إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الثلاثاء، 26 مارس 2024

وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة

وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام والبركة على نبينا محمد وآله وصحبه، أما بعد؛ فلقد أمر الله تعالى الأمة بالاجتماع واتحاد الكلمة وجمع الصف، على أن يكون أساس هذا الاجتماع الاعتصام بالكتاب والسنة، ونهى عن التفرق والتباغض والتهاجر والاختلاف، وبيّن خطورة ذلك على الأمة في الدارين. ولتحقيق ذلك المقصد الأسمى والغاية العظمى أمرنا تعالى بالتحاكم إلى كتابه في الأصول والفروع، ونهانا عن كل سبب يؤدي إلى التفرّق والتبدّد.

فالطريق الفردُ الصحيح إلى النجاة ثُمَّ الفلاح هو التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، فإنهما حصن حصين وحرز متين لمن وفقه الله تعالى من أصفيائه ومُكَرّمِيه. قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُو) [آل عمران: 103]. فقد أمر الله تعالى بالاعتصام بحبل الله، وحبل الله هو عهد الله، وهو القرآن كما قال المفسرون، إذ العهد الذي أخذه الله على المسلمين هو الاعتصام بالقرآن والسنة. فقد أمر الله تعالى بالجماعة ونهى عن التفرق والاختلاف. قال تعالى: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [الحشر: 7] وهذا شامل لأصول الدين وفروعه الظاهرة والباطنة.

وقد وردت أحاديث شريفة كثيرة في وجوب التمسك بالكتاب والسنة، منها ما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة ؓ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم. ويسخط لكم ثلاثًا، قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال»([1]).

وعن جابر ؓ قال: قال رسول الله ﷺ: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي»([2]).

وقال ﷺ: «تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»([3]).

وجاء في حديث العرباض بن سارية قوله ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ»([4]).

واعلم أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يتعين على العباد الأخذ به واتباعه ولا يحل لأحد مخالفته، ونصُّ الرسول على حكم الشيء كنص الله تعالى لا رخصة لأحد ولا عذر له في تركه فهو المبلغ عن الله المرسل منه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله. قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ } (الأنفال : 20) فقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، وزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به المعاندين له. ولهذا قال: { وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ } أي تتركوا طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره.

وقد أمر الله تعالى بطاعة رسوله في أكثر من ثلاثين موضعًا من كتابه الكريم، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } (النساء : 59).

قال الحافظ ابن كثير: "أطيعوا الله، أي اتبعوا كتابه، وأطيعوا الرسول أي خذوا سنته، وأولي الأمر منكم أي فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله". وقوله { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } قال مجاهد: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله.

وهذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ } (الشورى : 10) فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال. ولهذا قال تعالى: { إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } أي ردوا الفصل في الخصومات والجهالات إلى الكتاب والسنة ومن لا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنًا بالله ولا اليوم الآخر.

وقوله { ذَلِكَ خَيْرٌ }، أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرجوع إليهما في فصل النزاع خير { وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } أي: وأحسن عاقبة ومآلا كما قال السدي وقال مجاهد: "وأحسن جزاء، وهو قريب" (5) وفي كتاب الله آيات كثيرة وردت في وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة والرجوع إليهما في كل الأمور.

وقد بشر النبي ﷺ المتمسكين بسنته من أمته بأعظم بشارة ونيل أشرف مقصد يطلبه كل مؤمن ويسعى إلى تحقيقه من كان في قلبه أدنى مسكة من إيمان وعقل ألا وهو الفوز بدخول الجنة التي هي عنوان لرضا الملك العلام تبارك وتعالى وقبوله لوليّه الصالح الذي خرج من امتحان الدنيا بالفوز الحقيقي، نسأل الله الكريم من فضله العميم الجميل الجزيل.

وقد جاءت هذه البشرى في حديث أبي هريرة ؓ قال: قال رسول الله ﷺ: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى». قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى»([5]) وأي إباء ورفض للسنة أعظم من مخالفة أمره ﷺ؟ وذلك بالإحداث والابتداع في الدين، والإيضاع في نتن المعصية ونجس الرذيلة وحفرة النار.

ومعلوم أن الفرقة الناجية هي التي كانت على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهي الجماعة. قال أبي بن كعب ؓ: «عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ليس من عبد على سبيل وسنة ذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله فتمسه النار أبدًا، وإن اقتصادًا في سبيلٍ وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة».

والمؤمن الناصح لنفسه شديد الحذر من البدع والمحدثات، وقد تضافرت الدلائل وتظاهرت النداءات من الوحي المنزل في الكتاب والسنة في التحذير من البدع والتشنيع على أهلها، لأنها ــ وإن لم يقصد أهلها ــ إشعارٌ بعدم الاكتفاء بالوحي الإلهي، وإلماحٌ بعدم إكمال الدين إما بنقصه في ذاته، أو في قصور البلاغ عنه، وكفى بتصوّرِ شناعةِ ذلك كفرًا بالبدع وأهل البدع! لا جَرَم؛ فشرُّ الأمور المحدثات البدائعُ.

 

ماهيّةُ البدعة

البدعة هي: ما خالف الكتاب والسنة، أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات المحدثة في الدين.

والبدع والمحدثات في الدين لها خطورة عظيمة، وآثار سيئة على الفرد والمجتمع، بل وعلى الدين كله أصوله وفروعه.

فالبدع: إحداث في الدين، وقول على الله بغير علم، وشرع في الدين بما لم يأذن به الله تعالى، والبدعة سبب في عدم قبول العمل، وفي تفريق الأمة، والمبتدع يحمل وزره ووزر من تبعه في بدعته، كما أن البدعة سبب في الحرمان من الشرب من حوض النبي ﷺ، فعن سهل بن سعد الأنصاري، وأبي سعيد الخدري ¶ أن رسول الله ﷺ قال: «أنا فَرَطُكم على الحوض، من مرّ عليّ شرب، ومن شرب لا يظمأ أبدًا. ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم فأقوِل إنهم من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقاَ لمن غيّر بعدي»([6]).

 

أسباب البدع:

وللبدع أسباب كثيرة أعظمها البعد عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ومنهج السلف الصالح، الأمر الذي يؤدي إلى الجهل بمصادر التشريع.

ومن أسباب انتشار البدع: التعلق بالشبهات والاعتماد على العقل المجرد وجلساء السوء، والاعتماد على الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي يستدل بها المبتدعة على بدعهم، والتشبه بالكفار، وتقليد أهل الضلال ونحو ذلك من الأسباب الخطيرة.

قال الألباني ؒ: «هنيئًا لمن وفقه الله للإخلاص له في عبادته واتباع سنة نبيه ﷺ ولم يخالطها ببدعة، إذا فليبشر بتقبل الله عز وجل لطاعته وإدخاله إياه في جنته. جعلنا الله من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

واعلم أن مرجع البدع المشار إليها إلى أمور:

الأول: أحاديث ضعيفة لا يجوز الاحتجاج بها ولا نسبتها إلى النبي ﷺ، ومثل هذا لا يجوز العمل به عندنا على ما بينته في مقدمة «صفة صلاة النبي ﷺ» وهو مذهب جماعة من أهل العلم كابن تيمية وغيره.

الثاني: أحاديث موضوعة أو لا أصل لها، خفي أمرها على بعض الفقهاء فبنوا عليها أحكامًا هي من صميم البدع ومحدثات الأمور.

الثالث: اجتهادات واستحسانات صدرت من بعض الفقهاء خاصة المتأخرين منهم لم يدعموها بأي دليل شرعي، بل ساقوها مساق المسلمات من الأمور حتى صارت سننًا تتبع! ولا يخفى على المتبصر في دينه أن ذلك مما لا يسوغ اتباعه، إذ لا شرع إلا ما شرعه الله تعالى، وحسب المستحسن إن كان مجتهدًا أن يجوز له هو العمل بما استحسنه وأن لا يؤاخذه الله به. أما أن يتخذ الناس ذلك شريعة وسنة فلا ثم لا. فكيف وبعضها مخالف للسنة العملية؟!

الرابع: عادات وخرافات لا يدل عليها الشرع ولا يشهد لها عقل، وإنْ عمِل بها بعض الجهال واتخذوها شرعة لهم، ولم يعدموا من يؤيدهم ولو في بعض ذلك ممن يدعي أنه من أهل العلم ويتزيّا بزيهم.

ثم ليعلم أن هذه البدع ليست خطورتها في نسبة واحدة، بل هي على درجات، فبعضها شرك وكفر صريح، وبعضها دون ذلك، ولكن يجب أن يعلم أن أصغر بدعة يأتي الرجل بها في الدين هي محرمة بعد تبيّن كونها بدعة، فليس في البدع كما يتوهم بعضهم ما وهو في رتبة المكروه فقط، كيف ورسول الله ﷺ يقول: «كل بدعة ضلالة»([7]).

وقد حقق هذا أتمّ تحقيق الإمام الشاطبي ؒ في كتابه العظيم «الاعتصام»([8]) ولذلك فأمر البدعة خطير جدًّا، لا يزال أكثر الناس في غفلة عنه»([9]).

هذا وإنّ البدعة تشويه للدين، وتغيير لمعالمه، وخطرها عظيم على المسلمين في أمر دينهم ودنياهم.

ومن تأمل الكتاب والسنة وجد أن البدع في الدين محرمة ومردودة على أصحابها من غير فرق بين بدعة وأخرى، وإن كانت تتفاوت درجات التحريم بحسب نوعية البدعة.

ومن المعلوم أن النهي عن البدع قد ورد على وجه واحد في قول النبي ﷺ: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»([10]). وقوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»([11]).

فدل الحديثان على أن كل محدث في الدين فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة مردودة، ومعنى ذلك أن البدع في العبادات والاعتقادات محرمة، ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوع البدعة، فمنها ما هو كفر صراح كالطواف بالقبور تقربًا إلى أصحابها، وتقديم الذبائح والنذور لها، ودعاء أصحابها والاستغاثة بهم، ومنها ما هو من وسائل الشرك كالبناء على القبور، والصلاة والدعاء عندها، ومنها ما هو ضلال ومعصية كإقامة الأعياد التي لم ترد في الشرع، والأذكار المبتدعة والتبتل والصيام قائمًا في الشمس ونحو ذلك من العَنَتِ الخذلان، وبالله التوفيق والعصمة، وإليه المبدأ والمعاد، وإليه.. وإلّا لا تُشدُّ الركائب.

وبالله التوفيق، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه.

     إبراهيم بن عبد الرحمن الدميجي

aldumaiji@gmail.com

 



([1]صحيح مسلم (1715).

([2]رواه مالك في الموطأ (2/ 899).

([3]سنن ابن ماجه (1/ 16) المقدمة، وصحيح ابن ماجه للألباني (1/ 6).

([4]سنن أبي داود (5/ 13) والترمذي مع تحفة الأحوذي (7/ 438).

([5]صحيح البخاري (7280).

([6]صحيح البخاري (6583) (6584) وصحيح مسلم (2290) والفَرَطُ: الذي يسبق إلى الماء. وسحقًا: أي: بعدًا.

([7])  قطعة من حديث رواه مسلم في صحيحه (٨٦٧)، من حديث جابر رضي الله عنه وعند أبي داود في سننه (٤٦٠٧) من حديث العرباض رضي الله عنه مرفوعًا: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» وأحمد (17184) وصححه الأرناؤوط. والدارمي في السنن (1/ 78) والحاكم في المستدرك (2/ 318) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.

([8]مع التنبيه لوقوعه ـــ عفا الله عنا وعنه ـــ في بعض بدع الأشاعرة في باب الصفات والقدر والإيمان وغيرها.

ولم ينفرد الشاطبي رحمه الله تعالى في هذه الازدواجية المؤسفة ـــ أي شدّة الاتباع في العمليات والمسلكيات مع الوقوع في بدع العلميات والاعتقادات ـــ فقد وقع فيها غيره كالإمام ابن حزم ؒ حين عطّل بتأويل (تحريف) بعض صفات الرحمن، وأبي بكرٍ الطرطوشي ؒ صاحب كتاب (البدع والحوادث) فقد وافق الأشاعرة في أصولهم، وأبي شامة الدمشقي ؒ صاحب كتاب (الباعث في إنكار البدع والحوادث) الذي وافق الأشاعرة، وغيرهم كثير من أهل العلم والفضل ممن أخطأوا في بعض العلميات العقدية، والحمد لله على كل حال.

والذي نرجوه لهم من الله تعالى أن يتجاوز عنهم أغلاطهم، إذ لم يُوفّقوا لمن ينبّههم لذلك الانحراف العلمي والله المستعان، ومن استفرغ وسعه في طلب الحق من بابه لن يُعدم توفيقًا للصواب وعفوًا عن الخطأ بإذن الرحيم العليم سبحانه، ولله في ذلك أعظم الحكم الربانية تبارك وتعالى، ولعل من أسباب ذلك أن المتكلمين المتقدمين لم يبسطوا القول في استحسان البدع العمليّة، بل قد أنكرها بعضهم.

والقاعدة عند خطأ العالم أنه يُعتذر له وينبه على خطئه ولا يتابع على قوله، ولا عصمة لمن دون رسول الله ﷺ. قال عمر ؓ: «ثلاث يهدمن الدين: زلّة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون».

وقال ابن عباس ¶: «ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: وكيف ذلك؟ قال: يقول العالم برأيه ثم يجد من هو أعلم منه برسول الله ﷺ فيترك قوله ذلك ثم تمضي الاتباع» وانظر: «جامع بيان العلم وفضله» (2/133) وما بعدها.

أما التشغيب على أهل العلم بتتبع عثراتهم وسقطاتهم والاشتغال بنشرها وإشاعتها بقصد العلو فليس بسبيل سنة، بخلاف نشر ما خشي منه فتنة الناس فهذه طريقةٌ رسوليّة وجادّة سلفية، وما كل أحد يُحسن تمييز السبيلين، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقد بسطت ذلك في كتاب «ولا تفرقوا».

([9]مناسك الحج والعمرة للألباني (44 - 47).

([10])   أبو داود في سننه (٤٦٠٧) من حديث العرباض رضي الله عنه مرفوعًا، وأحمد (17184) وصححه الأرناؤوط. والدارمي في السنن (1/ 78) والحاكم في المستدرك (2/ 318) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.

([11])   صحيح البخاري (2697) وصحيح مسلم (1718).

الاثنين، 25 مارس 2024

ثمرات الاعتصام بالله تعالى

 

ثمرات الاعتصام بالله تعالى


الحمد لله، أما بعد: كل ما أمر الله تعالى به فهو عظيم وحقيق بشديد الاهتمام، ومن ذلك أمره تعالى عباده بالاعتصام بحبله، فالاعتصام بالله تعالى نجاة وفلاح، وثمراته طيبة، وأوقاته نافعة، ومخرجاته مباركة، ونهاياته سعيدة، ومن تلك الثمرات:

1 ــ رِضا الله تعالى:

فالاعتصام توحيد وتعلق وثقة وتوكل وثبات على الإيمان، ومن كان هذا ديدنه وسبيله؛ فليبشر بالرضوان من لدن الرحيم الرحمن.

2 ــ حصول المأمول:

ويكفي لبرهان ذلك قول الله تبارك وتعالى: «ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم» فقد ضمن الحق سبحانه الهدى لمن اعتصم به، ومِن أفراد الهدى نيل المراد، هذا من جانب، ومن جانب آخر فالمعتصم متوكل على ربه، مفوض أموره إليه، وقد سبق ما وعد الله به المتوكلين من توفيق وظفر ونيل مأمول.

3 ــ دفع المكروه:

وهذا متعلق بما قبله، فإذا اعتصم العبد بربه أناله مطلوبه، ويسّر له أسباب سعادته، وقرّب إليه مباعِدَ رغائبه، ودفع عنه مكروهه، بل ودفع عنه أمورًا تضره مآلاتها وإن ظن عبده خلاف ذلك، فقد يحرص العبد على تحصيل أمر، ويستغرق جهده في نيله، وربُّه يحميه عنه ويمنعه من بلطف خفي، والعبد يكرر احتياله لنيله، وربه الرحيم محيط به ويرحمه ويحجزه عنه لعلمه أن هَلَكَته أو نقصه في حصوله، فتبارك أرحم الراحمين.

4 ــ الظفر والنصر:

شريطة أن يكون الاعتصام حقيقيًّا لا متوهمًا، وراسخًا لا متداعيًا، وعميقًا لا سطحيًّا، وعن علم وثقة لا عن ريبة وتجريب، فالاعتصام لزومٌ وثباتٌ وثقة وعمق، ومتى اعتصم عباد الله به أنزل عليهم نصره، وأظفرهم بعدوه وعدوهم، سنة الله ولن تجد لسنة الله تحويلًا ولا تبديلًا.

5 ــ انشراح الصدر:

وكيف لا ينشرح صدر المعتصم وهو واثق بمعية الله له بحفظه وتوفيقه ولطفه ومدده ومعونته وربوبيته وحسن تدبيره، فهو محسنٌ ظنه بربه، عظيم الرجاء به، تامّ التوكّل عليه، راسخ اليقين به، معوّلٌ كلّ التعويل عليه، حافظ قلبه وقالبه مما يخدش اعتصامه، واثق بوعد ربه، عالم أن مع العسر يسرًا، وأن مع الشدة لطفًا، وأن مع الابتلاء رحمة، وأن مع الكرب فرج، وبعد الليل صبح، وأن تدبير ربه كله خير، وأنه بربه لا بنفسه وغيره، وأن الدنيا دار ممرّ ومعبر، فلا تستحق عناءً لا يُبلغ للدار الآخرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

6 ــ الثبات على الحق:

لما كان الاعتصام لزومٌ لباب الله تعالى، كان الثبات على ذلك ملازم له طبيعةً، فالثبات على الاعتصام يورث الثبات على الإيمان جملة، ويورث الثبات على الخير النامي في قلب المؤمن المعتصم، فأعمال القلوب روافد لبعضها، سيما ما كان موقعها قريبًا من بعض في قلعة الفؤاد المؤمن.

7 ــ اليقين بموعود رب العالمين:

لأن المعتصم لا يزال يرى ثمرات اعتصامه شيئًا بعد شيء، وثمرة طيبة بعد أختها، فتارة في تقوية إيمانه وانشراح صدره وحصول مأموله، وتارة بالمزيد من العلم بالله وبدين الله وبموعود الله، فلا يزال يترقّى في مدارج اليقين حتى يتذوق ثلج اليقين وبرْد الحقيقة، فتتابع على بصيرة فؤاده العلوم النافعة، فيعلمها ويراها ويتحققها، ويعيش بها وتعيش به، حتى يلقى بها الحقَّ تبارك وتعالى راضيًا مرضيًّا.

8 ــ صدق التعلق بالله تعالى:

لأن الاعتصام لا يكون إلا بالتعلق، فكلما زاد الاعتصام كمًّا وكيفًا زاد التعلق الصادق برب العالمين دون ما سواه.

9 ــ الاستقامة:

وأجمِلْ بها من ثمرة، وأكرِمْ به من شرف، وأسعِدْ به من نَوَال، فالمعتصم يراقب خواطره وأقواله وأفعاله، ويحرس كنز إيمانه من عبث الشيطان وتلاعبه، فيلزم جادة الاستقامة، ويلتوي على حبل الهداية، ويحرص على ما يعينه على بلوغ غايته بأن يموت موتة المرضيين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

10 ــ تحصيل محبة الله تعالى ومحبة الناس:

فالنفوس الزكية المؤمنة مجبولة على حب ما يُشاكلها ومودة مَن يُشابهها، فمن أحب الله أحب من يحبون الله ومَن يحبهم الله وكلَّ عمل يوصل لمحبة الله، ومن أجلّ أعمال القلوب الاعتصام بعلام الغيوب، فمن كان بالله معتصمًا أحب المعتصمين بالله، وأحبه المعتصمون بالله، وإذا أحب الله عبدًا أنزل له القبول في أرضه، وبسط له المودة في قلوب أوليائه، ونَشَرَ له أعراف المِسك في عليائه.

11 ــ السكينة:

فلا شيء في الدنيا يستحق تكدير النفس وضيقها وغمها، فقلب المعتصم بالله ساكن، وعينه قريرة، ونفسه منشرحة، وروحه مستريحة، فإذا تزاحم الناس على أبواب غموم المعايش وهموم الأيام رأينا المعتصم في واد ليس واديهم، ومنتجع ليس كناديهم، حتى وإن زاحمهم أحيانًا بجسده في طلب رزقه المأمور به فإنّ قلبه ونفسه ليسا معهم، بل روحه تسبح بسكينة وسعادة في الملإ الأعلى والملكوت الأسمى لنفاذ بصيرته وسعة علمه وعظيم توفيقه، قد أدى عبادة الجسد بطلب المعاش، وأدّى عبادة القلب بتحقيق التجريد وتفريد التوحيد، فسكنت حينئذٍ نفسه، وسبحت في الملكوت الأعلى روحه، وأطمأنت بربه جوارحه، وطاب بإلهه عيشه، وأفلح في دنياه وأخراه. والله لا يضيع أجر المحسنين، وواهًا لعيش الجنة في دار الغربة!

12: الامتثال لأمر الله عز وجل:

فالاعتصام بحبل الله والالتفاف بدينه فيه امتثال لأمر الله تعالى، وسمع وطاعة له، ورضا بما ارتضاه، فالله سبحانه وتعالى لا يأمر إلا بخير، ولا يُحذّر إلا من شر، قال سبحانه: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: ١٠٣] أي: تعلقوا بأسباب الله جميعاً، وتمسكوا بدينه الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه من الألفة والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله، فقد كره الله لكم الفرقة وحذركموها ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم([1]).

13: الهداية إلى صراط الله المستقيم:

فالهداية إلى الحق ثمرة من ثمرات الاعتصام بحبل الله كما قال سبحانه { وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } " [آل عمران: ١٠١] «فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعدة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد، وحصول المراد»([2]) قال الشوكاني: «أرشدهم الله إلى الاعتصام به ليحصل لهم بذلك الهداية إلى الصراط المستقيم الذي هو الإسلام»([3]).

ويقول محمد الطاهر بن عاشور: «سياق الآية مؤذن بأنها جرت على حادثة حدثت وأن لنزولها سبباً، وسبب نزولها أن الأوس والخزرج كانوا في الجاهلية قد تخاذلوا وتحاربوا حتى تفانوا، وكانت بينهم حروب كان آخرها يوم بُعَاث التي انتهت قبل الهجرة بثلاث سنين، فلما اجتمعوا على الإسلام زالت تلك الأحقاد من بينهم، وأصبحوا عدة للإسلام، فساء ذلك يهود يثرب، فقام شاس بن قيس اليهودي وهو شيخ قديم منهم بإرسال شاب يهودي جلس إلى الأوس والخزرج يذكرهم حروب بعاث، فكادوا أن يقتتلوا، ونادى كل فريق يا للأوس! يا للخزرج! وأخذوا السلاح، فجاء النبي ﷺ فدخل بينهم وقال: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم» ثم قرأ عليهم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ، وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } فما فرغ منها النبي صلى الله عليه وسلم حتى ألقوا السلاح، وعانق بعضهم بعضاً.

 وقوله: (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) [آل عمران: ١٠١] أي من يتمسك بالدين فلا تخش عليه الضلال، وفي هذا إشارة إلى التمسك بكتاب الله ودينه لسائر المسلمين الذين لم يشهدوا حياة النبي ﷺ، لأن ذلك هو السبيل في عصمة المسلمين من كيد أعدائهم من المشركين وأهل الكتاب الذين يحاولون جاهدين في الإيقاع بين المسلمين كما كانوا يفعلون زمن النبي ﷺ([4]).

فطاعة أهل الكتاب تحمل معنى الهزيمة الداخلية، والتخلي عن دور القيادة الضروري للأمم، وهم أيضاً لا يحرصون على شيء حرصهم على إضلال هذه الأمة عن عقيدتها وفضيلتها وشريعتها وأخلاقها، وإثارة الفتن والقلائل بين أبنائها، ويبذلون في سبيل ذلك كل ما في وسعهم من مكر وغدر وحيلة وقوة وعدة، وحين يعييهم أن يحاربوا الإسلام بأنفسهم فإنهم يجندون من المنافقين المتظاهرين بالإسلام، أو ممن ينتسبون زوراً إليه لينخروا لهم في جسمه وجسم أتباعه من داخل الدار، فالاعتصام بالله والتمسك بكتابه والوثوق بوعده يعصم الأمة من مكايدهم ومخططاتهم بإذن الله العليّ سبحانه.

وإذا كان رسول الله ﷺ قد استوفى أجله، واختار الرفيق الأعلى، فإن آيات الله باقية، وهدي رسول الله ﷺ باق، وشريعته معصومة من الزلل، فلا خير إلا دلّنا عليه، ولا شر إلا حذّرنا منه، ونحن اليوم مخاطبون بهذا القرآن كما خوطب به الأولون، وطريق العصمة بيّن، ولواء العصمة مرفوع، ورايته ظاهرة، وأهله ظاهرون، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم.

14: الدخول في رحمة الله تعالى، ونيل فضله وهدايته:

قال سبحانه { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً }. [النساء: ١٧٥].

والمراد آمنوا بالله في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه، واعتصموا به في أن يثبتهم على الإيمان، ويصونهم عن نزغ الشيطان، ويدخلهم في رحمة منه وفضل، ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً.

فوعد الله المعتصمين به بأمور ثلاثة: الرحمة والفضل والهداية، قال ابن عباس ¶: «الرحمة الجنة، والفضل ما يتفضل به عليهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً يريد ديناً مستقيماً»([5]).

وقال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: «الذين آمنوا بالله واعتصموا به جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله في جميع أمورهم، فهؤلاء يرحمهم الله، ويدخلهم الجنة، ويزيدهم ثواباً ومضاعفة ورفعاً في درجاتهم من فضله عليهم وإحسانه إليهم، ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً، أي: طريقاً واضحاً لا اعوجاج فيه ولا انحراف، وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنان»([6]).

والاعتصام بالله ثمرةٌ ملازمة للإيمان به، متى صح الإيمان، ومتى عرفت النفس حقيقة الله، وعرفت حقيقة عبودية الكل له، فلا يبقى أمامها إلا أن تعتصم بالله وحده، وهو صاحب السلطان والقدرة وحده، فهؤلاء يدخلهم الله في رحمة منه وفضل، رحمة في هذه الحياة الدنيا قبل الحياة الأخرى، وفضل في هذه العاجلة قبل الفضل في الآجلة.

فالإيمان هو الواحة الندية التي تجد فيها الروح الظلال من هاجرة الضلال في تيه الحيرة والقلق والشرود، كما أنه هو القاعدة التي تقوم عليها حياة المجتمع ونظامه، فالذين آمنوا بالله واعتصموا به في رحمة من الله وفضل في حياتهم الحاضرة وفي حياتهم الآجلة.

وكلمة (إليه) في قوله: : { وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً } [النساء: ١٧٥] تخلع على التعبير حركة مصورة، إذ ترسم المؤمنين ويد الله تنقل خطاهم في الطريق إلى الله على استقامة، وتقربهم إليه خطوة خطوة، وهي عبارة يجد مدلولها في نفسه من يؤمن بالله على بصيرة، فيعتصم به على ثقة حيث يحس في كل لحظة أنه يهتدي، وتتضح أمامه الطريق، ويقترب فعلاً من الله كأنما هو يخطو إليه في طريق مستقيم.

15: استحقاق معية المؤمنين ومرافقتهم في الدارين:

فقد شهد الله لمن اعتصم بحبله وتمسك بدينه وأخلص عمله فيه بأنه مع المؤمنين بقوله سبحانه : { إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ } [النساء: 146].

وقد جاءت هذه الآية الكريمة بعد الحديث عن المنافقين وما يستحقون من الله من عذاب يوم القيامة، فهم أشد الناس عذاباً وفي الدرك الأسفل من النار إلا الذين تابوا منهم وأصلحوا عملهم واعتصموا بالله وأخلصوا لدينهم، بحيث لم يشِبوا عملهم بتردد، ولا تربص بانتظار من ينتصر من الفريقين المؤمنين والكافرين، فأخبر أن من صارت حاله إلى هذا الخير فهو مع المؤمنين. وفي لفظِ (مع) إيماء إلى فضيلة مَن آمن من أول الأمر ولم يصم نفسه بالنفاق، لأن (مع) تدخل على المتبوع وهو الأفضل([7]).

ويقول القرطبي: هذا استثناء ممن نافق، ومن شرط التائب من النفاق أن يصلح في قوله وفعله ويعتصم بالله أي يجعله ملجأ ومعاذاً، ويخلص دينه لله وإلا فليس بتائب قال الفراء: معنى (فأولئك مع المؤمنين) أي من المؤمنين([8]).

فهذه بعض ثمرات الاعتصام بحبل الله، فما أحوجنا إلى الامتثال لأمر الله، والاعتصام بحبله، وأن نتعرف على الله في الرخاء حتى يتعرف علينا وقت الشدة، وما أحوجنا أن نلجأ إليه سبحانه ليمنحنا الهداية الإلهية إلى صراطه المستقيم، وما أحوجنا إلى رحمات الله ونيل فضله لنكون في معية المؤمنين في الدارين.

فكل هذه الثمرات وعد بها رب العزة والجلال إذا اعتصمنا بحبله والتزمنا بشرعه ووثقنا بوعده([9]). فيا طيب عيش الصالحين، ويا سعادة مآل المعتصمين، والحمد مِن قبل ومِن بعد لله رب العالمين.    

  إبراهيم بن عبد الرحمن الدميجي

aldumaiji@gmail.com



([1])  جامع البيان لابن جرير الطبري (4/31-33) بتصرف وزيادات.

([2])  تفسير ابن كثير (1/ 387).

([3])  فتح القدير (1/ 367).

([4])  التحرير والتنوير (3/ 428) بتصرف.

([5])  التفسير الكبير ومفاتيح الغيب. مجلد (6) (11/122).

([6])  تفسير القرآن العظيم (1/592).

([7])  التحرير والتنوير، لابن عاشور. م3 (5/244).

([8])  الجامع لأحكام القرآن (5/423).

([9])  الثمرات الأربع الأخيرة ملخصة بتصرف وزيادات عن: الاعتصام بحبل الله بين الواقع والمبشرات (دراسة قرآنية واقعية) د. محمود هاشم عنبر (1/1-19) شكر الله تعالى له.

الثلاثاء، 19 مارس 2024

ماهيّةُ الاعتصام بالله تعالى

ماهيّةُ الاعتصام بالله تعالى

الحمد لله وحده والصلاة والصلام على نبينا محمد وأله، أما بعد: فهذه حروف في بيان حدّ الاعتصام بالله تعالى وماهيّته.

تعريف الاعتصام: هو ملازمةُ سببِ النجاةِ من الهلكة ونوالِ الرّغيبة. ففيه لِياذٌ واستجارة واستعاذة واستعانة وتوكّل وتعلّق. وكمالُه تحقيقُ التوحيد، والعاصمُ هو المانع، وفي التنزيل: ﴿ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ﴾  [هود: 43] أي: لا مانع لأحد من الغرق إلا من ؒ تعالى.

والله يعصم عبده، بمعنى يمنعه مما يضره، ويمنع عنه ما يضره. واعتصم فلان بالله: إذا امتنع به، ومنه : ﴿ولقد راودته عن نفسه فاستعصم﴾ [يوسف: 32]

والعصمة بمعنى الحفظ، ومنه قوله تعالى: { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس } [المائدة:67] أي: يحفظك ويحميك.

قال ابن فارس: «العين والصاد والميم أصل واحد صحيح يدل على إمساك ومنعٍ وملازمة، والمعنى في ذلك كله معنى واحد. ومن ذلك العصمة: أن يعصم الله تعالى عبده من سوء يقع فيه. واعتصم العبد بالله تعالى: إذا امتنع. واستعصم: التجأ»([1]).

والاعتصام: الاستمساك بالشيء، ومنه قول أبي طالب في لاميته الشهيرة مادحًا رسول الهدى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه وآله:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه

 

ثمال اليتامى عصمة للأرامل

أي: يمنعهم من الضياع والحاجة.

والعصمة: المنع، واعتصم فلان بالله، إذا امتنع به، ويُراد بالعصمة: الحفظ، وعصم إليه: اعتصم به، وأعصمه: هيأ له شيئًا يعتصم به، وأعصم بالفرس: امتسك بعرفه.

قال الزجاج: «أصل العصمة الحبل، وكل ما أمسك شيئًا فقد عصمه، وأعصم الرجل بصاحبه إعصامًا إذا لزمه».

والاعتصام بمعنى الامتناع، تقول اعتصمت بالله؛ إذا امتنعت بلطفه من المعصية، واستعصم بمعنى امتنع وأبى، ومنه قوله تعالى عن امرأة العزيز حين راودت يوسف عن نفسه: { وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ } [يوسف: 32] بمعنى أنه أبى عليها ولم يجبها إلى ما طلبت. والعاصم: المانع والحامي.

فمن خلال ما تقدم يتبين لنا أن الاعتصام في اللغة ورد بمعان عديدة، وهي المنعُ والاتّقاء والحفظ والحماية والالتجاء، وكلها معان متقاربة تدور حول فلك واحد([2]).

والاعتصام في الاصطلاح هو عين الاعتصام في اللغة مع شيء من التخصيص. قال الإمام الشوكاني: الاعتصام بالله التمسك بدينه وطاعته والوثوق بوعده([3]).

قال النووي ؒ: «الاعتصام بحبل الله هو التمسك بعهده، وهو اتباع كتابه العزيز وحدوده، والتأدب بأدبه. والحبل يطلق على العهد، وعلى الأمان، وعلى الوصلة، وعلى السبب. وأصله من استعمال العرب الحبل في مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبل عند شدائد أمورهم، ويوصلون بها المتفرق، فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور»([4]).

وقال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «الاعتصام: افتعالٌ مِن عَصَمَ، وهو طلب ما يعصم، أي: يمنع، وذلك بالاجتماع على هذا الدين وعدم التفرق ليكتسبوا باتحادهم قوة ونماء»([5]).

وقال القشيري: «الاعتصامُ بحبله سبحانه: التمسك بآثار الواسطة صلوات الله عليه، وذلك بالتحقق والتعلُّق بالكتاب والسُّنَّة. ولِمَنْ رجع عند سوانحه إلى اختياره واحتياله، أو فكرته واستدلاله، أو معارفه وأشكاله، والتجأ إلى ظل تدبيره، واستضاء بنور عقله وتفكيره؛ فمرفوع عنه ظل العناية، وموكول إلى سوء حاله»([6]). وقال: «الاعتصامُ بالله: التبري من الحول والقوة، والنهوض بعبادة الله بالله لله. يقال: الاعتصام بالله التمسكُ بالكتاب والسنة. ويقال: الاعتصامُ بالله حُسْنُ الاستقامة بدوام الاستعانة»([7]).

علاقة الاعتصام بالتعلق واللجأ:

يجمعها العلم بالله والتعلق بالله والثقة به، بيد أن في الاعتصام مزيد سكينة ومزيد ثقة ومزيد ثبات ومزيد استغناء.

وبالله التوفيق، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وأله ومن تبعه بإحسان.

إبراهيم بن عبد الرحمن الدميجي

aldumaiji@gmail.com

 

 



([1])  معجم مقاييس اللغة، لابن فارس (4/331).

([2])  ينظر: الاعتصام بحبل الله بين الواقع والمبشرات (1/ 4).

([3])  فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (1/367).

([4])  شرح النووي على مسلم (12/ 11).

([5])  التحرير والتنوير، المجلد الثالث (4/31).

([6])  تفسير القشيري (1/ 365).

([7])  تفسير القشيري (5/ 233).