إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الثلاثاء، 7 أبريل 2026

أقسام الناس في العبادة


أقسام الناس في العبادة

الجمد لله رب العالمين؛ اعلم رحمني الله تعالى وإياك أن كل المكلفين مخاطبون بالعبودية، والموفقون منهم من يجدُّون لتحصيلها، وليس كل من سلك وصل، بل العبرة بتوفيق الله وهدايته من شاء واصطفى كرمًا منه ورحمة ومِنّة وعدلًا. قال ابن القيم بعد ذكره أن أكثر السالكين سلكوا بجدّهم واجتهادهم غير منتبهين إلى المقصود: وإذا كان عدم الانتباه إلى المقصود والغاية من العبادة يحدث لأكثر الجادين فكيف إذًا يكون غيرهم؟

قال: «وأضرب لك في هذا مثالاً حسنًا جدًّا، وهو أن قومًا قدموا من بلاد بعيدة، عليهم أثر النعيم والبهجة، والملابس السنيّة، والهيئة العجيبة، فعجب لهم الناس، فسألوهم عن حالهم؟ فقالوا: بلادنا من أحسن البلاد، وأجمعها لسائر النعيم، وأرخاها، وأكثرها مياهًا، وأصحها هواءً، وأعظمها اعتدالاً، وأكثرها فاكهة، وأهلها كذلك أحسن الناس صورًا وأبشارًا.

ومع هذا فملكها لا يناله الوصف جمالاً وكمالاً، وإحسانًا وعلمًا وحلمًا، وجودًا، ورحمة للرعية وقربًا منهم، وله الهيبة والسطوة على سائر ملوك الأطراف، فلا يطمع أحد في مقاومته ومحاربته، فأهل بلده في أمان من عدوّهم لا يحلّ الخوف بساحتهم.

ومع هذا فله أوقات يبرز فيها لرعيته، ويسهل لهم الدخول عليه، ويرفع الحجاب بينه وبينهم، فإذا وقعت أبصارهم عليه تلاشى عندهم كل ما هم فيه من النعيم واضمحل، حتى لا يلتفتون إلى شيء منه. فإذا أقبل على واحد منهم أقبل عليه سائر أهل المملكة بالتعظيم والإجلال.

ونحن رسله إلى أهل البلاد، ندعوهم إلى حضرته، وهذه كتبه إلى الناس، ومعنا من الشهود ما يزيل الظن بنا، ويدفع التهمة عنا بالكذب عليه، فلما سمع الناس ذلك، وشاهدوا أحوال الرسل، انقسموا أقسامًا؛ فطائفة قالت: لا نفارق أوطاننا، ولا نخرج من ديارنا، ولا نتجشم مشقة السفر البعيد، ونترك ما ألفناه من عيشنا ومنازلنا، ومفارقة آبائنا وأبنائنا وإخواننا لأمر وُعِدنا به في غير هذه البلاد، ونحن لا نقدر على تحصيل ما نحن فيه إلا بعد الجهد والمشقة، فكيف ننتقل عنه؟

فهذه الطائفة غلب عليها داعي الحسّ والطبع على داعي العقل والرشد.

والطائفة الثانية: لما رأت حال الرسل وما هم فيه من البهجة وحسن الحال، وعلموا صدقهم؛ تأهبوا للسير إلى بلاد الملك، فأخذوا في المسير، فعارضهم أهلوهم وأصحابهم وعشائرهم من القاعدين. وعارضهم إلفهم مساكنهم ودورهم وبساتينهم، فجعلوا يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى. فإذا تذكروا طيب بلاد الملك، وما فيها من سلوة العيش، تقدموا نحوها. وإذا عارضهم ما ألفوا من ظلال بلادهم وعيشها وصحبة أهلها؛ تأخروا عن المسير والتفتوا إليهم، فهم دائمًا بين الداعين والجاذبين، إلى أن يغلب أحدهما ويقوى على الآخر فيصيرون إليه.

والطائفة الثالثة: ركبت ظهور عزائمها، ورأت أن بلاد الملك أولى بها فوطّنت أنفسها على قصدها، ولم يثنها لوم اللوام، لكن في سيرها بطء بحسب ضعف ما كشف لهم من أحوال تلك البلاد وحال الملك.

والطائفة الرابعة: جدّت في المسير وواصلته، فسارت سيرًا حثيثًا، فهم كما قيل:

وركبٌ سَرَوْا والليلُ مُرْخٍ سدولَه
حَدَوْا عَزَماتٍ ضاعت الأرض بينها
تُريهم نجومُ الليلِ ما يطلبونَهُ

 

على كل مُغْبَرِّ المطالِع قائِمِ
فصار سُرَاهُمْ في ظهور العزائم
على عاتِق الشِّعْرى وهامِ النعائمِ

فهؤلاء هممهم مصروفة إلى السير، وقُواهم موقوفة عليه، من غير تثنية منهم إلى المقصود الأعظم والغاية العليا.

الطائفة الخامسة: أخذوا في الجد في المسير، وهمتهم متعلقة بالغاية، فهم في سيرهم ناظرون إلى المقصود بالمسير، فكأنهم يشاهدونه من بُعْد وهو يدعوهم إلى نفسه وإلى بلاده، فهم عاملون على هذا الشاهد الذي قام بقلوبهم.

وعمل كلّ أحد منهم على قدر شاهده، فمن شاهد المقصود بالعمل في علمه كان ناصحًا فيه وإخلاصه وتحسينه، وبذل الجهد فيه أتم ممن لم يشاهده ولم يلاحظه، ولم يجد مسّ التعب والنصب ما يجده الغائب، والوجود شاهد بذلك، فمن عمل عملاً لملك بحضرته وهو يشاهده ليس كحال من عمل في غيْبته وبُعْده عنه»([1]).

وقال : «فمن شهد مشهد علو الله على خلقه، وفوقيته لعباده، واستواءه على عرشه، كما أخبر به أعرف الخلق وأعلمهم به الصادق المصدوق، وتعبّد بمقتضى هذه الصفة، بحيث يصير لقلبه صمَدٌ يفرح القلب إليه، مناجيًا له، مطرقًا واقفًا بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز، فيشعر أن كَلِمَه وعمله صاعد إليه، معروض عليه، مع أوفى خاصته وأوليائه، فيستحي أن يصعد إليه من كَلمه ما يخزيه ويفضحه هناك.

ويشهدُ نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع التدبير والتصرف من الإماتة والإحياء، والتولية والعزل، والخفض والرفع، والعطاء والمنع، وكشف البلاء وإرساله، وتقلّب الدول، ومداولة الأيام بين الناس، إلى غير ذلك من التصرفات في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه. فمراسمه نافذة فيها كما يشاء ﴿يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٥﴾ [السجدة: ٥]، فمن أعطى هذا المشهد حقّهُ معرفةً وعبوديةً استغنى به»([2]).

وقال : «وجماع الأمر في ذلك إنما هو بتكميل عبودية الله عز وجل في الظاهر والباطن، فتكون حركات نفسه وجسمه كلها في محبوبات الله، فكمال عبودية العبد موافقته لربه في محبة ما أحبه، وبذل الجهد في فعله، وموافقته في كراهة ما كرهه، وبذل الجهد في تركه. وهذا إنما يكون للنفس المطمئنة، لا اللوامة ولا الأمّارة. فهذا كمال من جهة الإرادة والعمل. وأما من جهة العلم والمعرفة، فأن تكون بصيرته منفتحة في معرفة الأسماء والصفات والأفعال، له شهود خاص فيها مطابق لما جاء به الرسول لا مخالف له، فإن بحسب مخالفته في ذلك يقع الانحراف، ويكون مع ذلك قائمًا بأحكام العبودية الخاصة التي تقتضيها كل صفة بخصوصها.

وهذا سلوك الأكياس الذين هم خلاصة العالم، والسالكون على هذا الدرب أفراد من العالم، وهو طريق سهل قريب موصل، طريق آمن، أكثر السالكين في غفلة عنه، ولكنه يستدعي رسوخًا في هذا العلم، ومعرفة تامّة به، وإقدامًا على رد الباطل المخالف له ولو قاله من قاله. وليس عند أكثر الناس سوى رسوم تلقوها عن قوم معظمين عندهم، فهم لإحسان ظنهم بهم قد وقفوا عند أقوالهم، ولم يتجاوزوها إلى غيرها، فصارت حجابًا وأيَّ حجاب!

فمن فتح الله بصيرة قلبه وإيمانه حتى خرقها وجاوزها إلى مقتضى الوحي والفطرة والعقل؛ فقد أوتي خيرًا كثيرًا، ولا يُخاف عليه إلا من ضعف همته، فإذا انضاف إلى ذلك الفتح همّة عالية، فذاك السابق حقًّـا، واحد الناس في زمانه، لا يُلحق شأوه ولا يُشقَّ غباره، فشتان ما بين من يتلقى أحواله وارداته عن الأسماء والصفات. وبين من يتلقاها عن الأوضاع الاصطلاحية والرسوم، أو عن مجرد ذوقه ووجده، إذا استحسن شيئًا قال: هذا هو الحق.

فالسير إلى الله من طريق الأسماء والصفات شأنه عجيب، وفتحه عجب، صاحبه قد سبق السُّعاة، وهو مستلقٍ على فراشه، غير تعب ولا مكدود، ولا مشتت عن وطنه، ولا مشرّد عن سكنه ﴿وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةٗ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ ٨٨﴾ [النمل: 88]، وليس العجب من سائر في ليله ونهاره، وهو في السُّرى لم يبرح مكانه، وإنما العجب من ساكن لا يُرى عليه أثر السفر، وقد قطع المراحل والمفاوز! فسائر قد ركبته نفسه، فهو حاملها سائر بها يعاقبها وتعاقبه، ويجرّها وتهرب منه، ويخطو بها خطوة إلى أمامه فتجذبه خطوتين إلى ورائه، فهو معها في جهد وكدّ، وهي معه كذلك. وسائر قد ركب نفسه، وملك عنانها، فهو يسوقها كيف شاء وأنى شاء، لا تلتوي عليه ولا تنجذب ولا تهرب منه، بل هي معه كالأسير الضعيف بيد مالكه وأسره، وكالدابة الريّضة المنقادة في يد سائسها وراكبها، فهي منقادة معه حيث قادها، فإن رام التقدّم جمزت به وأسرعت، فتسير به وهو ساكن على ظهرها.

فشتان ما بين المسافرين! فتأمل هذا المثل فإنه مطابق لحال السائرين، والله يختص برحمته من يشاء»([3]).

وقال ابن الجوزي : «قد سمعت بجماعة من الصالحين عاملوا الله عز وجل على طريق السلامة والمحبة واللطف، فعاملهم كذلك؛ لأن طبعهم لا يحتمل غير ذلك. واحدهم يقسم على ربه فيجيبه، وهناك أعلى من هؤلاء، يسألون فلا يُجابون، وهم بالمنع راضون. ليس لأحدهم انبساط، بل قيدهم الخوف، ونكس رءوسهم الحذر، ولم يروا ألسنتهم أهلاً للانبساط([4])، فغاية آمالهم العفو. فإذا انبسط أحدهم بسؤال فلم ير الإجابة عاد على نفسه بالتوبيخ، فقال: مثلك لا يُجاب، وربما قال: لعل المصلحة في منعي. وهؤلاء الرجال حقًّا والأبله الذي يرى له من الحق أن يجاب([5])، فإن لم يجب تذمر في باطنه كأنه يطلب أجرة عمله، وكأنه قد نفع الخالق بعبادته، وإنما العبد حقًّا من يرضى ما يفعله الخالق([6])، فإذا سَأَل فأُجيب رأى ذلك فضلاً، وإن مُنع رأى تصرّف مالك فلم يجل في قلبه اعتراض»([7]). والحمد لله رب العالمين.

([8])

 



([1])   مدارج السالكين، عن إحسان سلوك العبد المملوك (122ــ 126).

([2])   السابق (127، 128).

([3])   طريق الهجرتين وباب السعادتين. ابن القيم (1/468- 471).

([4])   والتوسط أن تحسن الظن بربك، وتسيء الظن بنفسك، وهذه حال السابقين الأولين.

([5])   ولا يمنع هذا من يقين الإجابة كما قال ﷺ: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة» رواه أحمد (٦٦٥٥) والترمذي (3479)، والبزار (10061)، وحسنه الألباني في الصحيحة (596) لأنه يعود على نفسه بالملام، ويقول: إنما أُتيتُ من قبلك، فللدعاء موانع ومحبطات، والخجل الوجل هو من يعتني بها هربًا وفَرقًا. كذلك فالإجابة هنا هي إجابة بالمعنى العام من تعجيل مراده، أو تأخيره، أو دفع السوء عنه بقدر دعائه، أو حفظه له أجرًا في الآخرة. فمتى أخلص الدعاء، وأحسن الظن، واستيقن الإجابة، وامتنع عن موانعها؛ فقد استجيب له استجابة عامة لما يصلح له، ومولاه أعلم به وألطف وأرفق وأرحم، تبارك وتعالى.

([6])   ويسأله من فضله ﴿وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ [النساء: ٣٢]، وسيأتي مزيد في باب حسن الظن، إن شاء الله تعالى.

([7])   صيد الخاطر، ابن الجوزي (321).

([8])