إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الجمعة، 21 يونيو، 2013

الإمام محمد رشيد رضا.. فتى القلمون, والهمّ الإصلاحي


الإمام محمد رشيد رضا.. فتى القلمون, والهمّ الإصلاحي
خلق الله تبارك وتعالى بني الإنسان بتمايزٍ في القدرات العقلية والجسدية، وفاوت بينهم في المنح والأرزاق العلمية والإيمانية والمادية، وفرّقهم في أضابير الأزمنة والأمكنة على امتداد التاريخ الإنساني السحيق.. وحسابهم غدًا على قدر النعمة.
من أولئك الأفذاذ النوادر رجل بحجمِ هِمِّ أمة كاملة، يقلقه وجع مسلمٍ في أقصى المشرق، ويفرحه سرور آخر على شاطئ الأطلنطي، ويقَلْقِلُهُ جهل فئام من أمته بحقائق الديانة، ويبكيه بكاء أرملة، ويشجيه دمع يتيم.
نظر إلى حال أمته في ذلك الزمان العصيب، وقد خيّم عليهم الجهلُ، وثارت بينهم العصبيّات والقوميات، واندرس وَشْيُ الإسلام أو كاد، واتخذت البدعُ سُننًا وسَننًا، وانقلبُ المنكرُ معروفًا، وتداعتْ أممُ الكفر على الأمة كما تَدَاعَى الأكَلةُ على قصعتها، وأُلقي الوهنُ على قادتها ساسةً وعلماء.. فصرخَ بلسان حاله: آن للأمة النهوض، بل الوثوب. ولم يكتف بتسطير الأحلام والأماني، بل شدّ صُلبَه، ووجَّهَ هِمته وكفاحه، لتحقيق ما اسطاع من ذلك الهمّ السامي.. همّ الإصلاح الحقيقي للأمة، والنهوض بكل متطلبات حضارتها، في الإيمان والعلم الشرعي والتجريبي، والوعي السياسي، والإصلاح الاجتماعي والصناعي والزراعي وكل ما يلزم من مفاتيح التقدّم دينًا ودنيا.. أما كيف ذلك؟ وما هي نسبة تحقّق مراده؟ لنرى:
ولد الإمام محمد رشيد رضا يوم 27/ 5/ 1282هـ في بلدة القلمون الشاميّة، ونشأ في بيت علم وفضيلة، وحفظ القرآن في صباه، وألحقه أبوه بالمدرسة الوطنية الإسلامية في طرابلس، وقرأ على علماء طرابلس فنون العلم.. وكان المنعطف المهمّ في وجهته الدعوية حينما قرأ عددين من مجلة العروة الوثقى، إذ اتّفق أنه قرأهما أثناء تقليبه لأوراق والده. وهذه المجلة كان يحرّرها الشيخ محمد عبده، فبحث عن أعدادها الأخرى فقرأها بنُهمة، وقد تكوّنت لديه رؤية واسعة لما قد يستطيعه الداعية إلى الله إن وفّقه الله للعلم والعمل والدعوة والصبر والحكمة. فابتدأ مشروعه الكبير من قريته القلمون، فوعظ ودرّس وعلّم الناس حتى ظهرت ثمار دعوته في بلدته وما حولها – ومن المفارقة أَنْ دار الزمان حتى أصدر فيما بعد مجلةً فيقرأُ أحد أعدادها شابٌّ ألبانيٌّ فتكون من أسباب توجُّهِه للحديث، فيتضلع منه حتى يصبح محدّث الدنيا في وقته ذاك هو الإمام الألباني .
ثم أزمع الهجرة لمصر لأمرين: أحدهما: لقاء أستاذه الشيخ محمد عبده، والقرب منه والإفادة من تجاربه وعلمه وتوجيهه، وكان قد التقاه مرتين في طرابلس إبّان زيارة الشيخ للشام. والثاني: البحث عن محضن حرّ لمشروعه الفكري الإعلامي النهضوي عبر إنشاء صحيفة قويّة البناء، صحيحة العلم، سليمة المنهج، صادقة الطرح، وقد كانت مصر خير من يمثّل القالب لتحقيق ذلك الحلم لذلك الشاب الطموح. وفي هذا ملمحٌ لأهل الإصلاح ألا يقبعوا في مكان إن كان غيره أولى، وقد كانت مجلة العروة الوثقى باريسية الصدور، فلم يضرها ذلك، وحاليًّا مجلة البيان اللندنية.
وصل القاهرة في رجب عام 1315 والتقى في اليوم الثاني شيخه وأستاذه محمد عبده، ومن هناك وضع لبنة مشروعه العظيم، فاستشار شيخه بعد مدة في إصدار مجلّة أسبوعية تكون منبرًا للإصلاح فوافقه شيخه، وكان ذا حظوة عنده، وأهداه كتابي التوحيد وكشف الشبهات للإمام المجدد، فأثنى عليهما وعلى صاحبهما وأيَّدَهما - رحمهم الله - جميعًا، وكان مما قال أستاذه له على عصرانيته: إنه لم تُظلم حركة إصلاحية قط كما ظُلمتْ هذه الحركة الصافية.
ثم اختارا اسمًا للمجلة هو المنار، تيمّنًا بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عند الحاكم وغيره بسند صحيح أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: ''إن للإسلام صُوىً، ومنارًا كمنار الطريق'' وصدر العدد الأول في 10/ 1315؛ أي بعد ثلاثة أشهر من وصول الشيخ لمصر، وكان حينها في الثالثة والثلاثين من عمره - وتأمّل اتّقاد الهمّة ومضاء العزم - فكان هو المحرّر لأكثر مقالاتها على تنوّعها، مع استكتابه لقامات كبار كتّاب عصره. وهذا يذكرنا بمجلة العرب وصاحبها العلامة حمد الجاسر رحمه الله، كذلك الرسالة للزيات- وقد كان الشيخ محمد سيّال العلم والبيان. ومع صدور العدد الثاني صودر في الشام من قبل الدولة العثمانية لمقالة فيها بعنوان: القول الفصل في سعادة الأمة. وتلا ذلك اضطهاد والد الشيخ وإخوته ومصادرة أملاكهم في القلمون ولم يستطع زيارتهم إلا بعد أحد عشر عامًا.
وكتب الله تعالى القبول لهذه المجلّة، فسارت في الناس مسير الشمس، وتلقّفوها مستبشرين بما فيها من تحقيق وتحرير وغيرةٍ وصدق ونصح. مع ذلك فقد كانت متنوّعة المواضيع، إلا أن جامعها الرصانة والاستقامة. وهي أعظم آثار الشيخ، وقد استمرت من سنة 1316 إلى سنة 1354 واستغرقت ثلاثة وثلاثين مجلدًا، ضمت 160،000 صفحة. لم يكتف الشيخ بالتوجيه من خلف الأوراق، بل نزل بنفسه لميدان التربية والتعليم وأسّس دار الدعوة والإرشاد لتخريج الدعاة المُؤَصَّلين على منهج السلف الصالح ونشرهم في أقطار المسلمين. فافتتحها عام 1330هـ لكن ضيق ذات يده حال دون استمرارها.
كان حريصًا على وحدة المسلمين واتحادهم ضد عدوهم، فأيد بعض الزعماء العرب محرضًا لهم على خدمة الإسلام، ثم سحب تأييده لهم عندما تحولوا عن ذلك، وأخيرًا وجد ضالته المنشودة في الملك عبد العزيز باستقامته وصدقه والتزامه الكتاب والسنة، ولم يترك الأمر للدعايات المضللة دونه، بل قابله وناقشه وبحثه، مما أثمر تأييده والدفاع عن منهجه، وظل وفيًّا حتى اللحظة الأخيرة.
تميّزَ - رحمه الله - بثلاثة أمور: موسوعية العلم، واتّقاد الغيرة على الدين، والشجاعة الأدبية.
توفي رحمه الله في مصر يوم الخميس 23/ 5/ 1354هـ، وكانت آخر عبارة قالها في تفسيره: ''فنسأله تعالى أن يجعل لنا خير حظ منه بالموت على الإسلام''

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق