إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

السبت، 12 سبتمبر 2026

مرتبة الشوق إلى الله تعالى ومنزلته

 

مرتبة الشوق إلى الله تعالى ومنزلته

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فإن مرتبة الشوق إلى الله تعالى مرتبة منيفة ومنزلة شريفة وعمل من أجمل أعمال القلوب على الإطلاق، وهو فرع عن المحبة والرجاء، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وأكثر مثبتي الرؤية يثبتون تنعّم المؤمنين برؤية ربهم، وهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها ومشايخ الطريق، كما في الحديث الذي في النسائي([1]) وغيره عن النبي : «اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني إذا كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وبرْد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلّة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين».

وفي صحيح مسلم([2]) وغيره عن صهيب عن النبي قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى منادٍ: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيّض وجوهنا، ويثقّل موازيننا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ قال: فَيَكْشِفُ الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه».

وكلما كان الشيء أحب، كانت اللذة بنيله أعظم، وهذا متفق عليه بين السلف والأئمة ومشايخ الطريق، كما رُوي عن الحسن البصري أنه قال: لو علم العابدون بأنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت نفوسهم في الدنيا شوقًا إليه... وكلامهم في ذلك كثير»([3]).

ولقد شهدت والدي يوم الجمعة قبل وفاته بأسبوع ورفع يديه اللتين أنحلهما المرض ودعا بلسان أنهكه السقم وحمد الله تعالى بمحامد عظيمة وصلى على رسول الله صلاة جميلة طويلة ثم دعا بجوامع دعاء له ولوالديه ولأهله وللمسلمين ثم ألضّ بهذه الدعوة الجليلة: اللهم قد اشتقت للقائك، اللهم قد اشتقت للقائك.. ثم رحل إلى ربه بعد جمعة([4]) رحمه الله تعالى.

وقال ابن القيم : «ومن منازل: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ [الفاتحة: 5] منزلة الشوق. قال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَأٓتٖۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٥﴾ [العنكبوت: 5] قيل: هذا تعزية للمشتاقين، وتسلية لهم، أي أنا أعلم أن من كان يرجو لقائي فهو مشتاق إلي، فقد أجَّلْتُ له أجلاً يكون عن قريب، فإنه آتٍ لا محالة، وكل آت قريب، وفيه لطيفة أخرى، وهي تعليل المشتاقين برجاء اللقاء.

لولا التعلُّلُ بالرجاء لقُطِّعَتْ
ولقد يكاد يذوب منه قلبُهُ
حتى إذا رَوْحُ الرجاء أصابه

 

نفْسُ المحب صبابةً وتشوّقًا
مما يقاسي حـسرةً وتحرُّقًا
سكن الحريقُ إذا تعلَّلَ باللقا

وقد كان النبي يقول في دعائه: «أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك» قال بعضهم: كان النبي دائم الشوق إلى لقاء الله، لم يكن شوقه إلى لقائه قط، ولكن الشوق مئة جزء، تسعة وتسعون له، وجزء مقسوم على الأمة، فأراد أن يكون ذلك الجزء مضافًا إلى ما له من الشوق الذي يختص به([5]).

والشوق أثر من آثار المحبة، وحكم من أحكامها، فإنه سَفَرُ القلب إلى المحبوب في كل حال. والمحبة أعلى منه؛ لأن الشوق عنها يتولد، وعلى قدرها يقوى ويضعف.

وللشوق علامات، قال يحيى بن معاذ: علامة الشوق فطام الجوارح عن الشهوات.

وقال أبو عثمان: علامته حب الموت، مع الراحة والعافية، كحال يوسف لما أُلقي في الجُبّ لم يقل «توفني»، ولما أُدخل السجن لم يقل «توفني»، ولما تمَّ له الأمر والأمن والنعمة قال: ﴿تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا﴾ [يوسف: 101].

والشوق إلى الله عز وجل لا ينافي الشوق إلى الجنة، فإن أطيب ما في الجنة قربه تعالى، ورؤيته وسماع كلامه ورضاه.

وقد يقوى الشوق ويتجرد عن الصبر فيسمّى قلقًا، وقد يكره خلطة الخلق لما في ذلك من التنافر بين حاله وخلطتهم، وحدثني بعض أقارب شيخ الإسلام ابن تيمية قال: كان في بداية أمره يخرج أحيانًا إلى الصحراء يخلو عن الناس، لقوّة ما يَرِدُ عليه، فتبعتُهُ يومًا فلما أصحر تنفّس الصعداء، ثم جعل يتمثل بقول الشاعر([6]):

وأخرجُ من بين البيوت لعلَّني

 

أُحَدِّثُ عنك النفس بالسـرِّ خاليًا

وصاحب هذا الحال إن لم يردّه الله سبحانه إلى الخلق بتثبيت وقوّة، وإلا فإنه لا صبر له على مخالطتهم، وربما التذّ بالموت لرجاء اللقاء بربه كما يلتذ المسافر بتذكر قدومه على أهله وأحبابه.

ولا يصح لأحدٍ في الدنيا مقام المشاهدة أبدًا، وإنما غاية ما يصل إليه العبد الشواهد، ولا سبيل لأحد قط في الدنيا إلى مشاهدة الحق سبحانه، وإنما وصوله إلى شواهد الحق، ومن زعم غير ذلك فلِغلبة الوهم عليه، وحسن ظنه بترهات القوم وتخيلاتهم، ولله در الشبلي حين سئل عن المشاهدة، فقال: من أين لنا مشاهدة الحق؟ لنا شاهد الحق. وهذا من أحسن كلامه وأبينه. وأراد بشاهد الحق: ما يغلب على القلوب الصادقة العارفة الصافية من ذكره ومحبته وإجلاله وتعظيمه وتوقيره، بحيث يكون ذلك حاضرًا فيها، مشهودًا لها، غير غائب عنها.

ولا ريب أن القلوب تشاهد أنوارًا بحسب استعدادها، تقوى تارة، وتضعف أخرى، ولكن تلك أنوار الأعمال والإيمان والمعارف، وصفاء البواطن والأسرار، لا أنها أنوار الذات المقدسة، فإن الجبل لم يثبت لليسير من ذلك النور حتى تدكدك، وخرّ الكليم صعِقًا مع عدم تجلّيه له، فما الظن بغيره؟!

فإياك ثم إياك وتُرَّهات القوم وخيالاتهم وأوهامهم، فإنها عند العارفين أعظم من حجاب النفس؛ لأن المحجوب بالنفس معترف أنه في ذلك الحجاب، وصاحب هذه الخيالات والأوهام يرى أن الحقيقة قد تجلّت له أنوارها، ولا يقرّ لنا بهذا إلا عارفٌ قد أشرق إلى باطنه نور السنة المحمدية، فرأى ما الناس فيه، وما أعز ذلك في الدنيا، وما أغربه بين الخلق! والله المستعان.

فالصادقون في أنوار معارفهم وعباداتهم وأحوالهم ليس إلا، وأنوار ذات الرب تبارك وتعالى وراء ذلك كله. وهذا الموضع من مقاطع الطريق، ولله كم زلّت فيه أقدام! وضلّت فيه أفهام! وصارت فيه أوهام! ونجا منه صادق البصيرة، تام المعرفة، علمه متصل بمشكاة النبوة، وبالله التوفيق»([7]).

وقال أيضًا: «وهل يجوز إطلاق الشوق على الله تعالى؟ فالصواب أن يقال: إن إطلاق اللفظ متوقف على السمع، ولم يرد به([8]) فلا ينبغي إطلاقه، وهذا كلفظ العشق أيضًا، فإنه لمّا لم يرد به سمع فإنه يمتنع إطلاقه عليه سبحانه، واللفظ الذي أطلقه سبحانه على نفسه وأخبر به عنها أتمُّ من هذا وأجلُّ شأنًا، وهو لفظ المحبة، فإنه سبحانه يوصف من كل صفة كمال بأكملها وأجلّها وأعلاها.

أما مسألة هل يطلق على العبد أنه يشتاق إلى الله وإلى لقائه؟ فهذا غير ممتنع، كما في حديث عمار مرفوعًا: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك»([9])، فهذا فيه إشارة إلى لذة النظر إلى وجهه الكريم، وشوق أحبابه إليه وإلى لقائه، فإن حقيقة الشوق إليه هو الشوق إلى لقائه»([10]).

وقال أيضًا: «محبة الله سبحانه، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والرضا به وعنه: أصل الدين، وأصل أعماله وإراداته، كما أن معرفته، والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله: أصل علوم الدين كلها.

وليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة والعقول الزاكية أحلى ولا ألذّ ولا أطيب ولا أسرُّ ولا أنعم من محبّته والأنس به والشوق إلى لقائه.

والحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه بذلك فوق كل حلاوة، والنعيم الذي يحصل له بذلك أتمّ من كل نعيم، واللذة التي تناله أعلى من كل لذّة، كما أخبر بعض الواجدين عن حاله بقوله: إنه ليمرّ بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا؛ إنهم لفي عيشٍ طيّب.

وقال آخر: إنه ليمر بالقلب أوقات يهتز فيها طربًا بأنسه بالله وحبه له.

وقال آخر: مساكين أهل الغفلة! خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها.

وقال آخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه، لجالدونا عليه بالسيوف.

وَوَجْدُ هذه الأمور وذوقها هو بحسب قوة المحبة وضعفها، وبحسب إدراك جمال المحبوب والقرب منه، وكلما كانت المحبة أكمل وإدراك المحبوب أتم، والقرب منه أوفر؛ كانت الحلاوة واللذة والسرور والنعيم أقوى.

فمن كان بالله سبحانه وأسمائه وصفاته أعرف، وفيه أرغب، وله أحب، وإليه أقرب، وجد من هذه الحلاوة في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه، ولا يُعرف بالذوق والوجد، ومتى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدّم عليه حبًّا لغيره، ولا أُنسًا به، وكلما ازداد حبًّا؛ ازداد عبودية وذلاً وخضوعًا ورقًّا له، وحريّة عن رق غيره.

فالقلب لا يفلح ولا يصلح ولا يتنعم ولا يبتهج ولا يلتذ ولا يطمئن ولا يسكن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له جميع ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن إليها ولم يسكن إليها بل لا تزيده إلا فاقة وقلقًا، حتى يظفر بما خلق له وهُيّئ له من كون الله وحده نهاية مراده وغاية مطالبه فإن فيه فقرًا ذاتيًّا إلى ربه وإلهه من حيث هو معبوده ومحبوبه وإلهه ومطلوبه، كما أن فيه فقرًا ذاتيًّا إليه من حيث هو ربه وخالقه ورازقه ومدبّره، وكلّما تمكّنت محبة الله من القلب وقويت فيه؛ خرج منه تألُّههُ لما سواه، وعبوديته له:

فأصبحَ حُرًّا عِزَّةً وصيانةً

 

على وجهه أنوارُه وضياءُهُ

وما من مؤمن إلا وفي قلبه محبة لله تعالى وطمأنينة بذكره، وتنعّم بمعرفته، ولذة وسرور بذكره، وشوق إلى لقائه، وأنسٌ بقربه، وإن لم يُحسّ به، لاشتغال قلبه بغيره، وانصرافه إلى ما هو مشغول به، فوجود الشيء غير الإحساس والشعور به، وقوة ذلك وضعفه وزيادته ونقصه هو بحسب قوة الإيمان وضعفه وزيادته ونقصانه.

والعبد في حال معصيته واشتغاله عنه بشهوته تكون تلك اللذة والحلاوة الإيمانية مستترة عنه متوارية، أو ناقصة، أو ذاهبة، فإنها لو كانت موجودة كاملة لما قدّم عليها لذّة وشهوة لا نسبة بينها وبينها بوجهٍ ما، بل هي أدنى من حبة خردل بالنسبة إلى الدنيا وما فيها. ولهذا قال النبي : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن»([11])، لهذا تجد العبد إذا كان مخلصًا لله منيبًا مطمئنًّا بذكره مشتاقًا إلى لقائه؛ قلبه منصرفًا عن هذه المحرمات، لا يلتفت إليها، ولا يعوّل عليها»([12]).

وفي عوارف المعارف([13]): «قال أبو عثمان: الشوق ثمرة المحبة، فمن أحب الله اشتاق إلى لقائه. وقال أيضًا في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَأٓتٖۚ [العنكبوت: 5]: تقربة للمشتاقين، معناه: إني أعلم أن شوقكم إلي غالب، وأنا أجّلت للقائكم أجلاً، وعن قريبٍ يكون وصولكم إلى من تشتاقون إليه.

وقال ذو النون: الشوق أعلى الدرجات وأعلى المقامات، فإذا بلغها الإنسان استبطأ الموت شوقًا إلى ربه، ورجاءً للقائه والنظر إليه.

وعندي أن الشوق الكائن في المحبين إلى رتب يتوقعونها في الدنيا غير الشوق الذي يتوقعون به ما بعد الموت، والله تعالى يكاشف أهل ودّه بعطايا يجدونها علمًا ويطلبونها ذوقًا([14])، فكذلك يكون شوقهم ليصير العلم ذوقًا، وليس من ضرورة مقام الشوق استبطاء الموت، وربما الأصحّاء من المحبين يتلذذون بالحياة لله تعالى، كما قال الجليل سبحانه لرسوله عليه الصلاة والسلام: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٢﴾  [الأنعام: 162] فمن كانت حياته لله، منحه الكريم لذّة المناجاة والمحبة، فتمتلئُ عينه ويُكاشف بالمنح والعطايا في الدنيا ما يتحقق بمقام الشوق»([15]).

وأسند الطبري في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ [الأعراف: 143] «عن الربيع في قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا ٥٢﴾ [مريم: 52] قال: حدثني من لقي أصحاب النبي ^ أنه قربه حتى سمع صريف القلم، فقال عند ذلك من الشوق: ﴿رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ.

وبسنده عن أبي بكر الهذلي قال: لما تخلف موسى عليه السلام بعد الثلاثين، حتى سمع كلام الله؛ اشتاق إلى النظر إليه فقال: «رب أرني أنظر إليك قال: لن تراني، وليس لبشر أن يطيق أن ينظر إليَّ في الدنيا، من نظر إليَّ مات. قال: إلهي، سمعت منطقك واشتقت إلى النظر إليك، ولأن أنظر إليك ثم أموت، أحبّ إليَ من أعيش ولا أراك. قال: فانظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني»([16]).

وفي تفسير السمعاني عن الحسن رحمه الله تعالى أنه قال عند قول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ [الأعراف: 143]: «هاج به الشوق فسأل الرؤية»([17]).

وقال الشعراوي عند قول الله تعالى: ﴿فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ [إبراهيم: 37]: «تهوي تدل على السقوط من حالق، أي من مكان مرتفع شاهق، وكأن الشوق إلى الكعبة يجعل الإنسان مقذوفًا إليها، ولذلك نجد الكَلِفَ بالحج المحب والمتعلق به؛ تشتاق روحه إلى الحج، وعلينا أن نفرّق بين «يَهْوَى» أي يحب الذهاب، و«يهوي» أي يذهب بالاندفاع، فالإنسان إذا سقط من مكان عالٍ لا يستطيع أن يقول: سأتوقف عند نقطة ما في منتصف مسافة السقوط؛ لأن الذي يقع من مكان لا يقدر على أن يمسك نفسه، ولذلك قال الحق: ﴿فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ ٣٧ [إبراهيم: 37]، وهذا دليل على أن الهويّ ليس من صنعة الجسم، ولكنه من صنعة الأفئدة»([18]).

وقال عبد الرحمن السعدي في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ﴾ [البقرة: 265]: «هذه حالةُ المنفقين أهل النفقات الكثيرة والقليلة كلّ على حسب حاله، وكل ينمي له ما أنفق أتم تنمية وأكملها، والمُنَمّي لها هو الذي أرحم بك من نفسك، الذي يريد مصلحتك حيث لا تريدها.

فيالله لو قدّر وجود بستان في هذه الدار بهذه الصفة لأسرعت إليه الهمم، وتزاحم عليه كل أحد، ولحصل الاقتتال عنده، مع انقضاء هذه الدار وفنائها وكثرة آفاتها وشدة نصبها وعنائها، وهذا الثواب الذي ذكره الله كأن المؤمن ينظر إليه بعين بصيرة الإيمان، دائم مستمر، فيه أنواع المسرات والفرحات، ومع هذا تجد النفوس عنه راقدة، والعزائم عن طلبه خامدة، أترى ذلك زهدًا في الآخرة ونعيمها، أم ضعف إيمان بوعد الله ورجاء ثوابه؟!

وإلا فلو تيقّن العبد ذلك حق اليقين، وباشر الإيمان به بشاشة قلبه؛ لانبعثت من قلبه مزعجات الشوق إليه، وتوجهت هِمَمُ عزائمه إليه، وطوعت نفسه له بكثرة النفقات رجاء المثوبات([19]) ولهذا قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٦٥﴾ [البقرة: ٢٦٥] فيعلم عمل كل عامل، ومصدر ذلك العمل، فيجازيه عليه أتمّ الجزاء»([20]).

وقال ابن الجوزي مُجريًا مراكب الشوق للآخرة: «كانت الجنّة إقطاعنا، فَحُلَّ الإقطاع بجناية لقمة، فلما غسل آدم الجناية رُدَّ عليه الإقطاع، ولولا لطفُ ﴿فَتَلَقَّىٰٓ﴾ [البقرة: 37] لقتله الأسف.

يا من جرى عليه ما جرى على أبيه، اسلك طريقه من البكاء، اكتب قصة الندم بمداد الدموع، وابعثها مع ريح الزفرات، لعل الجواب يصل برفع الجوى([21]):

كيف لا أبكي على عيشٍ مـضى

 

بعتُ عمري بحقير الثَّمنِ

انتبه لنفسك يا من كلما تحرّك تعرقل، فيك جوهرية السباق، ولكن تحتاج إلى رائض، قلبُك محبوسٌ في سجن طبعك، مقيّد بقيود جهلك، فإن ترنَّمَ حادٍ تنفَّسَ مشتاقٌ إلى الوطن، فالبس لَأمَةَ([22]) عزمك، وسر بجند جدك، لعلك تُخلِّصُ هذا المسلم من أيدي الفراعنة.

أبالغور تشتاق تلك النجودا
فؤادُ أسيرٍ لا يُفْتَدَى

 

رميتَ بقلبك مرمىً بعيدا
وجفنُ قتيل البكا ليس يُودَى

لك الحديثُ يا معرضُ، أنت المراد يا غافل، يا مُسْتلذًّا بَرْدَ العيش تذكّر حُرْقة الفرقة، يا من يُسْلِمُهُ موكلان إلى موكلين؛ ما لانبساطك وجهٌ، إنما تملي عليهما رسالةً إلى ربك، وما أراكَ تمَلُّ قُبْحَ ما تُملي!

أين الذي نصبوا الآخرة بين أعينهم فَنَصَبوا([23])، وندَبوا أنفسهم لمحو السيئات ونَدَبوا([24]).

كان داود الطائي ينادي بالليل: همُّك عطَّلَ عليَّ الهموم، وحالَفَ بيني وبين السَّهاد([25])، وشوقي إلى النظر إليك حال بيني وبين اللذات.

كانوا يتراسلون بالمواعظ لتقع المساعدة على اليقظة، كصياح الحارس بالحارس: يا نيامُ؛ السَّحور.

كان ثابت البُناني يستوحش لفقد التعبُّد بعد موته فيقول: يا رب إن كنتَ أذنت لأحدٍ أن يُصلي في قبره فائذَنْ لي.

وكان يزيد الرَّقاشي يقول في بكائه: يا يزيدُ من يبكي بعدك عنك؟ من يترضّى ربّك لك؟

لما علم المحبّون أن الموت يقطع التعبدات كرهوه لتدوم العبادة([26]).

جاء ملك الموت إلى موسى ليقبضه فلَطَم عينه([27])، فإذا قامت القيامة بادر إلى العرش([28]) طالت غيبته فاستعجل استعجال مشوق.

كانوا يحبّون أماكن الذكر ومواطن الخلوة، والمؤمن أَلُوفٌ للمعاهد»([29]).

وإن أعظم مشوّق لله والدار الآخرة هو تدبر القرآن العظيم؛ ففيه وصف الجليل الجميل سبحانه، وذكر آلائه ونِعَمِه وآياته، وهو الـمَعينُ الثرُّ لزيادة الإيمان واستقرار اليقين وانشراح الصدر وسعادة القلب وهناء الحياة والممات، ومن داوم على قراءته وتدبره وتفهّمه والعمل به فلا تسل عن سعادته وفلاحه في الدنيا والآخرة. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به.

وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله، والحمد لله رب العالمين.

إبراهيم الدميجي



([1])   رواه النسائي (1305) وصححه الألباني. وانظر: صحيح الكلم الطيب (105).

([2])  مسلم (1/112).

([3])   بيان الدليل على بطلان التحليل، ابن تيمية (5/ 128، 129)، وانظر: الاستقامة (2/ 99)، والفتاوى الكبرى (2/ 403)، ومجموع الفتاوى (10/ 697).

([4])   توفي ليلة السبت (15/6/1428) في الرياض ودفن في حوقان في الخرمة حسب وصيته.

([5])   المراد التقريب لا القطع بتلك النسبة، فهي مفتقرة إلى دليل. وانظر: طريق الهجرتين (2/ 721، 722).

([6])   وهو مجنون ليلى في قصيدته المؤنسة، وهي أجمل قصائد النسيب.

([7])   مدارج السالكين (3/ 516ــ 535) باختصار. وانظر: روضة المحبين (112).

([8])   وردت آثار لكنها لا تصح.

([9])   رواه النسائي (1305)، وأحمد (18351) بسند صحيح، وقد تقدم.

([10])   طريق الهجرتين (2/ 716ــ 721) باختصار.

([11])   متفق عليه. البخاري (5578) ومسلم (57).

([12])   إغاثة اللهفان، ابن القيم (2/ 930ــ 933) باختصار.

([13])   لأبي النجيب عبد القاهر بن عبد الله السهروردي ، وهو غير السهروردي الزنديق المقتول، وكتابه عمدة عند المتصوفة، وقد قسمه إلى ثلاثة وستين بابًا موضحًا الآداب والأحوال والمقامات ونحو ذلك، وفيه فوائد، ولا يخلو من شطحات عقدية واعتماد على أحاديث موضوعة وضعيفة.

([14])      فالعلم مكانه العقل والبصيرة، أما الذوق فهو شعور قلبي تذوقه الروح، والمراد شوقهم لحق اليقين بعد علم اليقين. وسيأتي بسط الكلام في المكاشفات والكرامات في كتاب الاستقامة إن شاء الله تعالى.

([15])   عوارف المعارف (2146) بذيل إحياء علوم الدين، بتصرف يسير.

([16])   تفسير الطبري (6/64).

([17])   تفسير السمعاني (2/212).

([18])   تفسير الشعراوي (ص2361)، الباب (97).

([19])   وتأمل رابطة الشوق بالرجاء، فهو مشتاق لما يرجوه مما يحب.

([20])   تفسير السعدي (116).

([21])   الجوى: الحرقة وشدة الوجد.

([22])   اللأمة: عدة القتال.

([23])   نصبوا: الأولى: جعلوا ووضعوا. والثانية: تعبوا.

([24])   ندبوا الأولى: من الندب وهو الدعاء. والثانية: من الندبة وهو البكاء.

([25])   السهاد: السهر والأرق.

([26]) والأكمل التسليم والرضا، فأحبّه إلى الله تعالى أحبّه إليهم.

([27])   أخرجه البخاري (1339)، ومسلم (2372). من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «فلما جاءه صَكَّهُ ففقأ عينه...».

([28])   البخاري (2234) عن أبي هريرة مرفوعًا: «فأكون أول من يُفيق، فإذا موسى باطش جانب العرش...».

([29])      المدهش لابن الجوزي (2/505-509) باختصار. وانظر منتخباته في كتابي (المدهشات).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق