إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

إليكَ.. وإلا لا تُشَدُّ الركائبُ..

الثلاثاء، 10 ديسمبر 2024

بشِّروا ولا تنفِّروا

 

بشِّروا ولا تنفِّروا

الحمد لله، وبعد؛ فدين الله تعالى هو دين الفرح والسرور والمحبة والرجاء والعطاء والعدل والإحسان. والشريعة قد أنزلت بالعدل والإحسان في كلّ أمرها، وبالتوازن والاتساق في كل شأنها، ومن الخطأ الدعوي ميل ميزان الخطاب بالتركيز على الترهيب دون المحبة والترغيب، وكذلك العكس، والجادّة الرسولية هي الموازنة بذكر أبواب المحبة والرجاء والتخويف بلا تقصير في أحدها حتى تغتذي القلوب على حاجتها من وحي ربها العظيم.

وقد يحتاج الناس في وقت الترف والغفلة لزيادة جرعات التخويف، أما في حال شيوع القنوط واليأس فيحسن فتح أبواب الرجاء والرَّوح، وهي راجعة إلى تقدير الواعظ لحال المخاطبين.

ويكثر عند بعض المصنِّفين في الرقائق والوعظ وكذلك القصاص ذكرُ المخاوف أكثر من المحابّ والمراجي، وبعضهم يزيد في ذكر القصص المخوفة والأوصاف المرعبة والألفاظ المفزعة مما لم يثبت، ويسوق الناس إلى التوبة عن طريق إفزاع قلوبهم بذكر الأهوال والأفزاع، فيقصد تتويبهم بذلك دون فتح باب نسيم الرغبة والرجاء، بل والتقصير في تبيان الباب الأعظم الحب.

فيحاول الواعظ الناصح أن يتوّبهم بالخوف فقط دون المحبة والرجاء، وهذا خللٌ أدّى لفهمٍ مغلوط لدى بعض النسّاك، فدخلوا باب العبودية بفزع أشبه بالقنوط، وبيأسٍ أشبه اليأس من رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء، والله تعالى يقول في محكم تنزيله: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم)، والقرآن هو الموعظة الكبرى للعالمين، ومقصود الموعظة تعبيدُ الناس لله تعالى عبر أيسر طريق وأرفق نهج وأحسن طريقة وأهدى سبيل، فأنفع المواعظ هي مواعظ القرآن العظيم، (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم).

فمن الناس من يمتلئ قلبه بحب الله تعالى لجميل صفاته وأفعاله وكريم نواله وعظيم آلائه، فيحبه بكلّ قلبه، ويرجوه رغبًا لما وعد به، ويفرح به كل الفرح، ويخافه ويستحيي منه لعظيم جنابه وجلاله وشديد عذابه وعقابه، فمثل هذا قد وصلت الموعظة سويداء قلبه؛ فصار حيًّا طيّبًا راشدًا مهديًّا سعيدًا، فانتفع بالوحي العظيم (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين . قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون). 

ومن الناس من تجثم على قلبه غفلةٌ شديدة، ورقدةٌ طويلة، ومظاهرُ أمنٍ من مكر الله تعالى، فهو محتاج لمزيد قرع فؤاده بالمخاوف حتى لا تهلكه فيما يستقبل، وقد أحسن إليك من أخافك حتى تأمن، فتُتلَى على الغافل آياتُ الوعيد وأحاديثُ التخويف وأخبار المصارِعِ، مع ذكر الحب والرجاء، حتى تنفخَ في قلبه حياة التوبة والإنابة، فيقلع عن الخطيئة لصالحات الأعمال، وتنقلب الحوبة لديه توبة، فنفعته الموعظة في إبّانها، إذ أيقظت سبات رقداته، ونبّهت شديد غفلاته، مع حراسة قلبه من قنوط مُتلف، ويأس مهلك.

ومن الناس من تهبّ على فؤاده عواصف وساوس الهلكات، وتجثم على قلبه ثقيلات خواطر القنوط، وقتَلات اليأس، وسيئات الظنون بمن لا يأتي بالخير إلا هو، ولا يدفع الشرّ سواه، تبارك وتعالى، فهذا محتاج لبثّ آيات رجاء ورغائب الوحي الطهور على قلبه المريض بسوءات الظنون ومتالف الخواطر، فتُتلي عليه آيات سعة رحمة أرحم الراحمين، الذي سبقت رحمتُه غضبَه وعفوُه مؤاخذتَه، وأنّه يحب التوابين ويحب المتطهرين. وأنّ من الضلال والكفران اليأس من رحمته والقنوط من عفوه وغفرانه.

فهي مسألة حكمة وموازنة وسعةٍ ورفق، فليس كل خبر يحتمله ويعقله كلّ أحد، وليس كل دواء يصلح لكل مريض، ومن الشرع عام وخاص، ومطلق ومقيد. مع التنبّه إلى أنّ البشارة تسبق النذارة، والتيسير يسبق التشديد، فرسول الرحمة قال: «يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا» ([1])

 والجادّة؛ أنّ المؤمن يسير إلى الله تعالى بالحب العظيم والرجاء الكبير مع الخوف والهيبة والوجل والحياء، فالدين دين سعادة وسرور ومحبة، والعبادة التي تؤدَّى بمحبةٍ لله تعالى، وعظيمِ رجاءٍ بما لديه، وحسنِ ظنٍّ به مع حياء وتوقير وهيبة وإجلال وخشية، أجملُ وأروح وألذّ وأطيب وأروحُ وأثبت من العبادة التي يسوقها الخوف فقط، أو أن يزيد على منسوب الحب والرجاء، فالسوداوية ذريعة لسوء الظن بمن لا يأتي الخير إلا منه تبارك وتعالى، والنبي ﷺ هو أخشانا لله تعالى وأخوفنا منه وأحيانا منه وأوقرنا له وأعلمنا بما يتقي، وهذا لا يعني أن نُعْنَا فقط بالمخوف دون المحبوب والمرتجى، والميزان المستقيم هو عبادة الله تعالى بالحب والرجاء والخوف معًا.

ومراد من قال من السلف بزيادة الخوف على الرجاء وقت النشاط هو لجم النفس عن الطيش والخبط في الخطيئة، وعن الأمنِ في الغفلة، وعن التساهل في المعصية، وليس مقصودهم أن يعيش المؤمن في خوفٍ وقلقٍ، وعدم استمتاع بالحياة في تقوى الله تعالى، والسرور بالإيمان به، والسعادة بطاعته، والفرح به غاية الفرح وتمام السرور، وهذه وصايا القرآن وجادّة المرسلين.

 وإنّ نصوص التشويق والفرح والسرور وحسن الظن والرجاء والرغبة - وفوق ذلك المحبة العظيمة - تجدها مُلحّة متوافرة مجملة ومفصلة في الوحي العظيم بشقّيه كتابًا وسنّة.

وبالجملة؛ فمن عرف الله بحقٍّ: أحبّه ورجاه وخافه واستحيا منه وعبده حتى يأتيه اليقين.

والواعظ الحكيم هو من عرف حاجة القلوب التي أحضرت أسماعها لخطابه، وألقت أزمّة عقولها لحديثه، فيسوقها لعبودية ربها بحسب جوعتها وحاجتها، فهو كالمُطعِمِ والطبيب، فإن رأى منها غفلة عن الآخرة وركونًا للدنيا أرخى لها زمام الخوفِ بقدرٍ مما صحّ من نصوص الوحي وأخبار الناس حتى تستقيم لمنهاج ربها تعالى، وإن رأى منها نوع انقباض فإنّه يروحها بحكمته ورحمته بآيات الرجاء وأحاديث حسن الجزاء ونحو ذلك.

وفي رؤيا لابن القيم في شيخه رحمهما الله وقد ذكر له شيئًا من أعمال القلوب التي يقدّمها؛ فأخبره شيخه أنّه لا يعدل شيئًا بالفرح بالله تعالى. وصدق رحمه الله، فالفرح بالله بالعلم به وبدينه وآلائه لا يعدلها شيء، ولا أسرع لطاعة وأقوم لعبودية القلب مثلها وهي ثمرة محبته تبارك وتعالى.

وإلى ما ذكرنا من الموازنة نبّه المجدّد وأئمة الدعوة، وهو المذهب الحسن، فلا يطغى الخوف حتى يصل بصاحبه للقنوط واليأس، ولا ينقص حتى يُفضي للأمن من مكر الله تعالى، والمحبة من وراء ذلك كله.

والمقصود؛ أنّ باب الرجاء في الشرع أوسع من باب الخوف مع أهميتهما جميعًا، وذلك لأمرين:

الأول: أنّ رحمة الله تعالى قد سبقت غضبه، وعفوه مؤاخذته، ورحمته قد وسعت كل شيء، ووسع كل شيء رحمة وعلمًا.

الثاني: أنّ نظَرَنا للرجاء ليس لأنّنا أهل له؛ بل لأن الله تعالى أهل له، وإن قصرت أعمالنا عن إدراك أطرافه، والحمد لله رب العالمين.

وقد حدثني أحد الإخوة في الله تعالى أن استقامته - قياسًا بما مضى من غفلته - قد مرت بطبَقين:

الأول: أنّه قد غلب عليه الخوف الشديد حتى أفضى به لسوداوية ورعب وفزع حتى في دعائه وسجوده حتى كاد أن يتلف فزعًا وخوفًا من سوء العاقبة، حتى أنه لم يجد للعبادة حلاوة ولا للتلاوة طلاوة ولا للذكر حضور قلب إلا بفزع وفَرَقٍ يقلقل ما بقي من شوارد فكره، فكان على الدوام يترقّب أسوأ الأمور، ويتوقع أقبح الأحوال، ويتنظر شرّ العواقب في الدنيا والآخرة، لأنه لا يرى إلا نصوص الوعيد ولا يسمع إلا أخبار الهلاك حتى كاد أن يكون حرَضًا أو هالكًا!

فهذا مريضٌ مدنف كاد أن يُوْدِي به الخوف للمتالف لولا أن تداركه الله تعالى بلطفه، بعلم وسكينة وأمنٍ وطمأنينة وراحة وسعادة.

والطبق الثاني: أنّ الله تعالى قد فتح على قلبه أبواب الفرح والرجاء وحسن الظن والثقة بموعود ربه تعالى مع الخوف منه وخشيته والحياء منه، فصارت عبادته مُحبّبة إليه، لذيذة لروحه، ومستراحًا من لأواء حياته، فيشتاق لها، ويلتذ ويسعد.. فسعد وفرح وسُرَّ واطمأن بربه بعد ما كان مرعوبًا مفزوعًا غافلًا عن سعة رحمته، وأنّه ارحم به من الوالدة بولدها، وهو القائل محمودًا كريمًا: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرًا عليمًا).

قال رجل للحسن: يا أبا سعيد، إني إذا قرأت كتاب الله وتدبرته، كدت أن آيس، وينقطع رجائي! ‏فقال: "إنّ القرآن كلام الله، وأعمال ابن آدم إلى الضعف والتقصير، فاعمل، وأبشر". وقال المغيرة بن مخارش للحسن: يا أبا سعيد؛ إنَّ لنا علماء ومذكِّرين يخوّفونا حتى يكادوا يخلعون قلوبنا، وآخرين في حديثهم سهولة.

فقال الحسن: أيها الرجل؛ إنّ مَن خوّفَك حتى تلقى الأمن خير لك ممّن أمّنك حتى تلقى المخافة. ([2])

ولما ساق الإمام الزهري خبر الرجل الذي أوصى ذريته بحرقه وذرّه بعد موته ثم ذكر بعده خبر المرأة التي عذبت في هرة حبستها حتى ماتت قال: "ذلك، لئلا يتّكل رجل، ولا ييأس رجل". ([3]) وهذا من فقهه العظيم رحمه الله تعالى.

 ولمّا صنّف المحاسبي كتابه الرعاية وفصّل وساوس النفوس في شأن تحقيق الإخلاص اشتدّ ذلك على كثير من العُبّاد والنّسّاك، وشكّوا في تديّنهم وصلاحهم وإخلاصهم، فأصابهم انتكاس وقنوط ويأس، وقد زجر الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن ذلك.

ومما يتبع ذلك: أنّ بعض التوجيهات والوصايا والمواعظ إنما تحسن لقوم دون قوم، فما كلّ ما يُعلم يقال، وما كل ما يقال حان وقته، وما كل ما حان وقته حضر أهلُهُ. ومن فقه الدعوة إلى الله فقه أحوال الناس.

وبالجملة؛ فلا يسع امرأً الغفلة عن سعة رحمة رب العالمين مهما كان حاله، لأنه من سوء الظن به، وسوء الأدب معه، ونقص توقيره وتعظيمه.

وإنّ من دلائل رحمة الرحيم تعالى أنْ ذكر أخطاء أنبيائه ورسله في كتابه، فإذا كان هذا صفوة خلقه وهم أحبهم إليه؛ فما سواهم خطّاؤون كذلك، قال ﷺ: «كلُّ بني آدم خطاءٌ، وخيرُ الخطائين التوابُون» ([4])، وقال ﷺ: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يذنبون، فيستغفرون، فيغفر لهم» ([5])، وقال ﷺ: «أذنب عبدٌ ذنبًا فقال: اللهمَّ اغفر لي ذنبي، فقالَ تعالى: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أنَّ لهُ ربًا يغفرُ الذنب ويأخذُ بالذنبِ، ثمَّ عادَ فأذنبَ، فقال: ربِّ اغفر لي ذنبي، فقال تعالى: أذنبَ عبدي ذنبًا فعلم أنَّ له ربًا يغفرُ الذنب ويأخذُ بالذنب، ثمَّ عاد فأذنب، فقال: ربِّ اغفر لي ذنبي، فقال تعالى: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أنَّ له ربًا يغفرُ الذنبَ ويأخذُ بالذنبِ، اعمل ما شئت فقد غفرت لك» ([6])، وقال ﷺ: «قال الله تعالى: يا ابن آدمَ، إنَّك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبُك عنان السماءِ ثمَّ استغفرتني غفرتُ لك ما كان فيك ولا أبالي. يا ابن آدم، إنَّك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتُك بقرابها مغفرةً» ([7])، وعن جندب رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ «حدَّثَ أن رجلًا قال: والله لا يغفرُ الله لفلانٍ، وأنَّ الله تعالى قال: من ذا الذي يتألَّى عليَّ ألّا أغفر لفلانٍ، فإنِّي قد غفرتُ له وأحبطتُ عملك» ([8])

والمقصود؛ أنّ بعض الوعّاظ والقصاص يكثرون على الناس أخبار الخوف وبخاصة ما يتعلّق بأحوال القبر وأهواله مما صح ومما لم يصح، وبرؤى كثيرها مرسل لا يُعرف صاحبه، وبعضه لا يعقل، وبعضه سوداويٌّ مسيئ الظن بتدبير الله وأفعاله، مخالف ليسر الإسلام وبهجته بالإيمان، وسعادته وسروره بأنواع العبادات، والحكيم هو من وازن الأخبار وفحص النصوص ونصح الناس بما يصلحهم، وليس بالضرورة أن ما يناسبه يناسبهم.

واعلم أنّ في كتاب الله تعالى وسنة نبيه غُنية وكفاء لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والأمثلة والشواهد لهذا كثيرة، ومقصودنا: أنْ يسيرَ الناس إلى الله تعالى بفرح ورجاء وخوف وحياء، وليس كإحساس العبد الذي يُقاد إلى سيده الذي لا يعفو ولا يرحم ولا يحلم ولا يعتب، فهو أرحم الراحمين وخير الغافرين، وهو البر الرحيم، وبالله تعالى العصمة والهدى والتوفيق.

ونختم بكلام نفيس جدًّا في هذا الباب للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، قال في الداء والدواء: "وإذا كان النبي ﷺ أولى بنا من أنفسنا في المحبة ولوازمها، أفليس الربّ ﷻ، وتقدّست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جدّه، ولا إله غيره- أولى بمحبّيه وعباده من أنفسهم؟

وكلُّ ما منه إلى عبده المؤمن يدعوه إلى محبته، مما يحبّ العبد أو يكره. فعطاؤه ومنعه، ومعافاته وابتلاؤه، وقبضه وبسطه، وعدله وفضله، وإماتته وإحياؤه، ولطفه وبرّه، ورحمته وإحسانه، وستره وعفوه، وحلمه وصبره على عبده، وإجابته لدعائه، وكشف كربه، وإغاثة لهفته، وتفريج كربته -من غير حاجة منه إليه، بل مع غناه التامّ عنه من جميع الوجوه - كلُّ ذلك داع للقلوب إلى تألّهه ومحبته.

بل تمكينُه عبدَه من معصيته، وإعانتُه عليه وسَترُه حتى يقضي وطره منها، وكلاءته وحراسته له وهو يقضي وطره من معصيته، بعينه، ويستعين عليها بنعمه؛ من أقوى الدواعي إلى محبته.

فلو أنّ مخلوقًا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم يملك قلبَه عن محبته، فكيف لا يحبّ العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسن إليه على الدوام بعدد الأنفاس، مع إساءته؟ فخيره إليه نازل، وشرّه إليه صاعد، يتحبّب إليه بنعمه وهو غنيّ عنه، والعبد يتبغّض إليه بالمعاصي وهو فقير إليه ([9])، فلا إحسانُه وبرّه وإنعامه عليه يصدّه عن معصيته، ولا معصيةُ العبد ولؤمُه يقطع إحسانَ ربّه عنه!

فأَلْأمُ اللؤم تخلّفُ القلوب عن محبة مَن هذا شأنه، وتعلّقُها بمحبة سواه!

وأيضًا فكلّ من تحبّه من الخلق ويحبّك إنّما يريدك لنفسه وغرضه منك، والله يريدك لك، كما في الأثر الإلهي: «عبدي، كلٌّ يريدك لنفسه، وأنا أريدك لك» فكيف لا يستحي العبد أن يكون ربه له بهذه المنزلة، وهو مُعرِض عنه، مشغول بحبّ غيره، قد استغرق قلبَه محبةُ سواه؟

وأيضًا فكلّ من تُعامله من الخلق إن لم يربح عليك لم يُعاملك، ولا بدّ له من نوع من أنواع الربح. والربّ تعالى إنّما يعاملك لتربحَ أنت عليه أعظمَ الربح وأعلاه. فالدرهم بعشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة بواحدة، وهي أسرع شيء محوًا.

وأيضًا فهو سبحانه خلقك لنفسه، وخلق كلَّ شيء لك في الدنيا والآخرة. فمن أولى منه باستفراغ الوسع في محبته وبذل الجهد في مرضاته؟

وأيضًا فمطالبك، بل مطالب الخلق كلهم جميعًا لديه، وهو أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، وأعطى عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمّله. يشكر القليل من العمل وينمّيه، ويغفر الكثير من الزلل ويمحوه. ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ لا يشغله سمع عن سمع، ولا يغلّطه كثرة المسائل، ولا يتبرّم بإلحاح الملِحّين، بل يحبّ الملحّين في الدعاء. ويُحِبّ أن يُسألَ، ويغضب إذا لم يُسال. يستحي من عبده حيث لا يستحي العبد منه، ويستره حيث لا يستر نفسه، ويرحمه حيث لا يرحم نفسه. دعاه بنعمه وإحسانه وأياديه إلى كرامته ورضوانه، فأبى. فأرسل رسله في طلبه، وبعث إليه معهم عهدَه. ثم نزل سبحانه إليه بنفسه، وقال: «من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فاغفر له؟» ([10])

وكيف لا تحبّ القلوبُ من لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيّئات إلا هو، ولا يجيب الدعَوات إلا هو، ولا يُقيل العثَرات ويغفر الخطيئات ويستر العورات ويكشف الكرُبات ويُغيث اللهفات ويُنيل الطلَبات سواه؟

فهو «أحقُّ مَن ذُكِر، وأحقّ من شُكِر، وأحقّ من عُبد، وأحقّ من حُمِد، وأنصَر من ابتُغِي، وأرأف من ملَك، وأجود من سئلَ، وأوسع من أعطى، وأرحم من استُرْحِم، وأكرم من قُصِد» ([11])، وأعزّ من التُجئ إليه، وأكفى من تُوُكِّل عليه. أرحَمُ بعبده من الوالدة بولدها ([12])، وَأشدّ فرحًا بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة، إذا يئس من الحياة ثم وجدها ([13]).

وهو الملِك لا شريك له، والفرد فلا ندّ له. كلّ شيء هالك إلا وجهه. لن يُطاع إلا بإذنه، ولن يُعصى إلا بعلمه. يُطاع فيَشْكرُ، وبتوفيقه ونعمته أطِيعَ. ويُعصَى فيغفر ويعفو، وحقُّه أضِيعَ.

فهو أقرب شهيد وأجلّ حفيظ. وأوفى وفيّ بالعهد، وأعدل قائم بالقسط. حال دون النفوس، وأخذ بالنواصي، وكتب الآثار، ونسخ الآجال. فالقلوب له مفضية، والسرّ عنده علانية. والغيب لديه مكشوف، وكلّ أحد إليه ملهوف.

عنَتِ الوجوه لنور وجهه، وعجزت القلوب عن إدراك كنهه، ودلّت الفِطَر والأدلّة كلّها على امتناع مثله وشبهه. أشرقت لنور وجهه الظلمات، واستنارت له الأرض والسماوات، وصلحت عليه جميع المخلوقات. «لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام. يحفظ القسط، ويرفعه.  يُرفَع إليه عملُ الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل. حجابه النور، لو كشفه لأحرقتْ سُبُحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» ([14])

ما اعتاض باذلُ حبّه لسواه ... مِن عوضٍ ولو ملَكَ الوجودَ بأسرِهِ" ([15])

والحمد لله رب العالمين.

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com

28/ 5/ 1446



([1]) البخاري (٦٩) ومسلم (١٧٣٤).

([2]) حسن التنبه لما ورد في التشبه، نجم الدين الغزي ٧/‏٤٤٠

([3]) مسلم (٢٦١٩)

([4]) الترمذي (٢٤٩٩)، وقال: هذا حديث غريب. وقال الألباني: حسن (٢٠٢٩).

([5]) البخاري (٧٥٠٧) ومسلم (٢٧٥٨).

([6]) مسلم (٢٧٤٩).

([7]) الترمذي (٣٥٤٠) وصححه الألباني.

([8]) مسلم (٢٦٢١).

([9]) مأخوذ من أثر إلهي، قال وهب بن منبه إنه قرأه في بعض الكتب كما في حلية الأولياء (٤/ ٣١).

([10]) البخاري (٢/ ٥٣) (١١٤٥)، ومسلم (١/ ٥٢١) (٧٥٨).

([11]) هذا لفظ حديث أخرجه الطبراني في الكبير وفي الدعاء عن أبي أمامة الباهلي أن النبي ﷺ كان إذا أصبح قال: .... وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١١٧): رواه الطبراني وفيه فضالة بن عبيد مجمع على ضعفه.

([12]) البخاري (٥٩٩٩) ومسلم (٢٧٥٤).

([13]) البخاري (٦٣٥٨)، ومسلم (٢٧٤٤).

([14]) مسلم (١٧٩).

([15]) الداء والدواء (١/‏٥٣٦ – ٥٣8).

السبت، 7 ديسمبر 2024

سلسلة مقالات: وَقَدْ يَجْمَعُ اللهُ الشَّتِيْتَيْنِ (8) بقافيةٍ أنْفَاذُها تقطُرُ الدِّمَا

 

سلسلة مقالات: وَقَدْ يَجْمَعُ اللهُ الشَّتِيْتَيْنِ

(8)

بقافيةٍ أنْفَاذُها تقطُرُ الدِّمَا

   بِتنا على شاطئ الخليج, كيما نغنم بركة البكور, وقد لمحت صاحبي في الغسقِ قائماً يصلي قد صف قدميه بين يدي ربه وراوح بينهما وبين جبهته, وهو إن لم يُطِلِ الصلاة إلا أنه خشوعه فيها وطمأنينته في أركانها مع طول سجوده وابتهاله كافٍ في مَدِّ خزّان القلب بالإيمان والرفرفة الروحانية بين سبع الطباق. حقّاً إن مُتَعَ الحياة لا تحلو إلا بطاعة ربِّ العباد, أما مع المعصية فلا تسل عن الضيقة والحشر حتى وإن بَجَدَ العبدُ ملاذّه بلا حساب! ناهيك عن شؤمها في الدارين, والله المستعان. خُذها فهي تجربةُ سَمعتها من حكيمٍ جرّب وَحَذِقَ وجرى في المضمار حتى النهاية, فعاد نادماً باكياً.

    قمنا مع انشقاق السماء بفالق الإصباح, فأذَّن صاحبي, فصلّينا الرَّغيبة ثم أردفناها بالفريضة, ثم ركبت القارب الذي استأجرناه بعد أن وضعتُ فيه ما خَفَّ ولَزِمَ من مؤنة الطعام والشراب, وقد خُطَّ على جنبتيه بلون أحمر باهت فارس الخليج. ولا أدري ما هذا الفارس الذي يمشي على خليج العرب إلا إن كان العلاء بن الحضرمي وأصحابه رضوان الله عليهم. أما صاحبي فدسّ في مقدَّمة القارب صندوقاً دقيقاً طويلاً قد جمع فيه حاجة الصيد. وبعد تأكّده من الوقود؛ فكّ قيد القارب ودفعهُ برفق في ضحلِ البحر الأخضر الصافي, ورجلاه تعصفان بقرار طين البحر عواصف متماوجة من غبار الطّمي البحري وقطعٍ من طحالبه وعوالقه, وسُمَيْكاتٌ كأنهن دنانير فضةٍ من لمعِ جنوبها بين رجليه. وهو يشدو بأنفاس متقطِّعة مع أبي تمام حبيب الطائي كأنما يُخاطِبُ نفسه:

أَعاذِلَتي ما أخشنَ اللَّيْلَ مَرْكباً ... وأَخشن منه في المُلِمَّات راكِبُه

ذَرِيني وأهوال الزَّمان أقاسِها ... فأهوالُه العُظْمى تَليها رغائبُه

أرى عاجزاً يُدعى جليداً لقسمه ... ولو كُلِّفَ المُقْوِي لكلَّتْ مضاربُه

وعفّاً يُسمَّى عاجزاً بعفافِهِ ... ولولا التُّقى ما أعجزته مذاهبُه

وليس بعجزِ المرءِ أخطأه الغنى ... ولا باحتيال أدرك المال كاسبُه

    ثم قال: سقى الله شَرْخَ الشباب, ومشتهى الأحباب! فأجبته ببيتي كَعْبِ بنِ زهير وعيني ترمق خلفه أشجاراً وارفة في مِهْمَهٍ قفر, بجوار منزل قديم قريب من الشاطئ وأُترجُّها متدلٍّ من الأشجار كنواهد الكواعب الأبكار :

ولَيْسَ لمن لم يَرْكب الهوْلَ بُغْيةٌ ... وليس لِرَحْلٍ حَطًه الله حامِلُ

إذا أنتَ لم تُعْرِضْ عنِ الجهل والخَنَا ... أصبتَ حَليماً أو أصَابَكَ جاهلُ

يا صاحبي:

على المرء أن يسعى إلى الخير جهدَهُ   ...   وليس عليه أن تتم المقاصدُ

        شَقَّ قاربنا بجُؤْجُؤِهِ صفحة الماء في صباح ربيعيٍّ جميل, في رحلةٍ بحرية لا تحول ذكراها على مدى الأيام, ولا تزول بطوال الليالي. وبفضل ربي فقد كانت السماء صافية والبحر ساكناً, وكان صاحبي هو من يقود القارب ويتّجه جهةَ عين الشمس التي ذَرَّ شارِقُها كأجمل ما تكون, كأنها صبيّة حسناء سفرت ضاحكة لكهلٍ أخضر القلب!

    قال صاحبي وقد أُعجِب بما أُعجِبت به: ذكرتني هذه الجميلة بصاحبة العتبي قال: خرجت حاجّاً فلما صرت بقباء تداعى الوفد وإذا جارية كأن وجهها السيف الصقيل, فلما أرميناها بالحدق ألقت البرقع على وجهها، فقلت لها: إنا سفرٌ وفينا أجرٌ فأمتعينا بالنظر إلى وجهك, فانصاعت وأنا أغرف الضحك في وجهها وأنشدت:

وكنتَ متى أرسلتَ طَرْفَكَ رائداً ... لقلبك يوماً أتعبتك المناظرُ

رأيتَ الذي لا كله أنتَ قادرٌ ... عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ

    قال: فانصرفتُ وفي قلبي من هواها كجمر الغضا! ثم صاح ملتفتاً كأنما يخاطب العتبي: قد أَنْذَرَتْكَ اللعوبُ, فمالك ولحبائل المنايا؟!

     تهادى القارب الرشيق كأنه تيسٌ عارضي ينقز على كثبان النفود, أو ظبي حجازي يرعى سَلَمَ تِهَامَةَ. فملأت رئتي من نسيم الصباح المُفْعم بمِلْحِ الخليج, ثم صدَحتُ مترنِّماً بموشحة ابن الخطيب التي تفيض ماءً وتشعُّ رونقاً:

جادَكَ الغيثُ إذا الغيث هَمَى ... يا زمان الوصل بالأندلسِ

لم يكن وصلك إلا حلماً ... في الكرى أو خلسةَ المختلِسِ

    ثمّ ازدادَ حنين محرّك فارس الخليج وعلا صوته وارتفعت مُقَّدِمَتُهُ إثر زيادة السرعة الفُجائية ممن انتشى كأنه غلامٌ يافع يقود سيارة والده لأول مرّة! ثم قال رافعاً صوته وبالكاد أُميِّزُهُ: إنّي هُنا على طبيعتي وسجيّتي, فهل ترى أن ألبير كامو خالفته الحقيقة حينما قال: الإنسـان هو المخلوق الوحيد الذي يرفض أن يكون على حقيقته؟! قلت: وهل أنت قبل رحلتنا على حقيقتك؟ أم كنت تختفي خلف أسوار الحزن وتقتل نفسك في زنازين الضنى النفسي؟! قال_وأسراب نوارس وطيور بحر قد غطت الأفق_: صدقت, وصدق من قال:

أَسِرْبَ القَطَا هل من يعير جناحَهُ   ...   لعلِّي إلى من قد هويتُ أطيرُ

     ولكني الآن على حقيقتي يا رفيقي وسترى. ثم سكت كلانا متأملاً ما حوله من جمال يأخذ الألباب حسنه, من جزرٍ متناثرة متماهية مع ما حولها من لوحات الحسن والروعة, والأمواجُ تدغدغُ أقدامَ شواطئها المرمرية بكَسَلٍ, وتحوطها  مياهٌ لازوردية تتهادى وتتماوج فوق هياكل المرجان كأنها تجاعيد يد عجوزٍ ثريِّةٍ رُصِّعت بنقوش الحنّاء وحُلِّيت بنفيس الجواهر. وتذكرت قول قيس بن الخطيم وأنا أنظر للشمس:

تبدتْ لنا كالشمسِ بين غمامةٍ   ...   بدا حاجبٌ منها وضنّتْ بحاجبِ

      هذا, وقاربُنا يرمقُ الجزرَ من بعيد خشيةً من غيلةِ صخور المرجان, وبعد جوازها؛ رفَعَ صاحبي سنّارتين عظيمتين بعد أن ثبَّتَهُما بزاويتي القارب الخلفيتين وأعمق سلك الطعم أربعين متراً, ثم دار دورات كبيرة في محيط دائرة يزيد قطرها على خمسة أميال, أخذت تتناقص شيئاً فشيئاً حتى توقف بعد خمسين دقيقة في مركز الدائرة, ولم يَعْلَقْ بطُعمه حوتٌ واحد!

     توقف رَكْبُ فارس الخليج,  وألقينا شباكاً موصولةً بحبال غليظة, ثم تناول كلٌّ منا سنارته الصغيرة وألقاها بعد أن أطعمها الرّبيان. وكنت أظن قبل هذه التجربة أن الصيد بالسنّارة مُمِلٌّ, لكن التجربة خير برهان لزيف تيك الدعوى!

    بقينا قرابة الساعتين لم يرفّ جفن السنارات إلا بحركات ضعيفة لا تكاد تُذكَر, خلا مرة رفعت سنارتي بعد الانتباه لجذب شيء ما, لكن أطلت الغيبة فعدْتُ بالخيبة التي ملأتني حين رفعتها خالية من الطُّعْمِ والمطعوم! وبالطبع فلم يفوّت صاحبي مثل هذه بتعليقات لاذعة.

 وبعد أن مَتَع النّهار رزقنا الله بأنواع من السمك, أتذكَّر منها سمكاً متوسطاً هو الهامور, كذلك وُهِبْنا أنواعاً أكبر وأصغر منه, إلا أن النَّاجل ليس منها, فموطنه _على ذمّة صاحبي_ البحر الأحمر.

    أثناء الانتظار الذي يتخلله سكوت متأمّل طويل, وما أجمله ولا يعرف أهل الصّخب لذته وجدواه, كنا نأخذ بأطراف الحديث ومنها الأدب, فقلت: هل لك في شيء من بوحك؟ فنظر متعجبّاً ثم هزّ رأسه قائلاً: يقول الجاحظ: مراتب الشعراء أربع؛ الفحلُ الخِنذيذ, ثم الشاعر المفلِّق, ثم الشاعر, ثم الشعرور. وما صاحبك من هؤلاء بشيء ولكنه متذوّق.

    فأجبته: أَصاحبي, إن مع الارتياض في الشعر, وطول الملابسة له وكثرة الدربة تؤتي الشاعرية أُكُلَها, ولا يكاد يتخلّف القريض, وما أُراك إلا قد غطّيتَ شِعْرَكَ بتواضعك! قال: لا عليك, ولعلك أحسنت الظنَّ حتى أعشاك, وبكل حال سأحدثك حديث القوم. فمنهم بشار وتأمل هذه القطعة الاستبرقيّة:

وبيضاء المحاجِرِ من مَعَدٍّ   ...   كأنَّ حديثها قطع الجِنان

إذا قامت لسُبحتها تثنّت   ...   كأن عظامها من خيزُران

    وقال قيس بن ذريح:

وحدَّثْتَنِي يا قلبُ أنَّكَ صابرٌ   ...   على البُعْدِ من لُبْنَى فسوف تذوقُ

فَمُتْ كَمِداً أو عِشْ سقيماً فإنما   ...   تُكلِّفُني مالا أراك تطيقُ

    وقال نُصَيْب في حكمة بديعة ودفقٍ صادق:

وما في الأرض أشقى من مُحِبٍّ   ...   وإن وجد الهوى حلو المذاقِ

تراهُ باكياً في كل حينٍ   ...   مخافةَ فرقةٍ أو لاشتياقِ

فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم   ...   ويبكي إن دنوا خوف الفراقِ

فتسخُنُ عينُه عند التنائي   ...   وتسخنُ عينُه عند الفراقِ

    ولعمر بن أبي ربيعة المخزومي, ونهر شعره ثرٌّ وهي من أجود شعره:

فلما التقينا واطمأنَّتْ بِنَا النَّوى   ...   وغُيَّبَ عنا من نخافُ ونُشفقُ

أخذتُ بكفي كفّها فوضعتُها   ...   على كبدٍ من خشية البينِ تخفقُ

فقالتْ لأترابٍ لها حين أيقنتْ   ...   بما قد أُلاقي إنّ ذا ليس يصدقُ

فقُمْنَ لكي يُخليننا فترقرقتْ   ...   مدامعُ عينيها فظلّت تدفّقُ

فقالت أما ترحمّنَنِي أن تدعنني   ...   لديه وهو في ما علِمْتُنَّ أخرقُ

فقلن اسكتي عنَّا فلستِ مطاعة   ....   وخِلُّكِ منّا فاعلمي بكِ ارفقُ

    وللفخم الفصيح أبي صخر الهذلي تسهيل تصوير المراد ونجاح الإصدار والإيراد:

أما والذي أبكى وأضحكَ والذي   ...   أمات وأحيا والذي أمره الأمرُ

لقد ترَكَتْنِي أحسد الوحشَ أن أرى   ...   أليفين منها لا يروعُهُما الذُعرُ

فيا حُبَّهَا زدني جوىً كل ليلة   ...   ويا سلوة الأيام موعدك الحشرُ

وأني لتعروني لذكراك هزّةٌ   ...   كما انتفض العصفور بلّله القطرُ

هل الوجد إلا أن قلبيَ لو دنا   ...   من الجمر قِيدَ الرمح لاحترق الجمرُ

    ولذي الرِّمة وانظر قطعة من لوحاته التي تضاهي جمال وبهاء المولانيزا وغموضها:

فإن يرتحل صحبي بجثمانِ أعظمي   ...   يَقُمْ قلبيَ المحزونُ في منزل الركْبِ

وللسمهريّ:

وبيضاء مِكْسَال لعوب خريدةٍ   ...   لذيذٍ لدى ليل التمام شمامُها

كأن وميض البرقِ بيني وبينَها   ...   إذا حان من بعض البيوت ابتسامُها

    قلت وأنا أشد السنارة وأُديرُ بكرةَ خيطِها:  يا لجميل بثينة إذ يقول:

حلّـت بثينة من قلبـي بمنزلةٍ  ...    بين الجوانح لم ينزل بها أحدُ

يا ليتَنَا والمُنى ليست مقربة  ...    أنّا لقيناك والأحراس قد رقدوا

فيستفيـق محـبُّ قد أضرّ به   ...    شوقٌ إليك ويشفى قلبه الكَمِدُ

وعاذلون لَحَوني في مودّتهـا   ...   يا ليتهم وجدوا مثلَ الذي أجدُ

    وقد أولعته بثينة بِرَدِّها الأنثوي الوفي وسفحت دم هواه حتى بَرَدَ بقولها:

سواء علينا يا جميلَ بن معْمرٍ   ...   إذا مِتَّ بأساءُ الحياة ولينُها

    قال: لقد أُخِذْتَ بجميل!  فَهَاكَ لجميلٍ كذلك:

ومما شجاني أَنَّهَا يـومَ ودّعـت    ...    تولّت وماء العين في الجفن حائرُ

فلمّا أعـادت من بعيـد بنظـرة   ...    إليّ التفاتا أسلمتـه المحـاجـرُ

وانظر كيف يقول العتبيّ:

أضحتْ بخدِّي للدموعِ رسومُ   ...   أسَفَاً عليك وفي الفؤاد كلومُ

والصبرُ يحسنُ في المواطن كلّها   ...   إلا عليك فإنه مذمومُ

وكيف قال الشاعر الشريف الرضي:

يا ظبيةَ البانِ ترعى في خمائلِهِ   ...    ليَهْنِكِ اليومَ أن القلبَ مرعاكِ

الماءُ عندَكِ مسكوبٌ لشاربه   ...   وليس يُرويكِ ألا مدمع الباكِ

هبَّت علينا من رياح الغور رائحة   ...   بعد الرُّقاد عرفناها بريَّاكِ

ثم انثنينا إذا ما هزَّنَا طربٌ   ...   على الرحال تعلّلنا بذكراكِ

أنتِ النعيمُ لقلبي و العذابُ له   ...   فما أمرَّك في قلبي وأحلاكِ

  ومن أعذب النسيب لقيس بن ذريح وختم بها ابن قتيبة نفيسهُ عيون الأخبار:

تعلّق رُوحي رُوحَها قبل خلقِنَا   ...   ومن بعد ما كُنَّا نِطافاً وفي المهدِ

فزاد كما زدنا فأصبح نامياً   ...   فليس وإن متنا بمنفصمِ العهدِ

ولكنَّهُ باقٍ على كلِّ حادثٍ   ...   وزائرُنا في ظلمة القبر واللحدِ

يكادُ حُبابُ الماء يخدش جلدها   ...   إذا اغتسلت بالماء من رقّة الجلدِ

يُثقّلها لُبسُ الحرير لِلِينٍهَا   ...   وتشكوا إلى جاراتها ثِقَلَ العَقْدِ

وأَرْحَمُ خدَّيْها إذا ما لحظْتُها   ...   حِذاراً للحظي أن يؤثِّر في الخدِّ

    قلت: صدقت في مدحك لأبياته هذه ويشبهها ويعلوها قول المجنون:

تعلقتُ ليلى وهي ذات ذؤابةٍ   ...   ولم يَبْدُ للأترابِ من من ثديها حجمُ

صغيرين نرعى البهم يا ليت أنَّنَا   ...   إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهْمُ

    فقال ضاحكاً: يا لها من أمنية! ثم جرّ سمكةً من خُطّاف السنارة الكبير, وبَقَرَ بطنها بحركة محترف مخرجاً أحشاءها, ثم ألقى طريدتنا البائسة في صندوق مخرّم مع ما سبقها من أخواتها, ثم التفت وأنشد بدون ترنم أميرة شعر كثيّر عزة وهي التائية الرائقة كأنما يتصوَّرُ نفسه كثَيَّراً ومُحدَّثُهُ أصحابه:

خليليَّ هذا ربعُ عَزَّةَ فاعقِلا   ...   قلوصيكما ثم انزلا حيث حَلَّتِ

وما كنتُ ادري قبل عزَّة ما البكا   ...   ولا مُوجعاتِ الحزن حتى تولّتِ

وكانت لقطع الحبل بيني وبينها   ...   كناذرةٍ نذرا فأوفتْ وحلَّتِ

فقلتُ لها يا عَزّ كلّ مصيبة   ...   إذا وُطّنت يوماً لها النفس ذلّتِ

يكلّفها الخنزير شتمي وما بها   ...   هواني ولكن للمليك استذلّتِ

    والخنزير هو زوجُها الذي حلف ليضربنها أو لتشتم كثيّراً وهو يسمع, لأنها جاءته وهو يبري سهاماً فحادثها وغاب عن نفسه فبرى ساعده, فمسحت دمه بثوبها فعلم زوجها. ثم تابع إنشاد التائية العجيبة:

هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامرٍ   ...   لعزّةَ مِنْ أعراضنا ما استحلّتِ

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومةً   ...   لدينا ولا مقليةً إن تقلّتِ

وإني وتَهْيَامِي بعزّة بعدما   ...   تخلّيتُ مما بيننا وتخلّتِ

لكالمُرْتَجِي ظِلَّ الغمامة كلَّما   ...   تبوّأَ منها للمقيلِ اضمحلّتِ

كأنّي وإياها سحابةُ مُمْحِلٍ   ...   رجاها فلما جاوزتْهُ استهلّتِ

    ثم كرّر البيت الأخير وَغَيْنُ حزنٍ يلوح من مآقيه, فأردتُ أن أصرف الحديث ففطن الأريب وقال وهو على حالته: دعني أنفث حرّ الجوى على لسان المجنون حيث يقول:

فيا ربِّ إنْ أهلِكْ ولمْ تُرْوَ هامَتي ... بليلَى أمتْ لا قبرَ أعطشُ مِنْ قبرِي

وإنْ أكُ عنْ ليلَى سلوتُ فإنَّما ... تسلَّيتُ عنْ يأسٍ ولمْ أسلُ عنْ صبرِ

وإنْ يكُ عنْ ليلَى غنًى وتجلُّدٌ ... فربَّ غنَى نفسٍ قريبٍ منَ الفقرِ

وانظر إلى حسن تشبيب يزيد بن معاوية رضي الله عن معاوية:

أغارُ على أعطافِهَا من ثيابها   ...   إذا لَبِسَتْهَا فوق جسم منعَّمِ

وأحسد كاساتِ تُقَبِّلُ ثغرها   ...   إذا وضعَتْهَا موضع اللثم في الفمِ

   وإن بعض المغمورين أجود عندي من كثير من المشاهير, وأجزل وأقدر, وكم من درة في موضع لم تكرم؟! فاجعل ذلك  منك على ذكر.

     قلت: الأمور الذوقية لا يحسُن فيها الملام, فثمّ سقف متوسط يطولُه عامة الشعراء, وهو مقبولٌ ما لم يخرم أركان الشعر لفظاً أو معنى, أما ما جاوز ذلك فتختلف فيه الأذواق, وإن كانت هناك غُررٌ تتابع الأدباء على مدحها وتعاوروا على استحسانها, فمن لم يُعجب بها فذائقته محتاجة لذائقة!

    فقال: هات مما عندك مما تراه غرراً, واجعل بدايتها نسيبيّة.

    قلت: كأمثال قول ذي الرمة:

إذا هَبَّتِ الأرواحُ من نحو جانبٍ   ...   به أهلُ مَيٍّ هاجَ قلبي هبوبُهَا

هوىً تذرف العينانُ منه وإنما   ...   هوى كلّ نفسٍ حيث كان حبيبُهَا

   وقول ابن الدمينة:

قفي قبل وشْك البين يا ابنة مالك   ...   ولا تحرمينا نظرة من جمالكِ

قِفِي يا أميمَ القلب نَقْضِ لبانةً   ...   ونشكوا الجوى ثم افعلي ما بدا لكِ

لئن ساءني أن نِلْتَنَي بمساءةٍ   ...   فقد سَرَّنِي أن قد خطرت ببالكِ

    وللحسين بن مطير:

قضى الله يا أسماء أن لستُ بارحاً   ...   أحبك حتى يُغمضَ العينَ مُغمضُ

إذا أنا رُضْتُ القلبَ في حبِّ غيرها   ...   بدا حبُّها من دونه يتعرضُ

    وأنشد الميداني وبيته الأخير جبّار:

حننتُ إليهم والديارُ قريبةٌ   ...   فكيف إذا سار المطيُّ مراحلا

وقد كنتُ قبل البين لا كان بينُهُم   ...   أُعاينُ للهجران فيهم دلائلا

وتحتَ سجوف الرقمِ أغيدُ ناعمٌ   ...   يميسُ كخُوط الخيزرانة مائلا

وينضو علينا السيفُ من جفْنِ مقلةٍ   ...   تُرِيقُ دمَ الأبطالِ في الحب باطلا

    وتأمل بيت عنترة في جمعه الحب والشجاعة والوصف الخلاب, الذي لم تفتّق ألسنة العرب على مثل بديعه وجماله, وإن تعاور الشعراء على إيراد شبيهه لكنهم لم يصنعوا شيئاً إذ حاز عنترة بهذا وشبهه فضيلة العفاف مع المحبة, والشجاعة مع تقدير الجمال, وقد عَرِيَ عن مثل ذلك شعراء لم ينفق شعرهم على الخاصة, بلْه العامة, نعم فالمشرب العذب كثيرُ الزحام, قال عنترة:

ولقد ذكرْتُكِ والرِّماحُ نواهلٌ   ...   مِنِّي وبِيْضُ الهِنْدِ تقْطرُ منْ دمي

فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنها   ...   لمعت كبارق ثغركِ المتبسِّمِ

    ولصالح عبد القدوس وقد قالها في أُخريات عمره, وأقول إنها أميرة شعره, وهي خزانة حكمة, ونسبها بعضهم لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه ومنها:

صَرَمَتْ حِبَاْلَكَ بَعْدَ وَصْلِكَ زَيْنَبُ  ...  و الدهر فيه تصرّم وتقلبُ

دَعْ عَنْكَ ما قَدْ فات في زَمَنِ الصِّبا  ...   واذكر ذنوبكَ وابكها يا مذنبُ

واخْشَ مناقَشَة َ الحِسَابِ فإِنَّه ...  لا بدّ يحصى ما جنيت ويكتبُ

لم يَنْسَهُ المَلِكانِ حين نَسِيْتَه   ...   بَلْ أَثْبَتَاهُ وَأَنْتَ لاهٍ تَلْعَبُ

و الرُّوحُ فيك وديعة أُودِعْتَها  ...  سيردّها بالرغم منك وتسلبُ

وَغُرورُ دُنْياكَ التي تَسْعَى لها  ...  دارٌ حَقِيقَتُها متاعٌ يَذْهَبُ

و الليل فاعلم والنهار كلاهما  ...  أَنْفَاسُنا فيها تُعَدُّ وَتُحْسَبُ

وجميعُ ما حَصَّلْتَهُ وَجَمَعْتَهُ  ...  حَقًّا يَقِينا بَعْدَ مَوْتِكَ يُنْهَبُ

فعليك تقوى الله فالزمها تَفُزْ  ...  إِنَّ التّقِيَّ هو البهيُّ الأَهْيَبُ

واعْمَلْ لطاعته تَنَلْ مِنْهُ الرِّضا  ...  إنَّ المطيع لربه لمقرَّبُ

فاقْنَعْ ففي بَعضِ القناعَة ِ رَاحَة ٌ  ...  واليَأْسُ ممّا فات فهو المَطْلَبُ

والْقَ عَدُوَّكَ بالتَّحِيَّة ِ لا تكنْ  ...  مِنْهُ زمانَك خائفا تترقَّبُ

واحْذَرْهُ يوما إِنْ أتى لك باسماً  ...  فاللَّيْثُ يَبْدو نابُه إذْ يَغْضَبُ

لا خير في ودِّ امرءٍ متملقٍ  ...  حلو اللسان وقلبه يتلهّبُ

يلقاه يحلف أنه بك واثقٌ  ...  وإِذا توارى عنك فهو العَقْرَبُ

يعطيك من طرف اللسان حلاوة ً  ...  وَيَرُوغُ مِنْكَ كما يَروغُ الثَّعْلَبُ

واخفض جناحك للأقارب كلهم  ...  بتذللٍ واسمح لهم إن أذنبوا

و دع الكذوب فلا يكن لك صاحباً  ...  إِنّ الكذوب لَبِئْسَ خِلٌّ يُصْحَبُ

وَذَرِ الحَسُودَ ولو صفا لَكَ مرَّة ً  ...  أبْعِدْهُ عَنْ رُؤْيَاكَ لا يُسْتجْلَبُ

و زن الكلام إذا نطقت ولا تكن  ...  ثرثارَة ً في كلِّ نادٍ تَخْطُبُ

واحفظ لسانك واحترز من لفظه  ...  فالمرء يَسلَمُ باللسان ويعطبُ

والسِّرُّ فاكُتُمْهُ ولا تَنطِق به  ...  فهو الأسير لديك إذ لا ينشبُ

وَاحْرَصْ على حِفْظِ القُلُوْبِ مِنَ الأَذَى  ... فرجوعُها بعد التنافر يصعبُ

إِنّ القُلوبَ إذا تنافر ودُّها  ...  شِبْهُ الزُجَاجَة ِ كسْرُها لا يُشْعَبُ

وكذاك سِرُّ المَرْءِ إنْ لَمْ يَطْوِهِ  ...  نشرَتْهً ألسنة ٌ تزيد وتكذبُ

لاْ تَحْرَصَنْ فالحِرْصُ ليسَ بِزَائدٍ  ...  في الرزق بل يُشقي الحريص ويُتعبُ

وَيَظَلُّ مَلْهُوفا يَرُوْمُ تَحَيُّلاً  ...  والرِّزْقُ ليس بحيلة يُسْتَجْلَبُ

كم عاجزٍ في الناس يؤتى رزقهُ  ...  رَغَداً ويُحرم كيس ويُخيّبُ

أَدِّ الأَمَانَة َ والخِيَانَة َ فاجْتَنِبْ  ...  وَاعْدُلْ ولا تَظْلِمْ يَطِبْ لك مَكْسَبُ

وإذا بُلِيْتَ بِنْكبَة ٍ فاصْبِرْ لها  ...  من ذا رأيت مسلّماً لا يُنكبُ

و إذا أصابك في زمانك شدة ٌ ...  و أصابك الخطب الكريه الأصعبُ

فَاسجد لِرَبِّكَ إِنَّهُ أَدْنَى لِمَنْ  ...  يدعوه من حبل الوريد وأقربُ

كن ما استطعتَ عن الأنام بمعزلٍ  ... إِنَّ الكَّثِيْرَ مِنَ الوَرَى لا يُصْحَبُ

واجعل جليسك سيداً تحظى به  ... حَبْرٌ لَبِيْبٌ عاقِلٌ مِتَأَدِّبُ

واحْذَرْ مِنَ المَظْلُومِ سَهْما صائباً  ...  و اعلم بأن دعاءه لا يُحجبُ

وإذا رَأَيْتَ الرِّزْقَ ضاق بِبَلْدَة ٍ  ... و خشيت فيها أن يضيق المكسبُ

فارْحَلْ فأَرْضُ اللِه واسِعَة ٌ الفَضَا  ...  طُولاً وعرْضاً شَرْقُها والمَغْرِبُ

فلقد نصحتك إن قبلت نصيحتي  ... فالنصح أغلى ما يباع ويوهبُ

خُذْها إِلَيْكَ قَصِيْدَة ً مَنْظُومَة ً ... جاءَتْ كَنَظْمِ الدُّرِّ بَلْ هِيَ أَعْجَبُ

يا ربّ صلِّ على النبيِّ وآله  ...  عَدَدَ الخلائِقِ حصْرُها لا يُحْسَبُ

    ولتسمحْ نفسُك ببعض الحماسة, فهي في نظري أميرة أغراض الشعر الأربعة, ولَرُبَّ جيشٍ عرمرمٍ قاده بيت شعر! وكم من فئام أسلمتهم للّحود قصيدة!

    فمن فرسان الشعراء المفلّقين قَطَري بن الفُجاءة وكان يُكْنى في السلم أبا محمد وفي الحرب أبا نعامة, وكان أطول الخوارج أياماً وأحدّهم شوكة, عائذاً بربي من بدعتهم وضلالهم. قال في قصيدة مجلجلةٍ تشم في تضاعيفها الدم, وترى الشرر بين النقع, ويْكَأنَّكَ تسمعُ قعقعةَ الحديد في جوف الصفوف, وقرْعَ القنا في الأصداغ والظهور:

يا رُبَّ ظلِّ عُقابٍ قد وقيتُ به   ...   مُهري من الشمس والأبطال تَجتلِدُ

ورب يوم حمىً أرعيتُ عَقوَته   ...   خيْلي اقتساراً وأطرافُ القنا قِصدُ

ويومِ لهوٍ لأهل الخفض ظلّ به   ...   لهوي اصطِلاء الوغى ونارُهُ تقِدُ

مُشَهَّراً موقِفي والحربُ كاشفةٌ   ...   عنها القناع وبحرُ الموت يطّردُ

وربَّ هاجرةٍ تغلي مراجِلُها   ...   مخرتُها بمطايا غارةٍ تَخِدُ

تجتاب أودية الأفزاع آمنةً   ...   كأنها أُسُدٌ يصطادُها أسَدُ

فإن أَمُتْ حتف أنفي لا أمتْ كمداً   ...   على الطعان وقصرُ العاجزِ الكَمَدُ

ولم أقل لم أساقِ الموت شارِبَهُ   ...   في كأسه والمنايا شُرَّعٌ وُرُدُ

    والعُقاب هي الراية واللواء. والعَقوة هي الساحة. وكلمة قِصَد هي جمع قصدة وهي القطعة مما يكسر. أما تخدُ  فهي مضارع وَخَدَ في سيره إذا أسرع. وقصره أي قصارا جهده.

    وقد قال أبو عبيدة لما سمعها: هذا والله هو الشعر لا ما يتعللون به من أشعار المخانيث! فضحك صاحبي لمّا سمعها حتى كاد أن يسقط في البحر, وهو يقول: يا لهول ما قال! أُتُرانا كذلك؟ قلت: لا. لكنه قال هذه العبارة أمامَ وَهَجِ أبيات قطري الفخمة الباسقة, فلعله تذكَّرَ مجونيات أبي نُواسٍ وأشباهه, وعلى كل حال فأين شعر الحماسة والقتال من شعر الرقة والنسيب؟!

    بعدها توضأنا من البحر وصلينا الظهر قصراً, ثمّ أسلمنا أعيننا لقيلولة هانئة لم يكدّرها ذباب أو ضجيج أو همّ أو قلق.

    كان صاحبي هو المستيقظ أولاً كعادته الشريفة, ولم يوقظني إلا عبق شاي الجبل يفوح من إبريقه النحاسي, وقد ذابت حبيبات السكر في مائه النمير مشكّلة هالات شفافة تراها العين حين تجعلها أما الضوء الباهر المنعكس من صفحات وجه الماء الساكن.

    أعادت تلك القيلولة التي لم تزد على نصف الساعة نشاطنا كأن لم نلق من سفرنا هذا نصباً. فقرّبت كأس الشاي وأنا أتشمّمُ بانتشاءٍ ما يضوعُ منه من عبير الأوراق السوداء الاستوائية, التي أنعشت بريحها قبل مذاقها خلايا المخّ العطشان لذلك الإكسير المُفْعِم.

    اتكّأ صاحبي على عمود المظلّة الحديدي قائلاً: كان الصَّاري للسفن قديماً مع أشرعته بمثابة محرك السفينة, وهو خَشَبةٌ تنصب في وسط السفينة, ويكون عليه شراعها, وجمعه صَّوارِي, ومنه سميت معركة ذات الصواري. ويسمى الدَّقَل.    

     وللقُصَّاصِ وأهل الحكايات قديماً شغفٌ بذكره, لرمزيته في العلو والزهو والترقب والبشارة وهكذا..وبعضهم يطلق مسمّى الصاري على الملاح. وهذا حَسَنٌ فالملاح إذن لم يذهب مع ذهاب الصاري الأصيل!

    ومن الطّرَفِ ما ذكروه من أن رجلاً تنبّأ وسمى نفسه نوحاً صاحب الفُلْكِ، وذَكَرَ أنه سيكون طوفانٌ على يديه إلا من اتّبعه، ومعه صاحب له قد آمن به وصدّقه، فأتى به الوالي، فاستتابه فلم يتب، فأمر به فصُلِبَ، واستتاب صاحبه فتاب. فناداه من الخشبة: يا فلان, أتُسلمني الآن في مثل هذه الحالة؟ فقال: يا نوح، قد علمت أنه لا يصحبْك من السفينة إلا الصاري! _أي خشبة الصلب_.

    ثم عنّت حركةً في السنارة الكبرى, وما هي إلا هنيهات حتى بَذَحَ صاحبي أحشاء هامورٍ بالغ. فنظرت خلفه وقد صررتُ عينيَّ ووضعتُ كفّيّ على حاجبي أتبيّن أسودةً مارّة. فقال إلام تنظر؟ هل رأيت صاري سندباد, أم صاري عدنان ولينا؟! فضحكتُ لطرفته وقلت: بل صاري سِلفَر! فتابع: ها نحن نعود صبياناً. قلت مُتبسّماً: الظرافة والبراءة والوداعة في الصِّبا, وفرْقٌ بين ذكر معاهد الصبا وبين التصابي, فالتصابي ليس من شيم الكرام, لكن تذكر الساعات الماضيات في الصِّبى بما فيها من عبر وأحلام وسذاجة لها نكهتها المحببة. قال: نعم فلا يهتزُّ للذكريات إلا أصحاب المروءات, وأعذَبُهَا ذكريات الطفولة.

    قلت: لقد ذكّرتني بأبيات ابن الرومي في ذكر معاهد الصبا والشباب, وقيل إنه قد عنى بها منزله الذي كان يريد أحد الأثرياء أن يشتريه منه. وبكلّ حال فهي من غُرَرِ حب الأوطان:

وَلي وطنٌ آليتُ أَلاَّ أَبيعَهُ ... بشيءٍ ولا أَلقى لهُ الدهرَ مالِكا

عَهِدتُ به شرخَ الشبابِ ونِعمةً ... كَنعمةِ قوْمٍ أصبحوا في ظِلالِكا

وقَد ألِفَتْهُ النفسُ حتى كأنهُ ... لها جسدٌ إن غابَ غودِرْتُ هالكا

وحبَّبَ أوطانَ الرِجالِ إليهمُ ... مَآربُ قضَّاها الشبابُ هنالِكا

إذا ذَكروا أَوطانَهم ذكَّرَتْهُمُ ... عُهودَ الصِبا فيها فحنّوا لِذَلِكَا

    فقال: هذه أكرم من سينيّة أحمد شوقي الذي شوّهها برغبته إليها عن جنة الخلد! فالمبالغة مملوحة في الشعر خلا أن تخطُرَ المحرّمات, ولا خير في أدبٍ يهدم الدين ولا يرفع مقامه.

    قلت: وعلى ذكر الأوطان, فهل لك في العودة للوطن_وأعني به اليابسة_؟ قال: إن شئت, إن لم تك ترغب في المبيت هنا! قلت: والعشاء يا صاحبي, أم تريد أكله نيئاً؟! فقال: قد أعددت للأمر أهبته فلا تشغل  بالك بشيء.

    تضيَّفَتِ الشمس للمغيب, معلنةً صَرْمَ النهارِ بسيف الليل الغائر كما قال الأول:

ولما رأيتُ الليلَ والشمسُ حيَّة   ...   حياة الذي يقضي حُشاشة تازِعُ

    ثم غاب قرص الشمس في أفق البحر الكهرماني الأرجواني, وقد مدَّتْ على الأفق الغربي وِشَاحَ ذهب من شفق الغروب.

     وبعد الصلاة, قام صاحبي فأضاء المركب, ثم أخرج من صندوقه عُدّةَ الشواء والطبخ, فما هي إلا ساعة حتى استرخينا نهضمُ طعامَنَا بعد ما كُنّا غَرْثانين. وقد كانت أفكارنا مع الاسترخاء والتأمل تطوف الكوكب بأسرع من الضوء, تارة في باطنه, وأخرى على سطحه أو خارجه! وقد أخَّرْنا صلاة العشاء إلى قبيل منتصف الليل.

    مرت ساعة بعد أن تناولنا العَشاء, ثم أصلحتُ شاياً فاحتسيناه وقد لاح حاجب القمر, وأنا أتأمّل هذا الكَيْفَ والمزاج بين حَدِّه الرائق الشائق, وبين حَدِّهِ الممقوت المهلك! ولكل شعبٍ كَيْف, فيكاد يتفق سكان الكوكب على الشاي والقهوة على اختلاف في طريقة تجهيزهما, ثم تنفرد الشعوب بعدهما بأمزجة وكيوفٍ مُفَتِّرَةٍ أو مُنشيةٍ مُسكرةٍ, وغالب هذه الأمزجة ضارّة مهلكة للدين والدنيا, فلله الحمد على إباحته الطيبات وتحريمه الخبائث, وله الحمد على عظيم نعمائه وجزيل آلائه.

    وبينا فكري يسبح في فضاء التأمل سمعتُ صاحبي يهينم هينمة خِلْتُها ولادة قصيدة! فتركته حتى بادرني قائلاً: لكم هي جميلة وحالمة تلك الليالي التي تبتعد فيها عن البشر, وتخلو فيها بنفسك في ليلة بدريّةٍ هادئة, أجواؤها وادعة ساكنة, يداعبُ خدَّكَ فيها نسيمُها العليل, ويتوشَّحُ كبد سمائها بدرٌ كحيلٌ أسيلٌ, لا تخالهُ إلا تاجاً على عروس, أو ملِكاً محبوباً بين الرعايا والنفوس. فإن سَاعَدَ هدوء نفسٍ وراحة بال وصفاء فكر؛ فلا أرى القصيد إلا نضيداً, والأوزان إلا قعوداً, تختار من أفانين القريض وأقاحي الربيع ما شئت, فما استُجْلِبَتْ بُنَيَّاتُ القصيد بمثل المكان الخليِّ والصحصحِ العذيِّ والخِلّ الهنيّ الوفيّ. وما أطول ليالي المحبين حال البعد والهجر! كما وصفهم بشار بقوله:

كأن الدُّجَى طالتْ وما طالتِ الدُّجى   ...   ولكن أطالَ الليلَ همٌّ مبرّحُ

    كذلك فلا بد قبل ولادة المقطوعة الأدبية _أيّاً كانت_ من أمرين: اشتعال في الصَّدْرِ, وصفاء في الفكر. فمن الأول وهو الدافع _وقد يكون حبّاً ورغبة أو ضدهما_ تثور المشاعر رطبةً غضّة متوجِّهة للأعلى, كبخار الماء, فمتى صادفت رياحاً لقاحاً في فَلَكِ العقلِ نتج عنهما السحاب المطير بالأدب الصادق بإذن الله تعالى.

     قلت: الغضب كذلك رافد لأبيات البراكين النارية. قال: هو من حرائق الصدر فهو داخل, والحزن كذلك نهرٌ رافد لدموع الأبيات البكائية. أما الطمع فلا تحفل بقريضه, كما قال عليه الصلاة والسلام فيما خرّجه مسلم: "إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التراب" خلا من كان مدحه بحق في سبيل إحقاق حق, أما المتكثّرة فلا كثرهم الله! ثم قال: أحقّاً ترى الغضب مفجِّراً لعيون القريض؟ قلت: يا صاحبي, أليستِ الحفيظة تهيج القريحة؟!

    وقد ذكروا أن رجلاً من بني عبس سابَّ عنترة بن شداد، فذكر سواده وسواد أمه وأخوته وعيَّره. فقال عنترة: والله إن الناس ليترافدون بالمطعم، فوالله لما حضرتَ مَرْفَدَ الناس لا أنت ولا أبوك ولا جدك قط. وإن الناس ليُدعون إلى الفزع فما رأيناك في خيل قط, ولا كنت إلا في أوائل النساء. وإن اللبس _يعني الاختلاط_ ليكون بيننا فما حضرت أنت ولا أحد من أهلك خطة فصل قط. وكنت فَقْعَاً بقرقر, ولو كنتُ في مرتبتك أو مغرسك الذي أنت فيه, ثم ماجدْتُكَ لمَجَدْتُكَ، أو طاولتك لطُلتُكَ، ولو سألتَ أمَّك وأباك هذا لأخبراك. وإني لأحضرُ الوغى، وأوفي المغنم، وأعفُّ عند المسألة، وأجود بما ملكت، وأفصل الخطة الصمعاء. فقال له الآخر: أنا أشعرُ منك، فقال له: ستعلم. وكان عنترة لا يقول من الشعر إلا البيت والبيتين في الحرب فقال قصيدته المعلقة: هل غادر الشعراء من متردم. وزعموا أنها أول قصيدة قالها، والعرب تسميها المُذَهَّبَة.

     وهنالك أمثلة مشابهة, وبخاصة مع الشعراء السودان كالشّنفرى _ومعناه غليظ الشفه_, وتأبط شراً, والسّليك, فهم أبناء حبشيات نبذهم آباؤهم فتصعلكوا, ولهم مقطوعات رائقة, وهم من أغربة العرب.

    ودخل العجّاج على عبد الملك بن مروان فقال له: يا عجاج، بلغني أنك لا تقدر على الهجاء، فقال: يا أمير المؤمنين، من قدر على تشييد الأبنية أمكنه تقويض الأخبية. قال: فما يمنعك منه؟ قال: إن لنا عزاً يمنعنا من أن نظلم، وإن لنا حلماً يردعنا عن أن نهضم، فعلام الهجاء؟ قال: لكلامك أشعر من شعرك!

    وهل اقتدح معلقتي الحارث بن حلّزة وعمرو بن كلثوم إلا الغَضَبُ؟! وهل شعرُ الحماسة إلا شعر الغضب؟! أما الهجاء فهو نهر الغضب الطامي. وفيه من مداخل الشيطان ما فيه, وما تسابَّ اثنان إلا غَلَبَ الأَمَهُمَا, والهاجي لسانه مقراض الأعراض, ولا يأكل خبزه إلا بلحوم الناس! وكم فيه من لفظة ثقيلة لو أُلقيت في البحر لكدَّرَتْه!

      فقال صاحبي: أعوذ بالله من غضبٍ لغير الله, فدعنا الآن من فوران شرايين الغِضاب وارحل بي لرياض المحبين؛ فهل قلت في البدر شيئاً, قلت: نعم, وهل من سكّة أديبٍ ليس فيها نقشُ بدر! وما أنا معك إلا كمستبضعِ التمر إلى هجر, ومهدي الفصاحة إلى أهل الوبر! وعلى كلٍّ فقد قلت قديماً:

ألا أيها البدرُ الجميلُ أَسَرْتَني   ...   أسراً لذيذاً والصحاري تشهدُ

كم ليلةٍ عِفْتُ السُّهادَ لعلَّني   ...   أخلو إليك وقد جفاني المرقدُ

أجمِلْ بمن صاغَ الضياءَ لآلئاً   ...   وتناثرتْ أَلماسُهُ والعسجدُ

يتسامرُ الأحبابُ تحتَ سنائهِ   ...   هذا الضياءُ وذا الكثيبُ الأمردُ

عجبي لمن خَلَبَ الفؤادَ بحسْنِهِ  ...   والحُسنُ يا بدر الدُّجى يَتَجَدَّدُ

قد سُمِّيَتْ بِيْضاً لياليكَ العِذَى   ...   في ساحِكم لا لن يَدومُ الأسودُ

لكنمّا القمراءُ منها بضعةً   ...   ما أروع اللائي من اسمك تُشْدَدُ

لا أشتهي ليلاً خلا منه الوفي  ...  ما أوحَشَ اللائي عن اسمك تُفردُ

كم شاعرٍ كم ناثر كم عاشقٍ   ...   كم عابدٍ في طول ليلك يسجدُ

كم من همومٍ أحرقت كبدي التي  ...  كادت لحرٍّ في الجوى تتخدّدُ

همٌّ يمضُ الرُّوحَ من طول المدى   ...   بجوانحي لكنني أتجلَّدُ

أوّاه دمعي لا تبُحْ سِرِّي الذي  ...   أكننته قلباً حزيناً يكمدُ

لكنَّما اللوعاتُ حينَ أوارها  ...   تجثوا على القلبِ القويِّ فيهمَدُ

تتهشّمُ الأضلاعُ من رجع الصَّدى   ...   من أنَّةٍ مكلومةٍ تتردَّدُ

يا مُقلتي ما عُدتُ أقوى صابراً   ...   جودي ببحرٍ زاخرٍ يتجدَّدُ

بحرٌ خِضمٌّ سُخِّنَتْ أمواجهُ   ...   من نار كبدي والضلوعُ تُقَدَّدُ

يا لائمي زِدْتَ الجروح بمُهجتي   ...   أُرفق بمن فيه الهُمومُ تُجَسَّدُ

ظن الرَّفيق وقد رآني ضاحكاً   ...   أن السرور بخافقي يتوقَّدُ

أَوَمَا دَرَى المسرورُ أن بمُهْجَتِي  ...   همٌّ ثقيلٌ جاثمٌ يتمدَّدُ

قد قُلتُ ذلك والمُنيرُ بدربِهِ   ...   ليلٌ طويلٌ والدُّجى يتمدَّدُ

   قال: في كل وادٍ بنو سعد, فزدني من هنيهاتك. فقلت وقد حَمِيَتْ أشجاني:

تصيحُ القوافيَ قُمْ واقتَحِمْ   ...   وما بيْ طِلابٌ وما بيْ شِبَمْ

فأوقدتِ الشيبَ في مفرِقي   ...   وأجبرتِ الكفَّ جَرّ القلمْ

ملَلْتُ البَقاءَ وذا العيشُ همْ   ...   لمَّا رأيتُ سُقوطَ القِمَمْ

فتِلْكَ  الصِّلادُ إذا ما استحالَتْ   ...   تراباً بِطَرْفَةِ عينٍ فثمّْ

إذا قُدوةُ القومِ أمسى لئيماً   ...   وباعَ بأخراهُ دُنياً أذمّْ

فكبِّرْ وسلِّمْ على أُمَّتِي   ...   فقبلَ الوفاةِ يكونُ السَّقَمْ

وعُذْراً أُخَيَّ فما مقصدِي   ...  من القولِ هذا كبارَ الهِمَمْ

ففي كلِّ قرنٍ يذودُ عن الدِّينِ   ...  فَرداً وجمعاً إلى أن يتمْ

أقولُ وقولوا معي يا أُبَاةُ   ...   بصوتٍ يطولُ أعالي القمَمْ

إذا الدِّينُ أضحى يُنادي رجالاً   ...   فلا خير فينا إذا لم نَقُمْ

ولا خير فيمن يصيحُ به الدينُ   ...   صيحةَ غوثٍ فلم ينتقِمْ

   فقام صاحبي يردِّد البيتين الأخيرين, وهو يَمْلَحُ سمكاته الباقية, ويصفّها فوق صندوقه, ثم قال: أجمِلْ بعذب القريض إذا وافق عَطَشَ الهِيم!

    ثم رمى إلى وسادةً وقماشاً من نوع الرّوز, فكان فراشاً ولحافاً, وصار القاربُ كسريرِ الرضيع تُهَدْهِدُهُ خفقاتُ البحر ..ونام السمير والمسامر.

    وخيّل إلي أن صاحبي كان يُتمتِمُ مترنِّماً مستعبراً, وهي بحق تستحق الوقوف عندها "وقوف شحيح غاب في الترب خاتَمُه":

كأنَّكَ بالمضيِّ إلى سبيلكْ ... وقد جدّ المجهِّزُ في رحيلكْ

وجِيء بغاسلٍ فاستعجلوه ... بقولهمُ له أفرغ من غسيلِكْ

ولم تحمل سوى كفنٍ وقطنٍ ... إليهم من كثيرك أو قليلكْ

وقد مدَّ الرجال إليك نعشاً ... فأنت عليه ممدودٌ بطولكْ

وصلَّوا ثمّ إنهمُ تداعَوا ... لحملك من بكورك أو أصيلكْ

فلما أسلموك نزلت قبراً ... ومن لك بالسلامة في نزولكْ

أعانك يوم تدخله رحيمٌ ... رؤوفٌ بالعباد على دخولكْ

فسوف تجاور الموتى طويلا ... فذرني من قصيرك أو طويلكْ

أخي لقد نصحتك فاسمع لي ... وبالله استعنت على قبولكْ

ألست ترى المنايا كل حين ... تصيبك في أخيك وفي خليلك

إبراهيم الدميجي

aldumaiji@gmail.com