إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الثلاثاء، 12 مايو 2026

وسائل تحقيق التوحيد والإخلاص

 

وسائل تحقيق التوحيد والإخلاص

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام والبركة على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه وحزبه وجنده، أما بعد؛ فإنّ المعوّل كله على توفيق الله تعالى لعبده لعبده ﴿مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ [الكهف: ١٧]، ومن الوسائل المعينة على تحقيق الإخلاص والتوحيد:

أولاً: قطع الطمع في الخلق:

قال ابن القيم : «لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس، إلا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت. فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولاً فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهُل عليك الإخلاص.

فإن قلت: وما الذي يسهل علي ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؟

قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقينًا أنه ليس من شيء يُطمع فيه إلا وبيد الله خزائنه، لا يملكها غيره، ولا يُؤتي العبدَ منها شيئًا سواه.

وأما الزهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمه ويشين إلا الله وحده، كما قال ذلك الأعرابي للنبي : إن مدحي زينٌ وذمي شينٌ. فقال: «ذلك الله عز وجل»([1]). فازهد في مدح من لا يزينك مدحُه وفي ذم من لا يشينك ذمه، وارغب في مدح مَن كل الزين في مدحه وكل الشين في ذمه.

ولن تقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد السفر في البحر في غير مركب، قال تعالى: ﴿فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ وَلَا يَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ٦٠ [الروم: 60]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤﴾ [السجدة: 24]«([2]).

وقال ابن الجوزي : «عجبت لمن يتصنّع للناس بالزهد يرجو بذلك قربه من قلوبهم، وينسى أن قلوبهم بيد من يعمل له. فإن رضي عمله ورآه خالصًا لفت القلوب إليه، وإن لم يره خالصًا أعرض بها عنه.

ومتى نظر العامل إلى التفات القلوب إليه فقد زاحم الشرك نيته؛ لأنه ينبغي أن يقنع بنظر من يعمل له. ومن ضرورة الإخلاص: ألا يقصد التفات القلوب إليه، فذاك يحصل لا بقصده بل بكراهته لذلك.

وليعلم الإنسان أن أعماله كلها يعلمها الخلق جملة وإن لم يطلعوا عليها، فالقلوب تشهد للصالح بالصلاح وإن لم يشاهد منه ذلك. وأما من يقصد رؤية الخلق بعمل فقد مضى العمل ضائعًا؛ لأنه غير مقبول عند الخالق ولا عند الخلق؛ لأن قلوبهم قد التفتت عنه، فقد ضاع العمل وذهب العمر. فليتق الله العبد وليقصد من ينفعه قصده، ولا يتشاغل بمدح الناس»([3]).

ثانيًا: التخلص من رؤية العمل؛ حتى يبرأ من الإعجاب بنفسه وعمله، فالعجب محبط للعمل ومفسد للقلب وباب للمقت.

قال ابن القيم: «الذي يخلصه من رؤية عمله مشاهدته سنة الله عليه وفضله وتوفيقه له، وأنه بالله لا بنفسه، وأنه إنما أوجب عمله مشيئةُ الله لا مشيئته هو، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٩﴾ [التكوير: 29]، فهذا ينفعه شهود الجبر([4])، وأنه آلة محضة وأن فعله كحركات الأشجار وهبوب الرياح، وأن المحرك له غيره، وأنه لو خُلِّي ونفسَهُ لم يكن من فعله الصالح شيء البتة، فإن النفس جاهلة ظالمة، طبعها الكسل وإيثار الشهوات والبطالة، وهي منبع كل شر، ومأوى كل سوء، وما كان هكذا لم يصدر منه خير، ولا هو من شأنه، فالخير الذي يصدر منها إنما هو من الله، وبه، لا من العبد، ولا به، كما قال تعالى: ﴿وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢١﴾  [النور: 21].

وقال أهل الجنة: ﴿وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٤٣﴾ [الأعراف: 43]، وقال تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧﴾ [الحجرات: 7]، فكل خير في العبد فهو مجرد فضل الله ومنته وإحسانه ونعمته، وهو المحمود عليه، فرؤية العبد لأعماله في الحقيقة كرؤيته لصفاته الخَلْقية من سمعه وبصره وإدراكه وقوّته، بل من صحته وسلامة أعضائه ونحو ذلك، فالكلّ مجرد عطاء الله ونعمته وفضله»([5]).

وقال : «والعارف([6]) من صغرت حسناته في عينيه وعظمت ذنوبه عنده، وكلما صغرت الحسنات في عينك كبرت عند الله، وكلما كبرت وعظمت في قلبك قلّت وصغرت عند الله، وسيئاتك بالعكس.

ومن عرف الله وحقه وما ينبغي لعظمته من العبودية تلاشت حسناته عنده وصغرت جدًّا في عينه، وعلم أنها ليست مما ينجو بها من عذابه، وأن الذي يليق بعزته ويصلح له من العبودية أمر آخر، وكلما استكثر منها استقلّها واستصغرها، لأنه كلما استكثر منها فُتحت له أبواب المعرفة بالله والقرب منه، فشاهد قلبه من عظمته سبحانه وجلاله ما يستصغر جميع أعماله ولو كانت أعمال الثقلين، وإذا كثرت في عينه وعظمت دلّ على أنه محجوب عن الله عالم به وبما ينبغي له.

وبحسب هذه المعرفة، ومعرفته بنفسه يستكثر ذنوبه، وتعظم في عينه لمشاهدته الحق ومستحقه، وتقصيره في القيام به وإيقاعه على الوجه اللائق الموافق لما يحبه الرب ويرضاه من كل وجه»([7]).

ثالثًا: التخلص من طلب العوض على العمل: فيعلم أنه عبد محض، والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضًا ولا أجرة، إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته، فما يناله من سيده من الأجر والثواب تفضل منه، وإحسان إليه، وإنعام عليه، لا معاوضة؛ إذ الأُجرة إنما يستحقها الحر أو عبد الغير، فأما عبد نفسه فلا.

رابعًا: التخلص من رضاه بعمله وسكونه إليه: وذلك بأمرين:

أحدهما: مطالعة عيوبه وآفاته، وتقصيره فيه، وما فيه من حظ النفس، ونصيب الشيطان، فقلَّ عمل من الأعمال إلا وللشيطان فيه نصيب وإن قلّ، وللنفس فيه حظ. سئل النبي عن التفات الرجل في صلاته فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد»([8])، فإذا كان هذا التفات طَرْفِه أو لَحْظِه، فكيف التفات قلبه إلى ما سوى الله؟! وهذا أعظم نصيب الشيطان من العبودية.

وقال ابن مسعود ◙: «لا يجعل أحدكم للشيطان حظًّا من صلاته، يرى أن حقًّا عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه»([9]) فجعل هذا القدر اليسير النزر حظًّا ونصيبًا للشيطان من صلاة العبد، فما الظن بما فوقه؟!

وأما حظ النفس من العمل فلا يعرفه إلا أهل البصائر الصادقون.

الثاني: علمه بما يستحقه الرب جل جلاله من حقوق العبودية، وآدابها الظاهرة والباطنة، وشروطها، وأن العبد أضعف وأعجز وأقل من أن يوفيها حقًّا وأن يرضى بها لربه، فالعالم بربه لا يرضى بشيء من عمله له، ولا يرضى نفسه لله طرفة عين، ويستحيي من مقابلة الله بعمله. فسوء ظنه بنفسه وعمله وبغضه لها، وكراهته لأنفاسه وصعودها إلى الله([10]) يحول بينه وبين الرضى بعمله، والرضى عن نفسه.

قال بعضهم: آفة العبد رضاه عن نفسه، ومن نظر إلى نفسه باستحسان شيء منها فقد أهلكها، ومن لم يتهم نفسه على دوام الأوقات فهو مغرور، وكان بعض السلف يصلي الصلاة الطويلة ثم يقبض على لحيته ويقول لنفسه: يا مأوى كل سوء، وهل رضيتك لله طرفة عين؟!

فالعابد الصالح يخجل من عمله ويشتد حياؤه من ربه، إذ لم ير ذلك العمل صالحًا له، مع بذل مجهوده فيه، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ ٦٠﴾ [المؤمنون: 60]، قال : «هو الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه»([11])، وقال بعضهم: إني لأصلي ركعتين فأقوم عنهما بمنزلة السارق الذي يراه الناس؛ حياء من الله عز وجل. فالمؤمن جمع إحسانًا في مخافة وسوء ظن بنفسه، والمغرور حسن الظن بنفسه مع إساءته»([12]).

خامسًا: تذكر ما عند الله من المعية والجزاء: فلا ينال ما عند الله من الرضى والنعيم إلا بتوحيده والإخلاص له. والحياة الحقيقية والسعادة الأبدية والكفاية التامة مع الإخلاص لرب البرية سبحانه.

قال عمر بن الخطاب ◙: فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شَانَهُ الله.

قال ابن القيم معلقًا على كلام عمر ◙: هذا شقيق كلام النبوة، وهو جدير أن يخرج من مشكاة المحدَّث الملهم، وهاتان الكلمتان من كنوز العلم، ومن أحسن الإنفاق منهما نفع غيره وانتفع غاية الانتفاع.

فأما الكلمة الأولى فهي منبع الخير وأصله، والثانية أصل الشر وفصله. فإن العبد إذا خلصت نيته لله تعالى وكان قصده وهمّه عمله لوجهه سبحانه كان الله معه، فإن الله سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. ورأس التقوى والإحسان خلوص النية لله في إقامة الحق، والله سبحانه لا غالب له، فمن كان معه فمن ذا الذي يغلبه أو يناله بسوء؟ فإن كان الله مع العبد فمن يخاف؟ وإن لم يكن معه فمن يرجو؟ وبمن يثق؟ ومن ينصره من بعده؟

فإذا قام العبد بالحق على غيره وعلى نفسه أولاً وكان قيامه بالله ولله لم يقم له شيء، ولو كادته السماوات والأرض والجبال لكفاه الله مؤنتها وجعل له فرجًا ومخرجًا، وإنما يؤتى العبد من تفريطه وتقصيره في هذه الأمور الثلاثة أو في اثنين منها أو في واحد، فمن كان قيامه في باطل لم يُنصر، وإن نُصر نصرًا عارضًا فلا عاقبة له، وهو مذموم مخذول وإن قام في حق لكن لم يقم فيه لله وإنما قام لطلب المحمدة والشكور والجزاء من الخلق أو التوصل إلى غرض دنيوي كان هو المقصود أولاً والقيام في الحق وسيلة إليه، فهذا لم تُضمن له النصرة، فإن الله إنما ضمن النصرة لمن جاهد في سبيله وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا لمن كان قيامه لنفسه وهواه فإنه ليس من المتقين ولا من المحسنين، وإن نصر فبحسب ما معه من الحق، فإن الله لا ينصر إلا الحق، وإن كانت الدولة لأهل الباطل فبحسب ما معهم من الصبر، والصبر منصور أبدًا، فإن كان صاحبه محقًّا كان منصورًا له العاقبة، وإن كان مبطلاً لم يكن له عاقبة.

وإذا قام العبد لله ولكن قام بنفسه وقوّته ولم يقم بالله مستعينًا به متوكلاً عليه مفوضًا إليه بريئًا من الحول والقوة إلا به؛ فله من الخذلان وضعف النصرة بحسب ما قام به من ذلك. ونكتة المسألة أن تجريد التوحيد في أمر الله لا يقوم له شيء البتة، وصاحبه منصور ولو توالت عليه زمر الأعداء .

وعن عائشة قالت: «من أسخط الناس برضى الله عز وجل كفاه الله الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله وَكَلَهُ إلى الناس»([13]).

وقال ابن تيمية : «وإذا أخلص العبد اجتباه ربه فأحيا قلبه، وجذبه إليه، بخلاف القلب الذي لم يخلص، فإن فيه طلبًا وإرادة، تارة إلى الرئاسة فترضيه الكلمة ولو كانت باطلاً، وتغيظه ولو كانت حقًّا، وتارة إلى الدرهم والدينار وأمثال ذلك، فيتخذ إلهه هواه.

ومن لم يكن مخلصًا لله بحيث يكون أحب إليه مما سواه وإلا استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشياطين، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه، فالقلب إن لم يكن حنيفًا وإلا كان مشركًا ﴿           [الروم: ٣٠]، وإذا ذاق طعم الإخلاص انقهر له هواه بلا علاج»([14])، وسيأتي في فصل الفرح بالله مزيد تفصيل إن شاء الله تعالى.

سادسًا: العناية والرعاية لأعمال القلب تفقهًا وسلوكًا([15]): فالعمل الصالح فرع عن العلم به، ومن أجل الأعمال الصالحة أعمال القلب، ومن أجلّها الإخلاص، بل هو زبدتها وإكسيرها وغايتها، فلعمر الله لهو حقيق بأن تفنى فيه الأعمار وتبذل لنيله الدنيا وما فيها.

 وشمّر فقد أبدى لك الموت وجهه
وأخلص لدين الله صدرًا ونيةً

 

وليس ينال الفوز إلا المشمّرُ
فإن الذي تخفيه يومًا سيظهرُ

قال ابن القيم : «اجعل عملك تابعًا للعلم، موافقًا له، مؤتمًا به، تسير بسيره، وتقف بوقوفه، وتتحرك بحركته، نازلاً منازله، مرتويًا من موارده، ناظرًا إلى الحكم الديني الأمري، متقيدًا به فعلاً وتركًا وطلبًا وهربًا، ناظرًا إلى ترتيب الثواب والعقاب عليه سببًا وكسبًا، ومع ذلك فتسير أنت بقلبك مشاهدًا للحكم القضائي الذي تنطوي فيه الأسباب والمسببات والحركات والسكنات، ولا يبقى هناك غير محض المشيئة وتفرّد الرب وحده بالأفعال، ومصدرها عن إرادته ومشيئته، فتكون قائمًا بالأمر والنهي فعلاً وتركًا، وبالقضاء والقدر إيمانًا وشهودًا وحقيقة، فتنظر إلى الحقيقة وتقوم بالشريعة.

وهذان الأمران هما عبودية هاتين الآيتين: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ ٢٨ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٩﴾ [التكوير: 28، 29]»، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٢٩ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٣٠﴾ [الإنسان: 29، 30].

فترك العمل يسير سير العلم مشهد: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ ٢٨﴾ وسير صاحبه مشاهدًا للحكم مشهد: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٩﴾ [التكوير: ٢٩]([16]).

وقال: ««الإخلاص» عدم انقسام المطلوب، و«الصدق» عدم انقسام الطلب، فحقيقة الإخلاص: توحيد المطلوب، وحقيقة الصدق: توحيد الطلب والإرادة، ولا يثمران إلا بالاستسلام المحض للمتابعة. فهذه الأركان الثلاثة (الإخلاص والصدق والمتابعة) هي أركان السير وأصول الطريق التي من لم يَبْنِ عليها سلوكه وسيره فهو مقطوع، وإن ظنّ أنه سائر، فسيره إما إلى عكس جهة مقصوده، وإما سير المُقعَد والمقيّد، وإما سير صاحب الدابة الجموح، كلما مشت خطوة إلى قُدّام رجعت عشرة إلى خلف.

فإن عدم الإخلاص والمتابعة انعكس سيره إلى خلف، وإن لم يبذل جهده ويوحّد طلبه سار سير المقيد، وإن اجتمعت له الثلاثة فذلك الذي لا يُجارى في مضمار سيره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم»([17]).

وقال: «فإن الجهالة متى خالطت العبودية أوردها العبد غير موردها، ووضعها في غير موضعها وفعل أفعالاً يعتقد أنها صلاح وهي إفساد لعبوديته. فالعبادة([18]) ما لم يصحبها علم ثان بآدابها وحقوقها غير العلم بها نفسها كانت في مظنة أن تبعد صاحبها وإن كان مراده بها التقرّب، ولا يلزم حبوط ثوابها وأجرها. فهي إن لم تبعده عن الأجر والثواب أبعدته عن المنزلة والقربة، فلابد من علم خاص بالله وأمره، ومحبة تامة له، ومعرفة بالنفس وما فيها، كما أنه يمازج العبودية حكم من أحكام عوائد النفس، وصاحبها يعتقدها قربة وطاعة، كمن اعتاد الصوم ــ مثلاً ــ وتمرن عليه فألفته النفس وصار لها عادة تتقاضاها أشد اقتضاء، فيظن أن هذا التقاضي محض العبودية وإنما هي تقاضي العادة([19]).

وعلامة هذا: أنه إذا عرض عليها طاعة دون ذلك وأيسر منه وأتم مصلحة لم تؤثرها إيثارها لما اعتادته وألفته، كما حكي عن بعض الصالحين قال: حججت كذا وكذا حجة على التجريد([20])، فبان لي أن جميع ذلك كان مشوبًا بحظي، وذلك أن والدتي سألتني أن أستقي لها جرعة ماء فثقل ذلك على نفسي، فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحجات كان بحظ نفسي وإرادتها؛ إذ لو كانت نفسي فانية([21]) لم يصعب عليها ما هو حق في الشرع.

ولابد من تقييد الحال بالعلم كما قال الجنيد بن محمد : الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول ، وقال: من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في طريقنا هذا؛ لأن طريقنا وعملنا مقيد بالكتاب والسنة. وقال: علمنا هذا مشيد بحديث رسول الله »([22]).

وقال الغزالي رحمه الله تعالى: «قد انكشفت لأرباب القلوب ببصيرة الإيمان وأنوار القرآن أنه لا وجود للسعادة إلا بالعلم والعبادة، فالناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم، فالعمل بغير نية عناء، والنية بغير إخلاص رياء، وهو للنفاق كفاء، ومع العصيان سواء، والإخلاص من غير صدق وتحقيق هباء، وقد قال الله تعالى في كل عمل كان بإرادة غير الله مشوبًا مغمورًا: ﴿وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣﴾ [الفرقان: 23]، وليت شعري كيف يصحح نيته من لا يعرف حقيقة النية؟ أو كيف يخلص من صحح النية إذا لم يعرف حقيقة الإخلاص؟ أو كيف تطالب المخلص نفسه بالصدق إذا لم يتحقق معناه؟ فالوظيفة الأولى على كل عبد أراد طاعة الله تعالى أن يتعلّم النية أولاً لتحصل المعرفة، ثم يصححها بالعمل بعد فهم حقيقة الصدق والإخلاص اللذين هما وسيلتا العبد إلى النجاة والخلاص.

والنية هي الإرادة وانبعاث النفس بحكم الرغبة والميل إلى ما هو موافق للغرض إما في الحال أو في المآل. فالمحرّك الأول هو الغرض المطلوب وهو الباعث، والغرض الباعث هو المقصود المنوي، والانبعاث هو القصد والنية، وانتهاض القدرة لخدمة الإرادة بتحريك الأعضاء هو العمل، إلا أن انتهاض القدرة للعمل قد يكون بباعث واحد، وقد يكون بباعثين اجتمعا في فعل واحد، بحيث لو انفرد لكان مليًّا بإنهاض القدرة، وقد يكون كل واحد قاصرًا عنه إلا بالاجتماع، وقد يكون أحدهما كافيًا لولا الآخر لكن الآخر انتهض عاضدًا له ومعاونًا. فهذه أربعة أقسام، فلنذكر لكل واحد مثالاً واسمًا:

أما الأول: فهو أن ينفرد الباعث ويتجرد، كما إذا هجم على الإنسان سبع؛ فكلما رآه قام من موضعه، فلا مزعج له إلا غرض الهرب من السبع، فإنه عرف السبع وعرفه ضارًّا فانبعث إلى الهرب ورغب فيه، فانتهضت القدرة عاملة بمقتضى الانبعاث، فيقال: نية الفرار من السبع لا نية في القيام لغيره، وهذه النية تسمى خالصة، ويسمى العمل بموجبها إخلاصًا بالإضافة إلى الغرض الباعث، ومعناه أنه خلص عن مشاركة غيره وممازجته.

الثاني: أن يجتمع باعثان كل واحد مستقل بالإنهاض لو انفرد. ومثاله من المحسوس أن يتعاون رجلان على حمل شيء بمقدار من القوّة كان كافيًا للحمل لو انفرد. ومثاله في غرضنا: أن يسأله قريبه الفقير حاجة فيقضيها لفقره وقرابته، وعلم أنه لولا فقره لكان يقضيها بمجرد القرابة، وأنه لولا قرابته لكان يقضيها بمجرد الفقر. وكذلك من أمرهُ الطبيبُ بترك الطعام ودخل عليه يوم عرفة فصام، وهو يعلم أنه لو لم يكن يوم عرفة لكان يترك الطعام حميةً، ولولا الحمية لكان يتركه لأجل أنه يوم عرفة، وقد اجتمعا جميعًا فأقدم على الفعل. وكان الباعث الثاني رفيق الأول، فلنسمّ هذا «مرافقة البواعث».

الثالث: ألا يستقل كل واحد لو انفرد، ولكن قوي مجموعهما على إنهاض القدرة. ومثاله في المحسوس: أن يتعاون ضعيفان على حمل ما لا ينفرد به أحدهما. ومثاله في غرضنا: أن يقصده قريبه الغني فيطلب درهمًا فلا يعطيه، ويقصده الأجنبي الفقير فيطلب درهمًا فلا يعطيه، ثم يقصده القريب الفقير فيعطيه، فيكون انبعاث داعيته بمجموع الباعثين وهو القرابة والفقر، وكذلك الرجل يتصدق بين يدي الناس لغرض الثواب ولغرض الثناء، ويكون بحيث لو كان منفردًا لكان لا يبعثه مجرد قصد الثواب على العطاء، ولو كان الطالب في غير وجه بر لكان لا يبعثه مجرد الرياء على العطاء، ولو اجتمعا أورثا بمجموعهما تحريك القلب. ولنسمّ هذا الجنس «مشاركة».

الرابع: أن يكون أحد الباعثين مستقلاً لو انفرد بنفسه والثاني لا يستقل([23]) ولكن لما انضاف إليه لم ينفكّ عن تأثير بالإعانة والتسهيل. ومثاله في المحسوس: أن يعاون الضعيف القوي على حمل ما لو انفرد القوي لاستقل ولو انفرد الضعيف لم يستقل، فإن ذلك بالجملة يسهّل العمل ويؤثر في تخفيفه. ومثاله في غرضنا: أن يكون للإنسان ورد في الصلاة وعادة في الصدقات، فاتفق أن حضر في وقتها جماعة من الناس، فصار الفعل أخف علّة بسبب مشاهدتهم، وعلم من نفسه أنه لو كان منفردًا خاليًا لم يفتر عن عمله، وعلم أن عمله لو لم يكن طاعة لم يكن مجرد الرياء يحمله عليه، فهو شوب تطرّق إلى النية، ولنسمّ هذا الجنس «المعاونة».

وبالجملة فالباعث الثاني إما أن يكون رفيقًا أو شريكًا أو معينًا. والعمل تابع للباعث عليه فيكتسب الحكم منه، لذلك قال رسول الله : «إنما الأعمال بالنيات»([24]).

واعلم أن نية المؤمن خير من عمله([25])، ومعنى ذلك أن كل طاعة تنتظم بنية وعمل، وكانت النية من جملة الخيرات، وكان العمل من جملة الخيرات، ولكن النية من جملة الطاعة خير من العمل، أي لكل واحد منهما أثر في المقصود، وأثر النية أكثر من أثر العمل، والمقصود: أن نية المؤمن من جملة طاعته خير من عمله الذي هو من جملة طاعته، والغرض أن للعبد اختيارًا في النية وفي العمل، فهما عملان والنية من الجملة خيرهما.

أما سبب كونها خيرًا ومترجحة على العمل فلا يفهمه إلا من فهم مقصد الدين وطريقه ومبلغ أثر الطريق في الاتصال إلى المقصد، وقاس بعض الآثار بالبعض حتى يظهر له بعد ذلك الأرجح بالإضافة إلى المقصود.

فمن قال: الخبز خير من الفاكهة فإنما يعني أنه خير بالإضافة إلى مقصود القوت والاغتذاء، ولا يفهم ذلك إلا من فهم أن للغذاء مقصدًا وهو الصحة والبقاء، وأن الأغذية مختلفة الآثار فيها، وفهم أثر كل واحد وقاس بعضها بالبعض، فالطاعات غذاء للقلوب، والمقصود شفاؤها وبقاؤها وسلامتها في الآخرة، وسعادتها وتنعمها بلقاء الله تعالى، فالمقصد لذة السعادة بلقاء الله فقط، ولن يتنعم بلقاء الله إلا من مات محبًّا لله عالمًا بالله، ولن يحبه إلا من عرفه، ولن يأنس بربه إلا من طال ذكره له، فالأنس يحصل بدوام الذكر، والمعرفة تحصل بدوام الفكر، والمحبة تتبع العلم بالضرورة، وعلى قدر التفرغ من شواغل الدنيا يتفرغ القلب للذكر والفكر. وإنما يميل إلى الخيرات والطاعات إذا علم أن سعادته في الآخرة منوطة بها، كما يميل العاقل إلى الفصد والحجامة لعلمه بأن سلامته فيهما، وإذا حصل أصل الميل فإنما يقوى بالعمل بمقتضى الميل والمواظبة عليه، فإن المواظبة على مقتضى صفات القلب وإرادتها بالعمل تجري مجرى الغذاء والقوت لتلك الصفة حتى تترشح الصفة وتقوى بسببها.

فالمائل إلى طلب العلم أو طلب الرئاسة لا يكون ميله في الابتداء إلا ضعيفًا، فإن اتبع مقتضى الميل، واشتغل بالعلم أو تربية الرئاسة والأعمال المطلوبة لذلك تأكد ميله ورسخ وعسر عليه النزوع، وإن خالف مقتضى ميله ضعف ميله وانكسر وربما زال وانمحق. بل الذي ينظر إلى وجهٍ حسنٍ مثلاً فيميل إليه طبعه ميلاً ضعيفًا، لو تبعه وعمل بمقتضاه فداوم على النظر والمجالسة والمخالطة والمحاورة تأكد ميله حتى يخرج أمر عن اختياره فلا يقدر على النزوع عنه، ولو فطم نفسه ابتداءً وخالف مقتضى ميله لكان ذلك كقطع القوت والغذاء عن صفة الميل، ويكون ذلك زجرًا ودفعًا في وجهه حتى يضعف وينكسر بسبب وينقمع وينمحي.

وهكذا في جميع الصفات؛ الخيرات تراد بها الآخرة، والشرور تراد بها الدنيا لا الآخرة مما نُهي عنه، وميل النفس للخيرات الأخروية وانصرافها عن الدنيوية هو الذي يفرّغها للذكر والفكر([26])، ولن يتأكد ذلك إلا بالمواظبة على أعمال الطاعة وترك المعاصي بالجوارح؛ لأن بين الجوارح وبين القلب علاقة ويؤثر كل منهما بالآخر، فترى العضو إذا أصابته جراحه تألم بها القلب، وترى القلب إذا تألم بعلمه بموت عزيز أو بهجوم أمر مخيف تأثرت به الأعضاء وارتعدت به الفرائص وتغير اللون، إلا أن القلب هو الأصل المتبوع فكأنه الأمير والراعي، والجوارح كالخدم والرعايا والأتباع([27]).

فالجوارح خادمة للقلب بتأكيد صفاتها فيه، فالقلب هو المقصود، والأعضاء آلات موصلة إلى المقصود، ولذلك قال النبي : «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد»([28])، وقال تعالى: ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٧﴾ [الحج: 37]، وهي صفة القلب، فمن هذا الوجه يجب لا محالة أن تكون أعمال القلب على الجملة أفضل من حركات الجوارح، ثم يجب أن تكون النية من جملتها أفضل لأنها عبارة عن ميل القلب إلى الخير وإرادته له. وأعمال الجوارح تعوّد القلب على إرادة الخير وتؤكد فيه الميل إليه حتى يتطبع به.

وهكذا ينبغي أن تفهم تأثير الطاعات كلها، إذ المطلوب منها تغيير القلوب وتبديل صفاتها فقط دون الجوارح، فلا تظنن أن في وضع الجبهة على الأرض غرضًا من حيث إنه جمع بين الجبهة والأرض، بل من حيث إنه بحكم العادة يؤكد صفة التواضع في القلب، فإن من يجد في نفسه تواضعًا فإذا استكان بأعضائه وصوّرها بصورة التواضع تأكد تواضعه، ومن وجد في قلبه رقة على يتيم فإذا مسح رأسه تأكدت الرقة في قلبه، ولهذا لم يكن العمل بغير نية مفيدًا أصلاً؛ لأن من يمسح رأس يتيم وهو غافل بقلبه أو ظانّ أنه يمسح ثوبًا لم ينتشر من أعضائه أثر إلى قلبه لتأكيد الرقة، كذلك من يسجد غافلاً وهو مشغول الهم بأغراض الدنيا لم ينتشر من جبهته ووضعها على الأرض أثر إلى قلبه، فكان وجود ذلك كعدمه، لذلك فالعبادة بغير نية باطلة. وقريب من أثرها العبادة بغفلة، فإذا قصد بالعبادة رياءً أو تعظيم شخص آخر لم يكن وجوده كعدمه بل زاد شرًّا فإنه لم يؤكد الصفة المطلوب تأكيدها([29]) حتى أكد الصفة المطلوب قمعها وهي الرياء التي هي من الميل إلى الدنيا، فهذا وجه كون النية خير من العمل.

وبهذا أيضًا يعرف معنى قوله : «من هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة»([30]) لأن همَّ القلب هو ميله إلى الخير وانصرافه عن الهوى وحب الدنيا وهي غاية الحسنات، وإنما الإتمام بالعمل يزيدها تأكيدًا([31]) فليس المقصود من إراقة دم القربان الدم واللحم، بل ميل القلب عن حب الدنيا وبذلها إيثارًا لوجه الله تعالى، وهذه الصفة قد حصلت عند جزم النية والهمة وإن عاق عن العمل عائق، ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٧﴾ [الحج: 37] والتقوى ههنا صفة القلب؛ ولذلك قال : «إن بالمدينة قومًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا شركوكم الأجر، حبسهم المرض»([32])، لأن قلوبهم في صدق إرادة الخير وبذل المال والنفس والرغبة في طلب الشهادة وإعلاء كلمة الله تعالى كقلوب الخارجين في الجهاد، وإنما فارقوهم بالأبدان لعوائق تخص الأسباب الخارجة عن القلب، وذلك غير مطلوب إلا لتأكيد هذه الصفات. وبهذه المعاني تفهم جميع أحاديث فضل النية.

هذا وحقيقة النية كما ذكرنا ترجع إلى إجابة البواعث، فمهما كان الباعث واحدًا على التجرد سمي الفعل الصادر عنه إخلاصًا، ومن أراد الرياء محضًا فحاله واضح، نعوذ بالله منه. وأما من انبعث لقصد التقرب ولكن امتزج بهذا الباعث باعث آخر من الرياء أو من غيره من حظوظ النفس، ومثاله: أن يصوم لينتفع بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرب. أو يعتق عبدًا ليتخلص من مؤنته وسوء خلقه، أو يحج ليصح مزاجه بحركة السفر، أو يتخلص من شر يعرض له في بلده، أو يتبرم من أهله وولده، أو ليغزو ويمارس الحرب ويتعلم أسبابها ويقدر بها على تهيئة العساكر وجرّها، أو يصلي بالليل وله غرض في دفع النعاس عن نفسه ليراقب أهله أو رحله، أو يتعلم العلم ليسهل عليه طلب المال أو ليكون عزيزًا بين العشيرة، أو اشتغل بالدرس والوعظ ليتخلص من كرب الصمت وينفرج بلذة الحديث، أو حج ماشيًا ليخفف عن نفسه الكراء، أو روى الحديث ليُعرف بعلو الإسناد، أو تصدق على السائل ليقطع إبرامه في السؤال عن نفسه أو غير ذلك.

فمهما كان باعثه هو التقرب إلى الله ولكن انضاف إليه خطرة من هذه الخطرات ونحوها حتى صار العمل عليه أخف بسبب هذه الأمور فقد خرج عمله عن حد الإخلاص، وخرج عن أن يكون خالصًا لوجه الله تعالى وتطرق إليه الشرك، وقد قال تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من أشرك معي شيئًا تركته وشركه»([33]).

وبالجملة فالخالص هو الذي لا باعث عليه إلا طلب القرب من الله تعالى، فعلاج الإخلاص كسر حظوظ النفس، وقطع الطمع عن الدنيا، والتجرد للآخرة بحيث يغلب ذلك على القلب، فإذ ذاك يتيسر الإخلاص. وكم من أعمال يتعب الإنسان منها ويظن أنها خالصة لوجه الله ويكون فيها مغرورًا لأنه لا يرى وجه الآفة فيها، كما حكى بعضهم أنه صلى ثلاثين سنة في الصف الأول ثم تأخر يومًا لعذر فاعترته خجلة من الناس حين رأوه في الصف الثاني، قال: فعرفت أن نظر الناس إلي في الصف كان مسرتي وسبب استراحة قلبي من حيث لا أشعر.

وهذا دقيق غامض قلما تسلم الأعمال من أمثاله، وقلّ من يتنبه له إلا مَن وفقه الله تعالى. وأشد الخلق تعرضًا لهذه الفتنة العلماء؛ فإن الباعث للأكثرين على نشر العلم لذة الاستيلاء والفرح بالاستتباع والاستبشار بالحمد والثناء، والشيطان يلبس عليه ويقول: غرضكم نشر دين الله، وترى الواعظ يمن على الله تعالى بنصيحة الخلق ووعظه للسلطان ويفرح بقبول الناس قولَه وإقبالهم عليه، وهو يدّعي أنه يفرح بما يسره الله من نصرة الدين، وإذا ظهر من أقرانه من هو أحسن منه وعظًا وانصرف الناس عنه وأقبلوا عليه ساءه ذلك وغمه، ولو كان باعثه الدين لشكر الله تعالى إذ كفاه تعالى هذا المهم بغيره، والشيطان مع ذلك لا يخليه ويقول: إنما غمك لانقطاع الثواب عنك لا لانصراف وجوه الناس عنك إلى غيرك، إذ لو اتعظوا بقولك لكنت أنت المثاب، واغتمامك لفوات الثواب محمود، ولا يدري المسكين أن انقياده للحق وتسليمه الأمر أفضل وأجزل ثوابًا وأعود عليه في الآخرة من انفراده.

وليت شعري لو اغتم عمر ◙ بتصدي أبي بكر ◙ للإمامة أكان غمه محمودًا أم مذمومًا؟ ولا يستريب ذو دين أن لو كان ذلك لكان مذمومًا؛ لأن انقياده للحق إلى من هو أصلح منه أعود عليه في الدين من تكلفه بمصالح الخلق مع ما فيه من الثواب الجزيل، بل فرح عمر ◙ باستقلال من هو أولى منه بالأمر، فما بال العلماء لا يفرحون بمثل ذلك؟!فليكن العبد شديد التفقد والمراقبة لهذه الدقائق لعله ينجو ويفلح.

قال السوسي: الإخلاص فقد رؤية الإخلاص، فإن من شاهد في إخلاصه الإخلاص فقد احتاج إخلاصه إلى إخلاص. وما ذكره إشارة إلى تصفية العمل عن العجب بالفعل، فإن الالتفات إلى الإخلاص والنظر إليه عجب، وهو من جملة الآفات. وقال سهل : الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله تعالى خاصة. وقيل له: أي شيء أشد على النفس؟ قال: الإخلاص؛ إذ ليس لها فيه نصيب.

وقال الفضيل: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.

أما حكم العمل المشوب الذي خالط الإخلاص فيه شيء من حظوظ النفس، فقد اختلف الناس في ذلك هل يقتضي ثوابًا أم عقابًا أم لا يقتضي من ذلك شيئًا أصلاً؟ وظاهر الأخبار تدل على أنه لا ثواب له([34])، وليس تخلو الأخبار من تعارض فيه([35])، والذي ينقدح لي فيه ــ والعلم عند الله تعالى ــ: أن ينظر إلى قدر قوة الباعث، فإن كان الباعث الديني مساويًا للباعث النفسي تقاوما وتساقطا وصار العمل لا له ولا عليه، وإن كان باعث الرياء أغلب وأقوى فهو ليس بنافع بل مُضِرٌّ ومفضٍ للعقاب.

وإن كان قصد التقرب أغلب فله ثواب بقدر ما فضل من قوة الباعث لقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ٧ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ ٨﴾ [الزلزلة: 7، 8] ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةٗ يُضَٰعِفۡهَا وَيُؤۡتِ مِن لَّدُنۡهُ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٤٠﴾ [النساء: 40]، فلا ينبغي أن يضيع قصد الخير، بل إن كان غالبًا على قصد الرياء حبط منه القدر الذي يساويه وبقيت زيادة، فمثقال الذرة من الخير أو الشر لا ينفك تأثيرها على القلب في إنارته أو تسويده، وفي تقريبه من الله أو إبعاده، ويشهد لهذا إجماع الأمة على أن من خرج حاجًّا ومعه تجارة صح حجه وأثيب عليه، وقد امتزج به حظ من حظوظ النفس. أما الأحاديث التي تذكر حبوط عمله فهي محمولة على من لم يرد بذلك إلا الدنيا، أو تساوى في قلبه قصد الدنيا وقصد الآخرة فتساقطا.

والإخلاص عزيز والإنسان فيه على خطر عظيم وما أكثر الآفات! لذلك قال سفيان: لا أعتد بما ظهر من عملي»([36]).

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: «وأما الاستقصاء في رؤية علل الأعمال فهو التفتيش عما يشوبها من حظوظ النفس، وتمييز حق الرب منها من حظ النفس، ولعل أكثرها أو كلها أن تكون حظًّا لنفسك وأنت لا تشعر.

فلا إله إلا الله، كم في النفوس من علل من أغراض وحظوظ تمنع الأعمال أن تكون خالصة لله وأن تصل إليه. وإن العبد ليعمل العمل حيث لا يراه بشر البتة وهو غير خالص لله، ويعمل العمل والعيون قد استدارت عليه نطاقًا وهو خالص لوجه الله، ولا يميز هذا إلا أهل البصائر وأطباء القلوب العالمون بأدوائها وعللها.

فبين العمل وبين القلب مسافة، وفي تلك المسافة قطّاع تمنع وصول العمل إلى القلب، فيكون الرجل كثير العمل وما وصل منه إلى قلبه محبة ولا خوف ولا رجاء ولا زهد ولا نور، ثم بين القلب وبين الرب مسافة وعليها قطّاع تمنع وصول العمل إليه من كبر وإعجاب وإدلال ورؤية عمل ونسيان المنة وغير ذلك»([37]).

سابعًا: الدعاء والالتجاء والضراعة والابتهال بين يدي الله تعالى ليهبه الإخلاص ويخلصه من شبكة الشرك، وأن يلح بالدعاء: «اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك مما لا أعلم»([38])، ويأتي بسط ذلك في بابي الافتقار واللجأ إلى الله تعالى إن شاء الله([39]).

وسأذكر خبرًا لعل فيه ذكره عبرة لمؤمن، وتحدّثًا بنعمة المولى تبارك وتعالى، فهي ثلاث عبر من ذلك الخبر، وابتداء أثني على الله تعالى بما هو أهله، ولا أستطيع ثناء عليه بما هو أهله، ولا أبلغ حمده ولا شكره، فله الحمد أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، وله الحمد على كل حال، وله الشكر في كل حين. وثانيًا أسأل الله تعالى بكرمه وجوده وحسن جزائه أن يجزي عني كل من لم أستطع جزاءهم في الدنيا في كل معروف جليل وصغير، ولنعم ذخائر الآخرة والدنيا إخوة الصدق والنصح الصالحين. وبعد هذا أقول: قد ابتلي ابني بسجن طويل جاوز 1200 ليلة خلف القضبان مع صغر سنّه، وعدم وضوح جريرته، مع حكم أمني بسجن طويل جدًّا يدفن شبابه في الزنازين، والحمد لله على كل حال. ثم في ليلة 25 من رمضان جرى من أمري عجبًا، فقد كنا نسمع بالإفراجات تترى هنا وهناك، وكانوا يسمحون لنا بمكالمة الابن مرة في الأسبوع، وفي أخر أسبوع من العشر الأواخر هاتفني وأخبرني أن الأمر مقفل من جهتهم من عدة أيام، وكأن المساجين هناك كان لديهم إحساس بأن الأمر قد اقفل وانتهى وسيفوتهم ما ينتظرون، ولكنه قد قال كلمة طيبة وهذا من خيرة الله تعالى له، قال: إني لم أيأس من ربي، وبإذنه تعالى أنا أول المفرج عنهم. وقد كان كما قال بحمد الله تعالى، فلم يدخل قلوبنا شك في فرج ربنا، وحسن تدبيره، وعظيم حكمته، ورحمته، وحلمه، وإجابته، وأن قدره كله خير، وأن مع العسر يسرًا، وأن أمر المؤمن كله خير، وأن الله تعالى رحيم رفيق عليم مدبر حكيم، ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٨٣﴾ [يوسف: 83]، وأنه لا يفعل بنا إلا خير لنا، سبحانه وبحمده، وأن حكمته لا نحيط بها، وأن آلاءه ونعمه قد أسبغها علينا ظاهرة وباطنة فله الحمد في الأولى والآخرة، أن الإنسان مهما رأى الأمور على ظواهرها ومباديها فجزمًا أن فيها خير في الدنيا والآخرة، فالحمد لله.

الحاصل؛ أن بعد المكالمة الهاتفية استبد بي شيء غريب من ضيق لم أعهده مسبقًا، وليس فيه من جهة الله تعالى ريب ولا اهتزاز ولا فشل ولا قنوط ولكن ضيق الرحمة بفلذة الكبد أن يلحقه عذاب أو أذى، فكيف بالسجن مقبرة الأحياء ومكسرة آمالهم والله المستعان!

ثم أنزل الله تعالى عليّ حالًا طيبًا منعشًا من اليأس التام من الخلق، والتنظير يختلف عن التطبيق، فيسيرٌ أن تنظّر وتحدّث نفسك أن الحلق لا ينفعون ولا يضرون وأنهم في الحقيقة لا حول لهم ولا قوة ولا شيء، إنما هم مجرد أسباب إن شاء المسبب تعالى بسطها وإن شاء منعها، فالحديث سهل لكن أن تعيش ذلك وأن تيأس من كل ما هنالك فهنا محض نعمة المولى تبارك وتعالى، فالقلب يضعف، والنفس تنفه، والفؤاد قد يميل شيئًا متكئًا بإحدى شعبه على شيء من علائق الدنيا خاصة عند احتدامها رغبًا أو رهبًا، فلربي عليّ الحمد أن خلق في قلبي بصيرة رأيت بها بيقين أن كل الطرق إلى ما سواه مسدودة، وكل العلائق بغيره مقطوعة، وكأنّي أرى ببصيرة قلبي حبلًا واحدًا معلقًا في السماء، فكنت مع الحق بلا خلق، ويكأن الخلق لم يخلقوا، وأن الله تعالى هو المدبر المتصرف الأعلى القدير العليم، وأن كل ما سواه هباء، وأن الخلق لا يعدون كونهم أسبابًا إن شاء ربها أمضاها وإن شاء ردّها، وأن بيده مقاليد الأمور، والمقاليد هي المفاتيح، فألهمني الله تعالى فتوضأت وصليت ما كتب لي ثم سجدت سجودًا طويلًا ودعوت ربي بما فتح علي من دعوات المضطر وابتهالات المستغيث، منها: اللهم لك الحمد، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وآله، اللهم إني عبدك وكسيرك وفقيرك وضعيفك، إلى من أذهب إن تركتني، فليس لي رب سواك فأدعوه، وقد قلت وقولك الحق: «من يدعوني فأستجيب له»([40])، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ١٨٦ [البقرة: 186]، ويا من قلت: ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٦٢ [النمل: 62]، اللهم إني المضطر فاكشف السوء عني وعن ولدي والمسلمين، وألححت على الله تعالى بتكرار دعوتَي أيوب وذي النون عليهما السلام: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٨٣﴾ [الأنبياء: 83] ، ﴿لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٧﴾ [الأنبياء: 87].  وأثنيت على الله تعالى وحمدته بما فتح علي سبحانه وبحمده، وانتهيت من أمري هذا وما علمتُ أنّ الله تعالى في عليائه قد دبّر أمرًا هائلًا عظيمًا لي ولابني بلطف ورفق ورحمة وإجابة، وهو من بيده الأمر والحل والعقد.

وبحمد الله فكثير من الناس كانوا يدعون له ويلحون على الله بالفرج له ولأمثاله المكروبين، وأحبابنا يخصونه دعوات من سنين وهم أفضل منا وأكرم، وأعلمُ وأعبد، وأزكى وأطيب، وأصلحُ وأقوم، ولا أقول إلا: عسى الله أن يرحمني برحمته التي وسعت كل شيء، وأن يغفر لي بمغفرته التي ما وضعها على أحد إلا نجا وفاز وأفلح، وأن يُسبِلَني بعفوه وعافيته وستره، إنه هو العفو الغفور التواب الرحيم. وبالجملة؛ إذا أراد الله أمرًا هيَّأ له أسبابه، وأدنى له ذرائعه، ويسّر لأهله سبله، فكل دعوات الأحبة في الولد قد أجابها الكريم سبحانه.

فقمت وفي الصدر ما فيه، وإذا بذل العبد السبب طاقته ودعا ربه بصدق؛ فقد أدّى ما عليه، لذا فعليه بجادة التسليم والسكون لأمر اللطيف الخبير الرفيق الحكيم تبارك وتعالى، فالقلب مطمئن بالإيمان بالرب تعالى، ساكن إليه، مفوض أمره بالكلية إليه، متعلق به دون سواه، والجوارح تتناول ما اسطاعت من أسباب الفرج.

وفي تلك الساعة تقريبًا التي دعوت فيها ربي الأعلى المجيب؛ إذ باب السجن يُقرعُ في ساعة غير معتادة على المساجين من السجّانين، وإذا بالجندي يهتف باسم ابني وحده دون غيره وقد قاربوا المئة، ويناديه ويبرز به ويبشـره بفرج الله تبارك وتعالى، وأن الأمر قد صدر بإطلاقه! فخرَّ الفتى ساجدًا لله تعالى!

وفي ضحى اليوم التالي هاتفونا مبشرين، واستدعونا لإنهاء إجراءات خروجه، فانطلقت برفقة إخوتي وعمي إلى مقرهم، فوصلناهم ومكثنا قرابة عشر ساعات ننتظر إنهاء الأمر، ثم أدخلوني مع عمي لداخل المقرّ لنستلم الابن، وطال الأمر بنا لديهم في الانتظار قرابة الساعتين، والسيارات تذهب وتأتي وتقبل وتدبر، وفجأة إلا وأحسست في قلبي بإحساس عجيب ليس من أمور الدنيا المعهودة، وليس من هذا العالم المشهود فيما أحسب، ولا أستطيع وصفه كما أريد، وللأرواح خواصها وعجائبها، فقد شممت بقلبي وصدري لا بأنفي ريح ابني، وفي القلب يقين أن تلك السيارة المظللة المقبلة حي من تحمل ابني، وأقسمت لعمي أثناءها بذلك، وقلت: والله لترينّه خارجًا منها الآن! وهتفت بآية سورة يوسف: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَۖ لَوۡلَآ أَن تُفَنِّدُونِ ٩٤﴾ [يوسف: 94]، وكررتها مرارًا، وكان كما قلت بحمد الله تعالى، فقد نزل من السيارة ونحن ننظر.

والعبرة الثالثة: أنا رجعنا لمكة المكرمة مباشرة، ودخلت المسجد أول وصولنا، فما هو إلا أن كبّرت لصلاة التهجّد مع الإمام ـــ وقد فاتتنا تسليمة ـــ والإمام يقرأ، فكان أوّل آية قرعت أذني على الإطلاق بعد التكبير هي آية الصافات: ﴿وَلَقَدۡ نَادَىٰنَا نُوحٞ فَلَنِعۡمَ ٱلۡمُجِيبُونَ ٧٥﴾ [الصافات: 75]. فلا إله إلا الله العلي العظيم الرب القريب السميع المجيب، أتذكر حالك البارحة في هذه الساعة فأين أنت منها الآن؟!

والمقصود؛ أن الافتقار إلى الله تعالى، والتوكّل عليه، واليأس من الخلق، والدعاء المخلص بلسان القلب؛ فإنّ الدعوة حينها لا تكاد تردّ. ومن العبر: أني كنت أظن أن أعظم أفراح الدنيا ومتاعها هي البشارة بولادة الولد؛ وإذ هناك في الدنيا بشارات أعظم فرحًا ومنهنّ البشارة بفرج الله له من شدائد الكرب! والجمد لله رب العالمين.

وإنـي لأدعـــــو الله حتـــــى كـأنّما        أرى بجميل الظن ما الله صانعُ

ثامنًا: استصحاب اطلاع الله تعالى على السر

فإنه سبحانه وبحمده ﴿يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى ٧﴾ [طه: ٧]، ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥۗ [البقرة: 270]، ﴿وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ [البقرة: 197]، ﴿قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٩﴾ [آل عمران: 29]، ويأتي مزيد إن شاء الله تعالى في كتاب المراقبة.

تاسعًا: تأمل سير وأخبار المخلصين من لدن الأنبياء عليهم السلام إلى سائر أولياء الله تعالى، فالنفس نزّاعة إلى التشبه بمن تراه أكمل منها، والأمثلة في الأمة كثيرة بحمد الله تعالى.

ومن ذلك أن علي بن الحسين رحمه الله كان يحمل الخبز بالليل على ظهره يتبع المساكين والأرامل، وكانوا لا يعلمون من أين كان معاشهم؟ فلما مات علموا به لما فقدوه وكانوا زهاء مئة بيت في المدينة، ولما غسلوه رأوا بظهره آثار حمل الطعام على ظهره كل ليلة.

أما داود بن أبي هند فقد صام أربعين سنة لا يعلم به أهله، فكان يحمل غذاءه ويتصدق به على المساكين، ثم يرجع العشية فيتعشى مع أهله، لذلك فقد كان السلف يتواصون بأن يكون لأحدهم خبيئة من عمل صالح لا يعلم به إلا الله. وقال محمد بن واسع: إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم به. وقال الحسن البصري: إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته فيردها فإذا خشي أن تسبقه قام.

 وكان أيوب السختياني ربما حدث الحديث فيرق في مجلسه فجاءته عبرة فجعل يمتخط ويقول ما أشد الزكام. والأمثلة كثيرة عبر قرون الإسلام بحمد الله تعالى.

عاشرًا: الخوف والوجل والإشفاق من آفات الإخلاص وأعظمها الشرك بالله تعالى([41]).

قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا وَهُمۡ فِيهَا لَا يُبۡخَسُونَ ١٥ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٦ [هود: 15، 16]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا ٤٨ [النساء: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ٧٢﴾ [المائدة: 72]، وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ٢٠﴾ [الشورى: 20].

ويكفي في ذلك قول نبي الله صلوات الله وسلامه عليه: «أول من يسأل يوم القيامة ثلاثة: رجل أتاه الله العلم، فيقول الله تعالى: ما صنعت فيما علمت؟ فيقول: يا رب كنت أقوم آناء الليل وأطراف النهار، فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، بل أردت أن يُقال: فلان عالم، ألا فقد قيل ذلك. ورجلٌ آتاه الله مالاً، فيقول الله تعالى: لقد أنعمت عليك فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب كنت أتصدّق آناء الليل وأطراف النهار. فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، بل أردت أن يقال: فلان جواد، ألا قد قيل ذلك. ورجل قتل في سبيل الله تعالى، فيقول الله تعالى: ماذا صنعت؟ فيقول: يا رب أُمرت بالجهاد فقاتلت حتى قُتلت. فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، بل أردت أن يقال: فلان شجاع، ألا فقد قيل ذلك» قال أبو هريرة: ثم خبط رسول الله فخذي وقال: «يا أبا هريرة، أولئك أول خلقٍ تُسعّر نار جهنم بهم يوم القيامة»([42]).

وعن أبي فضالة الأنصاري ◙ قال: سمعت رسول الله يقول: «إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى منادٍ: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدًا فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشـرك»([43])، وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: «أنا أغنى الشـركاء عن الشـرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريء»([44])، لذلك فحتى تبرأ من الشـرك كله عليك بتحقيق وتصحيح شهادة التوحيد (لا إله إلا الله) ولابد أن تعرف قدرها وعظمتها.

قال ابن القيم : «حقيق بمن نصح نفسه وأحب سعادتها ونجاتها أن يتيقظ لهذه المسألة علمًا وعملاً وحالاً، فيكون تصحيح شهادة أن لا إله الله هو أهم الأشياء عنده، وأجل علومه وأعماله، فإن الشأن كله فيها، والمدار عليها، والسؤال يوم القيامة عنها. قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٢ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٣﴾ [الحجر: 92، 93] قال غير واحد من السلف: هو عن قول: لا إله إلا الله([45])، وهذا حق، فإن السؤال كله عنها وعن أحكامها وحقوقها وواجباتها ولوازمها.

قال أبو العالية: كلمتان يُسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟([46]) فالسؤال عن (ماذا كانوا يعبدون) هو السؤال عنها نفسها، والسؤال عن (ماذا أجابوا المرسلين) سؤال عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها: هل سلكوها وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها؟ فعاد الأمر كله إليها.

وأمر هذا شأنه حقيق بأن تثني عليه الخناصر، ويعَضَّ عليه بالنواجذ، ويقبض فيه على الجمر، ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يؤخذ على فضله، بل يُجعل هو المطلب الأعظم، وما سواه يُطلب على الفضلة. والله الموفق لا إله غيره، ولا رب سواه»([47]).

قلت: وهذا من أنفس الكلم وأنصحه، فلله دره من خبير بالقلوب. أيضًا فما أراد الله من أحب العلو والظهور، وكم من خامل سالم وظاهر ممكور به.

وقال في تعليقه على كلام الهروي في منازل السائرين قوله: «أصحاب السر هم الأخفياء الذين ورد فيهم الخبر»: قد يريد به حديث سعد بن أبي وقاص ◙ حيث قال له ابنه: أنت ههنا والناس يتنازعون الإمارة. فقال: إني سمعت رسول الله يقول: «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي»([48])، كذلك قوله : «ربّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره»([49])، وقوله في الحديث الآخر ــ وقد مر به رجل ــ فقال: «ما تقولون في هذا؟» قالوا: هذا حري إن شفع أن يُشَفّع، وإن خطب أن ينكح، وإن قال أن يُسمع لقوله. ثم مر به آخر فقال: «ما تقولون في هذا؟» فقالوا: هذا حريٌّ إن شفع ألا يُشفّع، وإن خطب ألا ينكح، وإن قال ألا يُسمع لقوله. فقال : «هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا»([50])([51])».

فتحقيق كلمة التوحيد ونفي ضدها يكون في الباطن أولاً، ولها بركة لا تحصرها العبارة.

قال ابن القيم: «لشهادة أن لا إله إلا الله عند الموت تأثير عظيم في تكفير السيئات وإحباطها؛ لأنها شهادة من عبد موقن بها، عارف بمضمونها، قد ماتت منه الشهوات، ولانت نفسه المتمردة، وانقادت بعد إبائها واستقصائها، وأقبلت بعد إعراضها، وذلت بعد عزّها، وخرج منها حرصها على الدنيا وفضولها، واستخذت بين يدي ربها وفاطرها ومولاها الحق أذل ما كانت له، وأرجى ما كانت لعفوه ومغفرته ورحمته، وتجرد منها التوحيد بانقطاع أسباب الشرك وتحقق بطلانه، فزالت منها تلك المنازعات التي كانت مشغولة بها، واجتمع همها على من أيقنت بالقدوم عليه، والمصير إليه، فوجّه العبد وجهه بكليِّته إليه، وأقبل بقلبه وروحه وهمه عليه، فاستسلم له وحده ظاهرًا وباطنًا، واستوى سره وعلانيته، فقال: لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه، وقد تخلص قلبه من التعلق بغيره، والالتفات إلى ما سواه، قد خرجت الدنيا كلها من قلبه، وشارف القدوم على ربه، وخمدت نيران شهوته، وامتلأ قلبه من الآخرة فصارت نصب عينيه، وصارت الدنيا وراء ظهره، فكانت تلك الشهادة الخالصة خاتمة عمله، فطهرته من ذنوبه، وأدخلته على ربه، لأنه لقي ربه بشهادة صادقة خالصة، وافق ظاهرها باطِنَها وسرُّها علانيتها.

فلو حصلت له الشهادة على هذا الوجه في أيام الصحة لاستوحش من الدنيا وأهلها، وفرّ إلى الله من الناس، وأنِسَ به دون ما سواه، لكنه شهد بها بقلب مشحون بالشهوات وحب الدنيا وأسبابها، ونفسٍ مملوءةٍ بطلب الحظوظ والالتفات إلى غير الله، فلو تجردت كتجردها عند الموت لكان لها نبأ آخر وعيش آخر سوى عيشها البهيمي. والله المستعان»([52]).

فلله ما أعظمها من كلمة، وما أكبر جرم من نقضها ولم يرفع بها رأسًا! نعوذ بالله من الشرك كله دقه وجله أوله وآخره صغيره وكبيره.

قال شيخ الإسلام ([53]): «اعلم رحمك الله أن الشرك بالله أعظم ذنب عُصِـيَ الله به، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١١٦﴾ [النساء: ٤٨]، وفي الصحيحين أنه سئل: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك»([54])، والند: المثل، قال تعالى: ﴿فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٢﴾ [البقرة: ٢٢]، فمن جعل لله ندًّا من خلقه فيما  يستحقه عز وجل من الإلهية والربوبية فقد كفر بإجماع الأمة، فإن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لذاته لأنه المألوه المعبود، الذي تألهه القلوب وترغب إليه، وتفزع إليه عند الشدائد، وما سواه فهو مفتقر مقهور بالعبودية، فكيف يصلح أن يكون إلهًا؟! قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُۥ مِنۡ عِبَادِهِۦ جُزۡءًاۚ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ مُّبِينٌ ١٥﴾ [الزخرف: ١٥]، وقال تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا ٩٣﴾ [مريم: ٩٣]، فالله سبحانه هو المستحق أن يعبد لذاته، قال تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢﴾ [الفاتحة: 2] فذكر الألف واللام التي تقتضـي الاستغراق لجميع المحامد، فدل على أن الحمد كله لله، ثم حصـره بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ [الفاتحة: 5]، فهذا تفصيل لقوله: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢﴾ [الفاتحة: 2] فهذا يدل على أنه لا معبود إلا الله، وأنه لا يستحق أن يعبد أحد سواه، فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ﴾ إشارة إلى عبادته بما اقتضته إلهيته من المحبة والخوف والرجاء والأمر والنهي. ﴿وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ إشارة إلى ما اقتضته الربوبية من التوكل والتفويض والتسليم؛ لأن الرب سبحانه هو المالك، وفيه أيضًا معنى الربوبية والإصلاح، والمالك الذي يتصرف في ملكه كما يشاء.

فإذا ظهر للعبد من سر الربوبية أن الملك والتدبير كله بيد الله تعالى، قال تعالى: ﴿تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١﴾ [الملك: 1] فلا يرى نفعًا ولا ضرًا ولا حركة ولا سكونًا ولا قبضًا ولا بسطًا ولا خفضًا ولا رفعًا إلا والله سبحانه فاعله وخالقه وقابضه وباسطه ورافعه وخافضه، فهذا الشهود هو سرّ الكلمات الكونيات وهو علم صفة الربوبية، والأول هو علم صفة الإلهية وهو كشف سر الكلمات التكليفيات.

فالتحقيق بالأمر والنهي والمحبة والخوف والرجاء يكون عنه كشف علم الإلهية. والتحقيق بالتوكل والتفويض والتسليم يكون بعد كشف علم الربوبية، وهو علم التدبير الساري في الأكوان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٠﴾ [النحل: ٤٠]، فإذا تحقق العبد لهذا المشهد، ووفقه لذلك، بحيث لا يحجبه هذا المشهد عن المشهد الأول فهو الفقيه في عبوديته، فإن هذين المشهدين عليهما مدار الدين، فإن جميع مشاهد الرحمة واللطف والكرم والجمال داخل في مشهد الربوبية.

ولهذا قيل: إن هذه الآية جمعت جميع أسرار القرآن ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ [الفاتحة: 5]؛ لأن أولها اقتضـى عبادته بالأمر والنهي والمحبة والخوف والرجاء كما ذكرنا، وآخرها اقتضـى عبوديته بالتفويض والتسليم، وترك الاختيار، وجميع العبوديات داخلة في ذلك.

فإذا تقرر هذا؛ فالشرك إن كان شركًا يكفر به صاحبه. وهو نوعان: شرك في الإلهية وشرك في الربوبية.

فأما الشرك في الإلهية فهو أن يجعل لله ندًّا، أي مثلاً في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته، فهذا الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا ٤٨﴾ [النساء: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدۡ مَضَتۡ سُنَّتُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٨﴾ [الأنفال: ٣٨]، وهو الذي قاتل عليه رسول الله مشركي العرب؛ لأنهم أشركوا في الإلهية، قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ [البقرة: ١٦٥]، وقال تعالى في شأنهم: ﴿مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ﴾ [الزمر: ٣ ]، وقال عن لسانهم: ﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ ٥﴾ [ص: ٥ ]، وقال النبي لحصين: «كم تعبد؟» قال: ستة في الأرض وواحدًا في السماء. قال: «فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟» قال: الذي في السماء. قال: «ألا تسلم فأعلمك كلمات» فأسلم، فقال النبي : «قل: اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي»([55]).

وأما الربوبية فكانوا مقرين بها، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٦١﴾ [العنكبوت: ٦١]، وقال: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٤ سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٨٥ قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ ٨٦ سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٨٧ قُلۡ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٨ سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ فَأَنَّىٰ تُسۡحَرُونَ ٨٩﴾ [المؤمنون: 84-89]، وما اعتقد أحد منهم قط أن الأصنام هي التي تنزل الغيث، وترزق العالم وتدبره، وإنما كان شركهم كما ذكرنا، اتخذوا من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، وهذا المعنى يدل على أن من أحب شيئًا من دون الله([56]) كما يحب الله تعالى فقد أشرك، وهذا كقوله: ﴿قَالُواْ وَهُمۡ فِيهَا يَخۡتَصِمُونَ ٩٦ تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٩٧ إِذۡ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩٨﴾ [الشعراء: ٩٦ - ٩٨] وكذا من خاف أحدًا كما يخاف الله، أو رجاه كما يرجو الله وما أشبه ذلك.

وأما النوع الثاني: فالشرك في الربوبية، فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر، المعطي المانع، الضار النافع، الخافض الرافع، المعز المذل، فمن شهد أن المعطي أو المانع أو الضار أو الرافع أو المعز أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته.

ولكن إذا أراد التخلص من هذا الشرك فلينظر إلى المعطي الأول مثلاً، فيشكره على ما أولاه من النعم، وينظر إلى من أسدى إليه المعروف فيكافئه عليه، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه»([57])، لأن النعم كلها لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ ٥٣﴾ وقال تعالى: ﴿كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا ٢٠﴾ [الإسراء: 20]، فالله سبحانه هو المعطي على الحقيقة، فإنه هو الذي خلق الأرزاق وقدّرها، وساقها إلى من يشاء من عباده، فالمعطي هو الذي أعطاه وحرّك قلبه لعطاء غيره، فهو الأول والآخر.

ومما يقوي هذا المعنى قوله ﷺ لابن عباس : «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف»([58])، فهذا يدل على أنه لا ينفع في الحقيقة إلا الله، ولا يضر غيره، وكذا جميع ما ذكرنا في مقتضى الربوبية.

فمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من عبودية الخلق ونظره إليهم، وأراح الناس من لومه وذمه إياهم، وتجرد التوحيد في قلبه، فقوي إيمانه وانشرح صدره وتنور قلبه، ومن توكل على الله فهو حسبه. ولهذا قال الفضيل بن عياض : من عرف الناس استراح. يريد والله أعلم أنهم لا ينفعون ولا يضرّون.

وأما الشرك الخفي: فهو الذي لا يكاد أحد يسلم منه مثل أن يحب مع الله غيره، فإن كانت محبته لله مثل حب الأنبياء والصالحين والأعمال الصالحة فليست من هذا الباب؛ لأن هذه تدل على حقيقة المحبة؛ لأن حقيقة المحبة أن يحب المحبوب وما أحبه، ويكره ما يكرهه، ومن صحت محبته امتنعت مخالفته؛ لأن المخالفة إنما تقع لنقص المتابعة، ويدل على نقص المحبة قوله تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١﴾ [آل عمران: 31]، فليس الكلام في هذا.

إنما الكلام في محبة تتعلق بالنفوس لغير الله تعالى، فهذا لا شك أنه نقص في توحيد المحبة لله، وهو دليل على نقص محبة الله تعالى؛ إذ لو كملت محبته لم يحب سواه، ولا يرد علينا الباب الأول؛ لأن ذلك داخل في محبته، وهذا الميزان، فكلما قويت محبة العبد لمولاه صغرت عنده المحبوبات وقلّت، وكلما ضعفت كثرت محبوباته وانتشرت، وكذا الخوف والرجاء وما أشبه ذلك، فإن كمل خوف العبد من ربه لم يخف شيئًا سواه، قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٣٩﴾ [الأحزاب: ٣٩] وإذا نقص خوفه خاف من المخلوق، وعلى قدر نقص الخوف وزيادته يكون الخوف كما ذكرنا في المحبة، وكذا الرجاء وغيره، فهذا هو الشرك الخفي الذي لا يكاد أحد يسلم منه إلا من عصمه الله تعالى، روي أن الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل([59]).

وطريق التخلص من هذه الآفات كلها: الإخلاص لله عز وجل، قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠﴾ [الكهف: 110] ولا يحصل الإخلاص إلا بعد الزهد، ولا زهد إلا بتقوى، والتقوى متابعة الأمر والنهي»([60]).

وقد بوب الإمام المجدد في كتاب التوحيد باب: قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٢﴾ [البقرة: ٢٢] وذكر فيه قول ابن عباس ¶ في الآية: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلانة، وحياتك، وتقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص([61])، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها (فلان) هذا كله به شرك([62]).

قال الشارح: «إن هذه الأمور من الشرك خفية على الناس، لا يكاد يتفطن لها ولا يعرفها إلا القليل، وضرب المثل لخفائها بما هو أخفى شيء وهو أثر النمل، فإنه خفيّ، فكيف إذا كان على صفاة؟ فكيف إذا كانت سوداء؟ فكيف إذا كانت في ليلة مظلمة؟ وهذا يدل على شدة خفائه على من يدعي الإسلام، وعسر التخلص منه، ولهذا جاء في حديث أبي موسى ◙ قال: خطبنا رسول الله ذات يوم فقال: «أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل» فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: «قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشـرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه»([63])، وقال ابن عباس ¶: إن أحدكم ليشـرك حتى يشـرك بكلبه، يقول: لولاه لسرقنا الليلة»([64])([65]).

وقال الحافظ ابن رجب في تعليقه على حديث: «ما ذئبان جائعان»([66]): «ومن ذلك أن يقدم الإنسان نفسه عند الناس يريد بذلك أن يرى الناس أنه متواضع، وهذا من دقائق أبواب الرياء».

وقال الغزالي في الإحياء: «ومن الرياء أن يعمل الإنسان العمل خالصًا لله ولا يريد اطلاع الناس عليه، لكن مع ذلك يحب أن يبدأه الناس بالسلام، ويهشوا له، ويقضوا حوائجه، فإن لم يجد ذلك ثقل هذا على قلبه كأنه يتقاضى الاحترام مع الطاعة التي أخفاها».

وقال ابن القيم في قوله تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠﴾ [الكهف: 110]: «فكما أنه إله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة وحده لا شريك له، فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد بالعبودية، فالعمل الصالح هو الخالص من الرياء المقيد بالسنة»([67]).

قال ابن رجب رحمه الله تعالى: «واعلم أن العمل لغير الله أقسام، فتارة يكون رياءً محضًا، فلا يراد به سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٤٢﴾ [النساء: 142]، وكذلك وصف الكفار بالرياء، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٤٧﴾ [الأنفال: 47]، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج أو غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت.

وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه. ومنها حديث أبي أمامة الباهلي ◙ أن رجلاً جاء إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ فقال رسول الله : «لا شيء له» فأعادها عليه ثلاث مرات يقول له رسول الله : «لا شيء له»، ثم قال: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له وابتغي به وجهه»([68])، وعن أبي هريرة ◙ قال: قال رسول الله : «قال الله تعالى: أنا أغنى الشـركاء عن الشـرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه»([69]).

فإن خالط نية الجهاد مثلاً نية غير الرياء؛ مثل أخذ أجرة للخدمة أو الغنيمة أو التجارة ، نقص بذلك أجر جهادهم ولم يبطل بالكلية. فعن عبد الله بن عمرو ¶ عن النبي قال: «إن الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجلوا ثلثي أجرهم، فإن لم يغنموا شيئًا تم لهم أجرهم»([70])([71]).

وتعقبه الشيخ سليمان آل الشيخ بقوله: «هذا لا يدل على أنهم غزوا لأجلها، فلا يدل على ثبوت الأجر لمن غزا يلتمس غرضًا». قال([72]): «وقد ذكرنا في ما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضًا من الدنيا أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا.

 قلت([73]):  ظاهر حديث أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله، رجل يريد الجهاد وهو يبتغي عرضًا من عرض الدنيا؟ فقال رسول الله : «لا أجر له» فأعاد عليه ثلاثًا والنبي يقول: «لا أجر له»([74])، وهذا يدل على أن نية الجهاد إذا خالطها نية أجر الخدمة أو أخذ الغنيمة أو التجارة لم يكن له أجر، ويحتمل أن يكون معنى يريد الجهاد، أي يريد سفر الجهاد ولم ينوِ الجهاد، إنما نوى عرض الدنيا»([75]).

وقال ابن رجب: «وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والمكاري أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزواتهم، ولا يكونون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره. وقال أيضًا فيمن يأخذ جُعلاً على الجهاد: إذا لم يخرج لأجل الدراهم فلا بأس([76]) كأنه خرج لِدِينهِ، فإن أعطي شيئًا أخذه. وكذا روي عن عبد الله بن عمرو ¶ قال: إذا أجمع أحدكم على الغزو فعوضه الله رزقًا فلا بأس بذلك، وأما إن أحدكم إن أعطي درهمًا غزا، وإن لم يعط درهمًا لم يغز، فلا خير في ذلك.

قلت: وهذا يدل على الفرق بين ما كانت نية الدنيا مخالطة له من أول مرة، بحيث تكون هي الباعث له على العمل، أو من جملة ما يبعث عليه([77]) كالذي يلتمس الأجر والذكر، فهذا الأجر له. وبين ما كانت النية خالصة لله من أول مرة، ثم عرض له أمر من الدنيا لا يبالي به، سواء حصل أم لم يحصل، كالذي أجمع على الغزو أعطي أم لم يعط فهذا لا يضرّه، ونحوه التجارة في الحج كما قال تعالى: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ١٩٨﴾ [البقرة: 198].

قال: وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأت عليه نية الرياء، فإن كان خاطرًا ودفعه، فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه، فهل يحبط عمله أم لا يضـره ذلك، ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره([78]). وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل مرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج؛ فأما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه ويحتاج إلى تجديد نية.

أما إذا كان العمل خالصًا ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين، ففرح بفضل الله ورحمته واستبشر بذلك لم يضره، وفي هذا المعنى جاء في حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي أنه سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير يحمده الناس عليه، فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن»([79])([80])».

وقال : «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى. قال: الشرك الخفي([81])، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل»([82]).

قال الغزالي: «وهو من أضر غوائل النفس، وبواطن مكائدها، يبتلى به العلماء والعباد، والمشمرون على ساق الجد لسلوك طريق الآخرة، فإنهم مهما قهروا أنفسهم، وفطموها عن الشهوات، وصانوها عن الشبهات، عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة، الواقعة على الجوارح، فطلب الاستراحة إلى التظاهر بالخير وإظهار العلم والعمل، فوجدت مخلصًا من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق، ولم تقنع باطلاع الخالق تبارك وتعالى، وفرحت بحمد الناس، ولم تقنع بحمد الله وحده، فأحبت مدحهم، وخدمته وإكرامه وتقديمه في المحافل، فأصابت النفس في ذلك أعظم اللذات، وأعظم الشهوات، وهو يظن أن حياته بالله وبعبادته، وإنما حياته هذه الشهوة الخفية التي تعمى عن دركها العقول الناقدة، قد أثبت اسمه عند الله من المنافقين، وهو يظن أنه عند الله من عباده المقربين، وهذه مكيدة للنفس لا يسلم منها إلا الصديقون، ولذلك قيل: آخر ما يسقط من رؤوس الصديقين حب الرئاسة»([83]).

وبالله تعالى التوفيق، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.

إبراهيم الدميجي



([1])   أخرجه الترمذي وحسنه من حديث البراء بن عازب ◙ (3267).

([2])   الفوائد، ابن القيم (219، 220).

([3])   صيد الخاطر، ابن الجوزي (369، 370).

([4])   ليس مراد المصنف إقرار الجبرية على عقيدتهم الضالة، بل قصد التنبيه على أن العبد إزاء فعل الطاعات عليه أن يستحضر مشيئة الله تعالى، وأن طاعته لم تكن لولا توفيق الله، وهذا نافع في مشهد الطاعات لأنه طارد للعجب. أما المعاصي فلا، بل عليه أن يتذكر ذنبه وخطيئته، وحتى في الطاعة عليه أن يتذكر نقصه وتقصيره.

([5])   مدارج السالكين (2/ 316ــ 318).

([6])   قال الراغب: «المعرفة والعرفان هي في اللغة إدراك الشيء بتفكر وتدبر لأثره، وهي أخص من العلم، ويضادها الإنكار. يقال: فلان يعرف الله، ولا يقال: يعلم الله متعديًا إلى مفعول واحد، لما كانت معرفة البشر لله هي بتدبر آثاره دون إدراك ذاته. ويقال الله يعلم كذا، ولا يقال: يعرف كذا، لمّا كانت المعرفة تستعمل في العلم المتوصل إليه بتفكر».  (المفردات للراغب الأصفهاني: 431).

قلت: ولا يلزم من قولنا: العلم بالله إدراك ذاته، بل إدراك ما عَلِمْنا مما عَلّمنا سبحانه بالوحي. ولفظ العارف لا أعلم أن السلف اصطلحوا عليه بل الجادة على اسم العابد، والذين استخدموه كاصطلاح كاشف أرادوا به العابد العالم بالله وإن لم يكن عالمًا بشريعته، أي أنه مخلص صادق متوكل قد اجتمع قلبه على صدق التوجه والمحبة لربه. وقد بوَّب البخاري رحمه الله على قول النبي ^: «أنا أعلمكم بالله» بقوله: المعرفة فعل القلب لقوله تعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتۡ قُلُوبُكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ٢٢٥﴾ [البقرة: 225]، وقد ورد هذا الحديث من رواية الأصيلي بلفظ: «أنا أعرفكم بالله» (الفتح 1/89).

وقال ابن القيم رحمه الله: «لا يوصف بالمعرفة إلا من كان عالمًا بالله وبالطريق الموصل إلى الله، وبآفاتها وقواطعها، وله حال مع الله تشهد له بالمعرفة، فالعارف هو من عرف الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم صدق الله في معاملته، ثم أخلص له قصده ونيته، ثم جرّد للدعوة إليه وحده بما جاء به رسوله ولم يُشبها بآراء الرجال وأذواقهم ومواجيدهم ومقاييسهم ومعقولاتهم، فهذا الذي يستحق اسم العارف على الحقيقة، إذ سمي به غيره على الدعوى والاستيعاب (المدارج 3/337- 338) باختصار عن شرح الأسباب العشرة الموجبة لمحبة الله (88) عبد العزيز مصطفى.

قلت: إن صح الخبر فهو أصل في التسمية وقد استعمله ابن تيمية كثيرًا (وقد صححه الزرقاني كما في مختصر المقاصد الحسنة (165) كذلك محمد جار الله الصعدي في النوافح العطرة (57) بلفظ: «أنا أعلمكم بالله وأعرفكم»). وإن لم يصح ولم يشهد له غيره فالأولى ترك ذلك والاعتياض عنه بالمسمى الشرعي الذي لا شبهة فيه وهو العابد أو العالم بالله. وقد يكون سبب تعلّق المتصوفة بهذا المصطلح أنه دخيل من قبل قدماء المتصوفة الغنوصية الآسيوية أو الفلسفة الإغريقية ثم تلبست لبوس الصلاح، فهي تشير ــ عند كثير منهم ــ إلى معرفة خفية أو كشف لدنّي وتحصل عندهم عن طريق الرياضة والجوع والخلوة والتأمل لا عن طريق تعلم القرآن والسنة، وقدماء أولئك يقدّسون المعرفة من حيث هي معرفة مطلقة لا من حيث الآثار أو المآلات. وبالجملة فالعدول عن هذا المسمى (العارف) أروح وأحسن ما لم يثبت في ذلك حديث، نعم إنه مجرد مصطلح ولا مشاحّة وخطبها يسير، ولكن حراسة قوالب الشعيرة بمفردات اللغة ومسميات الشرع أولى وأسلم وأنجح وأفلح. وبالله التوفيق.

([7])   إحسان السلوك (189، 190).

([8])   البخاري (751).

([9])   متفق عليه. البخاري (852) ومسلم (707). وكان ابن مسعود يذكر أنه كان أكثر ما يرى رسول الله ينصرف عن يساره، وبالعكس قال أنس، فكل ذكر أكثر ما رأى، رضي الله عنهما، فدل هذا على أن في الأمر سعة ولله الحمد.

([10])     أي مع مشاهدته لتقصيره ونقصه وذنبه.

([11])     أحمد (6/ 159)، الترمذي (3174) وصححه الألباني.

([12])     مدارج السالكين (2/ 316ــ 321) بتصرف يسير.

([13])     إحسان السلوك (181ــ 183).

([14])     السابق (183، 184).

([15])     من أجل ذلك رُقِمَ هذا الكتاب، سائلاً ربي السداد والتوفيق والهدى.

([16])     المدارج (2/ 322، 323).

([17])     السابق (2/ 324) بتصرف يسير.

([18])     في الأصل (الخدمة) ويراد بها العبادة. والظاهر أنها دخيلة على المعنى الشرعي من بعض نساك الأعاجم كأمثال (المعرفة) ويقصد بها العلم، و(العارف) ويقصد به (العابد المحقق) ونحو تلك الكلمات والمسميات. وإن كان لفظ المعرفة ليس كغيره لوروده في القرآن الكريم ﴿أَمۡ لَمۡ يَعۡرِفُواْ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٦٩﴾ [المؤمنون: 69]، ﴿يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٣﴾ [النحل: 83]، ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤٦﴾ [البقرة: 146]، وعليه فالأمر فيها واسع إن شاء الله، وإن كان مرتبتها أقل من مرتبة العلم فالله تعالى وصف نفسه بالعلم وليس المعرفة.

والأولى استخدام اللفظ الشرعي (العبادة) لأنها تقتضي المحبة مع العمل، وهذا ما لا يتأتى في لفظ (الخدمة)، كما أن المحافظة على لغة الصحابة النقية المنضبطة متحتم، فحراسة الشـريعة في اللغة والاصطلاحات العربية الأولى مسلك مهم لسد الباب أمام سيل الكلمات والعبارات (الهجينة المعرّبة) التي جعلها بعض الناس بديلاً عن جزالة العربية العرباء التي هي وعاء الوحي ولسان القرآن.

قال شيخ الإسلام: «من أعظم أسباب الغلط في فهم الكتاب والسنة أن ينشأ الرجل على اصطلاح حادث، فيريد أن يفسر كلام الله بمصطلحه» مجموع الفتاوى (12/ 106).

([19])     كذلك الصلاة ونحوها من العبادات إذا ألفتها النفس.

([20])     التجريد هو الإخلاص.

([21])     وهذا من اصطلاحات المتصوفة المحدثة التي لم ترد عن السلف الصالح.

         قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والفناء يراد به ثلاثة أمور: الأول: أن يفنى عما لم يأمر الله به بفعل ما أمر به، فيفنى عن عبادة غيره بعبادته، وعن طاعة غيره بطاعته وطاعة رسوله، وهذا هو الفناء الشرعي الذي جاءت به الرسل.

الثاني: وهو الذي يذكره بعض الصوفية، وهو أن يفنى عن شهود ما سوى الله تعالى، فيفنى بمعبوده عن عبادته وبمذكوره عن ذكره، بحيث يغيب عن شهود نفسه لما سوى الله تعالى، فهذا حال ناقص قد يعرض لبعض السالكين، وليس هو من لوازم طريق الله، ولهذا لم يعرف مثل هذا للنبي وللسابقين الأولين، ومن جعل هذا نهاية السالكين فقد ضل ضلالاً مبينًا، وكذلك من جعله من لوازم الطريق فهو مخطئ، بل هو من عوارض الطريق التي تعرض لبعض الناس دون بعض، ليس هو من اللوازم التي تحصل لكل سالك.

الثالث: هو الفناء عن وجود السوى، بحيث يرى أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق، وأن الوجود واحد بالعين، فهو قول أهل الإلحاد والاتحاد الذين هم من أضل العباد». مجموع الفتاوى (3/ 118، 119) باختصار.

([22])     المدارج (2/ 327ــ 329) باختصار.

([23])     وهذا أخفاها وهو بحر لا ساحل له، وكم للشيطان فيه من نصيب، والله المستعان.

([24])     البخاري (1).

([25])     وفيه حديث مرفوع «نية المؤمن خير من عمله» أخرجه الطبراني بسندين ضعيفين.

([26])     ولا يمنع ذلك من الضرب في الأرض ونفع الناس بشرط أن تكون الدنيا في يده لا في قلبه. بل الدعوة إلى الله تعالى وتعليم الناس وإعانتهم هو من أهم وظائف العبادات لتعدي نفعها، وعلى المعلم والداعية وصاحب البر ألا يغفل عن تزكية نفسه والخلوة بها والتفتيش والتدقيق في خطرات النفس ورغباتها وإراداتها ومحاسبتها، فرأس مالك هي نفسك فلا تهملها بالغفلة عنها بسبب نفع الناس.

([27])     وانظر الكلام عن ذلك في مقدمة أعمال القلب في شرح حديث النعمان بن بشير ◙: «إن في الجسد مضغة».

([28])     متفق عليه. ومرّ قريبًا.

([29])       ويسميها علماء النفس (التعزيز) أي تعزيز الصفة حتى ترسخ في القلب وتنطبع في النفس.

([30])     أخرجه مسلم (130).

([31])     بل وأجرًا «فإن همَّ بها وعملها كتبها الله له عشر حسنات...»، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فدل هذا على أن عمل الجوارح مقصود كذلك وإن كان تابعًا لعمل القلب، ويشهد لهذا كذلك حديث «ذهب أهل الدثور بالأجور» رواه مسلم (1006).

([32])     رواه مسلم (1911).

([33])     رواه مسلم من حديث أبي هريرة ◙ (2985).

([34])     كما في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة ◙ أن رجلاً قال: يا رسول الله رجل يبتغي الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضًا من عرض الدنيا، فقال رسول الله : «لا أجر له»، وللنسائي من حديث أبي أمامة ◙ بإسناد حسن: أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال: «لا شيء له» فأعادها ثلاث مرات يقول: «لا شيء له» ثم قال: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا وابتغي به وجهه» (عن محقق الإحياء).

([35])     أي بحسب فهم بعض الناس، وإلا فيستحيل تعارضها تعارضًا تامًّا مع صحتها وصراحتها.

([36])  إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي (2/ 1666ــ 1691) باختصار وتصرف. ويرى بعض أهل العلم ومنهم العثيمين أن إرادة الدنيا والرياء إن كانت في أصل العمل فإنها تبطله كمن صلى لأجل الناس، أما إن عرض له خاطر الرياء أثناء العمل فدافعه وجاهده فعمله صحيح وهو مأجور على مجاهدته، أما إن لم يدافعه بل استراح إليه واطمأن فقد يصل به إلى البطلان. وسيأتي مزيد بسط إن شاء الله تعالى.

([37])     إحسان السلوك (185، 186) باختصار.

([38])     رواه البخاري في الأدب المفرد (739) وصححه الألباني من حديث أبي بكر ◙.

([39])     هناك مسائل يُظن أنها من الرياء وهي ليست منه:

1ـ إذا حمدك الناس على الخير بدون قصد منك، لأن هذه عاجل بشرى المؤمن، بشرط ألا يطلب الثناء.

2ـ رجل رأى العابدين فنشط للعبادة لرؤية من هو أنشط منه، فهذا ليس رياءً لأنه قصد بذلك وجه الله.

3ـ تحسين وتجميل الثياب والنعل وطيب المظهر والرائحة، فالله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده.

4ـ كتم الذنوب وعدم التحدث بها. فنحن مطالبون شرعًا بالستر، فكتم الذنوب ليس رياءً بل هو مما يحبه الله.

5ـ اكتساب شهرة بغير طلبها، فليس من الرياء أن يشتهر المرء، ولكن الشهرة يمكن أن توقع في الرياء.

6ـ إطالة الركوع ليدرك المسبوق الركعة احتسابًا للأجر.

7ـ وعظ الناس وتذكيرهم وتعليمهم.

8ـ ترك المزاح والضحك ممن يقتدى به مخافة أن يفتن الجاهل.

9ـ إظهار الفرائض التي شرعت مجهورة.

10ـ طلب الإمارة والرئاسة للدعوة إلى الله وإقامة دينه.

11ـ إعطاء الهبة بقصد الإثابة عليها، أو قصد دفع الشر عن نفسه.

12ـ إظهار الفرائض حتى لا يذم من الناس إذا كان قصده خالصًا لله بفعل العبادة.

13ـ الخوف من ذم الناس لكونه عاجل عقوبة الله له.

14ـ فعل العبادة خالصة مع الاستعانة بها على طلب الرزق.

15ـ قول المرء: إني صائم لمن شاتمه.

16ـ الصوم لتحصيل مقصد شرعي كالعفة ولين القلب ونحو ذلك.

17ـ تخفيف الصلاة رحمة بالمأمومين.

18ـ التزيّن والتجمل لحضور العبادة ولقاء الناس.

19ـ سجود الشكر والسجود أثناء القراءة عند قراءة السجدات بين الناس، وفعل الأوراد المشروعة التي يفعلها الإنسان دائمًا.

20ـ تقصير الثوب، وجعله فوق الكعبين إظهارًا للسنّة.

21ـ إغاظة الأعداء بفعل العبادات مع الإخلاص فيها.

22ـ القيام للزائر لفضله.

23ـ التورية لمن أحدث في صلاته بوضع يده على أنفه إذا انصرف إيهامًا للناس برعافه.

24ـ المبارزة في الجهاد.

25ـ إلانة المنكب في الصلاة فينقاد لأخيه إذا طلب منه الاستواء ولا يتكبر.

26ـ سؤال الله تعالى بالعمل الصالح لتفريج الكرب وإجابة الدعوات.

27ـ التبكير بالذهاب للجمعة والجماعة ونحو ذلك.

28ـ تخفيف الصلاة إذا جلس بجانبه رجل يريده.

وللتفصيل ينظر: الإخلاص حقيقته ونواقضه، عبد الله بن عيسى الأحمدي (198ــ 213).

ومن علامات الإخلاص:

1ـ الحماس للعمل للدين.

2ـ أن يكون عمل السر أكبر من عمل العلانية.

3ـ المبادرة للعمل واحتساب الأجر.

4ـ الصبر والتحمل وعدم التشكي.

5ـ الحرص على إخفاء العمل.

6ـ إتقان العمل.

7ـ الإكثار من العمل في السر. (سلسلة أعمال القلوب 34، 35). وانظر: القول المفيد، باب الرياء.

([40]) البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨).

([41])     وسيأتي مزيد بيان في كتاب الخوف من الله تعالى إن شاء الله تعالى.

          وفي حاشية القول المفيد: «من علاج الرياء: 1ـ التعبد بالأسماء والصفات وتحقيق التوحيد. 2ـ أن يعلم أنه عبد محض لا يستحق لخدمة سيده شيئًا، إنما يعطيه سيده تفضلاً لا معاوضة. 3ـ مشاهدته لمنّة الله وتوفيقه. 4ـ مطالعة عيوبه وتقصيره 5ـ خوف مقت الله تعالى. 6ـ الإكثار من عبادات السر. 7ـ تذكر الموت. 8ـ معرفة الرياء ومداخله وخفاياه. 9ـ النظر في عاقبة الرياء. 10ـ الدعاء. 11ـ مصاحبة أهل الإخلاص».

وهناك بحث قيم بعنوان: الإخلاص حقيقته ونواقضه لعبد الله بن عيسى الأحمدي (رسالة ماجستير).

([42])     رواه مسلم (1905)، والترمذي (4202).

([43])     أخرجه الترمذي (3154)، وابن ماجه (4203)، وأحمد (15876) باختلاف يسير. وحسنه الألباني والأرناؤوط.

([44])     رواه مسلم (2985).

([45])     تفسير الطبري (14/ 139ــ 141).

([46])     تفسير الطبري (14/ 141).

([47])     طريق الهجرتين وباب السعادتين، ابن القيم (2/ 644، 645).

([48])     مسلم (2965).

([49])     مسلم (2622).

([50])     البخاري (5091).

([51])     المدارج (3/ 713).

([52])     الفوائد، ابن القيم (77، 78).

([53])     وهي من أجمل وأتم ما كتب في مقدمات التوحيد وتلقينه وتأسيسه، ونفي ضده ونقضه.

([54])     متفق عليه. البخاري (6811) ومسلم (86) من حديث عبد الله بن مسعود ◙.

([55])     الترمذي (3483) بلفظ: «وأعذني من شر نفسـي» وقال: حسن غريب. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (4098).

([56])     من دون: أي من غير. وفيها الإشارة إلى نقص الغير.

([57])     أبو داود (1672)، والنسائي (5/ 82) وصححه النووي في رياض الصالحين.

([58])     الترمذي (2516)، وقال: حسن صحيح من حديث ابن عباس ¶. وأحمد (2669) وأورده الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة: 10 / 23 وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2516).

([59])     ويأتي بعد قليل إن شاء الله تعالى.

([60])     مجموع الفتاوى، ابن تيمية (1/ 88ــ 94) باختصار وتصرف.

([61])     قال الشيخ صالح آل الشيخ في شرحه لكتاب التوحيد: «حالات (لولا) أربع: 1ـ الكمال: لولا الله. 2ـ الجواز: لولا الله ثم فلان. 3ـ الشرك الأصغر: لولا الله وفلان. 4ـ الشرك الأكبر: لولا الله وفلان (على جهة التعظيم)».

([62])     رواه ابن أبي حاتم بسند جيد كما ذكره الشارح سليمان آل الشيخ. وقال ابن باز في مجموع فتاويه (45/1): ثابت بإسناد حسن.

([63])     أخرجه أحمد (19622)، والبخاري في التاريخ الكبير (509)، والطبراني في المعجم الأوسط (3479) باختلاف يسير. وقال المنذري في الترغيب والترهيب (1/59): رواته إلى أبي علي محتج بهم في الصحيح أبو علي وثقه ابن حبان ولم أر أحدًا جرحه. وقال الألباني في صحيح الترغيب (36): حسن لغيره.

([64])     رواه ابن أبي الدنيا في الصمت: 1/‏١٩٧ ففيه إبهام مولى ابن عباس رضي الله عنهما، والمشهور أن ابن أبي خالد يروي عن شعيب بن يسار مولى ابن عباس، سئل عنه أبو زرعة فقال: «له أربعة أحاديث، لا أعرفه إلا برواية إسماعيل بن أبي خالد ومساور عنه. وانظر: الجرح والتعديل (٤/ ٣٥٣).

([65])     تيسير العزيز الحميد (586ــ 588) باختصار.

([66])     الترمذي (2367) وقال: حسن صحيح.

([67])     عن تيسير العزيز الحميد (525).

([68])     أبو داود والنسائي بسند جيد.

([69])     مسلم (2985).

([70])     رواه مسلم (١٩٠٦)، ورواه أيضًا أحمد ٢/ ١٦٩، وأبو داود (٢٤٩٧)، والنّسائي ٦/ ١٧ - ١٨، وابن ماجه (٢٧٨٥).

([71])     السابق (528، 529) باختصار.

([72])     أي ابن رجب.

([73])     أي سليمان آل الشيخ.

([74])     أخرجه أبو داود (2516)، وأحمد (2/ 290)، وابن حبان (10/494) باختلاف يسير. وحسنه الألباني والأرناؤوط.

([75])     وهذا خلاف الظاهر.

([76])     مسألة: هل يعيد العمل الذي راءى فيه؟ قال شيخ الإسلام: أما المندوبات فحسن أن يعيد، أما الفرائض فلا لأنه من الوسوسة.

([77])     كما مر من كلام الغزالي .

([78])     وانظر: أضواء البيان للشنقيطي (9/ 309).

([79])     رواه مسلم(2642).

([80])     تيسير العزيز الحميد (528ــ 531).

([81])     فالدجال زمنه محدد، أما الرياء ففي كل أزمان الأمة.

([82])     رواه أحمد (٣/‏٣٠) بسند حسن، وابن أبي شيبة (8489)، وابن خزيمة (937) واللفظ له، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (3141) وصححه ابن باز، وحسنه الألباني، ووثق رجاله الأرناؤوط.

([83])     إحياء علوم الدين، الغزالي (2/ 1133).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق