إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الجمعة، 19 سبتمبر، 2014

المسيحيّة بين التوحيد والوثنيّة

المسيحيّة بين التوحيد والوثنيّة
الحمد لله وبعد: فدين المرسلين جميعًا هو التوحيد, قال الله تبارك وتعالى: "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون" ولما كفرت بنو إسرائيل أرسل الله إليهم عيسى المسيح عليه السلام ليردهم لمحجة الإيمان ويبشرهم بالرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم, وينذرهم غضب الله وعذابه. وآتاه الإنجيل فيه هدى ونور, فماذا كان بعد؟
لقد آمن به من آمن من بني إسرائيل وكفر به من كفر, ولم يطل به الزمن حتى تآمر ذوو الرئاسة على قتله فرفعه الله إليه حتى ينزل في آخر الزمان فيحكم بالقرآن. وقد قال الحبيب صلوت الله وسلامه وبركاته عليه فيما رواه الشيخان: «أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلّات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد وليس بيننا نبي»
رُفع المسيح عليه السلام وبقي بعض إنجيله محفوظًا في صحائف من آمنوا به واتبعوه ممن ثبتوا على دينه التوحيدي الصافي النقي.
ثم وقع الابتلاء لأتباعه بالقتل والسجن والتشريد وإحراق الصحائف فضرب الرعيل الأول منهم أروع آيات الاستشهاد والصبر في ذات الله, حتى دخل دينهم نفاقًا يهودي فِرِّيسي يسمى شاؤول فآلى على نفسه أن يُبدل دين المسيح ليجنح به لوثنية الفلاسفة الإغريق – إذ كان شاؤول متأثرًا بفيلون السكندري وفلسفة الغنوصية والإشراق – فبدّل اسمه لبولس وزعم أن المسيح تراءى له ثم ابتدأ مشروعه المدمّر لبنية المسيحية الحقيقية وإبدالها بديانة خليطة بين غنوصية الهنادكة ووثنية الإغريق ومحالات التصورات مع شيء من النظام الأخلاقي المسيحي القديم. فركب صهوة التبديل والتحريف, ولكن أبى الحواريون وغالب أتباعهم ذلك الانحراف, فاصطرعوا فكريّا وأخلاقيّا وجسديّا فكانت الحرب الجسدية سجالًا مع الحرب الضروس من الرومان لكلى الطائفتين الموحدة والمشركة مع رجحان كفة الموحدين في الغالب, حتى دخل الربع الثاني من القرن الميلادي الرابع فانعطف من هنالك التاريخ المسيحي من التوحيد والإيمان إلى الشرك والوثنية بعد أن دخل في الميدان امبراطور الرومان قسطنطين فمالت كفة الميزان ضد الموحدين ولا زالت في ميول حتى ينزل المسيح فيقيمها بإذن ربه على دين المرسلين.
إلا أن هناك ملامح باقية للتوحيد على مستوى تدوينات الكتاب المقدس المعترف بها وغيرها, وكذلك على مستوى الطوائف الموحّدية المتمسكة بما وجدته من بقايا العهد الإنجيلي القديم مع نقصه الكثير وتحريفه المتكرر.
فمن الكتابات الباقية على سبيل المثال ما جاء في متى «قال له يسوع: اذهب يا شيطان لأنه مكتوب للرب إلـٰهك تسجد وإياه وحده تعبد» (متى 4: 7) وغيره كثير في العهدين القديم والجديد, وكذلك ما اكتشف من مخطوطات نجع حمادي وإنجيل توماس وبرنابا ويهوذا ومخطوطات البحر الميت وغيرها.
أما الطوائف الموحدة فمنهم – في غالب الظن - فرقة بولس الشمشاطي، وفرقة أبيون، وفرقة ميلينوس، وفرقة آريوس، وفرقة الأسينيين، وطائفة الجوهريين وغيرهم. 
لقد تعرض هؤلاء لاضطهاد هائل من الكنائس الرسمية، ولعنتهم المجامع الكنسية المخالفة، ووصمتهم بالكفر والهرطقة، ومزقتهم كل ممزق، مع هذا فلم يُستأصلوا، ولما أشرق نور الإسلام، وأضاء ما بين الخافقين كان في مقدّمة المهتدين إليه من أهل الكتاب تلك البقايا الموحدة التي انتظرت طويلًا نبيًا عظيمًا ينير لها جادة المرسلين, وبقي منهم كثير لم يشهدوا لرسول الله بالرسالة لانطماس نورهم من هذه الجهة.
ولما ظهرت حركة الإصلاح الكنسي نشط الموحدون في أوروبا حتى إن ملك المجر  سيجسموند (ت: 1571م) كان موحدًا.
وفي ترانسلفانيا ازدهر التوحيد ومن مشاهير الموحدين فيها فرانسيس داود. وفي بوليونية ظهر سوسنس الموحد، وكان له أتباع يعرفون بالسوسنسيين وقد أنكروا التثليث ونادوا بالتوحيد.
ومن القامات البارزة سرفيتوس الذي نادى بالتوحيد في أسبانيا وفرنسا وسويسرا وألف الكتب في ذلك، وكانت نهايته أن أُحرق بجنيف حيًا بعد أن ربطوا معه كتابه "خرافة التثليث" عام (1553م) على يد مدّعي الإصلاح والتسامح كلفن!
(وكل من أعلن التوحيد منهم أو هدم خرافة التثليث وصموه بالهرطقة, لذلك – وهذا نداء لكل مؤرخ مسلم - نحن بحاجة لإعادة كتابة التاريخ الأوروبي من وجهة نظر إسلامية تمامًا كما يكتبون تاريخنا من وجهة نظرهم)
وحينما اضطٌهِد الموحدون في أسبانيا وفرنسا وإيطاليا فرّوا بدينهم لإنجلترا في عهد هنري الثامن وأسسوا كنائس أسموها كنائس الغرباء.
ثم ظهرت جمعيات تحارب التثليث، ومنها الحركة المضادة للتثليث في شمال إيطاليا في أواسط القرن السادس عشر، تلتها الحركة المعادية للتثليث التي ترأسها الطبيب المشهور جورجيو بندراثا عام (1558م)
وكان من رواد التوحيد في تلك القرن السابع عشر جون بيدل وسُمي: أبو التوحيد الإنجيلزي، وقال بردنوفسكي: «كان العلماء في القرن السابع عشر يشعرون بالحرج من التثليث».
وفي القرن التاسع عشر الميلادي أسست في عدة مناطق كنائس موحدة، وقد اجتذبت شخصيات مهمة مثل وليام شانينج، وتكوّنت عام (1825م) جمعية التوحيد الأمريكي، كما أضحت مدينة ليون الهولندية وجامعاتها مركزًا للتوحيد.
وفي مطلع القرن العشرين تزايد الموحدون وازداد نشاطهم، وأثر بوجود ما يقرب من (400) كنيسة في بريطانيا ومستعمراتها، وما يقرب من (160) كنيسة أو كليّة في المجر، وغير ذلك في قارة أوروبا, وإن كان مذهب الربوبيين قد ساهم بشدّة في منافستهم.
وفي أمريكا قام الرئيس الثالث توماس جيفرسون بتأليف إنجيل جديد هذّب فيه الأناجيل المعروفة في نسخة منقحة، وحذف منها كل ما يدل على التثليث.
وفي سنة (1825م) أسست المنظمة الموحدية في أمريكا، ثم المجمع الوطني للموحدين (1865م) ومن رؤساء الولايات المتحدة الذين نبذوا خرافة التثليث جون آدمز و توماس جيفرسن و جون قوينسي آدمز و ميلارد فلمون و وليام تافث.
وللعلم فلا توحيد على الحقيقة إلا ما أرسل الله به رسله وأنزله في كتبه، وهو الإيمان بأن الله تعالى واحد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وعبادته وحده لا شريك له؛ فهذا هو التوحيد المطلق، أما إذا قيد بطائفة أو مذهب أو نحلة فهو بحسب ما قيد به ولا يعدو كونه مطلق توحيد.
هذا وعقيدة الموحدين المسيحيين تعود جذورها إلى الدين نفسه الذي علمه المسيح عليه السلام لأتباعه وهي الإسلام في العقيدة, واتباع التوراة في الشريعة مع بعض التـخفيف, فهم في الأصل ربما يكونون هم الطائفة التي آمنت بالمسيح عليه السلام وناصرته كما قال تعالى: "فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة"
 وظل بعضهم على هذا الإيمان حتى إشراق نور البعثة المحمدية على صاحبها صلوات الله وسلامه، وخلط آخرون ذلك الإيمان المسيحي الأصيل بشيء من البدع والمحدثات. مع التنبيه لبطلان كل دين غير الإسلام بعد بعثة رسولنا صلى الله عليه وسلم, قال الله تعالى: "ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين" وعند مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار».
إبراهيم الدميجي

22/ 11/ 1435

هناك تعليقان (2):