إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الأربعاء، 4 سبتمبر 2019

(وظنُّوا ألّا ملجأ من الله إلّا إليه)


(وظنُّوا ألّا ملجأ من الله إلّا إليه)
الحمد لله وبعد؛ فاللجأ إلى الله تعالى من لوازم العبودية لله تعالى, ومن سيما المؤمنين, وشيم الصالحين, به يُحفظ المؤمن في دينه ودنياه, وبه يُحرس المؤمن من قِبَلِ الحارسِ الذي لا ينام, والقيومِ الذي لا يغفل, والربِّ الذي لا يُهمِل, وبه يُعان من ربه في كل ما أهمّه, وبه يُرزق في دينه ودنياه, وأُولاهُ وآخرته.
والالتجاء هو طلب الحماية والعون, فهو مركبٌ منهما معًا. ففيه عياذٌ واعتضاد, وطلب تحصيلِ ما يُرتفقُ به ويُحتمى ويُتقوّى به.
فالعبد في هذه الدنيا تكتنفه المتالف من كل جهة, والأعداء من كل مكان – خلا فوقَه – فإن لم يحفظه ربُّه فالضيعةُ ملازمة لمسيره, والهلكةُ متضمنة لمصيره, فلا عاصمَ إلا الله, ولا حافظ إلا الله, ولا هادي إلا الله, ولا إله إلا الله.
قال ربنا تبارك وتعالى في وصف المؤمنين المتعلقين به دون سواه، الهاربين منه إليه: (وظنّوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه) هذه الآية الكريمة العظيمة وصفت حال المؤمنين الملتجئين إلى الله تعالى بيقين لا يهتزّ ولا يتزعزع, وهذا الالتجاء يزيد حال الشدة ولا ينقص حال الرخاء, ورُبَّ حالٍ يظنّه المرءُ رخاءً وهو أشدّ الشّدة! وذلك كحال النعماءِ بعد الشدة, فكم من مؤمن يصبِر حال الشدة ويَضيعُ ويغفل حال النعمة والرخاء, لذلك فمن صفات المؤمن الصالح دوامُ التجائه إلى ربه تبارك وتعالى, فهو مع الله في رخائه وشدّته, يلجأُ إليه إن خاف غِشيانَ معصية أو كسلًا عن طاعة, أو قَتَرَ غفلةٍ أو وَهَجَ شهوةٍ أو كُلُوحَ خِيفة, فهو مُوقنٌ أنه لا غنى له إلا بالله، ولا حافظ له إلا الله, ولا ملجأ له إلا إليه, وهناك يلقى الأمنَ والحفظ والكلأةَ والستر والسعادة. 
وفي تأمل السيرة العطرة الشريفة للهادي البشير صلواتُ الله وسلامه وبركاته عليه دروس وعبر، تُربّي قلبَ المؤمن على صدق الالتجاء لربّه تبارك وتعالى. فحياتُه كلُّها التجاء لله وإحسانُ عبوديةٍ له سبحانه.
ومن ذلك خبرُ ذهابه لدعوة أهلِ الطائف في شوالَ سنةَ عشرٍ للنبوة, فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ماشيًا على قدميه, ومعه مولاه زيدُ بنُ حارثة, كلما مرَّ على قبيلةٍ في الطريق دعاهم إلى الإسلام فلم يجبه أحد, ووصل إلى الطائف فعمد إلى ثلاثةِ أخوةٍ من رؤساء ثقيف, وهم عبدُ يالِيلِ ومسعودٍ وحبيبٍ أبناءِ عمرو بن عميرٍ الثقفي, فجلس إليهم ودعاهم إلى الله ونُصرة الإسلام, فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة: إن كان الله أرسلك! وقال الآخر: أما وجد الله أحدًا غيرك! وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا, إن كنت رسولاً لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك, ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك, فقام عنهم رسول الله وقال: "إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني" (1).
وأقام في الطائف عشرةَ أيامٍ, لا يَدَعُ أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه, فقالوا: اخرج من بلادنا, وأَغروا به سفهاءَهم, فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به, حتى اجتمع عليه الناسُ فوقفوا له صفين وجعلوا يرمونه بالحجارة, ويسبونه ورجموا عراقيبه, حتى اختضبت نعلاه بالدماء, وزيدُ بنُ حارثة يقيه بنفسه, فأصابه شِجَاجٌ في رأسه رضي الله عنه.
ولم يزل أولئك السفهاءُ بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى ألجأوه إلى حائط لعتبةَ وشيبةَ ابني ربيعة, على ثلاثة أميال من الطائف، فرفع كفيه، ورُوي أنه دعا ربه بقوله: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي, وقلةَ حيلتي, وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين, أنت ربُّ المستضعفين وأنت ربي, إلى من تكلني, إلى بعيد يتجهمني, أم إلى عدوٍّ ملّكته أمري, إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي, ولكن عافيتك هي أوسع لي, أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات, وصلَح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنزل بي غضبَك, أو يَحلَّ عليَّ سخطُك, لك العتبى حتى ترضى, ولا حول ولا قوة إلا بك" (2).
فلما رآه ابنا ربيعةَ تحركت له رحِمُهُما -لأنّهما قرشيان- فدعوا غلامًا لهما نصرانيًّا, يقال له عدَّاس, وقالا له: خذ قِطفًا من هذا العنب واذهب به إلى هذا الرجل, فلما وضعه بين يدي رسول الله مدّ يده إليه وهو يقول: "بسم الله" ثم أكل, فقال عداس: إن هذا الكلام ما يقوله أهلُ هذه البلاد, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أي البلاد أنت؟" قال: أنا نصراني, من أهل نينوى, فقال رسول الله: "من قرية الرجلِ الصالحِ: يونسَ بنِ متّى؟" قال له: وما يدريك ما يونسُ بنُ متّى؟ قال: "ذاك أخي, كان نبيًّا وأنا نبي" فأكبّ عدّاسٌ على رأس رسول الله ويديه ورجليه يقبّلُهما (3).
ورجع رسول الله في طريقه إلى مكة, وهو في غاية الالتجاء لرب العالمين, قد تبرّأ من حوله وطَوله وقوّته والعالمين، ولجأ لقيومِ السماواتِ والأرضين ومدبّرِ الكون وَفْقَ رحمته وحكمته سبحانه. روى البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ عليك من يوم أحد؟ قال: "لقيتُ من قومكِ ما لقيت, وكان أشدَّ ما لقيتُ منهم يومُ العقبة, إذ عرضتُ نفسي على ابنِ عبدِ ياليلِ بنِ عبدِ كِلالٍ فلم يجبني إلى ما أردت, فانطلقت وأنا مهموم على وجهي, فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب, -وهو ميقات السيل- (4) فرفعت رأسي, فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني, فنظرتُ فإذا فيها جبريل, فناداني فقال: إن الله قد سمع قولَ قومك لك, وما ردّوا عليك, وقد بعث الله إليك ملكَ الجبال لتأمُرَهُ بما شئتَ فيهم, فناداني مَلَكُ الجبال, فسلّم عليّ, ثم قال: يا محمد, ذلك فما شئت؟ إن شئت أن أطبقَ عليهم الأخشبين" وهما جبلا مكة يحيطان بها, قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بل أرجو أن يُخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبدُ الله عز وجل وحده لا يشركُ به شيئًا" (5).
الله أكبر! هكذا كانت إجابة النبيِّ الرؤوفِ الرحيمِ بأمته, الحليمِ الحكيمِ بإذن ربه. فمع كلِّ ما قابله من تكذيبٍ وتحريشٍ وأذى يقولُ: "بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبدُ الله وحده لا يشرك به شيئًا". لا غرو ولا غرابة فهو الرحمة المهداة (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. وقد استجاب الله دعاءه وكان عند حسن ظن عبده به, سبحانه وبحمده.
الملتجئُ لربه لا يخيب, والمفتقرُ لغناه لا يحتاج لغيره, والمتوكلُ عليه يكفيه عما سواه, والمعتصم به يحفظه ويحوطه. وتأمل لجوءَ نبي الله صلوات الله وسلامه عليه لربه في بدر, وهي أعظمُ معركةٍ في التاريخ بإطلاق, وفيها من ظهورِ التجاءِ نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى رب العالمين, وتعلِّقِه به وضراعته إليه ما يكفي السائرين على سنته والمقتفين أثره.
واعلم إن الفلاحَ بحذافيره منوطٌ بالتوحيد, والهلاكَ بالشرك, ويا نفسُ أخلصي تتخلصي, (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت)
قال ابن الجوزي رحمه الله: "يا مخدوعًا قد فُتن! يا مغرورًا قد غُبِن! من لك إذا سُوّي عليك اللّبن؟
أنت في دار شتاتٍ       فتأهب لشتاتك
واجعل الدنيا كيومٍ     صمته عن شهواتك
وليكن فطرك عند الله     في يوم وفاتك
إخواني! العمر أنفاسٌ تسيرُ بل تطيرُ، والأملُ منامٌ لا تُرى فيه إلا الأحلامُ، هذا سيف الموت قد دنا، هذا الرحيلُ ولا زاد عندنا، انتبهوا من رُقاد الغفلةَ.
أولُ منازلِ الآخرةِ القبرُ، فمن مات فقد حَطَّ رَحْلَ السفر، وسائرُ الورى سائر.
من كان في سجن التّقى فالموت يطلقهُ، ومن كان هائمًا في بوادي الهوى فالموت له حبس يُوثقه.
من كان واثقًا بالسلامة من الجناية فرح بفكّ باب السجن «والدنيا سجن المؤمن» (6).
لما توعّد فرعونُ السحرةَ بالصلبِ أنساهم أملُ لقاءِ الحبيبِ مرارةَ الوعيد ﴿قالوا إنا إلى ربنا منقلبون﴾ يا فرعون! غايةُ ما تفعل تُحرق الخِيم والركب قد سرى ﴿ إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ من لاحت له منًى نسي تعب المَدْرَج.
متى رُفعت لها بالغور نار      وقرّ بذي الأراك لها قرارُ
فكلُّ دمٍ أراق السير منها      بحكم الشوق مطلولٌ جُبارُ(7)
لابد للمحبوب من اختبار المحبّ ﴿ولنبلونكم﴾.
أسلم أبو جندل بن سهيل فقيّدَهُ أبوه، فلما نزل رسول الله ﷺ الحديبيةَ خرج أبو جندلٍ يرسُفُ في قيده، فدخل في الصحابة، فقال سهيلُ: هذا أوَّلُ من أقاضيكَ عليه، فاستغاث أبو جندل: يا معشر المسلمين، أُردُّ إلى المشركين فيفتنوني عن ديني، فقال رسول الله ﷺ: «وإنا لا نغدر بهم» (8) فرُدَّ إليهم، فَقَدَمُه يسعى إليهم، وقلبُه يُجهّزُ جيوشَ الحيل في الخلاص، فخلّصهُ الله.
لما أسلم مصعب بن عميرٍ حبسهُ أهلُه، فأفلت إلى الحبشة، ثم قَدِمَ مكة، فدخل على رسول الله ﷺ، فأرسلت إليه أمه: يا عاقُّ! أتدخل بلدًا أنا فيه ولا تبدأ بي؟ فقال: ما كنتُ لأبدأ بأحدٍ قبلَ رسول الله ﷺ، فأرادت حبسه، فقال: والله لئن حبستني لأحرصنّ على قتل من يتعرّض لي، فتركَتْهُ.
عذّبوا بلالًا فأصرّ على الصبر، فسلّموه إلى صيبانهم في حديدة يصهرونه في حرّ مكة، ويضعون على صدره وقت الرمضاء صخرة، ولسان محبته يقول:
بعينيكَ ما يلقى الفُؤادُ وما لقي        وللشوقِ ما لم يبقَ منّي وما بقي
قَدِمَ الطفيلُ الدّوسيُّ مكة، فقالت له قريشٌ: لا تدنُ من محمد، فإنا نخافُ أن يفتنك، فسدَّ أُذنيه بقطنتين، ثم تفكّر، فقال: والله ما يخفى عليَّ الحَسَنُ من القبيح، فانطلق فسمع من رسول الله ﷺ فأسلم.
قطعتْ قريشٌ لحمَ خبيب، ثم حملوه إلى الجذع ليُصلب، فقالوا: أتُحبُّ أن محمدًا مكانك؟ فقال: والله ما أحبّ أني في أهلي وولدي، وأن محمدًا شِيكَ بشوكة، ثم نادى: وامحمداه! (9).
لما بُعث معاذُ إلى اليمن خرج الرسول ﷺ يُودّعهُ، ودموع معاذٍ ترشُّ طريق الوداع.
كانت الدنيا بمثلهم عَسَلًا، فتعلقمت بمثلنا، خَلَتِ الديار من الأحباب، فلمّا فرغت رُدِمَ الباب".
ولتحذر أيها الملتجئ لربك من مبارزته بالمعاصي في الخلوات, فهي من أسباب الشقاء وذرائع الهلكات, "قال إبراهيم التيمي: كنت كثير التردد إلى المقابر أذكر الموت والبلى, فبينما أنا ذات ليلة بها إذ غلبتني عيناي فنمت, فرأيت قبرًا قد انشقّ, وسمعت قائلًا يقول: خذوا هذه السلسلة فاسلكوها في فيه, وأخرجوها من دبره! وإذا الميت يقول: يا رب ألم أكن أقرأ القرآن, ألم أحج بيتك الحرام؟ وجعل يعدد أفعال البر شيئًا بعد شيء، وإذا قائل يقول: كنت تفعل ذلك ظاهرًا، فإذا خلوت بارزت الله بالمعاصي ولم تراقبه.
وعن عبد الله بن المديني قال: كان لنا صديق فقال: خرجت إلى ضيعتي, فأدركتني صلاة المغرب, فأتيت إلى جنب مقبرة فصليت المغرب قريبًا منها، فبينما أنا جالس إذ سمعت من جانب القبور أنينًا, فدنوت إلى القبر الذي سمعت منه الأنين وهو يقول: آه قد كنت أصوم, قد كنت أصلي, فأصابني قشعريرة، فدعوتُ من حضرني فسمع مثل ما سمعت.
 ومضيت إلى ضيعتي، ورجعت - يعني في اليوم الثاني - وصليت في موضعي الأول, وصبرت حتى غابت الشمس وصليت المغرب, ثم استمعت إلى ذلك القبر, فإذا هو يئن ويقول: آه, قد كنت أصلي, قد كنت أصوم، فرجعت إلى منزلي ومرضت بالحمى شهرين.
وأقول (10): قد وقع لي نظير ذلك، وذلك أني كنت وأنا صغير أتعاهدُ قبرَ والدِي رحمه الله, فخرجت يومًا بعد صلاة الصبح بغلس في رمضان، بل أظن أن ذلك كان في العشر الأخير, بل في ليلة القدر، ولم يكن بالمقبرة أحد غيري، فإذا أنا أسمع التأوه العظيم والأنين الفظيع بآهٍ آهٍ آه, وهكذا بصوت أزعجني مِن قبر مبنيٍّ بالنورة والجُصِّ, فاستمعت فسمعت صوت ذلك العذاب من داخله, وذلك الرجل المعذب يتأوه تأوهًا عظيمًا بحيث يُقلقُ سماعُه القلبَ ويفزعه, فاستمعت إليه زمنًا، فلما وقع الإسفار خفي حسُّه عني، فمر بي إنسان فقلت: قبرُ من هذا؟ قال: هذا قبر فلان, لرجل أدركتُه وأنا صغير، وكان على غايةٍ من ملازمة المسجد والصلواتِ في أوقاتها والصمتِ عن الكلام!
وهذا كلُّه شاهدتُه وعرفته منه, فكبُرَ عليَّ الأمرُ جدًّا لِمَا أعلمُه من أحوالِ الخير التي كان ذلك الرجل متلبّسًا بها في الظاهر، فسألتُ واستقصيت الذين يطّلعون على حقيقة أحواله فأخبروني أنه كان يأكلُ الربا، فإنه كان تاجرًا ثم كبُرَ وبقي معه شيء من الحطام، فلم ترض نفسه أن يأكلَ من جنبه حتى يأتيه الموت, بل سوَلَ له الشيطان محبة المعاملة بالربا حتى لا ينقص مالُه, فأوقعه في ذلك العذاب الأليم حتى في رمضان حتى في ليلة القدر" (11). فلا إله إلا الله ونعوذ به من غضبه وعقابه. اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، والحمد لله رب العالمين.
إبراهيم الدميجي
............................
(1)                        رواه ابن إسحاق (2/419)
(2)                        سيرة ابن هشام 2/420) أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (6/35) قال الهيثمي (6/35): فيه ابن إسحاق، وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الالباني في السلسلة الضعيفة ( 6/489 ) قلت: والحديث وإن كان في سنده كلام لتدليس ابن إسحاق, إلا أن معانيه عظيمة شريفة وتلوح عليه أنوار النبوة بأصدق ابتهال وأخلص دعاء وأجمل معنى.
(3)                        ابن إسحاق (2/421)
(4)                        ويسمى قرن المنازل, وهو ميقات أهل نجد والمشرق, ويسمى حاليّاً: السَّيل.
(5)                        البخاري (3231)
(6)                        رواه مسلم (1763)
(7)                        مطلول: مهدور، جبار: هدر.
(8)                        أحمد (19423)
(9)                        انظر قصته في يوم الرجيع، سيرة ابن هشام 2/172 وهذا النداء من باب الوجد والمحبة، وهو معتاد في لسان العرب، وليس مقصوده الاستغاثة والشرك بحال – وحاشاه -.
(10)                  القائل هو المؤلف، أعني به: ابن حجر الهيتمي رحمه الله.
(11)                  الزواجر عن اقتراف الكبائر, للهيتمي (1/  31 -34) باختصار وتصرف يسير.

الجمعة، 30 أغسطس 2019

المحاسبة والهمّة لطالب العلم


المحاسبة والهمّة لطالب العلم
الحمد لله، وبعد: فمِن سنن الله تعالى في خليقته أن نوّع المدارك، وفضّل في المنائح، ورفع بعض الناس على بعض في أديانهم وعقولهم وأخلاقهم وأرزاقهم، وبثّهم في هذه الدار امتحانًا وابتلاءً. كلٌّ منهم يحرث أيامَه بأعمالِه، ويستبقُ أجلَه مع أنفاسه، حتى إذا بلغ المدى الأخير؛ عادت وديعةُ الروح لصاحبها، ورجعت لخالقها. فإذا أذنَ الله للحساب؛ ابتعث الأجساد وأقام الأشهاد، وجمع الأولين والآخرين.. حينها يكون تأويلُ الكتاب: (يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذٍ لله) (كل نفس بما كسبت رهينة) (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية). وحينها يكونُ الافتراق العظيم في المصير على قدر الافتراق اليوم في التديّن، كما قال سبحانه: (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون. وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فؤلئك في العذاب محضرون). فلا إله إلا الله حقًّا وصدقًا وتعبّدًا ورقًّا.
فبما أنّ الأمر بهذا الخطرِ أخا الإيمان؛ فقد وجب على كل ناصح لنفسه أن يُراجع صادقًا مسيرته، ويُسارع لإصلاح سريرته، ويحاسب نفسه قبل الفوات؛ كي يستعتب في دار المهلة ويؤوب قبل ألا تحين مناص. (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب وقالوا ءامنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد)، (فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون . لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون. قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين . فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين).
يُذَكِّرُنِي حامِيمَ والرُّمحُ شاجرٌ ... فهَلّا تلا حامِيمَ قبلَ التقدُّمِ
ومن فروع تلك المحاسبة: ألا يكتفي بإحسان النية دون إحسان الاتّباع، فرُكنا قبول العمل: الإخلاص والاتّباع. ولا يكفي شرطٌ عن مُكَمّله، فلا بد من تحقيق الشهادة الأولى بتجريد النية وإخلاص العمل وتوجيه الوجه للواحد الأحد لا شريك له، ثم بتحقيق الشهادة الثانية بإحسان الائتساء بمن لَهَجَ له بالشهادة بالرسالة صلوات الله عليه وسلامه وبركاته، وهو القائل -بأبي هو وأمي ونفسي وولدي -فيما رواه الشيخان: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ". أي مردود غير مقبول، وكفى به عن الإحداث زاجرًا. فقل لمن لم يُخلص: لا تتعب! وقل لمن لم يتّبع لا تَجْهَد، (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعما عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا).
فمن صِدق المحاسبة: العنايةُ القصوى بتعظيم سنة رسول الهدى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه بالجَنَان واللسان والأركان، وعدمُ تقديمِ قول بشر عليها بالغًا قدره ما بلغ، والاعتذار لأهل العلم إن أخطأوا مع ترك متابعتهم، وعدم التشغيب عليهم أو الشماتة أو التنفير أو سوء الظن. واحذر مخالفة منهم أعلم منك ببداهة رأيك، وبخاصة إن تتابع كثير من العلماء على القول به.
واطلب العلم تفز، فإن الله يحب طلاب العلم المخلصين (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) واعلم أنّ مفتاحَ العلمِ الشَّغَفُ.
أصبرْ على مضضِ الإدلاجِ بالسَّحرِ ... وبالرَّواحِ على الحاجات والبُكَرِ
إنّي رأيتُ وفي الأيامِ تجربة ... للصبرِ عاقبةٌ محمودةُ الأثرِ
وقَلّ مَنْ جَدّ في أمرٍ يُطالبه ... واستصحب الصبرَ إلا فازَ بالظّفَرِ
قال الجنيد رحمه الله: "ما طلب أحدٌ شيئًا بجدّ وصدق إلا ناله، فإن لم ينله كلّه نال بعضه". وقيل للبخاري: بم أدركت العلم؟ فقال: "بالمصباحِ، والجلوسِ إلى الصباح".
ومن ثمراتِ المحاسبة: اعتزالُ من تضرّكَ خلطته. فاحذر مصاحبة بعض النفوس التي لا تستطيع العيش والتنفس إلا في أجواء التفرّق والشقاق وانتشار الضغائن، فهي كدغاليب المستنقعات، يغذّيها الكدر، ويقتلها النقاء والصفاء، لا تصحبنّ أولئك فالمصاحبة ذريعة المُشاكلة. ومن خالط الناس وصبر على أذاهم لنفعهم فهو أفضل وأولى، أما من خاف على دينه وفي الناس كفاية عنه فالعزلة أحتم، والعافية لا يعدلها شيء. وليس أروحُ من أنفاسٍ لا تخالطها معصية. واعلم أنّ شيطان الإنسِ أشدُّ فتكًا بالدين من شيطان الجن، وتأمّل تقديم ذكره في الشيطنة في عداوته الأنبياء وأتباعهم: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن).
ولا تصحب شرّ الناس ذا الوجهين، فيأتيك بوجه ويُدبرُ بآخر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تجدون شرَّ الناس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجهٍ، وهؤلاء بوجه".
ومَنْ أطعمكَ دنياه ليطعَم من دينك؛ فألقِ دنياه في وجهه، وانفُذ بعافيتك، فدِينك دَينك لا تثلمنّه، ورأس مالك هو الإيمان ولتحقيقه خُلقت. وقد قال حذيفة رضي الله عنه: "إياك والتلوّنَ في دين الله، فإنّ دينَ الله واحد". وأوصى الإمام الشافعي تلميذه الربيع رحمهما الله تعالى فقال: "مَن أحب أن يَفتح اللهُ قلبَه ويرزقه العلم؛ فعليه بالخلوةِ، وقلة الأكل، وتركِ مخالطة السفهاء وبعضِ أهل العلم الذين ليس معهم إنصاف ولا أدب".
والصاحبُ ساحبٌ إما للحق والهدى وإما للشر والردى، ومَن زعم أنه لا يتأثر بجليسه فهو مكابر أو مخدوع، فالطِّباع سَرَّاقةٌ، والنفس الإنسانية بطبعها مجبولة على التأثّرِ بالصحبة. ومن الأصحاب ذبابُ طمعٍ فلا تنخدع بهم ولا تحفل بقربهم. كما قال الأول:
وكان بنو عمّي يقولون مرحبًا  ...  فلمّا رأوني مُعْدمًا مات مرحبُ
والمحبةُ النافعة هي ما كانت لله، وفي الله، وعلى طاعة الله، وفي مرضاته، وما سواها للزوال، بل للوبال. فليكُن ثوبُك نقيًّا من لوثات الهوى، وصحيفتُك بيضاء بطيب عملك.
واسأل ربك الحكمة، فمن أوتيها فقد أوتي خيرًا كثيرًا، فكن حكيمًا هادئًا لا طائشًا متسرّعًا، واحذر أمَّ الندامات: العجلة. وقد أخطأ العجولُ أو كاد، وأصاب المتأنّي أو كاد، وربّ عجلةٍ تُعقِبُ ريثًا. وإن أُعجبتَ برأيك فلا تستعجل قرارَك، وعليك بالتؤدة؛ فقلّما تروّى عاقلٌ فندِم، وكم من حكمةِ ذي رأيٍ تاهت في غَمَرَات العجلة.
وإذا تشاجرَ في فؤادك مرّةً ...  أمرانِ فاعمد للأعفِّ الأجملِ
وإذا هممتَ بأمرِ سوءٍ فاتئدْ ...  وإذا هممتَ بأمرِ خيرٍ فاعجلِ
وفي أمورك الكبار لا تعجل باتخاذِ قرارك، بل شاور الأقوياءَ الأمناء، ثم استخر رب الأرض والسماء، فكم من اختيار يُبنى عليه عمرٌ ومصيرٌ، وربَّ لحظةٍ انبثق منها زمانٌ مختلف. فإذا استبان لك طريقُك، وأضاءت بصيرتُك؛ فاعزم عزم الرجال واحزم أمرك حزم الكرام، (فإذا عزمت فتوكل على الله) ثم بادِرْ على مَهْلٍ، ولا تندم على أمرٍ مضيت فيه بعد استخارتك علّامَ الغيوب، واعلم أنّ الخِيرة قد يتأخّر إدراكُها. (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون).
وكم رمتُ أمرًا خِرْتَ لي في انصرافِه   ...   وما زلتَ بي مِنِّي أبرَّ وأرحما
وإياكَ والتّردّد، فإنّه عيبٌ في الرجل، وخَوَرٌ في العزم، بل افعل ما يلزمك أن تفعله، وليكن بعد ذلك ما يكون!
إذا كنتَ ذا رأيٍ فكُنْ ذا عزيمةٍ ...  فإنّ فسادَ الرأيِ أن تَتردّدا
وإنّ من أقوى مخلوقات الله - فاعلم - هِمّةُ الإنسان إن صاحبها عزمٌ وثباتٌ ويقين. فلا تعجل، فكلّ شيء بحساب ومقدار. وفي كلّ معركة -حسيّة كانت أو معنوية -يتبقى هناك خندقٌ أخير، يجتازه المنتصرُ ويُدفن فيه المهزوم، فهل حصّنت خندق إيمانك من عدوّك الرجيم!
واعلم أنّ اتِّبَاعَ العاطفة كثيرًا ما يعقبه الندمُ، فاتْبَعْ علمَك وعقلَك ففيهما الحكمة، أمّا قلبك فأخّره قليلًا، فعاطفتي الشهوةِ والغضبِ عمياوان، وناصحُ العقل خيرٌ من ناصح القلب. فالنفس تُملِي وتتمنّى، وتُزيّنُ وتُسوّل، وتُبدّل وتتأوّل، والعقلُ واعظٌ ناصحٌ عليمٌ مشفقٌ حكيمٌ، والقلب بينهما حرونٌ متقلب، حتى يطمئن في فردوس الإيمان. قال ابن مسعود رضي الله عنه: "رأسُ الحكمةٍ مخافةُ الله". فمن خاف الله؛ خافَهُ كلُّ عدو، ونزل عليه كلُّ توفيق، واعلم أنّ مصيرك غدًا – بإذن الله -هو قرارُك اليوم.
إذا هبّتْ رياحُكَ فاغتنمها   ... فإنّ لكلّ خافقةٍ سُكونُ
وإن درّتْ نياقُكَ فاحتلبها   ...  فما تدري الفصيلُ لمن يكونُ
وعليك عليك بوقودِ الآخرة وهو الإيمانُ والعملُ الصالح، واعلم أنَّ الأملَ وقودُ الصابرين، والشوقَ وقودُ المحبين، والرجاءَ وقودُ العاملين، والخوفَ وقودُ الهاربين. وكلُّ شيءٍ تخافه ففرّ منه سوى الله: (ففروا إلى الله) وكلُّ شيء يُحَبُّ لغيره خلا الله؛ فإنه يُحَبُّ لذاته، وكلُّ فوزٍ زائلٌ حاشا الفوزَ بالجنة: (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور). ومهما كثُرتِ الحِكَم فلن تجد كهذه الثلاثية الربانية الفريدة: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه).
واعلم أنّ الموفق هو من وَرَدَ مناهلَ الحكمة من أهلها، وقَدَحَها من معادنها، وتأمّلْ وصية علي رضي الله عنه لصاحبه كُميل بن زياد النخعي، - ويكأنّما يصفُ عليٌّ حال الَ الناس اليوم - قال كُميل: أخذ بيدي علي بن أبي طالب فأخرجني إلى ناحية الجُبّانة، فلمّا أصحر تنفّس ثم قال: "يا كُميل، إنّ هذه القلوب أوعية، فخيرُها أوعاها، احفظ عني ما أقول لك: الناسُ ثلاثة: عالمٌ ربّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع أتباعُ كلِّ ناعقٍ، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركنٍ وثيق. يا كُميل: العلمُ خيرٌ من المال، العلمُ يحرسك، وأنتَ تحرس المال، والعلمُ يزكوا على العمل، والمالُ تنقصه النفقة. يا كميل: محبةُ العالِم دِينٌ يُدانُ بها، العلم يُكسِبُ العالِم الطاعة لربه في حياته، وجميلَ الأحدوثةِ بعد وفاته، وصنيعةَ المال تزولُ بزواله، والعلمُ حاكِمٌ، والمالُ محكومٌ عليه.
يا كُميل: مات خُزّانُ الأموال وهم أحياء، والعلماءُ باقون ما بقي الدهر، أعيانُهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة.. إلى أن قال: لا تخلُ الأرضُ من قائمٍ لله بحُجّة، إمّا ظاهرٌ مشهور، وإما خائفٌ مغمور، لئلّا تبطُلَ حُجَجُ الله وبيّناتُه، وكم وأين أولئك، أولئك هم الأقلّون عددًا، الأعظمون عند الله قدرًا، بهم يدفع اللهُ عن حججِه حتى يؤدوها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هَجَمَ بهم العلمُ على حقيقةِ الأمر، فباشروا روحَ اليقين، واستسهلوا ما استوعرَ منه المُترفون، وأنِسُوا بما استوحش منه الجاهلون، صحِبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحُها معلّقة بالنظر الأعلى". انتهى كلامه رضي الله عنه.
ويا طالب العلم: لا تتشعبنّ بك سُبُلُ الطلب، فسيّدُ العلوم كلها هو القرآن العظيم حفظًا وتفسيرًا وتدبّرًا وعملًا ودعوة. وكلّ الطرق الصحيحة لطلب العلم تبدأ وتنتهي بالقرآن العظيم، قال ابن مسعود رضي الله عنه: "من أراد العلم؛ فليثوّر القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين". وربُّ العزة والجلال يقول: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) وتدبّر: (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) بلى وعزَّتِك. فالموفق المُريد نهضة أمته لا تتشعب به طرق النهوض بالأمة، بل يختصر طريق إصلاحها بالرجوع للينبوع التالد الأصيل القرآن المجيد. ومن ذلك أنّ كلّ أدوات مدافعة النفاق والشرك والكفر والتغريب وغيرها من الشر موجودة بالتفصيل في القرآن العظيم، فعُد إليه وحرّك كنوزه وفُز بنفيس ذخائره، (وبشر الصابرين).
وإن أردت أن تعرف حقيقة اليهود فقد بسطها الله تعالى لك في مئة وسبع آيات من سورة البقرة ابتداءً من الآية الأربعين، فهي أُمّةٌ غريبةٌ أطوارُها، غليظةٌ أكبادُها، متينٌ كفرُها. وفي سورة البقرة فضيحة اليهود، وفي سورة المائدة فضيحة النصارى، وفي سورة التوبة فضيحة المنافقين. ثمّ في بقية سور القرآن مزيدٌ للثلاث طوائف: الغضبُ والضلال والفسق، فإذا اجتنبت صفاتَ اليهود وصفاتَ النصارى وصفات المنافقين؛ فقد اجتنبت الشر كله. ولقد فصّل الله تعالى صفاتهم كي نجتنَّبَها فنكونَ من الحنفاء المرضيين. ومن توضيح الواضحات أنّ عداء الرافضة واليهود والنصارى والمشركين لأهل الإسلام لا يزال ما بقي على الأرض مسلم، لكن معاملتهم تختلف بحسب الأحوال.
ومن حكمة الوالد والمربي والعالِم أن يحرص على تلقين القرآن طلابَه ومُتَربّيه، فعلِّمْهُم القرآنَ والقرآنُ سيعلّمهم كل خير.
واعلم أنّ العقل البشري فيه عجيبةٌ، فإنك إن شُغفتَ بأمرٍ ووليت وجهك ونباهتك ووقتك إليه؛ نشط نشاطًا مُضاعفًا وأدهشك بقوّته وصفاءه، وهنيئًا لمن كان في الله ولله.
لقد ركّب الله فيك أيها الإنسان طاقاتٍ هائلة كامنة تنتظر منك تحديدَ أيّ هدف مشروعٍ تريده، فكن واضح الهدف، حَسَنَ التخطيط لبلوغه، متحلّيًا بالجديّة والانضباط، مع ثقة بالله، وتوكلٍ عليه، واستعانةٍ به، ثم إرادةٍ عازمة، ثم انطلق، فكلُّ من وصل ليس لديه شيء زائد عنك. فآلةُ العلم وحدها ليست كافية، بل الصمصامة محتاجة لذراع عمرو:
وما تَنفَعُ الخَيلُ الكِرامُ وَلا القَنا ...  إِذا لم يَكُن فَوقَ الكِرامِ كِرامُ
إبراهيم الدميجي


الاثنين، 22 يوليو 2019

رُباعيةُ الفَلاحِ


رُباعيةُ الفَلاحِ
الحمد لله وبعد؛ فإن نعمة الذكاء قدر زائد على نعمة العقل، فالعقل هو إدراك المجملات وغالب التفصيلات ونوع نفوذ لحقائقها، فيجمع المتماثلات ويُفرّق المختلفات، ويدرك المآلات إجمالًا، أما الذكاء فهو نفوذ خاص في حقائق المشكلات، وجمع شامل للمُتَشتِّتات، وتحليل يفضي به لحلّ المعضلات، وربط وتحليل وحفظ وإبداع وإنشاء وسبق في نوع أو أنواع من الأفكار والأحداث ونحو ذلك. لذا كانت النعمة به أخص على من شاء الكريم إكرامه به ابتداء وابتلاءه وتكليفه وامتحانه انتهاءً، فالذكاء مفتقر لزكاء، وكلاهما مفتقر لتوفيق الله تعالى، فالذكاء بلا زكاء وبالٌ وخيبة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وعليه؛ فإنّ رباعية الفلاح – فاعلم – هي: سلامة القلب، وقوّة الإرادة، وصحّة العلم والذكاء. فسلامة القلب وقوة الإرادة وصحّة العلم عليها المعوّل بإذن الله تعالى، أما العقل فيكفي في مناط تكليفه تمييز الخير من الشر. فالقلب هو موضع نظر الرب جل وعلا، فأهمّ المهمات صلاحُه وطيبه ونقاء موارده حتى يكون نقيًّا طاهرًا طيّبًا، تعينُه بإذن ربه إرادةٌ قويّة حازمة صابرة، لا تلين قناتها لشدائد البلايا وكبريات الرزايا، بل تزيدها قوةً ومضاء وعزمًا، والطريق الموصل إلى رضوان الله تعالى مفتقر لعلم صحيح يضيء الطريق لنفوذ البصيرة وأنّى ذلك إلا بالوحي المنزل وعلى قدر العلم النافع كمًّا وكيفًا تكون الرفعة وعلو المراتب بإذن الله، فإن ساعد على ذلك ساعدُ ذكاء وحِدّةُ نباهة وجودة ذهن؛ كان المُرتقى العظيم الجليل إلى الله تبارك وتعالى بإذنه ولطفه ورحمته.
وبحمد الله تبارك وتعالى فلم يجعل الله الذكاء شرطًا لرضاه وجنته، إنما علّقه على القلب السليم، فقال سبحانه: (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم)، فالقلب لا عذر لأحد في بذل وسعه لسلامته لتعلّق المصير المحتوم بذلك، ولكن يحتاج المؤمن لجرعات أرادة حازمة لتطهير ذلك القلب، فالقلب هو الوعاء القُرباني للإله العظيم سبحانه، والإرادة هي الطاقة المُحرّكة والعاملة والحاملة لهذا الوعاء العجيب، أما العلم فهو النور المضيء لجهات بقعة الابتلاء لهذا الإنسان، فيضيء له سبيله الموصل – إن سلكه وثبت عليه – لجنات النعيم، وليس هذا الضياء سوى الوحي المقدّس المنزل، لهذا بعث الله الرسل وأنزل الكتب، ولكن لا تمييز للمرء بدون عقل يسمح له بالمعرفة للحال والمآل والخير والشر على الإجمال، وحسن التصور لما حوله وما مضى وما يستقبل، ويمكّنه من التعامل مع جوارحه الحسية والمعنوية حتى تكون القيادة له والسيطرة لديه، وهذا القدر من العقل هو القدر الكافي لحمل الأمانة وهو المناط للتكليف، أما ما زاد عليه فهو الذكاء، والذكاء مراتب عديدة وأنواع متشعّبة، ويزيد حساب التكليف مع زيادة حدّته وقوّته.
 لذلك فالذكاء سلاح ذو حدين فليس كله خير، فإن استعمله في طاعة الله قدر وسعه فهو معراج هائل سريع لنيل القربات العظيمة، لأنه ينفذ به لكوامن العلوم ويحلق به في سماوات المعارف ويحصل به فوائد غيوث الوحي، فيحفظ الكتاب والسنة ويغوص في معانيهما ويربط بينها ويحلل العُقد ويجمع الأشتات ويفرّق بين ما فرّقته الشريعة، ويجمع بين ما ماثلَتهُ حقيقة وإن اختلف ظاهرًا، ويقارن بين كلام العلماء فيعرف مناطات اختلافهم ومسائل إجماعهم ويستوعب ذلك بما أمدّه الله بذكائه،ويتأمل في النفس والآفاق والأحداث فيخرج بتصور نافذ سليم بحقيقتها، ويحيل زبدة هذا العلم لقلبه الطاهر السليم، ويستعين بإرادته الصابرة الشديدة للعمل به في نفسه أوّلًا ثم بنشره ونفع الناس به، هناك يكون – بلطف الله تعالى – من أهل العلم النافع والعمل الصالح، وممن رفعهم الله تعالى، (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات).
ولكنّ الذكاء الثاقب بالمقابل باب كبير مشرع على مفاتن الدنيا التي تلوح وتتزين للأذكياء ولا يراها البسطاء، لأن حقيقة الذكاء أنه نفوذ الإدراك للأشياء كما هي، وعلى قدر الذكاء يكون النفوذ الإدراكي كمًّا بإدراك الأمور البعيدة والخارجة عن المألوفات المعتادة وكيفًا عن طريق النفوذ لتفاصيل التفاصيل مما هو قريب جدًّا حتى غاب بقربه عن إدراك العامّة. فكثير من موارد وساوس الشيطان الخفية سببها ذكاء لم يوفّق صاحبه لاستعماله في مرضاة ربه، فعاد عليه خيبة ووبالًا.
وبالجملة؛ فالذكاء يكون خيرًا للمرء إذا كانت طهارة قلبه وقوّة إرادته مساوية له أو أكبر منه، لأن نفوذه لإدراك الأشياء يكون دومًا محروسًا بقلب طاهر وإرادة صلبة، فهنا تكون حدة الذكاء وقوته وقودًا هائلًا ممتعًا مريحًا يطوي المكان والزمان بثاقب بصيرته، ويرفع الهمة عاليًا لأسقف السماوات بنفوذ إدراكه، لأنه حينها يستعمل العلم ويستفيد منه خير الفوائد، ويُسخّر علومَ دنياه لخدمة آخرته، فيحصّل النفوذ في جواهر العلوم الربانية بالقرآن العظيم، والضياء الرسالي بالسنة المحمدية، فتنكشف له غوامض العلوم المنغلقة على غيره لا لعدمها ولكن لتشابهها أو تفرّقها أو نسيانها أو كثرتها ونحو ذلك، ولكن البرّ الرحيم جمع له الله قلبًا طيبًا سليمًا، وإرادة رجولية صلبة، وعلمًا من الوحي صافيًا من أكدار الأهواء وأخلاطِ العلوم الأرضية الزائفة، وذكاء نافذًا لجواهر المعاني دون الانتظار طويلًا على عتبات الرسوم والشكليات. ومن أمثلة أولئك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ولا أزكي على الله أحدًا.
والمقصود؛ هو أن المؤمن المريد للفلاح لا يستغني عن الصبر، فالصبر هو المُعيلُ – بإذن الله – للإرادة، ومن لا صبر له فإرادته ضعيفة غير مستحقة لنيل معالي الأمور، ولكن إن قوّى الله صبر المرء قويت على إثره إرادته، فاستطاع – بتوفيق الله له – أن يطهّر قلبه من أدران الخطايا ومشوشات البصيرة، ثم استعمل صبره في تحصيل العلوم النافعة لدينه، المغذّية لإيمانه، العائدة عليه بحلاوة العبادة ولذة المعرفة، ثم حرس قلبه وعقله وإرادته بصبره لله ما دام قلبه يخفق خفقات الابتلاء في دار الابتلاء، والله المستعان.     
إن المؤمن حين ينبض فؤاده بمعاني الدين ومقامات الإسلام؛ فنبضه محتاج لجرعات صبر من لدن رب العالمين سبحانه، فهو مضطر إلى الاصطبار لحمل نفسه الإمارة على أحكام التنزيل العزيز، وهو مفتقر إلى كل معاني الصبر أيضًا حينما يسير على خُطا المرسلين حين تنطمس سبلهم وتندرس خطاهم تحت ركام حظوظ دَنايا النفوس وحطام فراغ الرؤوس، فرغبوا العاجلة الفانية دون الآخرة الباقية.
فالمؤمن الموفّق هو من يتحصن بجُنة الصبر عند ادلهامّ الملمّات وانصباب الكُربات، وحينما يرى ببصره وبصيرته أكثرَ الناس قد استبدلوا بالتوحيد شركًا وباليقين شكًّا؛ فإنه يضع كفَّهُ على نابض قلبه صاعدًا ببصره إلى سماء الله الفسيحة يتلو مثاني الصبر والشكر في كتاب ربه، ضارعًا إلى إلهه بكل رُوحه وجوارحه ونفسه وكيانه أن يُفرغ على قلبه القُلَّبِ صبرًا يُثبِّتُه حين تزيغُ أقدام الإقدام عن مراضي الملك العلام. ويا رب هل إلّا عليك المعوّل.
إبراهيم الدميجي


الثلاثاء، 16 يوليو 2019

عبرٌ من أصحاب الأخدود


عبرٌ من أصحاب الأخدود
الحمد لله وبعد؛ فعليك أيها الداعي لسبيل ربك – ولا بد أن نكون جميعًا كذلك – عليك بجادة الصابرين، محسني الظنِّ بلطفِ ربهم، ولا تلتفت لكل مثبّط أو حاسدٍ أو عدو: (فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) فالله حق ووعده حق ونصره حق ولقاؤه يوم القيامة حق، فاصبر على الحق تكن من أهله، والله المستعان، (فاصبر صبرا جميلا إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا).
 ولا تنس – إن نسيتَ – احتساب الأجر عند ربك، فما عند الله الغني الكريم البرِّ الشكور خيرٌ وأبقى لك مما عند خلقه الفانينَ الضعفاءِ الفقراء. وكلُّ عمل تعملُه لله محتسبًا أجره وذخره فستلقاه مغتبطًا به ما دمت مخلصًا متبعًا صابرًا، ولَنِعمَ الذخيرة تلك الذخيرة ولنعم الكنز ذلك الكنز!
وائتس في جميع ما يصيبك بنبيك صلى الله عليه وسلم، فعن جندب بن سفيان رضي الله عنه قال: "دُميت إصبعُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض تلك المشاهد فقال:
هل أنت إلا إصبعٌ دُميتِ  ... وفي سبيل الله ما لقيتِ
فلكل مصلح: امض لسبيلك متوكلًا على ربك مستنّا بنبيك ﷺ متأملًا هذا البيان الحاسم من رب العالمين: (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد).
وليتدبّرِ الداعيةُ الموفقُ قصةَ أصحابِ الأخدودِ وما فيها من أنواع الصبر والمصابرة في ذات الله تعالى سواءً من الغلامِ أو الراهب أو المؤمنين حتى نساءَهم، لقد استحقت تلك القصةُ العظيمةُ الخلودَ في محكم تنزيل رب العالمين: (وما نقموا منهم إلا إن يؤمنوا بالله العزيز الحميد . الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد) فلا تخفى عليه خافيةٌ مهما دقّت أو جلّت، فهو شهيدٌ على المؤمنين الصابرين، حافظٌ لصبرهم في ذاته المقدسةِ العليّة، فصَبَرُوا أرواحهم قربانًا لوجهه سبحانه وبحمده، وشهيدٌ على الكافرين وطغيانهم وظلمهم وكفرهم. ومع شناعةِ جرمهم وفداحةِ ظلمهم وغليظِ كفرهم إلا أنّ الرحمنَ قد أشرعَ لهم بابَ التوبة على مصراعيه بقوله الأعزِ الأكرمِ الألطفِ: (ثم لم يتوبوا) فلا إله إلا الله ما أعظم حلم الله وأسبغَ رحمته وأوسع فضله.
وقد فصّل حبيبُنا صلى الله عليه وسلم قصةَ أصحاب الأخدود، فقد روى مسلم بسنده عن صهيب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "كان ملِكٌ فيمن كان قبلكم، وكان له ساحرٌ، فلما كبر قال للملك: إني قد كبُرتُ، فابعث إليّ غلاما أعلمه السحر؛ فبعث إليه غلامًا يعلمه.
 وكان في طريقه إذا سلك راهبٌ فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتى الساحر، مرّ بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر، فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك، فقل: حبسني الساحر، فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرًا، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحبّ إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضيَ الناس، فرماها فقتلها ومضى الناس.
 فأتى الراهب فأخبره. فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستُبتلى فإن ابتليتَ فلا تدلَّ عليّ.
 وكان الغلام يُبرىء الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء. فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما ها هنا لك أجمع إن أنت شفيتني. فقال: إني لا أشفي أحدًا إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت بالله تعالى دعوت الله فشفاك - وهذه رسالة لكل طبيب لأدواء الأرواح أو الأجساد أن يعلّقَ العباد بربهم لا بعلمه وخبرته وطبّه، فهو مجرد سبب قد يتخلف لذاته أو لمانعٍ خارجٍ عنه، أما الشافي في الحقيقةِ فهو اللهُ وحدَه، قال إمام الحنفاءِ عليه السلام: (وإذا مرضت فهو يشفين). – قال: فآمن بالله تعالى فشفاه الله تعالى، فأتى الملِك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من ردّ عليك بصرك؟ قال: ربي، قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله. فأخذه فلم يزل يعذبَهُ حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني، قد بلغ من سحرك ما تبرىء الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل! فقال: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله تعالى. فأخذه فلم يزل يعذّبه حتى دلّ على الراهب.
 فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقّه حتى وقع شقّاه! - وتأمل كيف هرب هذا الراهب الصالحُ من الابتلاء فلحقه الابتلاء، وإنما يُبتلى المرءُ على قدر دِينه، والقدرُ لا مهرب منه، ولعلهُ خيرٌ له أن بلّغهُ منزلةَ الشهادةِ العظيمة، وأخرجه من سجن الدنيا لفسحة الجنان وجوار الرحمن جل جلاله بإذن الله تعالى ورحمته. وفيه الصبرُ العظيم لهذا الرجلِ، فلم يعطهم مرادَهم، بل صبر حتى قتلوه في الله ولله وإلى الله، ولا إله إلا الله. – قال: ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فوُضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقّاه! - وتأمل كيف يفعلُ الإيمانُ المفعمُ باليقين والنصحِ فعلَهُ في قلوب الخلق، ويشبه هذان الصالحان سحرةَ فرعونَ الذين كانوا في بكرة النهار سحرة أشقياء وفي عشيته بررة شهداء. وتأمل حال صحابة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم كيف قاموا لله تعالى تلك المقامات المشهودة والمجاهدات المشهورة بعد أن بلغ الإيمانُ حُشاشةَ قلوبِهم فصفّى كدَرَها وشدّ ضعفها وبلَغَ بها مبلغ أكرمَ الخلق على الله تعالى بعد الأنبياء والمرسلين.
وهكذا يفعلُ الأبطالُ إذ صدقوا    وهكذا يعصفُ التوحيدُ بالوثنِ
فعلى المؤمن أن يثبُتَ على الحق، وأن يقومَ فيه لله تعالى لا يخشى فيه لومةَ لائم – قال: ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذُروته - أي قِمّته - فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه. فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم أكفنيهم بما شئت - وفيه غاية التوكل والتفويض وإخلاص الاستنصار بالله تعالى.- قال: فرجف بهم الجبل فسقطوا. - (أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) فهو مجيب لدعوةِ المضطرِ مطلقًا، فكيف بوليّه الداعي إليه المُبتلَى في ذاته لإعلاء كلمته؟! (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فمال من هاد) (إن الله يدافع عن الذين آمنوا)-. قال: وجاء يمشي إلى الملك – وتأمل رحمك الله ثقة الغلام بوعد الله تعالى ومعيّته وتأييده، فلم يهرب ويختبئ، بل عاد ليدعو ذلك الملِكَ الظالمَ الضالَّ لعلمه أن في هداية الله له نفعًا عامًّا لرعيته بدخولهم في دين الله تعالى-. قال: فقال له الملِك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى - (وكفى بالله وليًّا وكفى بالله نصيرًا)
إنَّ المصائب ما تخطَّتْ دِينهُ ... نِعمٌ وإن صعُبتْ عليهِ قليلا
واللهُ ليسَ بغافلٍ عن أمرهِ ... وكفى بربّك ناصرًا وكفيلا
 قال: فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قُرقُور – أي سفينةً صغيرة - وتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه. فذهبوا به، فقال: اللهم أكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا.
 وجاء يمشي إلى الملك. فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى. فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: بسم الله رب الغلام ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني - وفيه نقضٌ لدين هذا الملكِ الطاغوت، فقد جعل ذلك الغلامُ الفذُّ الملكَ يهدمُ الشركَ الذي بناه في قلوب الناس بهذا الفداء العظيم من هذا الشهيد الشاب – قال: فجَمَع الناسَ في صعيد واحد، وصلَبَه على جذع، ثم أخذ سهمًا من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع في صدغه، فوضع يده في صدغه فمات، - والصدغ هو ما بين العين والأُذن، وقد وضع يده عليه لتألُّمِهِ قبل وفاته رحمه الله تعالى، وبحمدِ الله فليسَ ألمُ القتل في سبيل الله شديدًا مهما كانت طريقته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يجد الشهيدُ من مسّ القتل إلا كما يجد أحدُكم من مسِّ القرصة" رواه الترمذي وصححه. قال: فقال الناس: آمنا برب الغلام! فأُتي الملك فقيل له: أرأيتَ ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس. - وهنا نصرُ اللهِ المؤزرُ لدعوةِ ذلك الغلام الصالح، وفيه أن الداعي إلى الله تعالى قد لا يُمهَلُ حتى يرى ثمار دعوته الطاهرة، بل قد يَسقي اللهُ تعالى بَذْرَتَه فلا تنمو وتثمرُ إلا بعد رحيله عن الدنيا إلى ربه تعالى، وهذا الأمرُ واردٌ حتى على الرسل الكرام، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عُرضت عليّ الأممُ، فرأيتُ النبيَّ ومعه الرهيط، والنبيَّ ومعه الرجلُ والرجلان، والنبيَّ ليس معه أحد". متفق عليه. وتأمل قصةَ أصحابِ القرية في سورة (يس) كيف أرسل الله لهم ثلاثةَ رسلٍ، فكفروا بهم حتى أرسل الله عليهم الصيحةَ فأهلكتهم، ولم يذكرِ اللهُ تعالى أن قد آمن لهم سوى رجلٍ واحد!
قال: فَأَمَرَ بالأخدود بأفواه السكك فخُدّت وأَضرَمَ فيها النيرانَ، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها، ففعلوا. حتى جاءت امرأةٌ ومعها صبيٌّ لها، فتقاعست – أي جبُنت وتردّدت -أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أُمَّهْ اصبري فإنك على الحق!".
ولست أُبالي حين أُقتَلُ مسلمًا   ..  على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ  ... يبارك على أوصالِ شِلْوٍ ممزّعِ
وبعد؛ ففي هذه القصة الهائلة بيانُ الصبر العظيم لذلك الراهب التقي الصالح، وكذلك جليسِ الملك الموفّق الصابر، والغلامِ الشهيد الناصح، فهو شيخُ الغلمان بحق، وهو الداعيةُ الصغير في سِنِّهِ، الكبيرُ في إيمانه وعمله ودعوته وشهادته وتخليد ذكره، فلم يَرُدّ هؤلاءِ الشهداءِ تهديدُ الطاغوت وأعوانِه، ولا قتلُهُم لهم هذه القَتْلات الشنيعة عن دينهم، فرحمهم الله وألحقنا بهم في الصالحين غيرَ خزايا ولا ندامى هو مولانا ومولاهم ونعم المولى ونعم النصير. وإنما تُعمر الديار ويُدفع البلاء بأمثالهم، بدعائهم وابتهالهم وصلاحهم ودعوتِهمُ العبادَ لسبيل الله تعالى.
وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء وأمثالَهم لأمته لتعلمَ الأمةُ أنَّ من عباد الله من يرجونه لا يرغبون لغيره، ويخافونَه لا يخشون سواه، وأن الله قد اختارهم وربّاهم واصطفاهم لحمل شدائد دينه في الدنيا ثم لنيل رضوانه وأجره في العُقبى.
وبنحو خبرهم جاءت الأخبار، فلا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، فعن أبي عبد الله خبّابِ بن الأَرَتّ رضي الله عنه، قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدةً، فقلنا: ألا تستنصرْ لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان مَن قبلكم يؤخذُ الرجلُ فيحفرُ له في الأرض فيجعلُ فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصدُه ذلك عن دينه! والله ليُتمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرموت لا يخافُ إلا اللهَ والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون". رواه البخاري.
فالإنسانُ عجولٌ بطبعه، وغريزةُ العجلة جِبِلّةٌ لا يسلمُ منها إلا القليلُ، قال عنه خالقُه ومسوّيه: (خُلق الإنسان من عجل) وقال: (وكان الإنسان عجولًا).
ولكنَّ هذه الجبلّةَ العجولَ ليست بعذر في ترك التأنّي، فلقد أصاب المتأني أو كاد، وأخطأ المتعجّلُ أو كاد، والعجلة أمُّ الندامة، إنما المقصود بيانُ أنَّ هذه الغريزةَ النفسانيةَ محتاجةٌ إلى مصابرةٍ حتى تكونَ منقادةٌ لخُلُقِ الأناةِ وعقلِ الرزانة. وقد بشّر صلى الله عليه وسلم أشجَّ عبد القيس بمحبة الله تعالى لأناته وحلمه، وأنه قد جبله عليهما، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: "إن فيك خَصلتين يحبُّهما الله: الحلمُ والأناة". رواه مسلم.
إنّ دين الله منصورٌ لا محالة، فليس على الدين خوفٌ حتى وإن تقلص في ناحية أو ضعُفَ تديّنُ الناسِ في أخرى، فاللهُ ناصرٌ دينَه ومتمُ نورِه ومظهرٌ سنةَ نبيه صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه: (والله متم نوره ولو كره الكافرون . هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون). فلا خوفٌ على السفينة، إنّما الخوف أن تمضي بدونك!
إبراهيم الدميجي

الخميس، 18 أبريل 2019

(إذا جاءَ نصرُ الله والفتح)


(إذا جاءَ نصرُ الله والفتح)
الحمد لله وبعد، فإن النصر للإسلام مهما انتهت إليه ظنونُ الناس، وحقيقةُ النصر هي تديّن الناس بالإسلام واعتناقهم إيّاه ودخولهم في حوزته، وثباتُ أهله عليه، فثبات المؤمنين على الدين هو حقيقةُ نصرِ الدين، أما ملكُهُ للآفاق فليست كنصرِهِ في النفوس، وإن كنّا -بحمد الله -قد وُعدنا بهذا وهذا.
إنَ من المهمات في هذا العصر نشرُ التفاؤلِ بنصر الإسلام، والاستبشارُ بمستقبله، وحسنُ الظن بالله تعالى فيه، وبعظيم حكمته في أقداره، وحسنِ عاقبته للمؤمنين. فهو الذي وعد نبيَّه بعلوِّ دينه ونصر جنده وعزِّ شريعته مهما تكالبت عليها سباع الكفرة وضباع المنافقين. والتفاؤلُ بجمال المستقبل ليس ضعفًا إذا كان ناشئًا عن حسن الظن بالله تعالى وليس عن خوَر وعجزٍ وكسل، فاستفرغ جهدك في نصر دين الله ما استطعت لذلك سبيلا، وأحسن الظن بجميل تدبيره. واعلم أنّ الفرقانُ بين التفاؤل والأماني هو الجديةُ والعمل، فالأملُ محتاج لعمل. وأعظمُ الجدّيةِ هي الجديّةُ في الاستقامة على الإسلام، فدعوةٌ بلا استقامة؛ لا عمود لها ولا ثبات ولا صدقيّة، وإن أردتَ امتحان جدية رجلٍ في الاستقامة؛ فارقُب تبكيره لشهود صلاة الجمعة، ألا ما أقلّهم وأكْرِم بقليلهم.
 وقد يُظنُّ جهلًا بالمتفائلِ سذاجةً لقوّة تفاؤله، ولكن حقيقتُه حسن الظن بربّه ومعرفتُه بسنن الله في خلقه. فلا تخذُل نفسك بالقلق، بل أسعفها بالتفاؤل. ومهما كبَسَت على صدرك جيوشُ الهموم وتراكمت على روحك أرتالُ الغموم؛ فثمّ نورٌ في الروح، إنّه حسن الرجاء بالله تعالى. ومهما بلغ حجم جليد الكذب يومًا؛ فشمسُ الزمان كفيلةٌ بإذابته، حينها سيحصحصُ الحقُّ. ومع تتابع الفواجع الدامية في جسد الأمة؛ تبقى هناك ألطافٌ مدهشة غيرُ متوقعةٍ، ليس لها تفسير سوى لطفِ اللهِ المحض، (إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم).
إن من تأمل أحوال الأمة يرى تكالب الأعداء عليها واستضعافهم لها وتنكيلهم بها ولكن هذه سنة الله تعالى في المداولة والمدافعة وله في ذلك الحكم الباهرة التي تتقاصر دون فهم تفاصيلها العقول، فعلى المؤمن أن يثق كل الثقة ويوقن كل اليقين بأنّ الله ولي الصالحين، وأنّه إن رضيَ عنه؛ فلا عليه ما فاته من غيره، فالخيرُ بحذافيره في مراضيه، والنعماءُ بكمالها بين يديه، وقد وعد – ووعده الحق – أنّ العاقبة للمتقين.
والحقُّ منصورٌ ومُمتَحنٌ فلا ... تعجب فهذي سنةُ الرحمنِ
وتدبر قول الله تعالى: (وما النصر إلا من عند الله) وقد ذكر الله هذا الحرف في آل عمران وكرره في الأنفال مختتما إياه في الموضعين بذكر اسميه الجليلين (العزيز الحكيم) فهو العزيز القوي الغالب، وهو الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها اللائقة وله الحُكمُ والحكمة، ولا نصر على الإطلاق إلا من الله وحده، فكلما احتجت لنصر – وأنت على الدوام كذلك – فردّد بقلبك: (وما النصر إلا من عند الله) فلن تنتصر على نفسك أو على غيرك من الإنس والجن وغيرهم إلا بحبل الله الناصر، فنصره حقيقي تام، ونصر غيره هباء فانٍ، فتعلّق به وحده واعبده حق العبادة.
لقد وعدنا الله بالنصر إن نصرنا دينه، وبالعز أن اعتصمنا به دون سواه، وبالتمكين إن مكّنّا عبادته في القلوب والأعمال، قال تعالى: (ولينصرن الله من ينصره) وقال سبحانه: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) وقال جل وعز: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) ولا يكفي الصبرُ لإدراك النصر، بل لا بد أن يُقرن بالتقوى (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا).
 وأبشر أخا الإسلام ببشرى الله: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض) فالعاقبة للتقوى.
وبحمد الله فمهما صلصل الباطل وجلجل فهو إلى تباب، ويبقى الحق شامخًا راسخًا، وتدبّر أمر أهل الباطل حين: (سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم) ثم كانت النهاية بأيسر طريق: (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون) إنها سُنَّةُ الصراع بين الحق والباطل ونهايته: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا).
جيشٌ من الكفر مهزومٌ إذا صَدَقَتْ ... نيّاتُ قومي إلى أعلى أعاليها
وافرح – أخا الإيمان -ببشارة نبي الإسلام بنصر الله للإسلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله زوى لي الأرضَ فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإنّ أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها". وقال أيضًا: "ليبلغنّ هذا الأمرُ ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك اللهُ بيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا أدخله الله هذا الدين، بعزِّ عزيزٍ أو بذلّ ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام وأهله، وذلًّا يذل به الكفر".
 وتأمل حال الأمة اليوم، واعلم أنّ أحاديث آخر الزمان في الفتن جُلّها في العراق، والملاحم جُلّها في الشام، حتى طريق الدجال للحجاز يكون من بينهما، نعوذ بالله من مضلات الفتن، ونسأله جبرَ القلوب بعزّة الإسلام في قلوب أهله وميادينِ الجهاد في سبيله. وقال الحسن البصري رحمه الله: "لكلّ طريقٍ مختصرًا، ومختصرُ طريقِ الجنةِ الجهادُ". فالنصر للإسلام مهما طال الزمان، ولكل زمانٍ رجالُه.
خَلقَ اللهُ للحروبِ رجالًا ...  ورجالًا لقَصعةٍ وثَرِيدِ
ولا تكن –لك الله -من المُرجفين ولا البكّائين المتشائمين، وفي الصحيح: "إذا قال الرجل: هَلَكَ الناسُ، فهو أهلكُهُم". والإسلام يعلو ولا يُعلى عليه، واعلم أنّ نصرَ المؤمن وفوزَه لا يلزم منه كسبُ الحرب العسكرية، بل يكفي منه ثبات الناس على الإسلام والإيمان والفضيلة، وهذا معنًى حَسَنٌ تِكرَارُه في المجامعِ والخَلوات، فمن ثَبَتَ على دينه فهو المنتصر حقًّا مهما كان حال دنياه. فالعبرةُ الحقّ إنما هي بالدين الحق، أما الدنيا فمجرد مَمَرٍّ للسائرين. ورضوانُ الله عز وجلّ أصلُ جميع السعادات، وكلّها راجعة إليه، قال سبحانه لمّا ذكر نعيم الجنة: (ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم).
 وتذكّر دومًا تمام النعمة بالإسلام. قال ربنا عز وجل ممتنًّا: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا) وتدبر قوله: (رضيت لكم الإسلام) وهذه أعظم نعمة في الوجود أن هدانا للإسلام ورضيه لنا للوصول إلى مرضاته، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "أكملَ لهم الدين فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وأتمّه فلا ينقصه أبدًا، ورضيه فلا يسخطه أبدًا".
 فتذكر دومًا نعمة هداية الله لك بالإسلام (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب). وتفكّر كثيرًا كيف تمّمَ الله عليك النعمة في نفسك، وأراكَ العِبرة في غيرك، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق.
فلتكن – رعاك الله -من أصحاب المبادئ لا من أصحاب المصالح، واعلم أنّ المصالحَ تتدثرُ أحيانًا بثياب المبادئ، فتجمعُ ضِغْثًا على إبالة، وحَشَفًا وسُوءَ كَيْلَة. فإنْ يومًا ضعُفَتْ نفسُك وحارَ عقلُك وتحرّك يقينك وتزعزع جأشك؛ فتدبرْ خاتمة الصافات، وفيها يقول ربنا الأعلى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم المنصورون (172) وإن جندنا لهم الغالبون (173) فتول عنهم حتى حين (174) وأبصرهم فسوف يبصرون (175) أفبعذابنا يستعجلون (176) فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين (177) وتول عنهم حتى حين (178) وأبصر فسوف يبصرون (179) سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلام على المرسلين (181) والحمد لله رب العالمين).
لقد جعل الله تعالى معدَنَ الإسلامِ محفوظًا، فهو غير قابل للتغيير والنّحت والتبديل، قد يتغيّر بعض معتنقيه لكنّ حقيقته باقية محفوظة في صدور وسطور من شاء الله تعالى الله من عباده الذين حفظه بهم وحفظهم به. ومهما اشتدت ضراوة الحرب على الإسلام والتنكيل بأهله، ومهما علت قمم المكر به وكيده، إلا أنّ خصومَهُ يعودون منه بأحمالِ الخيبة، ذلك أنه كاملٌ في ذاته، عَصيٌّ على السقوط بكامله، حتى وإن تعثّر أهلُه لجهلٍ أو ضعفِ عزيمة أو ساعةِ خطيئة، لكنهم في الحقيقة يَعلُون به ولا يُعلى عليهم بغيره.
وأبشر أخا الإيمانِ فالفتحُ قادمٌ  ...   وإنْ أجلبَ الشيطانُ كلَّ النَّوَاديا
وليس على الأرض من جميع الأديان والثقافات خصمٌ ثقافي حضاري أخلاقي يقارب الإسلام، لذلك فلا نستغرب توحيدَ الهجمات المتتابعة عليه، قال تبارك وتعالى: (والله متم نوره) فدين الله نور يكتسح ظلام الجاهليات ويُبدِّدُ ظُلُمَ الشياطين ويهدي للحق المبين (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير)، وقال سبحانه: (ليُظهره على الدين كله ولو كره المشركون) وتدبر معنى الظهورِ المتضمنِ للعلوِّ والقهرِ والغلبة والوضوح.
 وقال الله تعالى في وصف أثر الإسلام على ظلمات الجهل والظلم والكفر: (يخرجهم من الظلمات إلى النور) فظلماتُهم كثيرةٌ، وسوادُها كثيفٌ، لكن الإسلام شمسٌ تسطعُ فتنير الأرجاءَ، وتضيء الأنحاءَ، وتُذيب أقنعة شمع الأعداء، قال المصباح المنير والبشير النذير صلوات الله وسلامه وبركاته عليه وآله: "لنْ يشادَّ الدينَ أحدٌ إلّا غَلَبَهُ". وفي طلعةِ البدرِ ما يُغنيك عن زُحلِ.
لئِنْ عَزّ ديني واستُبيحَتْ جوارحي ... فأينَ مقامُ العزِّ إلا مقامِيا

إبراهيم الدميجي