إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الجمعة، 16 ديسمبر 2011

صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية. ج(2) "حال الناس قبل التديّن"

صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية.
(الجزء الثاني)
"حال الناس قبل التديّن"

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اقتفى أثره واهتدى بهداه، وبعد:
                        "حال الناس في نجد والحجاز قبل التدين"
    كان النّاس نجد قد بعامة في جاهليّة, ليست كالجاهليّةِ الأولى في مظاهر الشّرك الأكبر, فَصَوْلَةُ الدّفعة الأولى لدعوة الإمام المجدّد لا يزال لها سلطان وقبول في قلوبهم، وإن كان سَنَاهَا الأبيضُ قد خَبَا, وشُعَاعُهَا المشرق قد خَفَتَ, وصوتُها المُدوي قد ضعف, ومعالمها الواضحة قد بهتت, ومُحَيَّاها الجميل قد شحب .
   فنجد - وبخاصة كلما ابتعدنا عن العارض- كان فيها من رسوم الجاهليّة والشرك الأصغر مظاهر ودخان, بيد أنّ الدعوة الإصلاحية لا زالت متجذّرة في أعماق نفوس الناس, رغم الغبار بل والتراب الذّي طمّ الكثير من معالمها, فهي وإن لم تبق ظاهرة عزيزة إلاّ أن مظاهر الشرك الأكبر كالطواف بالقبور, والنذر للأضرحة, والاستغاثة بالموتى, ونحو ذلك لم يكن موجوداً, إنّما هي تمائم, وحروز, وحصىً, وودع, وترميل, وبعض من طقوس الدّجل, وشرك الألفاظ, الّتي لا تُخرجُ من الملّة, وإن كانت من الموبقات المهلكات .
   إلّا أن بنجد كاهنةٌ يُقال لها: "دِهْرَة" كانوا يقصدونها من كلّ فج, ويسألونها عن علم الغيب الّذي استأثر الله تعالى به! ( قل لا يعلم من في السّموات والأرض الغيب إلا الله ) (النمل: ٦٥). وهذا يصل في بعض حالاته إلى شرك الربوبية الأكبر، عياذاً بالله تعالى. 
     وكان عند بعضهم التّشاؤم فيقولون: لا تغزوا يوم الأحد, ونحو ذلك من أمور الجاهليّة, كذلك قد تفشّى عندهم التّحاكم للأعراف القبلية, وسلوم البادية, وكان بينهم قضاة طواغيت وهم ما يسمّون اليوم بالعوارف(١) والعجيب أنّهم مع تسميتهم لهؤلاء بالطّواغيت إلّا أنّ الكثير منهم كان لا يرَضَى إلاّ بحكمهم, خاصّة إن كان الحقّ مع خصمه لأنّه يعلم أنّ طاغوته سيأخذ الرشوة.
    أمّا الحجاز وتهامة ففيهما الشّرك الأكبر البواح, والاستغاثة بالموتى وطلب المدد والشّفاعة منهم. وإن كان ليس بعام فيهم، لكنه ظاهر. 
    فقد كان في "تَبَالة" عند "بيشة" وثنٌ يُعبدُ ويُستغاثُ به من دون الله, وهو  "ذو الخَلَصَةِ" - والذي كان يسميه بعضهم بالكعبة اليمانية - الّذي قال فيه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعدما هدمه جرير البجلي رضي الله عنه وأحرقه: (لن تقوم السّاعة, حتّى تصطكّ أَلَيَات نساء دوس حول ذي الخلصة ) (٢) وذو الخلصة هو طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية, والذي قد هُدِمَ المرّة الثّانية, في عهد الدّولة السعودية الأولى بعد أن اجتالت الشياطين بني آدم, ثمّ بُني وعُبِدَ من دون الله تعالى مَرّةً ثالثةً, حتّى هدمه الإخوان الهدمة الثّالثة, لمّا فتحوا تلك المناطق, بأمر الملك عبدالعزيز آل سعود, الذي كان لا يفتح بلدة إلّا بدأ بتطهيرها من مظاهر الشّرك بالحديد والسّيف, وبواطنها بالتّعليم والدّعوة والنّصح .
   وفي الطّائف, كان كثير من النّاس يستغيثون بابن عبّاس رضي الله عنهما, وقد وضعوا على قبره قبّةً عظيمةً, وبناءً مثل النّجْرِ, له ساق ضخمة . وحينما تضجّر أحد الموحدين من هذا الشرك وأنكره عند أحد علماء السّوء في الطّائف وقال: إنّ النّاس في الطّائف لا يكادون يدعون الله إنما يدعون ابن عبّاس! فقال ذلك العالم الفاجر: يكفيهم ابن عبّاس إذا دعوه فإنه سيشفع لهم عند الله!. وما علِم – قاتله الله – أنّ هذا عين دين أبي جهل وأبي لهب وإرثهم الشيطاني: ( ألا لله الدّين الخالص والذين اتّخذوا من دونه ألياء ما نعبدهم إلّا ليقربونا إلى الله زلفى إنّ الله يحكم بينهم يوم القيامة فيما هم فيه يختلفون إنّ الله لا يهدي من هو كاذب كفّار )(الزمر: ٣). 
     وفي مكّة - شرفها الله وحرسها - صيّر الجهّالُ قبوراً كثيرة أوثاناً تُعبدُ من دون الله تعالى.
    قال الشّيخ صالح الفريج(٣)- حفظه الله تعالى -: حدثني محمد بن عيفان(٤)رحمه الله قال: كان في المعلاة في ريع الحجون, قبّةٌ ضخمةٌ فوق قبر أمّنا خديجة رضي الله عنها, ويفعلون عنده العظائم, من الشّرك الذي تكاد السّماوات يتفطّرن منه وتنشقّ الأرض وتخرّ الجبال هدّاً, فيأتي بعض النّاس إلى القبر ويهتفون بألسنة ذلقة: كُلُّ يومٍ لك يا الله, إلّا اليوم يومك يا خديجة! عياذاً بالله تعالى . ( ألا لله الدّين الخالص ) (الزمر: ٣) وقد هدم تلك القبّة منصور بن غالب الشريف, وناصر الحارث الشريف حينما دخل الإخوان مكة. "ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون" (يونس: ١٨) وفي مسلم: "ولا قبراً مشرفاً إلا سويته".  
   قال الشّيخ محمّد بن عثمان الشّاوي -وهو من قضاة الإخوان وممّن دخلوا معهم مكة المكرمة سنة ( 1343)- قال في كتابه (القول الأسدّ): " وبعد أن فرغنا من أعمال العمرة, وبادرنا إلى هدم القباب, وجدنا على قبر أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها الفظائع, من ذلك أنّا وجدنا رقاعاً قد كُتب فيها: يا خديجة يا أمّ المؤمنين جئناك زائرين, وعلى بابك واقفين, فلا تردينا خائبين! فاشفعي لنا إلى محمد, يشفع لنا إلى جبريل, ويشفع لنا جبريل عند الله! . ووجدنا عندها كبشاً, قد جاء به صاحبه ليقرّبه إليها ..... ووجدنا عند باب القبّة عجوزاً شوهاء من سدنتها, وقد حدّثني غير واحد أنّهم سألوها: مالك؟ فقالت: هي خادمة لسيدتها المتصرفة في الكون! منذ سنين، وهي لا تصوم ولا تصلّي ويتمسّح بها الزوّار تبرّكاً وتعظيماً . وعند القبّة من الشّمع والسّرج والآلات ما لا يحصى, وعندها من أنواع الطّيب مالم نجد مثله عند البيت الحرام, والحجر الأسود, وأمثال هذا كثير معلوم, فلهذا استعنّا بالله على إزالة تلك القباب ..... أمّا ما هناك من الأبنية والقباب ونحوها فشيء لا يعدّه عادّ .....". 
                      وَاعْلَمْ بِأَنَّ الدِّينَ تَوْحِيْدُ رَبِّنَا  
                               فَوَحِّدْ وَكُنْ دَوْمَاً حَنِيْفاً وَدَاعِيَا
  و"جَُِدّة" ليست بمعزل عن هذا الشرك, ففيها على سبيل المثال, القبر المزعوم لأمّنا حواء رحمها الله تعالى ورضي عنها, بالمقبرة القديمة, يعبدونه من دون الله, ويطلبون منه المدد والشفاعة! . (ومن يشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ) (الحج: ٣١). 
                     وهذا زمان الصبر من لك باللتي 
                              كقبض على جمر فتجو من البلاء
                    ولو أن عيناً ساعدت لتوكفت
                              سحائبها بالدمع ديماً وهطّـلاً
                    ولكنها عن قسوة القلب قحطها
                             فيا ضيعة الأعمار راحت سبهللاً
    أمّا معقل التّوحيد والإسلام, ومأرز السنّة والإيمان, مدينة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم, فيكفيك أن تشاهد الصّور القديمة, الّتي كان عليها حال مقبرة البقيع, قبل دخول الإخوان لترى القباب العالية, والقبور التي تضاهي الكعبة في التعظيمِ والسّتورِ والسّدنةِ والطوافِ .
    وأمّا الحجرة النبوية, على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام, فحدّث ولا حرج عن هدم الدين, وإماتة التّوحيد, وإطفاء الإيمان, وإحراق الملّة عندها من كثير من العامّة والخاصّة, ولمّا فتح الموحدون خزانة الحجرة النبوية, وجدوا فيها كثيراً من الخرق والاستغاثات المكتوبة، ومنها خرقة قد كتبها أحد سلاطين بني عثمان, وهو السّلطان سليم, مضمونها: يا رسول الله أنصر عبادك!. تعالى الله المجيد عن كلّ تنديد من مشرك ضالّ عنيد .
                    وَالدِّينُ رَأسُ المَالِ فَاسْتَمْسِكْ بِهِ
                                 فَضَيَـاعُهُ مِنْ أَعْظَـمِ الخُسْرَانِ
          وفي رسالة من الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود _جد ملوك السعودية حالياً_ إلى سليمان باشا:"...وقد رأينا لمّا فتحنا الحجرة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام عام اثنين وعشرين, رسالة لسلطانكم سليم أرسلها ابن عمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغيث به ويدعوه...وأولها: من عبيدك السلطان سليم, وبعد: يارسول الله! قد نالنا الضر, ونزل بنا المكروه, مالا نقدر على دفعه, واستولى عباد الصلبان على عباد الرحمن, نسألك النصر عليهم والعون عليهم وأن تكسرهم عنا.....وإن كان هذا حال خاصتكم فما الظن بفعل عامتكم, وقد رأينا من جنس كلام سلطانكم كتباً كثيرة في الحجرة للعامة والخاصة, فيها من سؤال الحاجات وتفريج الكربات ما لا نقدر على ضبطه...._ثم بيّن له التوحيد والشرك وختم رسالته بقوله:_ فإن فعلتم ذلك فأنتم إخواننا لكم ما لنا وعليكم ما علينا, ويحرم علينا دماؤكم وأموالكم, وأما إن دمتم على حالكم هذه ولم تتوبوا من الشرك الذي أنتم عليه, وتلتزموا دين الله الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم, وتتركوا الشرك والبدع والمحدثات لم نزل نقاتلكم حتى تراجعوا دين الله القويم, وتسلكوا صراطه المستقيم, كما أمرنا الله بذلك حيث قال: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" (الأنفال: 39) وقال تعالى: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم" (التوبة: 5) (5).
     أمّا الحكم بالشّريعة في الحجاز, فقد كان من الضّعف بمكان, فيُقال: كان لشريف مكّة قانون ظالم, قد وضعه جدّهُ محمّد أبا نُمَي, الّذي تولّى مكّة سنة: ( 932 هـ ) ووضع هذا القانون الّذي يحكم تعامل غير الأشراف مع الأشراف, حتّى صار دُستوراً ملزماً كأنه "ياسق" جنكيز خان في أمة المغول, وممّا جاء فيه من قوانين: أنّ الشّريف لا يُقتل بغيره, وأنّ غير الشّريف لو قتل الشّريف فإنّه يُقتل من طرفه أربعة رجال! إلى مظالم عظيمة في الأموال, وأكلها بغير حقّ, ونهبها من النّاس, في محادّةٍ للقرآن العظيم . قال حسين محمد نصيف: ( لا يوجد على ظهر الأرض قانون أظلم ولا أقسى من هذا القانون). إلى غير ذلك من أمور جاهلية, وغُرْبَةٍ للإسلام والسّنّةِ والشّريعة, والله المستعان. ويرى بعض الباحثين عدم صحة نسبة ذلك القانون لذلك الرجل, بل إنه لا يوجد قانون بذلك أصلاً, وأن صاحب كتاب ماضي الحجاز وحاضره لم يقدم براهين ولا وثائق على تلك التهمة التي استقاها شفاهاً من أهل الحجاز, والله أعلم, وعلى كلٍّ فلذلك الرجل _أبا نميّ_  مقامات تذكر فتشكر؛ كحفظ الأمن في مكة المشرفة, وكمقامه العظيم في جهاد النصارى البرتغاليين مع أهل الحجاز وبخاصة أهل جدة حتى ردوهم عن حريم البقاع الطاهرة.
     وتأمّل قصيدة جادت بها قريحة أمير الشعراء أحمد شوقي(6) يستصرخ السلطان عبدالحميد الثّاني _ وقد قيلت في وقت الشريف عون الرفيق _ لترى حال أهل الحرم والحجاج والعمّار مع الشريف!:
                  ضجّ الحجاز، وضجّ البيت والحرم
                           واستصرخت ربها في مكة الأمم 
                 لك الربوع التي ريع الحجيج بها
                          أَلِلشّريفِ عليها أولك العلمُ؟
                أهين فيها ضيوف الله، واضطهدوا
                           إن أنت لم تنتقم فالله منتقمُ 
               أفي الضحى وعيون الجند ناظـرة
                      تسبى النساء ويؤذى الأهل والحشم؟
               ويسفك الدم في أرض مقدسة
                         وتستباح بها الأعراض والحرم
               يد الشريف على أيدي الولاة علت
                         ونعله دون ركن البيت تستلم
              رب الجزيرة، أدركها فقد عبثت
                          بها الذئاب، وضل الراعي الغنمُ 
              إن الذين تولوا أمرها ظلموا
                        والظلم تصحبه الأهوال والظلمُ
             فجرّد السيف في يوم يفيد به
                        فإن للسيف يوماً ثم ينصرم
     لقد كان شريف مكة حسين بن علي (ت: ١٣٥٠) محارباً للدّعوة الإصلاحيّة, معادياً للعقيدة السّلفيّة - وربما كان هذا العداء صادراً عن سياسة أكثر منه عقيدة وقناعة - مُتَّهِمَاً أتباعها باتّهاماتٍ وأوصافٍ لا تليق, كافترائه بقوله: أتباع مسيلمة! ونحو ذلك مما فاه به وكتبه, وَكَفَاكَ مِنْ شَرٍّ سَمَاعُهُ, ولم يكتف بالقول بل بالفعل, فحارب دعاتها والمنتمين إليها, ولو كانوا من كبار العلماء, والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: فيما يرويه عن ربه – تبارك وتعالى:(من عادا لي وليّاً فقد آذنته بالحرب )(7) كما فعل بالشّيخ المصلح أبي بكر بن محمد عارف خوقير, رحمه الله تعالى, حيث آذاه, ومنعه من التدريس ( وما نقموا منهم إلاّ إن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) (البروج: ٨) ثمّ سجنه في سجن انفرادي بتهمة الوهّابيّة, وَتِلْكَ شِكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا, وبقي في سجنه حتّى أطلقه الإخوان لمّا دخلوا مكة حرسها الله . (إن الله يدافع عن الذين آمنوا ) (الحج: ٣٨). وكان قد رأى ليلة دخول الإخوان رؤيا فقصها على أصحابه في السجن, وعبرها بأنه سيطلق غداً من حبسه وسجنه؛ فصدقت رؤياه وصدق تعبيره رحمه الله تعالى (8). 
   وللإنصاف, فليست هذه المظاهر عند الجميع, سواء في الحجاز أم في نجد، لكنّها كانت متفشيّة ظاهرة، ومُنكِرُها ضعيف ذليل, وما ذاك إلّا لكسوف شمس الرّسالة الحقّة, ولخفوت نور التّوحيد المحض, ولتضيّف شمس الملّة للغروب, لغُربة ذلك الزمان . مصداقاً للحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء).
     ثم أذن الله بإشراق شمس الإخوان:
    قال الدّكتور عبد الله الصّالح العثيمين: ( إن بداية ظهور الإخوان, أنّ جماعة من حرب, قدمت إلى حَرْمة, ومن أعيانهم سعد بن مثيب, ومعهم أفراد من قبيلة مطير, للاستقرار, وللتفقه في الدين, وذلك عام (1330) – قلت: ويذكر أن المهاجرين الأوائل الذين أسّسوا البلدة قد قدموا من بلدة حرمة (70كيلاً) إلى الجنوب من الأرطاوية وهم حوالي عشرين بيتاً ومعهم عبدالمحسن بن عبدالله العبدالكريم من آل معمر من العناقر من بني تميم الذي اختاروه برضاهم أميراً عليهم بعد أخذ موافقة الملك عبدالعزيز رحمه الله - ثم انتقلوا في العام نفسه للأرطاويّة, الّتي كثر نزول مطير لها, وسمّوها هجرة, إشارة إلى هجرتهم من نمط حياتهم الأوّل, إلى حياة دينيّة جديدة.
     ثمّ توالى النزول في المنازل الّتي يسمّونها هجر, وكثرت, حتّى جاوزت السبعين هجرة في أنحاء الجزيزة, ومن أكبرهن هجرة الغطغط, وأصبح سكان تلك الهجر يُطلقون على أنفسهم مسمّى الإخوان, المقتبس من القرآن الكريم: ( إنما المؤمنون إخوة ) (الحجرات: ١٠) و(فأصبحتم بنعمته إخوانا ) ( آل عمران: ١٠٣) إشارة إلى رابطة جديدة ألّفت بينهم وهي رابطة الأخوّة الدّينيّة بدلاً عن رابطة القبيلة, وأَمَدّ الإمام عبد العزيز الهجر بالدّعاة والوعّاظ والعلماء، وأرسل الكتب، وأرسل لهم بعض المساعدات التي تعينهم على حياتهم الجديدة الجميلة) انتهى بتصرف (9).
    وللعلاّمة الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى تحفّظٌ على بعض المسمّيات كتسمية الإخوان والهجر (10). 
    قال ابن خميس في معجم اليمامة: ( وللأرطاوية شان كبير في انتفاضة الإخوان, فهي أول هجرة أنشئت للإخوان عام (1330) . وكان يخرج منها أيام فتوحات الملك عبد العزيز ألفا مقاتل, وكان بها رأس الإخوان المفكر فيصل الدويش وأسرته, وشهدت عهداً من الانتفاضة الدينية عجباً, يصور لنا عهد الصدر الأول من المسلمين, وينقل إلى عالم الروحانية والزهد والنسك بشكل لا يخطر بالبال أن يكون في هذا القرن من الزمان, مساجدها تضج بالقارئين والمسبحين ليل نهار, وشيوخها يحملون ألواحاً في أعناقهم يتأملون أبجدية القراءة والكتابة, وحلق الدروس متصلة مدة النهار وأطراف الليل, وفي السحر لا يخلوا بيت من بكاء بين يدي الله وتهجد وتلاوة قرآن, ويتحرون أن يكونوا في لباسهم وسمتهم ونطقهم وأعمالهم على ما كان من عليه سلف هذه الأمة الأول, وأغلى ما يتمنى أحدهم أن يلقى ربه شهيداً في سبيله, يقتسمون زادهم, ويواسون معسرهم, ويعينون على نوائب الحق, تعج بالزوار والوافدين من مختلف هجر الإخوان, وأحاديث وأعمال قوم انقطعوا لله وتنكبوا ما سواه ظهريا ).
     وَلْنَنْظُرْ إلى تقريرٍ للوكيل السياسي البريطاني في البحرين, حيث قال في معرض كلامه عن الإخوان: ( أمّا الصّلاة, فهي تُعطى أهميّة عظيمة عندهم, ...إلى قوله: وعند الأذان للصّلاة, فإنّك تسمع الرّجال يصيحون: قوموا أيّها الكسالى, انهضوا وصلّوا . ثمّ تُؤلّف جماعة ويعيّن إمام, وتقام الصّلاة بشكل عسكريّ منظّم . وإذا كان عدد الرجال كبيراً, كمئة رجل مثلاً, يكون المنظر مثيراً حقاً! وأنا نفسي رأيت حرس ابن سعود البالغين خمسمئة من الإخوان, يقيمون الصّلاة, وتأثّرتُ جدّاً بالدّقّة العسكريّة لحركاتهم ....إلى قوله: أمّا  السّلام, فلا يُعاد إلّا لأخٍ آخر, وهذا كان ظاهراً بوضوح في الأحساء, وكان رفاقي من السّنّةِ المسلمين من البحرين, يسلّمون بصورة منتظمة على أي أخ يلقونه, لكنّي لم ألاحظ إلّا مرّةً واحدة, رُدَّ الجواب لهم بالسّلام, أمّا إذا لقي كافر أو مشرك جماعة من الإخوان في الشّارع, فإنهم يُغَطُّون وجوههم بكلتا يديهم, لئلاّ يتلوّثوا بالمنظر, وكلّما دخلتُ مجلساً فيه الإخوان فإنّهم يخرجون منه جميعاً ) (11).
     ونُقل عن علي التويم رحمه الله وهو ممن عمّر طويلاً وقد أدرك الإخوان واشترك معهم في كثير من الغزوات, قال: كان لي نخل في الرقبة _حي من أحياء الخرمة بين الهجرة وحوقان _ وكنت أمرّ على مجلس آل زايد _ وهم من الصوّل من بني ثور من سبيع _ وكانوا سبعة رجال وكلهم فرسان وشجعان, وقد تأثروا بالدعوة السلفية في نجد, وكان مجلسهم يزداد يوماً بعد يوم, فالخيل مربوطة, والسيوف معلقة, والمشهد يلفت النظر, قال: فمررت بهم يوماً وسلّمت, ثم قلت: يا جماعة إن عندي كلمة هل تأذنون لي بها؟ فقالوا: يا علي هات ما عندك . قلت: أنتم تعرفون الشريف وسطوته, فهو يقتل الرجال, ويأخذ الإبل, ويحرق النخيل, فأخاف أن يبلغه شأنكم فينالكم منه شر! فقالوا: يا علي والله لنجاهد حتى تكون كلمة الله هي العليا! وما علينا من رجل يقتل, أو بعير يُؤخذ, أو نخلة تحرق . قال: فلما قام الإخوان في الجهاد كان أولئك النفر في طليعتهم, وكانوا شجعان بواسل, وصار لهم شأن في رفع راية التوحيد, ووفوا وعدوا, وصدقوا ما عاهدوا, رحمهم الله تعالى ( والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً ) (الكهف: ٣٠).
     علماً بأن هجرة خالد في الخرمة ليست بأولى مهاجر الإخوان بل هي مسبوقة بمهاجر أخر كالأرطاوية والغطغط، وكان للأخيرة تأثير حيوي مباشر على الأحداث الجسام التي مر بها الإخوان في الخرمة والحجاز وتهامة، وسيأتي بسط ذلك فيما يستقبل إن شاء الله تعالى.
                                                                             .......يتبع
إبراهيم الدميجي
١٤٣٣/١/٢٠
aldumaiji


رابط تحميل الكتاب بجميع أجزائه كاملا مجانا



.............................................................
(١) ومن أسباب انتشار هؤلاء الطواغيت على حساب قضاة الشريعة؛ أنّ كثيراً من منازعاتهم تكون في أمور قد نسفها الشرع من الأساس فضلاً عن إصلاح شأنها, كالحكم في منازعاتهم في المنهوبات والمسلوبات من مغازيهم على بعضهم, فالشرع يحكم ببطلان فعلهم وأن عليهم إعادة المظالم إلى أهلها لكن الطواغيت بخلاف ذلك, وفي هذا الزمان يحتج بعضهم بصعوبة إنهاء المنازعات بين الشرط والمحاكم, أو عدم انصياع الأطراف لأحكام قضاة الشرع, وليس في هذه المزاعم حجة حتى مع تسليمنا بمقدماتها إلا أن الحل في سرعة البت في القضايا, وإعادة الهيبة للمحاكم, وليس بالرجوع لحكم الطواغيت ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فؤلئك هم الكافرون) (المائدة: ٤٤) ولمفتي الديار السعودية في وقته الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى رسالة قصيرة شهيرة في هذا الموضوع الخطير, ومما قاله: ( وإن من الكفر الأكبر المستبين؛ تحكيم الطاغوت اللعين .....ومنه سلوم البادية وأحكامهم وعوائدهم )(رسالة تحكيم القوانين: 1) وقال شيخ الإسلام رحمه الله: "الحكم بسوالف البادية كفر" (منهاج السنة النبوية: 5/130). وقال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن: "الحكم بسوالف البادية كفر بعد التعريف" (الدرر السنيّة: 10/ 426) وقال الشيخ سليمان بن سحمان: "سلوم البادية الذي يسمونه (شرع الرفاقة) كفر, ومن فعله كفر, ويجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله" (الدرر السنية: 10/ 502_511).
   وقد ذكر العبيّد قصة معبّرة في هذا الموضوع قد جرت على الشيخ ناصر بن حسين؛ قاضي الشرع في رنية وقد جرت عليه عام: (1327) قال راوياً عن نفسه : ( حينما كنت قافلاً من بيشة لرنية صادفني ركب من قحطان, فأخذوا ما معي أنا وأصحابي وسلبوا ثيابنا فلما حانت صلاة العصر قالوا: تقدم فصل بنا, وكانوا قد أبقوا على ثوب لا يسترني, فقلت: ردوا علي ثوبي وأصلي بكم, فردوه علي, فصليت بهم قصراً وجمعاً, فلما قضيت صلاتي يممت وجهي إليهم كالعادة, فقالوا: ذكّرنا! فقلت: أوّل ما أحدثكم به: ردوا علي حلالي . فقالوا: إن الله قد كتبه لنا يا شيخ! (*) ولو لم يكتبه لنا لصرفك جهة أخرى غير جهتنا! فقلت: إن كنتم تأخذون حلال المسلم بغير حق فلا تصلّون!(**) فقالوا: تريدنا أن نعاديك ونعادي ربنا؟! ولكن سوف نأخذ حلالك ونصلي لربنا! ) ( النجم اللامع:279).
 (*) كيف تسلّل المذهب الجبري المضل لهؤلاء الأعراب اللصوص؟! لكنه الهوى, كما قال بعض السلف لأحدهم: أأنت عند الطاعة قدري! وعند المعصية جبري! أي مذهب هويته ركبته! .
(**) لم يقصد نهيهم عن الصلاة لأنهم لو لم يصلوا لكفروا _وهذا ما فطنوا له_  ولكن قصد محاجتهم أن الصلاة تنهى صاحبها عن المنكر, وقد حاصوا عن هذا الإلجاء وحادوا عنه .
(٢ ) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
(٣) قاضي الدفينة المتقاعد وله ترجمة بقلم تلميذه ندا العضياني. 
(٤) رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهالي شقراء, وهو من كبار السن الذين أدركوا حكم الشريف, وعاش في مكة بضع سنين.
(5) (الدرر السنية: 1/304_313).
(6) نشرت بجريدة اللواء في العدد(1383) الصادرة في يوم الخميس (28)المحرم سنة (1322هـ).
(7) رواه البخاري. 
(8) يروى عن أحد السجناء الذين كانوا مع الشيخ خوقير, قال: كنا في السجن ولا ندري ما وراء الأسوار من الأخبار! وكان الشيخ هو الذي يؤمنا في الصلاة- قلت: لعله كان يجتمع بهم وقت الصلاة, أو أن الأمر على ظاهره وليس سجناً إفراديّاً- وذات يوم لما صلى بنا الفجر, والتفت إلينا بوجهه؛ فإذا هو يبتسم, ثم قال: أبشروا بالفرج! فإني رأيت البارحة في المنام: أن رجالاً جاؤا وأخرجونا من السجن فسألت عنهم فقيل لي: هؤلاء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم!. قال الراوي: فما ارتفع الضحى إلاّ والخيل مقبلة على السجن, وينادي فرسانها: أين الشيخ خوقير؟ أين الشيخ خوقير؟ ففتح لنا السجن وخرجنا مستبشرين .
     هذا وقد ذكر الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى قصة سجن هذا الشيخ وابنه، ثم قال: "وأما الابن فمات في السجن رحمه الله, وأما الشيخ فلم يطلقه إلا جيش الملك عبدالعزيز الفاتح".   
     ثم قال معلّقاً على قضية سجن هذا الشيخ الجليل: وهل يُرجى من حكومة سجنت عالماً من علماء المسلمين السلفيين, لا ذنب له إلاّ أنه ألّف كتاباً في التوحيد! هل يرجى من حكومة هذا فعلها خيراً؟! .  
   قال راجي الراعي: "التاريخ فضّاح إذا كان المؤرخ صادقاً" .  
(9) (تاريخ المملكة العربية السعودية ): ( 161/2 ).
(10) فقد قال في فتوى له لما سُئل: هل يُطلق اسم دار الهجرة على الديار النجدية؟ أم يقيّد على ديار النازلين من الإخوان في هذا الزمان؟ أم لا؟ فقال رحمه الله تعالى: ( نعم يطلق اسم دار الهجرة على الديار النجديّة, ولا يقيّد ذلك بديار النازلين من الإخوان في هذا الزمان, بل من هاجر من ديار الكفر أو من البادية إلى بلد من بلدان المسلمين فهو مهاجر, ولا فرق في ذلك بين الديار التي نزلها الإخوان في هذا الزمان وبين قرى المسلمين, ولا يفرق بين ذلك إلاّ من أعمى الله بصيرة قلبه, وكان على نصيب وافر من الجهل والقول على الله بلا علم . ثم إن تسمية هذه البلدان التي نزلها الإخوان من البادية حيث سموها "الهجر" نظر, فإنّ هذا اسم حادث فإن الصحابة – رضي الله عنهم – لمّا فتحوا الأمصار والبلدان واختطوا لهم منازل وسكنوا بها، لم يسموها بهذا الاسم, وعمر – رضي الله عنه – هو الذي بصّر البصرة وكوّف الكوفة, فسموها بالبصرة والكوفة, وكذلك سائر القرى التي نزل بها الصحابة – رضي الله عنهم – والتابعون إنّما سموها باسمها الذي سماها به أهلها .
    كذلك ما أحدثوه من تسمية من سكن من الأعراب والبلدان التي اختطوا بها المنازل, حيث سموهم: ( الإخوان ) وجعلوا هذا الاسم خاص بهم دون الإخوان من المسلمين الحاضرة, وقد قال الله تعالى: ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ) ( الحجرات: ١٠) مع بغيهم على بعض, ومقاتلة بعضهم لبعض (فأصبحتم بنعمته إخوانا ... ) ( آل عمران: ١٠٣) فسماهم الله جميعا إخوانا ولم يفرق بينهم .
     وقد بلغنا أن بعض الجهّال المتعمقين من هؤلاء "الدوارين" لما سأله بعض البادية: هل يجوز أن نهاجر ونبني مساكن في ( نفي ) أو غيره من قرى السّرّ؟ فقال: لا يجوز أي يبنى بها, أو تكون محل هجرة, لأنها مؤسسة على الكفر .  وما علم هذا المسكين الجاهل أن المدينة التي هاجر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانت مؤسسة على الكفر قبل الإسلام – أي مبنية في حال الكفر_...) الدرر: ( 8 /474 ). 
    ويروى عن مطرف بن عبدالله الشخير رحمه الله تعالى دُعي وهو صبي صغير إلى حلف على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاجتماع على الخير, فقال: ما كنت لأستبدل بمؤاخاة الإسلام واجتماعه شيئاً _أو نحو ذلك_ فترك أصحابه ذلك الأمر, وتفرّسوا في نباهة ونبوغ ذلك الإمام رحمه الله تعالى.
    وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: بعد ذكر النهي عن مؤاخاة في معصية الله تعالى: "...وإنما النزاع في مؤاخاة يكون مقصودهما بها التعاون على البر والتقوى بحيث تجمعهما طاعة الله, وتفرقهما معصية الله, كما يقولون: تجمعنا السنة, وتفرقنا البدعة, فهذه التي فيها النزاع؛ فأكثر العلماء لا يرونها, استغناء بالمؤاخاة الإيمانية التي عقدها الله ورسوله, فإن تلك كافية محصلة لكل خير, فينبغي أن يجتهد في تحقيق أداء واجباتها, إذ قد أوجب الله للمؤمن على المؤمن من الحقوق ما هو فوق مطلوب النفوس, ومنهم من سوغها على الوجه المشروع إذا لم تشتمل على شيء من مخالفة الشريعة" (مجموع الفتاوى:35/ 96).
(١1)الوثائق البريطانية (144/5).

الأربعاء، 14 ديسمبر 2011

صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية ج(1) "التكفير والقتال"


صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية.
(الجزء الأول).
 "التكفير والقتال"


                             أَمَامَكَ قِصَّـةٌ عَنْ مَجْدِ قوم
                                      تَقَشَّعَ عَنْ سَمَائِهُمُ الْسَّـحَابُ
                            هُمُ الإِخْـوَانُ عَنْ دِيْنٍ تَآخَوا
                                       وَبِالتَّقْـوَى عَنِ الزَّلاتِ آبُوا
                           وَبِالتَّوْحِـيْدِ قَدْ رَفَعُوا سَنَامَاً
                                      وَمِنْ بٍرٍّ قَدِ امْتَـلأَ الإِهَـابُ
                            فَيَا ذَا الْعَـرْشِ أَنْزِلْهُمْ جِنَانَاً
                                   وَأَسْعِـدْهُمْ فَبِالْتَّجْـرِيْدِ طَابُوا

      الحمدُ لله ربّ العالمين, الرّحمن الرّحيم, مالك يوم الدّين, ولا عدوان إلّا على الظّالمين, وأشهد أن لا إله إلّا الله القويُّ العليُّ المتينُ, خلق السماوات فأعلاها, وبسط الأرض وسوّاها, وبِصُمِّ الجبالِ أرساها, وبكلمة التوحيد أصلح شأنها وهداها, وبالإيمان شفى مرضها وداواها, بل من موات القلوب بعثها وأحياها, وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له, وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله, إمامُ الهدى, ونورُ الدُّجى, نبي الرحمة والملحمة, بعثه الله بين يدي الساعة, فكشف به الغُمَّةِ, وأنجى به الأمّة, سيّدُ الأولين والآخرين, وقائدُ الغُرِّ المُحَجَّلين, صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين, الّلهم إنِّي أشهد أنّه بلّغ الرّسالة حقّ البلاغ, وأدّى الأمانة حقّ الأداء, ونصح الأمّة محض النّصح, اللّهم أحينا على مِلّته, وثبّتنا على سنّته, واملأ قلوبنا من محبته, وأقر عيوننا برؤيته, وتوفنا على شِرْعته, وابعثنا على محجّته, وارزقنا شفاعته, وأوردنا حوضه, واجعلنا تحت لوائه, وأدخلنا معه جنّتك, يا حيُّ يا قيّوم, يا ذا الجلال والإكرام .
     أمّا بعد : فهذه وريقات كتبتها في موضوع بلغ الأهميّة بمكان, ذاك هو موضوع مغازي الإخوان, الذين أثبتوا أنّهم معادلة صعبة في رحى ذلك الزمان, فهذه الدّولة السّعودية المباركة قد قامت - بحمد الله تعالى - على هذه الشّريعة الغرّاء, والمحجّة البيضاء, فأعادت للتّوحيد عظمته بعد ما ضعف في النّفوس أو اضمحلّ, إلّا ما رحم ربي الأجلّ, وردّت للسنّة عبقها, بعدما شِيبت ببدعٍ ومحدثاتٍ سافراتٍ وخفيّاتٍ, فعاد الإسلام جَذَعَاً عزيزاً بفضل الله تعالى وحده الّذي أقام هذه الدّولة المباركة من أسرة آل سعود . فمن كان في قلبه تعظيم للتّوحيد, وإكبار للشّريعة, عَرَفَ صِدْقَ ذلك بأدنى مطالعة لجميل فعالهم, وكريم سجاياهم, ورفيع خصالهم, كذلك صدق علمائهم, وثبات جهادهم, وصدعهم بالحقِّ أينما كانوا, وإخلاص أتباعهم, وعظيم تضحياتهم, ولم يك هذا بالهيّن السّهل, لا وربّي! بل قام على دماء طاهرات, أروت الأرض بعبق صدقها, ونبل مقصدها, ومحض اتّباعِها, وطيب معدنها.
     ألَا وإنّ لهم على الأمة فضل نشر التوحيد بثوبه النقي, وحراسة السنة ومهيعها الجلي, فجهادهم يُذكر فيُشكر, وحقيق بأن يُروى ويُنشر, بَيْدَ أن الكثير ممّن قضوا نحبهم, ونحسبهم في سبيل الله شهداء, لم يعطِهِمُ التاريخُ حقَّهم من الذّكر والشّكر والعرفان, حتّى ممّن يستظلون بنعمة الأمن والإيمان والسّنّةِ والإسلام ممّن يُظن فيهم نبل الوفاء, وحسن الذّكرى.
    بل إنّ بعض المعارك الفاصلة في تاريخ هذا الزّمان لم يُستوف فيها صدق الكلام, ولم يُحرّر فيها كما ينبغي المقال, بل للأسف! فالبعض منها قد كُتب بأقلام ملوّثة العقيدة, مشوبة بل مغرقة بهوى كالح, قد أَحْنَاهَا القَرِينُ لإحَنِ الجاهليّة, وخرافات الوثنيّة, ارتضعت من لَبَانِ الهوى, وَكَرَعَت في حمأة الرّدى, فضربت عن ناصع سيرتهم البيضاء صفحاً, وطوت عن إنصافهم كشحاً, وأعنقت في الباطل خطىً، إذ لم ترتضِ صنيع أولائك الميامين, الّذين أذلّ الله بهم الشّرك وأهله, وأعلى التّوحيد وأهله, بلْه ما كتب بأقلام صليبيّة قُحَّةٍ وقحة, ولاغرو :
                        رَضِيْعَي لَبَانٍ ثَدْيِ أُمٍّ تَحَالَفَا
                                       بِأَسْحَمَ دَاجٍ عَوْضُ لا نَتَفَرّقُ
   لذا كان لزاماً على كلّ من عنده شيء من القدرة على المساهمة في نصح التّاريخ, وإظهار حال القوم الصّراح, والحقّ الأبلج الوضّاح, وبيان أخبار تيك الكوكبة المنصورة, والطائفة المظفّرة المشهورة, والجيل الزّكيّ القويم, الّذي ذكَّرَنا فرسانُه ونبلاؤه بأمجاد صحابة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ أن يُدليَ بما عنده, علّه أن يسدّ شيئاً مما أغفله المؤرّخون, ولله الأمر من قبل ومن بعد .
   وما حالي إلا كما قال أبو علي البصير:
                        وَقَدْ قِيْلَ البِلَادُ إِذَا اقْشَعَرَّتْ
                                         وَصَوَّحَ نَبْتُهَا رُعِيَ الهَشِيمُ
   أو كما قال الهمذاني: وجود شَوْلٍ خير من عدمِ ماجد, وأبلغ وأعظم من ذلك قول العلي الأجلّ: ( فإن لم يصبها وابل فطلّ ) ( البقرة:٢٦٥).
   ووريقاتنا هذه ليست بشاملةٍ, ولا عامّةٍ, ولا مستوعبةٍ للأحداث الّتي وقعت, إنّما هي تسليط الضّوء على جزء جميل من ثوب ذلك الزّمان, نَصَعَ طِيبُه, وشذا عَرْفُهُ, وتضوّع مِسْكُهُ, وزَانَ مُحياه, وانبلج سرورُه, قد سكنه قوم سُمُّوا بالإخوان, ووُسِموا بالجهاد والإيمان, ولا نزكّيهم على الإله الرّحمن, ذِكراهم أَرَقّ من سَجعِ الحمام, ودَمع الغَمام, وأبهى من واسطة النّظام .
   وهي كلمات ليست مفصّلة لأمورهم, ولا مُجلية لكلّ شؤونهم, ولا هي من أبكار الأفكار, ولا لقاح الفهوم, إنّما هي ذكر وتحليل شذرات ممّا وقف عليه عشرة من كبار السنّ في هذا الزّمان, ممّن أدركوا تلك الكوكبة المنيرة, وعاصروا ذلك العزّ التليد, كَتبتُها من أفواههم وسجّلتها وَوَثّقتُها صَوتاً, قبل أن يَرحلَ جُلُّهم إلى ربّهم ( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ) (الأحزاب:٢٣) رحم الله الميّت وحفظ الحيّ (*).
   ولا نقصد بكلامنا هذا عصمة الإخوان! فهم بشر يخطئون ويصيبون, ويطيعون ويعصون, لهم وعليهم, بل منهم من يعذر ومنهم من لا يعذر, لكن المنصف من نظر لحالهم إجمالاً, ووزن ما لهم بما عليهم, ولم يك أعور النظر, ولا مطفف المكيال, بل متجرداً من حظوظ النفس الأمّارة قدر طاقته, حتى وإن اختلف معهم: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) (المائدة:٣) وبالعدل قامت السماوات والأرض, وبالقسط مُدحت الأمة المحمدية: (لتكونوا شهداء على الناس) (البقرة: ١٤٣) واللهُ تعالى موعد الجميع!.
                   إِذَا كَانَ عَوْنٌ مِنَ اللهِ لِلْفَتى
                                   تَهَيّا له مِن كلِّ شيءٍ مُرَادُهُ
                   فَإِنْ لمَ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ الله لِلْفَتَى  
                                  فَأَوَّلُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُه
   لذا فالمنصف _ وما أَعَزَّهُ _ لا يظلم القارئ بتدليسه ولا المقروء بتلبيسه, وأعوذ بالله أن أقول مالا أفعل! أو أُخالف إلى ما أنهى! هو ربي وحسبي ووكيلي وكافيني, اللهم لا تكلني لنفسي فأعجز ولا إلى الناس فأضيع وكِلني في ديني ودنياي إليك .
   كذلك فلا يعتب عليّ القارئ الكريم في وصفي لمن قُتِلَ من الإخوان بالشّهادة, فهذا ليس تزكيةً منّي لبواطنهم فعلمها عند الله, ولكنّهُ وَصْفٌ لما ظهر من حالهم, والمسألة مبسوطة في كتب العقائد, وحسبي ذكر إمامين جليلين أفتيا في هذه المسألة: شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - بفعله, فقد كان يصف نور الدّين محمود بالشّهيد, وابن باز - رحمه الله تعالى - بنصّه, فقد أفتى بأنّ هذا لا بأس به, وأنّه ليس من التزكية المذمومة, إنّما نصفه بذلك كي نعامله ظاهراً على وفقها, كعدم تغسيله وتكفينه والصّلاة عليه ونحو ذلك, وإلاّ فحقيقة الشّهادة علمها عند العليم الخبير سبحانه . أما الإمام البخاري _رحمه الله_ فقد بوّب: باب لا يقال فلان شهيد . وذكر فيه قول عمر رضي الله عنه: تقولون: فلان شهيد وفلان شهيد والله أعلم بمن يكلم في سبيله . وعلى كلٍّ فأمير المؤمنين رضي الله عنه علّل نهيه بأن كلامهم يؤول للحكم بباطن العمل, ولكن إن ذكر في سياق حكم الظاهر دون الباطن فلا يظهر أنه قد نهى عنه, والمسألة عند هذا الحدّ فيها سعة إن شاء الله تعالى_أي إطلاق الشهادة ظاهراً وعدم الحكم على الباطن, وهو تفويض المآل_ .
   عِلْماً بأن تاريخَيْ ابن غنام وابن بشر - رحمهما الله تعالى - الّذَينِ رويا مغازي الإمام محمّد بن سعود, وابنه الشّهيد عبد العزيز, ثمّ ابنه سعود, ثمّ ابنه الشّهيد عبد الله, ومعهم علماء الأمّة, كالمجدّد المصلح محمّد بن عبد الوهّاب, وتلاميذه, وأبنائه, وأحفاده, فقد كان هذان المؤرخان الجليلان يذكران الأسماء صريحة, وكانا يصفان هؤلاء بالمسلمين والمؤمنين, وأولئك بالمشركين والكفّار, فلا ضير علينا والحال كالحال, مع اختلاف الزمان, والله المستعان . ولا مشاحّة في الاصطلاح, وعند الخلاف المعتبر يعذر الأخ أخاه, والحمد لله .
وهذه الأجزاء مستلة من كتابي"صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية".

"نَهْجُ البَحْثِ"

1- قولبةُ جميع الرّوايات في سرد تاريخيّ واحد, مع إغفال أسماء الرواة عن مجمل الروايات لتداخلها وتكرارها غالباً, مع ذكر من انفرد بتفاصيل مهمة أو أحداث مستقلة قدر الإمكان .

2- كتابتها بالفصحى, عدا الأشعار والمقولات الّتي تستلزم ذلك, مع وضع المقولات بين قوسين خلا الأشعار .

3- إبهام أسماء الأشخاص الّذين ذُكِرُوا بسوء, عدا القوّاد الكبار أو من لهم علاقة مباشرة بالأحداث, قدر الطّاقة .

4- التاريخ المعتمد هو الهجري, لذا فليس هنا حاجة لذكر رمزه (هـ) أمّا إن كان المقصود هو التاريخ الإفرنجي( الميلادي ) فيشار لذلك, كما نبه لذلك الشيخ بكر أبو زيد, رحمه الله تعالى .

5- الضّرب صفحاً عن الرّوايات المتداولة المطبوعة حتّى لا يثقل الكتاب, وقد نشير إلى بعضها على سبيل الشّواهد أو الاعتبار, وهذه تكثر في المعارك الّتي كان للإمام عبد العزيز حضور مباشر فيها, فقد أكثر المؤرخون الكتابة فيها .
تنبيه للقارئ النبيه:

   هذه الرّوايات تعتبر جانباً من جوانب التاريخ, وليست بغُفْلٍ عن الرّوايات الأخرى, وإن خالفتها, فالمقصود إثباتها مع لبنات الزمان المقروء, وذكر بعض فضائل القوم . ( وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنّا للغيب حافظين ) (يوسف: ٨١).
   وعلى كلٍّ فلا نريد لهذا الكتاب أن يكون "منافق أفندي!" ولا "مفجر نت!" بل نريده صدقاً بين مَيْنَيْن, وحقاً بين باطلين, وهدىً بين ضلالتين (من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين) (النحل: ٦٦) فالمذكورون في الكتاب بمختلف مشاربهم في حياتهم الفائته؛ هم الآن تحت التراب, ينتظرون العرض الأكبر للحساب, والكاتب والقارئ على الأثر, فمأجور ومأزور, وشقي وسعيد:
                  فَقُلْ لِلَّذِيْ يَبْقَى خِلَافَ الّذِيْ مَضَى  
                                     تَهَيّأْ لِأُخْـرَى مِثْلَهَا فَكَأَنْ قَـدِ
   فمن الخطر العظيم والخطل الجسيم؛ بهتانهم! أو التشفي بهم! أو الوقوع في شَرَكِ أعراضهم بغير حق! وقانا الله شر اللِّسَانَيْن, وهدانا سبلنا في الدارين, وصلى الله على سيد المُصطَفَيْن, فعلى الله وحده الاتكال, وإليه التفويض, ومنه المدد والمعونة, وهو ربنا فنعم المولى ونعم النصير(**) .
"مسألة التّكفير والقتال"
   لا بد قبل الخوض في سرد الأحداث من الوقوف عند مسألة قد أشكلت على الكثير ممّن خاضوا في هذا الموضوع الجلل, فثبّت الله فيها أقدام أقوام وزلّت أقدام آخرين, تلك هي مسألة التّكفير والقتال, وهذه المسألة ليست بجديدة على الأمة, بل هي قديمة قدم الإسلام؛ لتعلّقها بالدعوة والجهاد الذي على ساقه قامت هامة الدين, وعلى عموده ارتفعت واتسعت خيمة دولة المؤمنين, فمن كفّرهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كُفْراً أكبرَ, ولم يكن لهم عَهْدٌ ولا عَقْدٌ, فَدَمُهُمْ ومَالُهُمْ مباحٌ للمؤمنين الموحّدين, إن أبوا الإسلام أو الجزية- على الراجح من قولي أهل العلم- ثُمّ في عهد الصّدّيق رضي الله عنه, لماّ ارتدّ من ارتدّ من العرب, وانقسموا لأقسام, فمنهم من آمن بمدّعِيِ النبوّة ومنتحلي الرسالة؛ كأتباع مسيلمة والأسود وسجاح! ومنهم من ألغى تشريع الزكاة وأسقط ركنيتها من الإسلام, ولم يعتقده واجباً بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم, ومنهم من لم يسقطه أو يلغيه, لكنّه منع الزّكاة وقاتل دون إخراجها . فكيف كان تعامل الصّدّيق رضي الله عنه مع هؤلاء ؟
والجواب: أنّه قد عاملهم جميعاً معاملة الكفّار المرتدّين, وسَنَّ عليهم سُنَّةً واحدة, وهي القتالُ المتفرعُ عن تكفيره لهم, كما قرّر ذلك جمع من الأئمّة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيّم وابن باز رحمهم الله تعالى, وَتَابَعَ الصحابةُ خليفتَهم على ذلك, وشرح الله صدورهم له، وأجمعوا على موافقته, ومضى الزمانُ وهذا حال المسلمين مع من لم يدخل في السّلْمِ كافّةً, أنّه يقاتل قتال الكفّار, حتّى يكون الدّين كلّه لله ( وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة ويكون الدّين لله ) ( البقرة:١٩٣) بل وللتّأكيد في الآية الأخرى: ( حتّى يكون الدّين كلّه لله ) ( الأنفال: ٣٩) ثُمَّ دارت الأيّام والليالي, وعاد الحال كالأزمنة الخوالي, وبَلِيت بعضُ أصول الدّين في توحيد العبادة عند الكثير من النّاس, ولم يبق منها إلّا رسوم, فبعث الله الإمام المجدّد شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه البررة, فأحيا الله بهم ما اندرس من معالم أصول الدّين, ودعائم الملّة الحنيفيّة, فقاموا لله حقّ القيام, رحمهم الله تعالى, وصدق أبو حيّان في قوله:
                       قَامَ ابنُ تَيْمِيَةَ فِي نَصْرِ شِرْعَتِنَا  
                                       مَقَامَ سَيّدِ تَيْمٍ إِذْ عَصَتْ مُضَرُ
   ثمّ دار الزّمان دورته الثّالثة, وبثّ الشيطان سراياه, لتتلقّف ما استطاعت من أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم, وتخرجهم من النّور إلى الظّلمات, لِما اقتضته حكمة الحكيم سبحانه, الّذي يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء, ولا يَهْلِكُ عليه إلّا هالك, أن يَقَعَ مَا قُدِّرَ في الأَزَلِ, فخرج النّاس من دين الله أفواجاً, بعد ما دخلوه أفواجاً! ويشهد بذلك كُلُّ ناقد بصير قرأ ذلك التّاريخ وتلوّع بدواهيه وأخباره, ورأى فشوّ الشرك بين النّاس بكاهله وبجِرانه وأذياله, فصار عندهم مألوفاً معروفاً غير منكر, والوثنيّة الّتي قد ضربت أطنابها بين ظهراني من يدّعون الإسلام, وأصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً, وبُدّلت السنن, وأُمِيتت الشّريعة, وظهرت قرون البدع, بل شخوصها, ودُعِي الموتى من دون الله, واعتقد الرّعاعُ بمتصرِّفين مع الله في الكون, وتسلّط السّحرة والكهنة عليهم, واندرس الدّينُ فصار كَوَشْيِ الثوب الخَلِق, وصار القابض على دينه بالبراءة والإنكار كالقابض على الجمر, وأصبح التّوحيد غريباً والموحّدون غرباء, حتّى وإن كانوا علماء! فَأَمَامَهم موج متلاطم من وباء الجاهليّة الأولى, فنشأ على هذا الصغير, وهَرمَ عليه الكبير, حتّى رحم الله أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم بدعوة الإمام المجدّد لما اندرس من معالم الإسلام, في النّصف الثاني من القرن الثّاني عشر فما بعده إلى يومنا هذا, وهو الإمام محمّد بن عبدالوهّاب (١) الّذي نسأل الله تعالى أن يجزيه عنا خير ما جزى مصلحاً عن أمته, وعالماً عن أمانته ودعوته, ولكن ذلك البعث التّجديديّ لدعوة الإمام المصلح لم يكن لينجح ويفلح لولا لطف الله تعالى وتوفيقه, ثمّ التّضحيات تلو التّضحيات, من الدماء الطّاهراتِ الزاكّيّاتِ, ممّن اعتنقوا الإسلام المحض, والإيمان الصّافي من شوائب البدع والخرافات والضّلالات والمحدثات والشّهوات.
   وكافح العلماء الصّادقون, وطلّابهم وجنودهم, يتقدّمُهُمْ أمراؤهم من آل سعود الميامين, فاتّحد اللّسان والسّنان, والرمح والبرهان, والكتاب والسّيف, والعلماء يُبَصّرون الناس بدينهم, ويفقهونهم شريعتهم, ويأمرونهم بالمعروف, وينهونهم عن المنكر, ويأطرون جهّالهم على الحق أطراً (٢) .
                      إِذَا كُنْتَ تَرْضَى أَنْ تَعِيْــشَ بِذِلّةٍ  
                                         فَلَا تَسْـتَعدنَّ الحُـسَامَ اليَمَانِيَا
                      فَمَا يَنفَعُ الأُسدَ الحَيَاءُ منَ الطّوَى  
                                        وَلَا تُتّقَى حَتّى تَكُـونَ ضَوَارِيَا
   ومن رافق الراحة فارقته الراحة! ومن فارق الراحة رافقته الراحة في الأولى والعقبى! ( وما عند الله خير وأبقى ) ( القصص: ٦٠) .
   وابتدؤا جهاد المخالفين من المشركين ومن وقف دونهم سنة: ( 1157) حين وُلدت دولة منهاج النّبوّة, وهي الدّولة السّعوديّة الأولى, من عهد الإمام الموفَّقِ محمد بن سعود:(ت:1179) ثمّ ابنه الإمام المجاهد الشّهيد عبد العزيز (ت:1218) ثمّ من بعده سعود (ت:1228) ثمّ الشّهيد عبد الله (ت:1234) الذي قتلته يد دولة التّصوف والتّعصّب, دولة آل عثمان, بعدما هدمت الدرعية مأرز العلم والتّوحيد في ذلك العصر! ويكفي أن تقرأ وصفها في عزّ مجدها من تاريخ ابن غنّام, حتّى تعرف قدر جناية وجرم من سَوَّوْهَا بالتراب من فوق جثث عباد الله وحماة التّوحيد وحرّاس الملّة, في تلك الأيّام الحزينة ولياليها الثكالى الباكية .
   ومن ثمّ ضَعُفَ أمر التّوحيد وأهلِهِ في نفوس النّاس, وعاد الشّرك على استحياء شيئاً فشيئاً, ثمّ تنامت خلاياه السّرطانية بقوّةٍ وبسرعة, خاصّةً كلّما ابتعد النّاس عن مهد حركة الإصلاح بنجد مكاناً وزماناً, ثمّ جاءت الدّولة السّعوديّة الثّانية, لكنّها كانت أقصر عمراً وأقلّ كفاءةً من أن تبعث الحركة الإصلاحيّة من جديد.
حتّى أذن الله تعالى أن تُشرق شمسُ رجلٍ, عَتِيْقِ السُّلالةِ, صافي المَحْتِدِ, عدناني الأرومة، نجدي المولد، إنّه الإمام عبدالعزيز, مؤسّس الدّولة السّعوديّة الثّالثة, الّذي آلى على نفسه أن يعزّ التّوحيد وأهله, وأن ينشر ألوية السنّة المحمدية، وأنوار الملّة الحنيفيّة, في ما استطاع من قلوب الناس, دون سدنة الشّياطين الجاثمة على سوادهم الأعظم! فطبع من كتب الإمام المجدّد وتلاميذه وتلاميذهم كمجموعة التّوحيد النّجديّة, والأصول الثّلاثة, ومسائل الجاهليّة, ونحوها من الكتب النّافعة, وبثّ الدّعاة الهداة، ولا نزكيه على الله تعالى.
                        وَإِذَا بَحَثْتَ عَنِ التَّقِيِّ وَجَدْتَهُ
                                        رَجُلاً يُصَدِّقُ قَوْلَهُ بِفِعَـال
   وقد وَقَفَ معه العلماء وقفةَ صدقٍ وجهادِ علمٍ وبيانٍ وإيمانٍ , فعادت أنوار الإيمان والإسلام والمعروف, تنتشر في أرجاء مملكته الفتيّة ودولته الفاضلة, وخرجَ جيلٌ نادرُ المثالِ في إيمانه وورعه وزهده وجهاده وحرصه على اقتفاء آثار الصّحابة رضي الله عنهم في كلّ ما يأتي ويذر , ذلك هو جيل "الإخوان" .
                        أَلَا بَلّغَ الله الحِمـَى مَنْ يُرِيْدُهُ
                                     وَبَلّغَ أَطْرَافَ الحِمَى مَنْ يُرِيْدُهَا
   وبما أنّ دعوة الإمام المجدّد قد جُوبهت بالعداء السّافر والكيد الفاجر, من قبل بعض علماء السّوء, فلم تكن حركة الإخوان بدعاً من ذلك, كيف لا, وهي تستقى من معين كتب دعوة المجدّد وعلماء الدعوة؟. وعلماؤُها هم تلاميذ معدودون من تلاميذ الإمام المجدّد . لذا, فالّذي قيل هنا قد قيل هناك, وكفى الأولون الآخرين عناء البحث والاستدلال.
   هذا، وأعظمُ ما جوبهت به حركة الإخوان هما تهمتي التّكفيرِ والقتال, وهما ما قد رُمي بهما الإمام المجدّد رأساً وابتداءً, حتّى ألّف الكثير من الصّفحات في إجلاء عقيدته ورؤيته لهذين الأمرين . والرُّباعيةُ المشهورةُ عنه تشهدُ بذلك, وهي أنُهُ دعا النّاس إلى أربعة أمور, فوافقه العلماء على اثنتين: وهما التّوحيد والبراءة من الشّرك, وخالفه بعضهم في اثنتين: وهما التّكفير والقتال, قال رحمه الله تعالى: (فلمّا اشتهر عنّي هؤلاء الأربع, صدّقني من يدّعي أنّه من العلماء في جميع البلدان, في التّوحيد وفي نفي الشّرك, وردّوا عليّ التّكفير والقتال )(٣).
لذا فمن أقرّه ووافقه في الأُولَيَيْن لزمه متابعته في الأُخْرَيَيْن, فهما النتيجة الطّبيعيّة المنطقيّة لهما والمتلازمة معهما, وإلا هُدِمَ الدين! فما الجهاد في سبيل الله إلا لإزالة العقبات عن طريق التوحيد, فمن أقر بوجوب تحقيق التّوحيد ولزوم نفي الشّرك والبراءة منه, لزمه أن يتبرّأَ من أهله وحزبه, وإلّا صار مداهناً غير مكمّلٍ للبراءة الواجبة من الشّرك . وهذا الأمر العظيم والأصل القويم - وهو وجوب البراءة من الشرك وأهله - لا يختلف فيه اثنان, ولا تنتطح فيه عنزان, فهو أوضح من الشمس في رابعة النهار, ولكن بعض الناس لا يعقلون! وويل للشجيّ من الخليّ!.
   ولا ينقضي العجب ممن يُقِرّ الإمامَ على تقعيده لمسائل الشّرك وتقسيماته, ثمّ لا يتابعه في لوازمه وتفريعاته, فمن أقرّ أنّ دعاء الموتى والغائبين شرك أكبر؛ لزمه أن يقرّ بأن من دَعَى ميتاً من دون الله فقد أشرك شركاً أكبر, فإن أقرّ بذلك وإلاّ فقد كذّب نفسه وناقض عقله في التفريق بين المتماثلات والمباعدة بين المتلازمات, فإن وافق على تكفير الشخص المعيّن الّذي قامت عليه الحجّةُ الرّسالية, لزمه إنكار منكره, وأطره على الملة قدر طاقته, وردّه لحياض التّوحيد _ إن كان قد دخله أصلاً! _ فإن أَبَىْ, لزم على وليّ الأمر إجراء أحكام الردّة عليه, فإن أبى ناجزه وقاتله, وهذا هو عين ما فعله الإخوان بكل اختصار, ولكن من جهل شيئاً عاداه, ومن قصر عن شيء عابه: ( بل كذّبوا بما لم يحيطوا بعلمه ) (يونس: ٣٩ ).
   لذا فالنّاظر لهذه الأحداث, لابدّ أن تكون عنده دراية بخلفيّة الإخوان العقديّة في التّكفير والقتال وبأدلتهم الشرعية, حتى يخرجوا منه بعذر وإن اختلفوا معه في بعض تطبيقاتها وإيقاعها على أرض العمل, أمّا من لم يتبيّن له ذلك؛ فإنّه سيسير في متاهة محيّرة, وسيتخبط في دوّامة شائكة, وستنطلي عليه حيل القوم وهم يقولون: كيف تكفِّرون المسلمين الّذين يصلّون ويؤذِّنون ويصومون ويحجّون؟! كقول شاعرهم:
                       حسبنا الله على الخـرمة واهلها
                                      كفّـــرونا وحنّا مسلمين (٤)
   لهذا؛ فالإخوان حينما يكفّرون, فإنّهم لا يكفّرون بالهوى والشبهة, كصنيع الخوارج المارقين, بل هم لا يكفّرون إلّا من كفّره القرآن والسّنة(٥) - ولا نزكي على الله أحداً- صادرين عن فتاوى علمائهم الرّاسخين. وقديماً قيل: ربّ سامع بجرمي لم يسمع بعذري!.
   وَلَهُمْ حيثيّات كثيرة في تكفير من كفّروهم, كفشوِّ الشّرك الأكبر في بلادهم, الذي لم يتبرؤا منه ومن أهله, ومناقضتهم لكلمة التّوحيد الّتي يلفظونها بأفواههم وتأبى أفعالهم تحقيقها! وأنّى ذلك إلّا بالبراءة من الشّرك وأهله, وهذا هو النّاقض الثّالث من نواقض الإسلام العشرة المشهورة, وكموالاتهم لأعداء الشّريعة والتّوحيد, وحربهم للمسلمين الدّاعين لتحكيم الشّريعة, ومعلوم أنّ مناصرة المشركين في حرب الموحّدين من أعظم نواقض الدّين, كذلك عدم دخولهم في جميع شرائع الملّة, فهم لم يدخلوا في السِّلْم كافّة, ولم يحقّقوا الإسلام جملة, وذلك بأن يستسلموا لله بالتّوحيد, وينقادوا له بالطّاعة, ويتبرؤا من الشرك وأهله, أيضاً عدم تحكيم الشّريعة..... إلى غير تلك الأمور الّتي أفتى بعض علماءُ العارضِ (٦) الإخوانَ بكفر أصحابها, ومروقهم من الدّين, وحِلِّ دمائهم وأموالهم بإذن إمامهم . وتأمل هذه النصوص من علماء الدعوة قال الشيخ حمد بن عتيق: (...فإنه قد بلغني أن بعض الناس يقول: إن في الأحساء من هو مظهر دينه لا يُرَدُّ عن المساجد والصلاة, وأنّ هذا عندهم هو إظهار الدين, وهذه زلة فاحشة, غايتها: أن أهل بغداد وأهل منبج وأهل مصر قد أظهر من هو عندهم دينه فإنهم لا يمنعون من صلى, ولا يردون عن المساجد . فيا عباد الله: أين عقولكم؟! فإن النزاع بيننا وبين هؤلاء ليس هو في الصلاة, إنما هو في تقرير التوحيد والأمر به وتقبيح الشرك والنهي عنه والتصريح بذلك ) (٧) (٨).
   وقال لمن ناظره من أهل مكة: ( ... جرت المذاكرة في كون مكة بلد كفر أم بلد إسلام, فنقول وبالله التوفيق: قد بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالتوحيد ... ... إلى أن قال: أمّا إذا كان الشرك فاشياً مثل دعاء الكعبة ... وذكر أمثلة ... فلا يشك من له أدنى علم أنّ هذه البلاد محكوم عليها بأنها بلاد كفر وشرك (٩) لا سيّما إذا كانوا معادين لأهل التوحيد, وساعين في إزالة دينهم, ومُعينين في تخريب بلاد الإسلام ... إلى أن قال: وأما قول القائل: ما ذكرتم من الشرك إنما هو من أفقيّه لا من أهل البلد, فيقال: أولاً: هذه إما مكابرة أو عدم علم بالواقع, فمن المقرر: أن أهل الآفاق تبع لأهل البلاد في دعاء الكعبة والمقام والحطيم كما يسمعه كل سامع, ويعرفه كل موحد, ويقال ثانياً: إذا تقرر هذا وصار هذا معلوماً, فذلك كاف في المسألة, ومن الذي فرّق بين ذلك ؟! فيالله العجب, إذا كنتم تخفون توحيدكم في بلادكم, ولا تقدرون أن تصرحوا بدينكم ... أرأيتم لو قال رجل منكم لمن يدعو الكعبة أو الحطيم أو يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة: يا هذا لا تدعُ غير الله, أو أنت مشرك, هل تراهم يسامحونه؟! أو يكيدونه؟! . فليعلم المجادل أنهم ليسوا على توحيد الله, فوالله ما عرف التوحيد ولا تحقق بدين الرسول صلى الله عليه وسلم.
   أريت لو أن رجلاً عندهم قال: يا هؤلاء راجعوا دينكم واهدموا البنايات التي على القبور, ولا يحل دعاء غير الله هل يكفيهم فيه فعل قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم؟ لا والله, لا والله . وإذا كانت الدار دار إسلام لأي شيء لم تدعوهم إلى الإسلام؟ وتأمروهم بهدم القباب واجتناب الشرك وتوابعه؟ فإن غرّكم أنهم يصلون, أو يحجون؛ فتأملوا الأمر من أوله؛ وهو أن التوحيد قد تقرر في مكة بدعوة إسماعيل بن إبراهيم – عليهما السلام – ومكث أهل مكة عليه مدة من الزمان, ثم إنه نشأ فيهم الشرك بسبب عمرو بن لحي فصاروا مشركين وصارت البلاد بلاد شرك مع أنه قد بقي معهم أشياء من الدين كما كانوا يحجون ويتصدقون على الحاج ... ) (١٠) إلى آخر كلامه رحمه الله، علماً بأن الشيخ حمد بن عتيق هو والد الشيخ سعد بن حمد بن عتيق الذي يُعد من أبرز علماء ذلك الزمان الذي جرت فيه حروب الإخوان مع الشريف,(١١) ذكرنا ذلك حتى لا يُشغب على الإخوان باختلاف الزمان والمكان فالحال لم يتغير .
أما الإمام سعود بن عبد العزيز رحمهما الله فقد قال - وأسعد فؤادك متأملاً ما في ثنايا كلامه من عزّة المؤمنين على المشركين -: ( أما ما ذكرت: أنا نقتل الكفار فهذا أمر لا نعتذر عنه, ولم نستخف فيه, ونزيد في ذلك إن شاء الله, ونوصي به أبناءنا من بعدنا, وأبناؤنا يوصون به أبناءهم من بعدهم, كما قال الصحابي: على الجهاد ما بقينا أبداً, ونُرغم أنوف الكفار, ونسفك دماءهم, ونغنم أموالهم بحول الله وقوته, ونفعل ذلك إتباعا لا ابتداعا, طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وقربة نتقرب بها إلى الله تعالى, ونرجو بها جزيل الثواب بقوله تعالى: ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ... ) (التوبة: ٥)(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) (البقرة: ١٩٣)( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ) (محمد: ٤)( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ) (التوبة: ١٤) ونرغب فيما عند الله من جزيل الثواب حيث قال تعالى: ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ... ) (التوبة: ١١١) ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ... ) (الصف: ١٠) ... وأما ما ذكرت: من مسكننا في أوطان مسيلمة الكذاب فالأماكن لا تُقدس أحداً ولا تُكفره, وأحب البقاع إلى الله وأشرفها عنده مكة, خرج منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي فيها إخوانك أبو جهل وأبو لهب ولم يكونا مسلمين ... وأما ما ذكرتم: أنكم مشيتم على الأحساء فنقول: الحمد لله على ذلك الممشى فإنه ولله الحمد والمنّة هتك أستاركم به, ونزع به مهابتكم من قلوب المسلمين, وأخزاكم الله به الخزي العظيم الظاهر الباطن الذي ما عليه مزيد ... وقولك: أنا أخذنا كربلاء وذبحنا أهلها وأخذنا أموالها؛ فالحمد لله رب العالمين, ولا نعتذر عن ذلك ونقول: (وللكافرين أمثالها )( محمد: ١٠) ... وما ذكرت من جهتي الحرمين الشريفين, فالحمد لله على فضله وكرمه حمداً كثيرا كما ينبغي أن يحمد, وعز جلاله, لما كان أهل الحرمين آبين عن الإسلام, وممتنعين عن الانقياد لأمر الله ورسوله, ومقيمين على مثل ما أنت عليه اليوم من الشرك والضلال والفساد, ووجب علينا الجهاد, وبحمد الله فيما يزيل ذلك عن حرم الله وحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير استحلال لحرمتهما ) (١٢).
                          وهكذا يفعل الأبطال إن غضبوا
                                            وهكذا يعصف التوحيد بالوثن
   وقال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ: ( وهؤلاء الذين قاموا في أهل التوحيد, واستعدوا بالكفار عليهم وأدخلوهم إلى بلاد نجد, وعادوا التوحيد وأهله أشد العداوة "الرشيد" ومن انضم إليهم من أعوانهم؛ لا يشك في كفرهم ووجوب قتالهم على المسلمين إلا من لم يشم روائح الدين! أو صاحب نفاق أو شك في الدعوة الإسلامية! )(١٣). علماً بأن قصد علماء الدعوة بالمشركين الذين يُستعان بهم هم الأتراك في ذلك العصر, وملخص كلام أئمة الدعوة في هذه المسألة – أي مسألة الاستعانة بالمشركين في الحرب –: هو التحريم مطلقاً . قال الشيخ عبداللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: ( وأما مسألة الاستنصار بهم – أي المشركين – مسألة خلافية, والصحيح الذي عليه المحققون: منع ذلك مطلقاً, وحجتهم حديث عائشة وهو متفق عليه, وحديث عبد الرحمن بن حبيب وهو حديث صحيح مرفوع, والقائل بالجواز احتج بمرسل الزهري وقد عرفت ما في المراسيل إذا عارضت كتابا أو سنة, ثم إن القائل به شرط أن يكون فيه نصح للمسلمين ونفع لهم, وشرط أيضا ألاّ يكون للمشركين صولة ودولة يخشى منها, وشرط مع ذلك ألا يكون له دخل في رأي ولا مشورة )(١٤).
   وهذه الفتاوى وأمثالها هي التي انطلق منها مشايخ الإخوان وعملوا بمقتضاها, وسلّوا السيوف لإحقاق ما يرون أنه الحق بها, وهجروا المنزل والحبيب, والدار والقريب من أجل تحقيق كلمة التوحيد, وإعزاز ملّة إبراهيم, ودين محمد والمرسلين, عليهم أزكى الصلاة والتسليم.
   علماً بأنّ القتال ليس مرتبطاً بالتّكفير, وليس كل من قاتله الإخوان قد كفّروه, فهناك حالات يقاتَلُ المَرْءُ من أجلها مع بقاء حكم الإسلام له, كحال الخوارج والبغاة وقطاع الطريق ونحوهم.
   وَلْنَعُدْ لكلام الإمام المجدّد رحمه الله, حيث قال: ( ولكنّهم يجادلونكم اليوم بشبهة واحدة, فأصغوا لجوابها, وذلك أنّهم يقولون: كلّ هذا حقّ نشهد أنّهُ دين الله ورسوله, إلّا التكفير والقتال! والعجب ممن يخفى عليه جواب هذا! إذا أقرّوا أنّ هذا هو دين الله ورسوله,كيف لا يَكْفُرُ مَنْ أَنكَرَهُ ؟! وَقَتَلَ مَنْ أَمَرَ بِهِ؟! وَحَبَسَهُم؟!.......إلى آخر جوابه رحمه الله (١٥) وقال: ( الأمر الثّالث: ممّا يوجب الجهاد لمن اتّصف به, مظاهرة المشركين وإعانتهم على المسلمين , بيدٍ أو بلسان أو بقلب أو بمال , فهذا كفر مخرج من الإسلام ) (١٦).
   وحتّى لا يطول بنا البحث والاستدلال -لأن الغرض ليس تقعيد المسألة بقدر ما هو بيان مناطِ حُكْمِهِم على المخالفين لأصول الإسلام أو المانعين حقوقه- لذا سأسوق كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى, نقلاً عن كِتَابٍ تناقَلَهُ الإخوان, واهتمّوا به, وتربّوا عليه في حِلَقِ أهل العلم, ذاك هو كتاب: "مجموعة التّوحيد النّجديّة" وهو مجموعة كتب ورسائل لأئمّة الدّعوة الإصلاحيّة, ومن ضمن الرّسائل في هذه المجموعة المباركة, رسالة في غاية النّفاسة للشّيخ عبد الله بن الإمام المجدّد محمّد بن عبد الوهّاب رحمهما الله تعالى وفيها: ( وقال تقيّ الدّين رحمه الله تعالى لمّا سُئل عن قتال التّتار مع التمسّك بالشّهادتين, وَلِمَا زعموا من اتّباع أصل الإسلام, فقال: كلّ طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظّاهرة المتواترة, من هؤلاء القوم, أو غيرهم, فإنه يجب قتالهم, حتّى يلتزموا شرائعه, كما قاتل أبو بكر والصّحابة رضي الله عنهم مانعي الزّكاة, وعلى ذلك اتّفَقَ الفقهاء بعدهم, مع سابقةِ مناظرةِ عمرَ لأبي بكرٍ رضي الله عنهما, فاتّفق الصّحابة على القتال على حقوق الإسلام, عَمَلاً بالكتاب والسنة, وكذلك ثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج والأمر بقتالهم, وأخبر أنّهم شرّ الخلق والخليقة مع قوله: ( تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم ) "متفق على صحته" فعُلِمَ أنّ مجرّد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه, ليس بمسقط للقتال, فالقتال واجب حتّى يكون الدّين كلّه لله, وحتّى لا تكون فتنه, فمتى كان الدّين لغير الله, فالقتال واجب, فأيّما طائفة ممتنعة امتنعت عن بعض الصّلوات المفروضات أو الصّيام أو الحجّ _ واسترسل في الأمثلة إلى أن قال:_ أو غير ذلك من التزام واجبات الدّين أو محرّماته, الّتي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها الّتي يكفر الواحد بجحودها, فإنّ الطّائفة الممتنعة تقاتل عليها, وهذا ممّا لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء ..... إلى أن قال: وهؤلاء عند المحقّقين ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين عن الإمام, أو الخارجين عن طاعته, كأهل الشّام مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه, فإنّ أولئك خارجون عن طاعة إمام معيّن, أو خارجون عليه لإزالة ولايته, أمّا المذكورون فهم خارجون عن الإسلام, بمنزلة مانعي الزكاة وبمنزلة الخوارج الّذين قاتلهم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه, ولهذا افترقت سيرته رضي الله عنه في قتاله أهل البصرة وأهل الشّام, وفي قتاله لأهل النّهروان, فكانت سيرته مع البصريين والشّاميين سيرة الأخ مع أخيه, ومع الخوارج بخلاف ذلك, وثبتت النّصوص عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بما استقر عليه إجماع الصّحابة من قتال الصّديق رضي الله عنه لمانعي الزكاة وقتال عليّ رضي الله للخوارج )(١٧) انتهى كلامه رحمه الله . وقد علّق عليه الناقل الشّيخ عبد الله بن الإمام المجدّد بتعليق محقّق جدير بالعناية فرحمهما الله تعالى.
   وقد ذكر الإمام المجدد رحمه الله تعالى كلاماً عظيم القدر في هذه المسألة, نذكر بعضاً من لُمَعِه ودُرَرِهِ, قال رحمه لله تعالى بعد ذكره لقصة المرتدين: ( ... الدليل الثاني: قصة أخرى وقعت في زمن الخلفاء الراشدين وهي أنّ بقايا من بني حنيفة لمّا رجعوا إلى الإسلام وتبرؤا من مسيلمة وأقروا بكذبه, كبر ذنبهم في أنفسهم وتحمّلوا بأهليهم إلى الثغر لأجل الجهاد في سبيل الله, لعل ذلك يمحو عنهم تلك الردة لأن الله تعالى يقول: ( إلّا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فؤلئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) (الفرقان:٧٠) وقوله: ( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ) ( طه: ٨٢) فنزلوا بالكوفة, وصار لهم بها محلة معروفة, فيها مسجد يسمى مسجد بني حنيفة, فمر بعض المسلمين على مسجدهم مابين المغرب والعشاء, فسمع منهم كلاماً معناه: أنّ مسيلمة على حق! وهم جماعة كثيرون لكن الذي لم يقل لم ينكر على من قال, فرفعوا أمرهم إلى ابن مسعود رضي الله عنه فجمع من عنده من الصحابة رضي الله عنهم واستشارهم هل يقتلهم وإن تابوا؟ أو يستتيبهم؟ فأشار بعضهم بقتلهم من غير استتابة, وأشار بعضهم باستتابتهم, فاستتاب بعضهم وقتل بعضهم ولم يستتبه, وقتل عالمهم ابن النوّاحة . فتأمل رحمك الله: إذا كانوا قد أظهروا من الأعمال الصالحة الشاقة ما أظهروا, لمّا تبرؤا من الكفر وعادوا إلى الإسلام ولم يظهر منهم إلا كلمة أخفوها في مدح مسيلمة لكن سمعها بعض المسلمين, مع هذا لم يتوقف أحد في كفرهم كلّهم, المتكلم والحاضر الذي لم ينكر, لكن اختلفوا هل تقبل توبتهم أم لا؟ والقصة في صحيح البخاري ... الدليل الرابع: ما وقع زمن الصحابة وهي قصة المختار ابن أبي عبيد ... فاستولى على العراق, وأظهر شرائع الإسلام, ونصب القضاة, وكان هو الذي يصلي بالناس الجماعة والجمعة, لكن في آخر أمره زعم أنه يوحى إليه, فسير إليه عبد الله بن الزبير جيشاً فهزم جيشه وقتلوه, وكان تحته امرأة أبوها أحد الصحابة فدعاها مصعب إلى تكفيره, فأبت, فكتب إلى أخيه عبدالله يستفتيه فيها, فكتب إليه: إن لم تبرأ منه فاقتلها فامتنعت فقتلها مصعب ... وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه الله سبحانه, وأما من أراد الله فتنته فلو تناطحت الجبال بين يديه لم ينفعه ذلك ... فمن لم يفهمها فليبك على نفسه فإنها قد ماتت, ولينتبه قبل حلول رمسه فان دنياه وأخراه قد فاتت, وليتدارك ما بقي من يومه قبل أمسه فان ركائب الموت بفنائه قد باتت, والله سبحانه وتعالى أعلم ) (١٨).
   فانظر أيها القارئ الحبيب لهذه الفتاوى التي بينت أن بعض من يُظن فيهم الإسلام قد خلعوا ربقته بشؤم فعالهم (٢٠) وتأمل كيف أبدى الصريح عن الرّغوة, وتبين الصبح لذي عينين ( الآن حصحص الحق ) (يوسف:٥١).
                              إذَا جَاءَ مُوسَى وَأَلقَى العَصَا
                                              فَقَد بَطَلَ السِّحْرُ والسَّاحِر
   وأعظم وأكرم وأجلّ؛ قول الربّ العليّ الأجلّ: ( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ) (الإسراء:٨١).
                                                                                            ......يتبع

 إبراهيم الدميجي
 19/1/1433
@aldumaiji

رابط تحميل الكتاب بجميع أجزائه كاملا مجانا



.......................................................................
(*)ورواتنا هم:
1- المعمّر الحميديّ بن مفرّح السبيعي, رحمه الله تعالى .
2- المعمّر محمّد بن الحسين الشّنبري الشّريف, رحمه الله تعالى .
3- المعمّر حثيري الحلحلي العتيبي, حفظه الله تعالى .
4- المعمّر هاضل بن ناجي السبيعي, رحمه الله تعالى .
5- المعمّر عبد الرّحمن بن ثويني, رحمه الله تعالى .
6- ذعار بن مناحي الشّريف, رحمه الله تعالى .
7- المعمر عبيد السمي البقمي, رحمه الله تعالى .
8- المعمّر ماضي بن حمود الحارث الشّريف, رحمه الله تعالى .
9- علي الناقول السبيعي برواية ابنه سالم رحمها الله تعالى .
10- هادي بن نصّار السبيعي برواية ابن أخيه ما جد بن نصار رحمها الله تعالى .
- الوثائق البريطانيّة المنشورة, بتحقيق نجدة فتحي صفوة من عام: (1914م) إلى عام: (1920م) والمطبوعة في خمس مجلدات كبار .
إضافة إلى قريب من أربعين مرجعاً آخر, مكتوب أو مسموع أو مخطوط,  جمعتها في أكثر من عشر سنوات, لكن لم ألجأ إلى المصادر غير المسموعة إلاّ على نحو يسير, فأساس البحث هنا هو روايات هؤلاء, ورحم الله الجميع.
(**)"ترتيبُ المَغَازِي الإخوانية في الحجاز والجنوب ومعركة السبلة":
1- حَوْقَان: وتسمّى ( المدفع ) في رجب ( 1336 ) وهو الراجح, وقيل في (25) شعبان (1336 ).
2-  السُّوق: وتسمّى ( الدّفعة ) في (1336) وبعضهم يجعلها تابعة لحوقان.
3- جَبَّار: وتسمّى ( الرّضْم - أبو بغيث ) في (17) رمضان ( 1336) وهو الموافق ليوم الفرقان غزوة بدر الكبرى.
4-  الحنُو: يوم عرفة (9) ذو الحجة (1336).
5-  القُرَيْن: في ( 17) صفر (1337).
6-  تربة: في (25) شعبان ( 1337).
7-  الرّيعان: الأُخيضر في (1337), الخرائق في ( 1340), العبيلا, الجرشيّة, أمّ الجرفان, العقيق, جليل, القرشيّات, العَرفا, مقتل الفرد والعبّود في (1342) .... إلى مغازي متفرّقة في سِتِّ سنوات بعد تربة.
8-  يوم الغلطة: قبل دخول الطائف ( قَتْلُ منير الحضبي بالخطأ, في نحو عشرين من الإخوان ).
9-  الطّائف: في أوائل صفر (1343).
10-  الهدا: في ( 26)  صفر ( 1343) وهي تابعة للطّائف.
11-  دخول مكّة المكرمة: في ( 17) ربيع الأول ( 1343 ).
12-  دخول المدينة النبويّة: في ( 18)  جمادى الأولى ( 1344).
13-  ينبع, وبدر: في ( 1344).
14-  جدّة, ومعركة الرّغامة: في غرّة جمادى الآخرة ( 1344).
15-  مغازي الشّمال: بعد دخول مكّة المكرمة.
16-  السّبلة: في ( 19)  شوال ( 1347).
17-  الجنوب, واليمن: بعد السبلة.
(١) وكان رحمه الله كثيراً ما يتمثل بهذه الأبيات:
                                  بأي لسـان أشكــر الله إنّه 
                                                     لذو نعمة أعجـزت كل شاكر
                                 حباني بالإسـلام أعظـم منّة
                                                    وبسنّة المعصـوم أزكى الشعائر
                               وبالنعمة العظمى اعـتقاد ابن حنبل
                                                   عليها اعتقادي يوم كشف السرائر
   كان مولده في العيينة من سنة:( 1115هـ / 1703م) ووفاته في العيينة يوم الإثنين من شهر شوال سنة: (1206 هـ/ 1791م ) عن اثنتين وتسعين سنة, ومات ولم يخلف ديناراً ولا درهماً, فلم يقسم بين ورثته مال, ورحل بعد أن جدد الله به الدين في القرن الثاني عشر وما بعده, رحمه الله تعالى .
(٢) يصم بعض الناس الدولة السعودية الأولى وشيخها الإمام المجدد بالخروج على ولي الأمر آنذاك أي الدولة العثمانية، والحق أن تلك التهمة لا تصح لأمور منها:
١- أن أهل نجد بعامّة لم يكونوا من رعايا الدولة العثمانية ولا من أتباعها فمعلوم أن وسط نجد خاضع تماماً لإمارات مستقلة وليست تابعة لأحد، ولم تصل قط سرية عثمانية لبلاد نجد قبل قيام الدعوة السلفية الإصلاحية ممثلة في دولتها السعودية.
٢- أن حروبهم للشريف في الحجاز كانت دفاعاً عن النفس إذ هو من بدأ بظلمهم وقتالهم، ثم منعهم من الحج عدة سنين فألجأهم ذلك لدخول مكة المكرمة ومن ثم ضموها إليهم.

(٣) مجموعة مؤلفات الشّيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: ( 5/ 26 ) . ووصفنا لهم بالحركة لا يعني هذا أنهم حزب منظم كحال الأحزاب أو بعض الحركات التي على الساحة , إنما نعني بالحركة وصف ذلك التدين العام المتجه نحو التوحيد والجهاد .
(٤) وفي رواية:
                                  حسبنا الله على خالد والإخوان 
                                                    كفرونا وحنا مســلمين
(٥) ولا يمنع من ذلك وقوع بعض الأفعال الفردية التي برئ منها جموعهم قولاً وفعلاً, فقد كان علماؤهم يسوسونهم بالشريعة, ويقودونهم بالقرآن, وليس من الإنصاف ضرب المنهج بفعل آحاد أتباعه .
(٦) أي علماء نجد، وتسمى العارض واليمامة وجَوْ.
(٧) وسنكثر النقول عن أئمة الدعوة النجدية لأمرين: الأول: هو المعاصرة, وقربها زمناً مما نحن بصدده مع اتحاد المكان . والثاني: أنّ تلك الفتاوى إنّما هي التطبيق العملي المنهجي لتنظيرهم لمسائل التوحيد والشرك والجهاد ومسائل الإيمان والكفر وبلاد الإسلام وبلاد الحرب .
(٨) كما في الدرر ( 9 /252 ) .
(٩) لذا فالإخوان يسمّون مغازيهم بالفتوح، والمرجح لدي - والعلم عند الله تعالى - أنها بلد إسلام لا بلد شرك فشعائر الدين قائمة، ولعل هذه الأفعال الشركية ليست غالبة على الناس وليست بممالأة من مجموعهم، ولا شك أن ضعف أو عدم إنكارهم منكر عظيم، لكن هذا شيء والحكم على البلدة بالكفر شيء آخر، وهو بعيد إن شاء الله تعالى. وتعليقي هنا من باب تحقيق المناط لا تنقيحه فالشيخ رحمه الله لم يخرم أصلاً من الأصول بل هو جار على جادة أهل السنة والجماعة.
(١٠) المرجع السابق: ( 9 /259-260 )
(١١) ويعده بعضهم ممن حضر معركة تربة حيث جاء مع أهل الغطغط، والعلم عند الله.
(١٢) المرجع السابق: ( 9 / 280 ). (14) المرجع السابق:( 9 /82 )وكثير من نواقض الإسلام مغيب فقهه عن جمهور الأمة في هذه الأزمنة، ولذلك أسباب عدة.
(١٣) المرجع السابق:( 8 /366 ).
(١٤) نقلاً عن دعاوى المناوئين للشّيخ عبد العزيز آلعبد اللّطيف: (161) وهو بنصِّهِ في الدّرر: (10/ 8)
(١٥) الدّرر السّنيّة (9| 292) .
(١٦) مجموعة التوحيد النجدية (318).
(١٧) الدرر السنية: ( 9/ 388 ).
(١٨) كما أن موجبات الردة, ونواقض الملة عديدة, إلا أن مسألة تكفير المعيّن في غاية الخطر إن كانت في يد من لم يملك أدواتها, وفي سلطة من لم يستتم شروط إيقاعها, ولا يجوز أن يترك عنان التكفير للعامة, بل هو خاص بمن أوكل الله لهم سياسة الناس بالشريعة, وهم العلماء الراسخون الذين علموا شروط التكفير وموانعه, وأحسنوا إقامة الحجة على متنكبي المحجة, فقد يُتهم المرء بارتكاب مكفر وهو منه براء! إنما كُذب عليه كما كُذب على الإمام المجدد بأنه يبغض الرسول صلى الله عليه وسلم .
   وقد يرتكب الإنسان المعصية وهي ليست من المكفرات, فيرمى بالردة! . كصنيع الخوارج بمرتكب الكبيرة.
وقد يركب الذنب المكفر المخرج من الملة ولكنه لم يكفر بسبب أحد الموانع:
   كالجهل: كقصة الذي قال لولده: "إذا أنا مت فأحرقوني ثم ذروا رمادي في الهواء فلئن قدر الله علي ليعذبني..." (متفق عليه) فهذا شك في عموم قدرة الله تعالى وهذا من المكفرات, مع هذا غفر الله له لخشيته وجهله .
   وكالخطأ: كقصة الفرح بعودة دابته فقال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح".( أصل الحديث في مسلم وهذا لفظ ابن منده في التوحيد).
   وكالتأويل الذي له وجه: ولم يتضح الحق لصاحبه كالكثير ممن يظنون أنهم ينزهون الله تعالى فيصل بهم ذلك إلى إنكار بعض صفاته, كما كان الإمام أحمد يصلي خلف بعض من قال بتلك المقالات, وقال شيخ الإسلام لبعض المحرفة(المؤولة): أنتم تقولون كلاماً لو قلت به لكفرت! لكنكم لم تكفروا عندي لأنكم ترومون التنزيه بذلك التحريف ولم تتصوروا حقيقة مذهبكم ومآله . أما تأويلات الباطنية والفلاسفة والرافضة وأشباههم فهي كفر محض .
   وكالإكراه: ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) (النحل: ١٠٦ ) وبعضهم خص الرخصة بالنطق فقط, وبعضهم خص الإكراه؛ بالتهديد بالقتل دون الضرب والحبس, والله أعلم .
   وتكفير المعين يختلف عن تكفير الوصف؛ كحديث: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (رواه أحمد) أما تكفير الشخص المعين كأن تقول: فلان كافر! وهنا مكمن الخطر لمن توغل في ذلك بغير بينة ولا برهان .
الشاهد من هذا أن على الناصح لنفسه أن لا يقع في شَرَك التكفير بغير حق وليعلم أن من دخل في الإسلام بيقين فلا يُخرج منه إلا بيقين, وليتيقن أن لكلّ كلمة طالباً من الله تعالى, وأنه موقوف بين يدي الجبار جل جلاله, ومسؤول عن ما اقترفه لسانه أو خطه بنانه, فليعد للسؤال جواباً وللجواب صواباً وأنّى ذلك إلا ببرهان شاف, واستدلال كاف, والكلمة يملكها من كانت حبيسة جوفه, لكن إن خرجت فقد ملكته, فإما إعتاق أو إيباق! والله المسؤول أن يحفظني والقارئ والمسلمين من مضلات الفتن ودواهي المحن, فهو المستعان, وعليه التكلان, ولا إله إلا هو .


رابط تحميل الكتاب بجميع أجزائه كاملا مجانا 

صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية