإنجيل متفقة إلى حد بعيد مع ما يعهد في رسالات الله تعالى لأنبيائه ورسله الكرام وحُقَّ لتولاند (1718م) أن يقول عند ظهور هذا الإنجيل الصادق: «أقول على النصرانية السلام» وقوله: «إن مد النصرانية قد وقف من ذلك اليوم... إن المسيحية ستتلاشى تدريجًا حتى تنمحي من الوجود»(39).
      وبينما نرى المسيح عليه السلام في إنجيل برنابًا برًا تقيًا مصليًا صوامًا، كثير الابتهال والدعاء والصبر والخلق الحسن، نراه بمنظار العهد الجديد بخلاف ذلك! إذ تصوره تلك الأسفار بالنزق وضيق العطن والتعالي والسب الشتيمة لتلاميذه «أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء» (لوقا 24: 25) والعقوق لوالدته إذا يناديها: «يا امرأة»!! بل وصل الأمر بالسب لمن سبقه من الأنبياء الكرام «الحقّ الحقّ أقول لكم إني أنا باب الخراف جميع الذين أتوا قبلي سراق ولصوص ولكن الخراف لم تسمع لهم أنا هو الباب إن دخل بي أحد فيخلص» (يوحنا 10: 7ــ 9) (ولاحظ كيف أخذ البابية والبهائية بهذه الإشارات الغنوصية) بل في بعض النسخ القديمة أنه غير صالح في نفسه فتصفه بأنه «أكول وشريب خمر محب للعشارين والخطاة» (متى 11: 9).
          والعجيب أن بولس قد ذكر في رسالته لأهل غلاطية (2: 7) وجود إنجيلين إنجيل الختان وإنجيل الغرلة، فإنجيل الختان ذكر أنه عند بطرس ولعله إنجيل برنابا ــ أو موافق له ــ لأن برنابا ذكر أنه كان مكلفًا بالكتابة من قبل المسيح شخصيًا، أما إنجيل الغرلة فهو عند بولس كما ذكر عن نفسه وهو واضح من عنوانه، لأنه كان قد ألغى شريعة موسى (الختان) ونقض الناموس حتى يتوافق مع الأمم الوثنية المدعوّة.
        وختامًا لمبحث هذا الإنجيل المتميز (برنابا) نقول: إنه كتاب وعظ من الطراز الأول، وقد امتلأ بالحكم النفيسة، والأمثلة البديعة، والوصايا المشرقة المنيفة، اللائقة بنبي من أولي العزم من الرسل عيسى ابن مريم عليه السلام، الذي بعثه الله تعالى إلى أمة الغضب (يهود) وقد غشيتها ثقلة الطين، وغياية الهوى، وتمرد الطباع، فعدلت إلى المادة التي أعشت بصيرتها عن حقيقة الدار الفانية، فحالت بينها وبين إدراك الروحانيات والمثل العليا، فأتاها الإنجيل العيسوي هداية وبشرى، ورحمة ونورًا، مركزًا على جانب الزهديات والروحانيات وتجلية حقائق الإيمان والتوحيد، وزجرهم عن حمأة الشرك، والتعلق بالدنيا، آخذًا بيد من وُفق منهم للسمو فوق الشهوات، والعلو على الماديات، والتحرر من ربقة الذهب والفضة، والحسد والبغضاء والظلم والكبر والشرك والكفر.
والحق أن هذا الإنجيل المهم محتاج إلى إعادة ترجمة من نسخته الأصلية القديمة سواء الإيطالية أو الأسبانية أو ما قبلهما، وأظنها مترددة بين العبرانية والآرامية واليونانية أو بهنّ جميعًا، وهل خزانة الفاتيكان السرية تحوي شيئًا من ذلك(40)!
4ــ إنجيل يهوذا:
وقد ظهر هذا الإنجيل أخيرًا ليستمر كشف الحقائق التي طالما طمستها الكنيسة، حيث ذكرت صحيفة الواشنطن تايمز في عددها الصادر في (7/4/2006م) مقالًا بخصوص إنجيل يهوذا، وأن النقاب قد أزيح عن هذا المخطوط الأثري الذي وجد في أحد كهوف بني مزار بمصر، ويعود تاريخه لبداية القرن الثالث الميلادي، والشاهد من ذلك أن هذا الإنجيل(41) يذكر صراحة أن المسيح يخاطب يهوذا ويقول له: «إنه (أي يهوذا) سوف يختلف عن باقي الحواريين، وأنه سوف يكون الرجل الذي سيضحي به كشبيه لي، يلبس هيئتي أو يلبس ثوبي»(42).
وهنا نقف ونتأمل هذا النص، مع قول الحق سبحانه: "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم"  [النساء: 157] فهذه شهادة من هذا الإنجيل الذي كتب قبل الإسلام بنحو أربعة قرون، ويشهد لصحة ما في القرآن العظيم(43) وينقض عقيدة الكنيسة العامة من القواعد.
ولم يُذكر في القرآن الكريم أن إيقاع الشبه بيهوذا أو غيره كان لخيانته، إنما يذكر العهد الجديد أن يهوذا خان المسيح عليه السلام ودل الجند على مكانه ثم ندم فيما بعد وقتل نفسه. ولم يذكر الله تعالى في القرآن العظيم كذلك أن إيقاع الشبه بيهوذا كان باختياره وتضحيته بنفسه من أجل فداء نبيه الكريم... بل ولم ينص صراحة في كيفية التشبيه، لكنه أطلقه "شبّه لهم" والاحتمالات في كيفية الاشتباه أو التشبيه واسعة.
وإذا أخذنا باحتمال تضحيته بنفسه ــ كما نطق به إنجيله ــ فقد حللنا بذلك إشكال رواية إنجيل متى التي ذكرت تكريم يهوذا مع التلاميذ بأنهم سيحاكمون بني إسرائيل ــ ولعل المراد بهذه المحاكمة على فرض صحتها مجرد الشهادة، فالأنبياء الكرام لا يحق لهم ذلك فضلًا عن من دونهم بل الحكم لله وحده "مالك يوم الدين"  [الفاتحة: 3](44).
5ــ مخطوطات البحر الميت:
بعد اكتشاف مخطوطات نجع حمادي بسنتين ظهرت مخطوطات كهوف قمران(45) قرب البحر الميت عام (1947م) وكان لظهورها دوي هائل هز الأوساط اليهودية والمسيحية على السواء، فالجميع كانوا متعطشين لها، فأقدم نسخة عبرية للعهد القديم هي المازورية (الماسورية) وهي تعود إلى القرن العاشر بعد الميلاد، وفيها اختلافات كثيرة مع النسخة السبعينية اليونانية المترجمة في الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد، إضافة لاختلافاتها مع نسخة السامريين، لذلك احتاج اليهود والمسيحيون ــ والبروتستانت بوجه خاص ــ إلى مرجح لهذه النسخ المتضادة، وقد كانت النتيجة أن وجدوها خليطًا بين هذه النسخ الثلاث مع زيادات ونقائص.
أما العهد الجديد فلم تكتب أسفاره إلا بعد قرابة نصف قرن من الوقت الذي حدد للموت المزعوم للمسيح عليه السلام مع الاختلاف البيّن في تفاصيل حياته ووصاياه بين الأناجيل الأربعة، فاحتاجوا إلى نص معاصر للفترة التي عاشها المسيح عليه السلام بين ظهراني قومه ليُحسم الخلاف على ضوئها.
وقد طارت في الآفاق أخبار اكتشاف المخطوطات التي يُظن أنها قد كتبت في الفترة (200ق.م ــ 50م) (46) وقد بدأت نماذج منها في الظهور للباحثين المتشنفين لما فيها, ولكن العجب أن نشرها توقف فجأة لسبب غير معلوم! وأصابع الاتهام تشير تارة إلى الفاتيكان وأخرى إلى الكنيس اليهودي(47).
إن العثور على كتابات قديمة سابقة ومعاصرة للفترة التي عاشها المسيح عليه السلام، وفي منطقة لا تبعد إلا بضعة أميال عن مدينة القدس قد أنعش الآمال في العثور على معلومات تحل الكثير من الألغاز في حياة المسيحية ــ وما أكثرها! ــ وتكشف الغموض عن حياة المؤسس المنسوبة له الديانة المسيحية، وتفاصيل علاقته باليهود في عصره، وقد زاد الحماس عند الباحثين عندما تم نشر الأجزاء الأولى من المخطوطات في الستينات الميلادية، حيث تبيّن أنها تنتمي إلى جماعة يهودية مسيحية تعرف باسم الأسينيين(48) والعيسويين، وأنه كان لهم معلم تشبه صفاته صفات المسيح عليه السلام(49)
وقصة اكتشافها أن صبيًا من عرب التعامرة يقال له محمد الديب أضاع إحدى الماعز التي يرعاها في ربيع (1947م) بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، فصعد الصبي فوق الجبل للبحث عنها، فشاهد فتحة صغيرة مرتفعة في واجهة سفح الجبل (مغارة صغيرة في سفح جهة الجبل العمودية) ومن باب الفضول ألقى صخرة في تلك الفتحة، وتعجب حينما سمع صوت ارتطام حجره بجرة فخارية، فأعاد الكرة فسمع ذات الصوت، عندها تسلق محمد سفح الجبل الوعر، وأطل برأسه داخل الكوّة فشاهد مع وبيص الضوء عدة جرار فخارية مرصوصة بعناية على أرضية الكهف، فاكتفى بذلك، وعاد في اليوم التالي بصحبة صديقه الذي أعانه على الصعود ودخول المغارة التي عثر بداخلها على عدة أوعية فخارية تحوي سبع مخطوطات فأخذاها ، وسرعان ما ظهرت تلك المخطوطات عند عرضها للبيع عند تاجر للأنتيكات في بيت لحم، الذي باع أربعًا منها لألمار أثاناسيوس رئيس دير سانت مارك، وثلاثًا منها لإليعازر سوكينوك لحساب الجامعة العبرية في القدس بواسطة يادين سوكينوك! وهكذا اجتمعت المخطوطات السبع في الجامعة العبرية.
وبعد هدنة (1949م) أصبحت منطقة قمران والثلث الشمالي من منطقة البحر الميت تحت سيطرة الأردن، وبدأ الأردنيون ينقبون في الآثار هناك حيث وجدوا في نفس الكهف مئات القصاصات الصغيرة، ثم نزلوا في التنقيب إلى آثار خربة قمران، وهي قرية العيسويين في زمانهم، واستمر البحث في كهوف المنطقة، وما حول البحر الميت، حتى وجدوا سنة (1956م) مجموعة من أحد عشر كهفًا في منطقة قمران تحوي العديد من المخطوطات(50).
كان ألمار أثاناسيوس قد سمح للمدرسة الأمريكية للدراسات الشرقية في القدس بنشر صور مخطوطاته، ففعلت، وترجمتها للإنجليزية، كذلك فعلتها الجامعة العبرية بالمخطوطات الثلاث الأولى.
وبعد حرب (1967م) سقطت الضفة الغربية بأيدي اليهود، ومن ضمنها متحف القدس الذي يحوي المخطوطات المكتشفة، ولم ينج منها إلا مخطوطة نحاسية واحدة كانت في عمّان لغرض الترميم، وتوقف النشر بعدها تمامًا.
وقد كانت السلطات الأردنية قد كوّنت لجنة كلها من الكاثوليك(51) لدراسة وترجمة المخطوطات(52)، واستمر عمل هذه اللجنة ــ المُريبة ــ بدون نشر للمخطوطات ــ إلا النزر القليل ــ حتى تولتها هيئة الآثار الإسرائيلية عام (1991م)(53)، ثم بدأت حملة إعلامية من صحف أمريكية تهاجم المسؤولين عن التكتم على المخطوطات وعدم نشرها، وقد تم الالتفات بكل مكر على تلك القضية بأن أعلنت مكتبة هانتينجتون بكاليفورنيا عام (1991م) أن لديها صورًا فوتوغرافية لجميع مخطوطات قمران، وأنها ستسمح للباحثين بالاطلاع عليها، وكذلك فعلت جامعة أكسفورد (مع اتهام بعض الباحثين متحف روكفلر والفاتيكان بالتكتم على وثائق هامة بها) وقام آيزنمان في الولايات المتحدة بنشر ترجمة هذه الصور، كذا فعلها فيرميز في بريطانيا، وأُعلن أن المشكلة قد انتهت، وأن كل المخطوطات قد تم نشرها، ثم تظاهرت سلطات الآثار الإسرائيلية وقتها بعدم موافقتها على النشر، وأنها ستلجأ للقضاء(54)، وتم إغلاق الملف بهذه البساطة، مع أن كثيرًا من المحققين لازالوا مصرين على نشر المخطوطات التي لم تر النور وبخاصة مخطوطات الكهف رقم (4) تحديدًا؛ حيث لم ينشر إلا مئة من مجموع خمسمئة قصاصة وكلها تـخص تلك الطائفة المسيحية اليهودية (الأسينيين/ العيسويين) وليس من المستبعد أن تلك القصاصات قد وجدت طريقها لمكتبة الفاتيكان السريّة، ضمانًا لئلا ترى النور في يوم من الأيام(55).
وهناك تيّار يهودي مسيحي أكاديمي(56) يحاول هدم دعوة المسيح عليه ال الأولى، عن طريق التأكيد على أن المسيح عليه السلام مجرد أحد رجالات اليهود ولم يأت بدعوة جديدة، ثم يحاولون تمرير مخطوطات تلك الطائفة عن طريق مزجها بمخطوطات طائفة مضادة لها تمامًا وهي طائفة الماسادا (حراس المعبد) وجعل هاتين الفرقتين المتضادتين مجرد فرقة واحدة!! مع أن الماسادا هي فرقة يهودية فرّيسيّة متعصبة معادية للمسيح عليه السلام وأتباعه! ثم بعد أن يطووا بساط تلك الثقافة ــ السليبة ــ ينحون على بولس بوصفه مؤسس المسيحية، ولم يأت قبل بولس أحد، وأن هذه الديانة البولسية مجرد هرطقة يهودية.
وبهذا يصلون بمكرهم إلى إلغاء ديانة المسيح عليه وسلم المسيحية الحقّة؛ لأنهم لا يؤمنون به أصلًا، بل ينتظرون ملكًا داووديًا مخلّصًا غيره، وبهذا يقطفون ثمارًا عديدة في جولة واحدة، منها إفساد أديان الناس؛ لأن الإنسان المنتمي إلى دين ــ ولو محرّف ــ فلابد أن تبقى فيه بقية من انتماء للخير, ولكن من تسلخه من دين منسوب لله تعالى فإنك تفتح له باب الإلحاد والإباحية، والله تعالى قد وصف اليهود بأن سعيهم في الإفساد صفة لازمة وسمة ثابتة لهم إلا قليلًا منهم، قال تعالى: "ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين" [المائدة: 64]، وأمثلة إفسادهم في الأرض لا تحصر، ومن ثمار تلك المكيدة براءة اليهود من دم المسيح عليه السلام وهي التهمة التي استطال عليهم المسيحيون بسببها قرونًا وقتلوا منهم لأجلها ألوفًا.
ولسائل أن يسأل: أين الفاتيكان؟ فالجواب: أنه طالما أن أحدًا لن يعارض سيادة الفاتيكان وسلطته وموارده؛ فلا مانع لدى الفاتيكان في تغيير ما جاء في الكتابات الأولى لدعاة المسيحية، أو على الأقل السكوت عن ذلك حتى لا يضطر لإجابة أسئلة لا يطيق الجواب عنها، كذلك الحال مع قادة البروتستانت والأرثوذكس! ولتذهب الحقيقة _بلسان حالهم ومقال بعضهم_ إلى الجحيم!
وهكذا تحوّل حلم التعرّف على حقيقة أحداث التاريخ المسيحي الأولى إلى أكبر مشروع لتزوير حقائق التاريخ في العصر الحديث(57).
وفي هذه الأيام ثارت القضية مرة أخرى لاكتشاف السلطات الأردنية سرقة يهودية كانت قد تمت منذ خمس سنوات من أحد الكهوف الأردنية، حيث وجد بعض المنقبين سبعين كتابًا نحاسيًا مكتوبًا باللغتين العبرية والآرامية، والذي يمثل تلك الحقبة الغامضة، بل إنها ــ كما قيل ــ تمثل جزءًا من أقدم الوثائق النحاسية. فهل سنرى فيها جديدًا، أم ستلحق بقائمة لفائف قمران؟
والظن أن الحقيقة ستصدم الفريقين على السواء، ولن يتقبلها إلا من تحرر من ربقة العنصرية(58) "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" [يوسف: 21] أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل" [الشعراء: 197]. والحمد لله على نعمة الإسلام, وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه.
إبراهيم الدميجي
1/ 4/ 1433
@aldumaiji
مدونة: "كلنا نحب المسيح عليه السلام"
....................................................
         (1)   ينظر: مخطوطات البحر الميت، أحمد عثمان.
         (2)   قرية في محافظة قنا بصعيد مصر على مسافة (100كم) شمال الأقصر.
        (3)   تشمل هذه المخطوطات (13) مجلدًا، حوت (52) كتابًا، بلغت (1000) صفحة، من بينها (794) صفحة كاملة.
       الجدير بالذكر أن الدراسات المنشورة بخصوصها تجاوت (53) كتابًا.
       وسبب إخفائها هو حمايتها من أيدي الرومان الوثنيين الذين اضطهدوا المسيحيين الأوائل كما في عهد الإمبراطور نيرون، ثم تراجان، حتى أن المسيحيين في عهده كانوا يصلّون في الخفاء هربًا من اضطهاده، وكان بعض ولاته يقتلون كل من تثبت عليه تهمة المسيحية، ثم في عهد ديكيوس الذي أصدر أمرًا عامًا باضطهادهم، أما في عهد دقلديانوس الذي حكم سنة (284 إلى 305م) فقد أمر بهدم كنائسهم في مصر، وإحراق كتبهم، وسجن أساقفتهم ودعاتهم وقتلهم، حتى وصل قتلى المسيحيين الأقباط في عهده إلى ثلاثمئة ألف قبطي!! وهذا مما ساهم في ضياع كتبهم وتحريف السادة والكبراء لدينهم، خاصة من اليهود الذين دخلوه نفاقًا، وسبب هذا العداء المستحكم القديم هو أن الإسكندرية هي الخصم التقليدي القديم لروما منذ القرون الأولى ــ وقد مر بيان ذلك ــ.
          (4)   وقد عاد المجلد (13) للمتحف عام (1961م).
          (5)   وهو الإنجيل المعروف باسم إنجيل توماس (توما) وهو إنجيل توحيدي، ومن الصعب اعتباره إنجيلًا هرطوقيًا، إذ أنه يحتوي على عدد كبير من أقوال المسيح عليه السلام التي ظهرت في الأناجيل المعتمدة في العهد الجديد، إلى جانب أقوال لم تظهر بها، وهو على كل حال معدود عند الكنيسة العامة من الأبوكريفا (غير المعتمدة).
           (6)   يدعى تحتمس في المصرية القديمة.
           (7)   يدعى يحمس في المصرية القديمة.
          (8)   نيقية: بلدة في بيثينية، وهي قرية أسنيك التركية.
          (9)   كما تم في تلك الحقبة إحراق مكتبة الإسكندرية، بما في ذلك معهد اللاهوت المسيحي، وهذا راجع إلى محاولة الإسكندرية منافسة روما في زعامة المسيحيين مما جر عليها الويلات.
          (10)   وقد أبعد بعض الباحثين النجعة حينما زعم أنها تعود للقرن الثالث، بدون أن يقدم دليلًا موضوعيًا، بينما يرجح آخرون إلى أنها عائدة إلى النصف الثاني من القرن الأول الميلادي، ولا زالت الحقيقة عالقة بين الفريقين تنتظر البرهان.
      وانظر: مخطوطات البحر الميت، ص159.
           (11)   لم تكن مكتبة نجع حمادي هي أول ما عثر عليه في مصر من كتابات مسيحية قديمة مدونة بالقبطية، فقبل نهاية القرن الثامن عشر اشترى سائح اسكتلندي مخطوطًا قبطيًا من الأقصر، كذلك وجد أحد هواة التحف مخطوطًا قبطيًا لدى أحد بائعي الكتب القديمة في لندن، وتبين من ترجمة الكتابات أنها تحتوي على حوار بين المسيح عليه السلام ومجموعة من التلاميذ، كذلك عثر أحد علماء الآثار الألمان على مخطوط قبطي معروض في سوق الأنتيكات في القاهرة يتضمن إنجيل مريم المجدلية، كذلك عثر على كثير من المخطوطات المسيحية القديمة باللغة اليونانية.
      الجدير بالذكر أن أقدم المخطوطات المسيحية في العالم بما فيها أناجيل العهد الجديد وجدت كلها في أرض مصر.
           (12)   خصوصًا في جامعة هارفارد الأمريكية.
           (13)   وبطرس هو سيد الحواريين ــ حسب رواية العهد الجديد لأنه راعي غنم المسيح! ــ وإليه تنسب ــ زورًا ــ الكنيسة الرومانية الملكانية الكاثوليكية؛ إذ يرى كثير من المحققين أنها قد قامت على كذبة مفادها: أن المسيح عليه السلام بعد قيامته في اليوم الثالث أعطى تلميذه بطرس تفويضًا ليخلفه في إمامة المسيحية «قال له يسوع ارع غنمي» (يوحنا 21: 17) وأن بطرس سافر قبل موته إلى روما ليعطي هذا التفويض شخصيًا إلى كهنة الكنيسة هناك، حتى قيل: إن مقر الفاتيكان مبني على ضريحه. مع أنه ــ من شبه المستقر ــ بين محققي التاريخ المسيحي أن قدم بطرس لم تطأ أوروبا قط, بل إن هناك إشارات إلى وفاته في سجن القدس سنة (40م).
          (14)   المخاطب هو المسيح عليه السلام.
          (15)   مخطوطات البحر الميت/ نجع حمادي، أحمد عثمان، ص138.
          (16)   القصة الحقيقية لنشأة الكنيسة المصرية يلفها الغموض بدءًا بإنكار مصريّة مرقس الإسكندري، مرورًا بالتعذيب الشديد والحرب الظالمة على المصريين من قبل كنيسة روما، ومطاردتهم وحرمانهم، وحرق أناجيلهم، ثم الأنكى من ذلك محاولة كنيسة روما كتابة تاريخ كنيسة مصر من جديد! بنفسٍ كاثوليكي مع طمس المصادر المصرية، واتهامها بالهرطقة لرفضها في البداية الخضوع والاستسلام لخرافات الكنيسة الرومية، وبسبب تأييد الإمبراطور الرومي قسطنطين للكنيسة الرومية ازداد نفوذها واشتدت سطوتها وبطشها، فأمرت بحرق جميع الكتابات المخالفة لها (ولعل من ضمنها إنجيل المسيح نفسه!) وأحرقت كذلك معبد سرابيوم بالإسكندرية، ومكتبة الإسكندرية من أجل طمس التاريخ والحجج والعقائد، وأغلقت مكتبة الإسكندرية بعد حرقها وقتل آخر مدير لها، ومع حرق كثير من المخطوطات هرب بعض الرهبان بما استطاعوا حمله من المخطوطات واتجهوا جنوبًا في وسط صعيد مصر بعيدًا عن الرومان وقساوستهم الدمويين ثم وضعوا هذه المخطوطات في جرة كبيرة ودفنوها بين المقابر، حتى أذن الله تعالى لها أن ترى النور بعد نحو سبعة عشر قرنًا من الزمن لتكون شاهدة على وفاء المصريين الأوائل للتوحيد الأصيل الذي جاء به المسيح عليه السلام، وإنا لنرى في المصريين المعاصرين الأقباط هبّة رجوع للحق الذي جاء به المسيح عليه السلام والذي بشر به ألا وهو دعوة أخيه محمد صلى  الله عليهما وسلم، فربحوا محمدًا ولم يخسروا المسيح صلى الله عليهما وسلم، إنهم ليحفظون أن خليفة المسلمين حفظ لهم حقهم، ورد لهم الكرامة، وحينما اعتدى ابن أمير مصر المسلم على أحد الأقباط ما كان من خليفة المسلمين إلا أن أتى بهما وأعطى القبطي العصا وقال له: اضرب ابن الأكرمين، وقال للظالم: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!.
       وإن التاريخ ليحفظ للأقباط سرعة اعتناقهم للإسلام في الفتح الإسلامي لمصر ولذلك أسباب منها:
      اتفاق الدعوة الإسلامية مع كثير مما بين أيديهم من بقايا دعوة المسيح عليه السلام, ووجود البشارات بنبي الإسلام في كتبهم، كذلك إكبارهم لمعاملة المسلمين الفاتحين لهم بالعدل والإحسان، فكان أول قرار أن أعادوا للأقباط كنائسهم ورتبهم التي سلبها إياهم الرومان، والعمل معهم بالعدل والرحمة فكان هذا مدعاة للكثيرين منهم أن يدرسوا الإسلام بعناية وتجرد حتى رأوا حقائقه الساطعة الكاشفة لكل شبهة والشمول المحيط بكل حركة وسكنة, والإشباع العقلي والروحي والجسدي للنفس الإنسانيّة.
            (17)   إذ قام باول بإعادة ترجمة إنجيل متى من اللغة اليونانية فتبين له وجود أجزاء مكررة في هذا الإنجيل، مما يوحي بأن كتابتها قد أعيدت في مرحلة تالية، وكانت أهم الوقائع المكررة هي ما يتعلق بوقائع محاكمة المسيح وصلبه، فالمحاكمة الثانية قد تم نقلها بنفس ألفاظها وأحداث المحاكمة الأولى مع فارق واحد هو نهايتها بالصلب!
       وبما أن إنجيل متى هو المصدر لباقي الأناجيل المعتمدة التي قد أخذت هذه القصة منه، فعليه فإن تلك الروايات تسقط لسقوطها من الأصل، وهذا يؤدي إلى ضرورة إعادة النظر في قبول ما ورد في الأناجيل باعتباره لا يمثل الحقيقة التاريخية للأحداث الفعلية.
        لذلك فقد قال الأستاذ هيلموت كويستر أستاذ التاريخ المسيحي بجامعة هارفارد: «إن مكتبة نجع حمادي فرضت علينا إعادة كتابة التاريخ المسيحي» وقد أكد أنه شخصيًا بدأ في  إعادة كتابة أعماله السابقة على ضوئها.
      مخطوطات البحر الميت، ص165.
          (18)   وإن كان قد دخلهم من ينسب إلى الغنوصية ونحوها من المذاهب الباطنية، ولعل بعضهم قد اضطره الفزع من بطش الكاثوليك أن يكتب عقيدته مرمزة على شاكلة عبارات الغنوصيين.
         (19)   الهرطقة: هي الخروج عن تعاليم ووحي الكنيسة!
        (20)   وفيها ما يضاد وثنية الرومان من التثليث وتأليه الخلق.
        (21)   كما في سورة مريم وسورة المائدة وسورة آل عمران.
        (22)   وفي روايات العهد الجديد أن يسوع هو من شرب الخل.
        (23)   أي مزيف وغير معتمد.
        (24)   قال الله تعالى: "وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً". [النساء: 157، 158].
        (25)   رواه مسلم.
        (26)   ولا عجب في ذلك على القول بأن بولس هو من دون ذلك السفر. ولعل الشجار بينهما سببه نقض بولس لناموس موسى عليه السلام، كإلغاء تشريعاته كالختان وخصوصية بني إسرائيل بالدعوة، وأتى بعقائد مبتدعة انتحلها من الفلاسفة الوثنيين فافترقا جسدًا وروحًا إلى الأبد، وسيأتي مزيد بيان في نقض بولس للناموس قريبًا إن شاء المولى تعالى.
           (27)   والعجب كيف يلغى هذا الإنجيل لحواري المسيح عليه وسلم، ومن السابقين الأولين المؤمنين به، ثم يقبل إنجيل لوقا ورسائل بولس وهما لم يلقيا المسيح البتة؟! ومثلهما ــ على الصحيح ــ بقية كتبة الأناجيل المعتمدة الحقيقيون.
          (28)   أي بعد (41) سنة فقط من مجمع نيقية!
          (29)   ينظر: هل العهد الجديد كلام الله؟ مبحث: إنجيل برنابا، د. منقذ السقار.
          (30)   أوفرامرينو.
          (31)   للتبشير الصريح الواضح به في ذلك الإنجيل.
          (32)   وتقع في (225) صحيفة سميكة باللغة الإيطالية.
          (33)   من ضمنها: رسالة الرد على الكتاب المسمى إنجيل برنابا، سامح كمال، وقد وصف هذا المتهوك الضال إنجيل برنابا بالشرير كصاحبه الشرير!! وأنه رسالة كافرة أثيمة ضارة!
          (34)   وقد نشره العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى.
          (35)   أقول إثبات الأصل والسياق العام مع طروء شيء من التحريف عليه، فقد ذكر فيه أمور لا تصح بحال؛ كالقول بأن الله خلق الخلق لأجل محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا مخالف لعقيدة المسلمين في أن الله تعالى ما خلق الخلق إلا لعبادته: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" [الذاريات: 56]، ومنها بعض ما يتعلق بيوسف (النجار) (ف2) أو ذكر الخمر، أو تسمية المسيح عليه السلام، ومنها اشتماله على لوثات فلسفية غنوصية، كقوله: «إن الله في كل مكان» (ف17) وغير ذلك مما يعزى سببه إلى تحريفه عن طريق تناقله شفاهًا حتى دوّن، أو وصول يد التحريف عن طريق الترجمة غير النزيهة أو الجاهلة.
     والخلاصة: أن هذا الإنجيل الفريد هو أقرب الأناجيل إلى الحق، وأكثرها اتساقًا مع الفطرة والعقل، وموافقة لشواهد التوراة والقرآن، حتى وإن سلمنا بطروء تحريفات عليه، أبى الله تعالى أن يكتب العصمة إلا لكتابه الأخير القرآن العظيم "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"  [الحجر: 9]، أما غيره من الكتب السابقة فقد أوكل مهمة حفظها للبشر فعجزوا "بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء"  [المائدة: 44].
        أما تفرد هذا الإنجيل بتقسيمه إلى فصول وليس إصحاحات وأسفار فلا يعيبه هذا التفرد؛ لأنه لا تصح مقارنته بطريقة تقسيم أناجيل وأسفار العهد الجديد المأخوذة عن طريقة العهد القديم، مع أن المحتوى مختلف تمامًا عنهما، كذلك فهذه المنهجية في التقسيم لم يثبت وقفها على موسى عليه السلام، فهي لم تكتب إلا بعده بأحقاب طويلة جدًا، وقد طالتها أيدي التحريف والتبديل، كما مر معنا، والأظهر أن إنجيل المسيح ابن مريم عليه السلام كان وحيًا ملفوظًا متلقى من فم المسيح عليه السلام مباشرة وليس مكتوبًا كالتوراة.
          (36)   أو (1972م).
          (37)   ومن ذلك:
        أ ــ أن الأناجيل الأربعة تذكر أن اليهود هتفوا أمام المسيح قائلين: «أوصنا لابن داود»،   وترجموها فيما بينهم «خلصنا» وهذا لا يستقيم، فكيف يقولون: «خلصنا لابن داود»؟ أما برنابا فذكر أنهم قالوا: «مرحبًا بابن داود» (ف200) فاستقام المعنى واعتدل الفهم.
       ب ــ قالت الأناجيل: إن المسيح قال: «من قال لأبيه قربان فلا يلتزم»! وقد كشفها برنابا بقوله على لسان المسيح: «إذا طلب الآباء من أبنائهم نقودًا يقول الأبناء لا إن هذه النقود نذر لله ولا يعطونها لآبائهم» (ف32).
       جـ ــ في لوقا: «إن كان أحد يأتي إلي ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته حتى نفسه فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا» (لوقا 14: 26)، وكشف برنابا الحيرة من هذا الكلام فذكر: «إن كان أبوك وأمك عثرة في خدمة الله فانبذهم» (ف26) هنا استقام الحال.
       د ــ تصحيحه وتعديله لسياق قصة المرأة التي سكبت العطر (ف129، 192، 205) وقارنها بالقصة المذكورة في بقية الأناجيل المعتمدة.
      هـ ــ ذكره ثبات صلاة المسيح | وانتظامها (الفجر ــ الظهر ــ العشاء) كذلك والدته (ف209) وقارن هذا بما في مرقس (9: 32، 12: 16، 2: 19) من أن التلاميذ يخافون من المسيح! وأنهم لا يصلّون ولا يصومون لدرجة أن اليهود انتقدوهم على هذا الإهمال!
     و ــ ذكر برنابا تعاليمًا هامة للمسيح | لم تذكر في العهد الجديد، ومنها:
     نجاسة الخنزير (ف32)، نجاسة عبادة الأصنام وتحريمها (ف33)، فضل شريعة الختان (ف22)، تعليم الصلاة وسنتها (ف36، 84)، الابتلاء (ف99)، الكبر (ف29)، القضاء العادل (ف50)، الرياء (ف45)، الصدقة (125)، موعظة الموت والدفن (196ــ 198)، الجنة ودرجاتها (71)، الجحيم ودركاتها (135)... وغير ذلك كثير، مما يجعل الباحث الموضوعي يرجح بلا تردد أن أقرب الأناجيل لصوقًا بالدعوة المسيحية الحقيقية هو إنجيل برنابا الحواري الصالح رضي الله عنه.... ولنسرد شيئًا من مقتطفات ذاك الإنجيل الجميل (برنابا) حسب ترجمة الأستاذ خليل سعادة، وعناية المهندس أحمد جبر عبد ربه:
       فمن أقوال المسيح | ووصاياه:
      «إن الشيطان لم يخذل إلا بخطيئة الكبرياء» (ف34)، «كل ما يحبه الإنسان ويترك لأجله كل شيء سواه فهو إلهه، فإن صنم الزاني هو الزانية... عبادة الأصنام أعظم خطيئة» (ف33)، «وقد جاء الأنبياء كلهم إلا رسول الله الذي سيأتي بعدي لأن الله يريد ذلك حتى أهيئ طريقه» (ف36)، «يا محمد ليكن الله معك وليجعلني أهلًا أن أحل سير حذائك» (ف34)، «المرائي هو الذي يعبد بلسانه الله ويعبد بقلبه الناس» (ف35).
        ثم ضرب ــ أي المسيح ــ الأرض برأسه ــ أي سجد لله ــ ولما رفع رأسه قال: ليكن ملعونًا كل من يدرج في أقوالي أني ابن الله» (ف53)، «إني أقشعر لأن العالم سيدعوني إلهًا وعلي أن أقدم لأجل هذا حسابًا» (ف54)، «لو اجتمعت الخلائق جميعًا لما أتيح لها أن تـخلق ذبابة واحدة جديدة» (ف63)، «فإني قد أتيت لأهيئ الطريق لرسول الله الذي سيأتي بخلاص العالم ولكن احذروا أن تغشوا لأنه سيأتي أنبياء كذبة ــ أي متنبؤون ــ كثيرون يأخذون كلامي وينجسون إنجيلي» (ف72)، «الكسل مرحاض يتجمع فيه كل منكر بخس والإكثار من التكلم أسفنجة تلتقط الآثام» (ف75)، «يأتي وقت يعطي الله فيه رحمته في مدينة أخرى ويمكن السجود في كل مكان بالحق» (ف82)، «الصديق شيء خاص لا يسهل وجوده ولكن يسهل فقده» (ف85)، «من يغفر يغفر له ومن يدِن يُدان» (ف88)، «جوبوا بلاد السامرة واليهودية ــ إسرائيل مبشرين بالتوبة لأن الفأس موضوعة على مقربة من الشجرة لتقطعها» (ف100)، «ما أعظم جنون الإنسان الذي يبكي على الجسد الذي فارقته النفس ولا يبكي على النفس التي فارقتها رحمة الله بسبب الخطيئة» (ف103)، «إن الشهوة هي عشق غير مكبوح الجماح إذا لم يرشده العقل تجاوز حدود البصيرة والعواطف» (ف115)، «ما أتعسك أيها الإنسان الذي تحترم النور الذي يشترك فيه الذباب والنمل وتحتقر النور الذي تشترك فيه الملائكة والأنبياء» (ف118)، «لأن الله أعطى لكل إنسان ملاكين مسجلين أحدهما لتدوين الخير الذي يعمله الإنسان والآخر لتدوين الشر» (ف121)، «في كل عمل صالح قولوا الرب صنع وفي كل عمل رديء قولوا أخطأت» (ف126)، «لا يجدي المرء نفعًا أن يربح كل العالم ويخسر نفسه» (ف145)، «لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته إن من يسرق الشرف يستحق عقوبة أعظم ممن يسرق رجلًا ماله وحياته» (ف145)، «طوبى للذين سيصيخون السمع إلى كلامه متى جاء إلى العالم لأن الله سيظلهم كما تظلنا هذه النخلة... أجاب التلاميذ يا معلم من عسى أن يكون ذلك الرجل الذي تتكلم عنه الذي سيأتي إلى العالم، أجاب يسوع بابتهاج قلب إنه محمد رسول الله... فهو غمامة بيضاء ملأى برحمة الله وهي رحمة ينثرها الله رذاذًا على المؤمنين كالغيث» (ف163)، «ولقد قال عن المسرات أشعيا النبي لم تر عينا إنسان ولم تسمع أذناه ولم يدرك قلب بشر ما أعده الله للذين يحبونه» (ف169)، «فحينئذ يقول رسول الله يارب يوجد من المؤمنين في الجحيم من لبث سبعين ألف سنة... إني أضرع إليك يا رب أن تعتقهم من هذه العقوبات المرة فيأمر الله حينئذ الملائكة الأربعة المقربين لله أن يذهبوا إلى الجحيم ويخرجوا كل من على دين رسوله ويقودوه إلى الجنة» (ف137)، «قال النبي داود ثمين في نظر الرب موت الطاهرين» (ف140)، «يقول النبي داود من نصب فخًا لأخيه وقع فيه» (ف139)، «إن إسماعيل أبٌ لمسيا وإسحاق أبٌ لرسول مسيا» (ف191)، «من كان منكم بلا خطيئة فليكن أول راجم لها ــ أي الزانية ــ» (ف201)، «قال في صلاته لما أقبل أعداؤه للقبض عليه وكان تلاميذه يؤمنون على دعائه... امنح خادمك أن يكون بين أمة رسولك يوم الدين وليس أنا فقط بل كل من أعطيتني مع سائر الذين سيؤمنون بي بواسطة بشيرهم» (ف212)، «فلما رأى الخطر على عبده أمر جبريل وميخائيل (ميكائيل) ورفائيل (إسرافيل) وأوريل (لعله عزرائيل) سفراءه أن يأخذوا يسوع (عيسى) من العالم فجاء الملائكة الأطهار وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب فحملوه ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبح الله إلى الأبد» (ف215).
          (38)   تعتبر شريعة حمورابي وهو سادس ملوك مملكة بابل القديمة من أقدم الشرائع المكتوبة المتكاملة، وتعود إلى العام (1790ق.م) تقريبًا، وهي مكونة من مجموعة من القوانين؛ كالزراعة والرعي والجنايات، حتى ضم إليها حقوق المرأة والأطفال والعبيد، وقد نقشت هذه القوانين على عمود بازلتي طوله (2.5) متر، وقد اكتشف هذا العمود عام (1909م) في عربستان المحتلة، ولعله أخذ من جملة غنائم الفرس لما هزموا البابليين في القرن الأول قبل الميلاد، وهو معروض حاليًا في متحف اللوفر في باريس.
         ويذكر التلمود أن موسى | ولد بعد حمورابي بـ(400) سنة، وتحتوي الشريعة المنسوبة لموسى | ــ الأسفار الخمسة الأولى ــ على أجزاء مطابقة لأجزاء معروفة من شريعة حمورابي، وعلى هذا فقد افترض بعض الباحثين أن العبرانيين استعاروا بعضًا من قوانين حمورابي لما كانوا في السبي، ونسبوا ذلك إلى كتابهم المقدس، ومن ذلك:
       1ــ قانون حمورابي (245): «إذا استأجر أحدهم ثورًا وأماته بسبب الإهمال أو الضرب  فيعوض صاحبه بثور مثله».
       قانون التوراة: «ومن قتل بهيمة فليعوّض مثلها نفسًا بدل نفس» (لاويين 18: 24).
        2ــ قانون حمورابي (145): «إذا تزوج سيد زوجة ولم تهد له أولادًا وقرر أن يأخذ جارية  فلهذا الرجل أن يأخذ ويأتي بها إلى بيته أنها امرأة ثانية».
        قانون التوراة: «فقالت ساري لأبرام هو ذا قد حبسني الرب عن الولادة فادخل على خادمتي لعل بيتي يبنى فيها» (تكوين 16: 2).
        3ــ قانون حمورابي (196): «إذا فقأ سيد عين ابن أحد الأشراف فعليهم أن يفقؤا عينه».
       قانون التوراة: «الكسر بالكسر والعين بالعين والسن بالسن» (لاويين 20: 24).
      إلى غير تلك التشابهات والموافقات التي تبدو طبيعية عند التأمل، فهي موجودة حتى في بعض القوانين الوضعية الحديثة، بل إن التماثل والتطابق فيها نسبي وغير مكتمل.
       ويرى الأستاذ سامي البدري رئيس قسم الأديان المقارن في المعهد الإسلامي في بريطانيا «أن حمورابي جاء بعد إبراهيم | بـ(300) سنة، وليس قبله كما هو مشهور، وأن شريعة حمورابي هي نسخة متصرف فيها من صحف إبراهيم |، لذا نجد التقارب بينها وبين التوراة».
       قلت: وعلى القول بأن صحف موسى هي التوراة فالله تعالى يقول: "إن هذا لفي الصحف الأولى . صحف إبراهيم وموسى" [الأعلى: 18، 19]، كذلك في قوله تعالى: "أم لم ينبأ بما صحف موسى . وإبراهيم الذي وفّى . ألا تزر وازرة وزر أخرى . وأن ليس للإنسان إلا ما سعى . وأن سعيه سوف يُرى . ثم يجزاه الجزاء الأوفى"  [النجم: 36ــ 41] بل هناك تشابه نسبي في بعض أحكام القرآن الكريم وبين التوراة ــ وإن كانت شريعة القرآن وسط بين شدة التوراة وسهولة الإنجيل ــ فمنها آيات القصاص في سورة المائدة في قوله تعالى: "وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص" [المائدة: 45] ففيها شبه من آية سفر اللاويين، وسبط لاوي الإسرائيلي هو المسؤول عن حفظ التوراة في المقام الأول: «الكسر بالكسر والعين بالعين والسن بالسن» (لاويين 20: 24) فالمعين واحد، والمشكاة واحدة، والطريق الحقيقي ــ غير المحرف ــ واحد، حتى وإن اختلفت تفاصيل الشرائع فالأحكام الكلية لها لا تـختلف غالبًا.
           (39)   الناصري، تولاند، عن: هل العهد الجديد كلمة الله، د. منقذ السقار.
            (40)   هناك دراسات تنتقد ترجمة هذا الإنجيل، متهمة المترجم بمحاولة إفساد الكتاب لينفر منه المسيحيون العرب والمسلمون على السواء. علمًا بأن هذه الترجمة ــ للعربية ــ مأخوذة عن ترجمة أخرى قام بها رئيس كهنة إنجليزي، وترجمها من الإيطالية إلى الإنجليزية، وقد ذكرت بعض الدراسات أن التلاعب في هذه الترجمة ظاهر للعيان! وذكر الباحث أكثر من خمسين دليلًا يثبت صحة اتهامه، ومنها:
         1ــ أن المترجم ذكر في مقدمته أنه قد ترجمها من الأصل الإيطالي والأصل الأسباني، ثم ناقض    نفسه حينما ذكر أن هذين الأصلين لا وجود لهما الآن!
          2ـ اعتراف المترجم مرات عديدة في الهوامش أنه قد غيّر كلام النسخة الأصلية المترجم عنها ــ بحجة عدم وضوح الأصل ــ وفي هامش (ف99) كتب: «وجرينا على ذلك في هذه الترجمة» وهذا طعن مباشر في أمانة الترجمة ونزاهتها، وقدح في موضوعيتها العلمية.
        3ـ تناقضه؛ فحين يزعم أن مؤلف هذا الإنجيل يهودي أندلسي أسلم، نراه يقول في المقدمة: «إن الموسوعة الفرنسية أثبتت وجود إنجيل برنابا قبل الإسلام بمئات السنين».
        كذلك فقد شهد لقدم إنجيل برنابا القس صموئيل مشرقي رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر في كتابه (عصمة الكتاب المقدس) ص40، فقال: «إن إنجيل برنابا كان موجودًا سنة (325م) وهي سنة مجمع نيقية المشهور، وكذلك إنجيل توما (توماس).
       قلت: ومن أدلة دفع شبهة كتابته من قبل المسلمين أن الأئمة الذين تصدوا لشبه أهل الكتاب في مناظراتهم المشهورة وكتبهم المسطورة لم يذكروا هذا الإنجيل، ولم يستشهدوا به، كابن حزم والغزالي وابن تيمية وابن القيم، بل حتى ابن البطريق نفسه لم يذكره.
          (41)   وقد طبع إنجيل يهوذا سنة (2006م) وترجم للإنجليزية.
          (42)  وكان بعض السلف يذكر عن كتب بني إسرائيل أن المسيح | خاطب حوارييه وقال: من يريد أن يلقى عليه شبهي، فيقتل ويكون رفيقي في الجنة، فتقدم أحدهم.
          (43)   والحق أن القرآن العظيم هو الشاهد لهذا الإنجيل فهو المهيمن والشاهد الصادق على كل ما قبله "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد" [فصلت: 42].
            (44)   وهناك تناقضات في العهد الجديد فيما يخص يهوذا الإسخريوطي، ففي (إنجيل متى 27: 5): «ثم مضى وخنق نفسه» أي بعد وشايته بالمسيح |، بينما نرى طريقة مختلفة لموته في (أعمال الرسل 1: 18) «وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها» فكيف يستقيم هذا؟ وهل من أوحى لمتى لا يعلم ما أوحاه للوقا أو بولس، وتعدد الآلهة ممتنع فلم يبق إلا "يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون"  [الأنعام: 112].
            (45)   ينظر: مخطوطات البحر الميت، للأستاذ أحمد عثمان، فقد أفاض فيها وفي مخطوطات نجع حمادي كذلك.
           (46)   وقد تم تحديد تاريخ تدوينها التقريبي بواسطة الكربون المشع (كربون 14) ويستـخدم هذا الكربون لتحديد عمر الأحافير، والأنواع الأخرى من الأشياء القديمة، ويحدد علماء البيولوجيا والجيولوجيا عمر جسم قديم بقياس محتوى الكربون المشع فيه، ويقولون: إن ذرات الكربون مثل جميع المواد المشعّة تنحل (تتفكك بإطلاق جسيمات) بمعدل دقيق ومنتظم، وتـختفي نصف كمية الكربون المشع بعد نحو (5700) سنة، ومعنى هذا أن الكربون المشع له نصف عمر يعادل تلك الفترة، ويبقى ربع الكمية الأصلية من الكربون المشع بعد (11.400) سنة، وبعد (5700) من السنين يبقى الثُمن وهكذا، ولا يبدأ تحلل الكربون في الكائن الحيواني أو النباتي إلا بعد وفاته.
          (47)   من قواعد محققي التحرّي والتحقيقات في عالم الجريمة: ابحث عن المستفيد من الجريمة لتبدأ به في التحقيق والتحري. والمستفيد من إخفائها متعصبو الديانتين اليهودية والمسيحية، ولعل السبب في إخفائها هو إخفاء ما تحويه ولعل من ذلك:
        1ــ أنها قد تصحح المفاهيم والتصورات لدى أهل الكتاب في أمور التوحيد والإيمان والمعاد والأعمال الصالحة، والبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
         2ــ أنها سابقة ومعاصرة ولاحقة لزمن المسيح عليه السلام، وسينتج من ذلك ــ لو نشرت ــ سحب البساط من تحت صولجان الكنيسة الفاتيكانية القائمة على أسطورة انتقال بطرس إليها وتفويضها المطلق بسلطة المسيح عليه السلام.
          (48)   الأسينيون أو العيسويون أو الجوهريون، هم أفراد الجماعة التي انشقت عن اليهود التقليديين، وسكنت بريّة قمران ما بين منتصف القرن الثاني قبل الميلاد ومنتصف القرن الأول الميلادي، والتي خلّفت كتبها ورسائلها مخبأة في كهوف البحر الميت.
        واختلف الباحثون في أصل هذه الطائفة وانتمائها، وقد ورد اسمها مكتوبًا باللغة اليونانية في كتابات فيلوجوداياس ويوسيفوس ويليني الكبير، وهو إيسينوي أو إيسايو، واسم الشخص المنتمي لهذه الطائفة إيساوي (اسم يسوع باليونانية يكتب إيسو وبالعربية عيسى) واليونانية ليس فيها حرف العين، فيقلبونه ألفًا، فيلفظون كلمة عيسى إيسى. والنسبة إليه عند اليونانيين إيساوي وعند العرب عيساوي.
       إذن فاسم الجماعة هو «العيسويون» وهم ينحون إلى إخفاء تفاصيل دينهم عن غيرهم، ويتميزون بالرمزية، ولعل هذا ناشئٌ عن الاضطهادات الرومانية واليهودية الواقعة عليهم لخصوصية مذهبهم.
       وهم يختلفون عن الصدوقيين بكونهم يؤمنون بالبعث والآخرة، ويخالفون الفريسيين في كثير من الأمور، والذي يميزهم كثيرًا هو عداؤهم المستحكم لكهنة المعبد في القدس وانتظار مخلص لهم ينتظرونه، وبمجيئه تتحقق نبوءتهم. وقد التزموا نطاقًا صارمًا في العبادة والزهد، وتظهر كتبهم أنهم كانوا يعتقدون أنهم يمثلون طائفة العهد الجديد من اليهود، وإن كانوا لم يخرجوا من الكيان اليهودي العام، ولم يخرجوا بدعوتهم إلى الأمم، وكان لهم معلم يلقبونه المعلم الصدّيق، ويشبه في صفاته ما في العهد الجديد من وصف المسيح عليه السلام، وأن نهايته كانت دموية (وكانت قبل الميلاد بنحو قرنين) والذي تسبب بموته هو الكاهن الشرير.
        قال تايتسر الأستاذ في جامعة كامبريدج: «إن المعلم الصدّيق لهذه الطائفة ما هو إلا المسيح نفسه، وهذه الجماعة هي الجماعة المسيحية الأولى!» وراجع ما سبق ص131 وما بعدها.
        (49)   وقد أعلن دوبون سومير في صحيفة الفيجارو عام (1950م): «أن معلم العدالة في أدبيات الأسينيين ليس إلا المسيح |». وقد تابعه على ذلك اللغرو وهو العالم اللغوي الذي ساهم في فك رموز اللفائف وقراءتها، وقال: «إن التقارب شديد بين أدبيات تلك الطائفة وبين حال المسيحية في أول نشأتها».
           (50)   تحتوي مكتبة قمران على ثلاثة أنواع من الكتب موزعة على ثلاث مجلدات كبار ومخزنة في متحف روكفلر في القدسن وهي على النحو التالي:
        1ــ كتابات توراتية من العهد القديم.
       2ــ كتابات لأسفار خارج العهد القديم (أبو كريفا).
       3ــ كتابات خاصة بجماعة العيسويين.
          (51)   وهذا إزراء وإزدراء بالعلماء الأردنيين وبتأهيلهم في اللغويات والآثار والتاريخ!
          (52)   وفي عام (1991م) نشر كتاب في لندن بعنوان (خداع مخطوطات البحر الميت) للكاتبين مايكل بيجنت وريتشارد لي، اتهما فيه الفاتيكان صراحة في عملية ترجمة ونشر مخطوطات قمران، ومحاولة إخفاء معلومات مهمة تحتويها لأنها مخالفة لتعاليم الكاثوليك.
          (53)   مما يدل على وجود شيء ما وكبير في محتوى المخطوطات؛ أن رئيس تلك اللجنة الكاثوليكية جون استرو قد نقد اليهودية نقدًا مباشرًا بعد اطلاعه على هذه المخطوطات، بل قد دعاهم صراحة للدخول في المسيحية، وما هي إلا أيام قلائل بعد ذلك الإعلان الذي كان عن طريق مقابلة تلفزيونية؛ حتى صدر قرار فصله من تلك اللجنة، وخوفًا من تسريب معلومات غير قابلة للنشر فقد أدخل مستشفى للأمراض العقلية، ومنع الإعلام من التواصل معه، بعدما أمضى خمسة وثلاثين عامًا في العمل على هذه المخطوطات!!
          (54)   وهو ما لم يحدث بالطبع حتى لا تكشف المؤامرة.
          (55)   كما فعلت بإنجيل برنابا الذي خرج بأعجوبة بعد إخفائه وحبسه أكثر من خمسة عشر قرنًا من الزمان؛ وبالطبع فإن كانت في الفاتيكان فلابد أن صفقة ما قد اتفق عليها فليس من أخلاق اليهود الإعطاء مجانًا، حتى وإن استفادوا من الإعطاء، إلا إذا كانت قد صوّرت من قبل لجنة الكاثوليك قبل استيلاء اليهود عليها.
         (56)   يمثله الأستاذ آيزمان من كاليفورنيا.
        (57)   ينظر: مخطوطات البحر الميت، ص114.
        (58)   وقد أبدى الباحث اللاهوتي كريغ إيفانز بعد فحصه المبدئي لهذه الكتابات النحاسية بعض الأمل لتجلية أمر اليسوعيين، حيث ألمح إلى أنها قد تـخص طائفة يهودية كانت تنظر إلى يسوع بوصفه المسيح.

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق